الجزائر: حديث عن «تعديل دستوري فني» يثير جدلاً وحيرةً بين السياسيين

مجلس الوزراء يصادق على قانون الأحزاب الجديد بعد الأخذ بمقترحات التشكيلات السياسية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع مع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع مع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)
TT

الجزائر: حديث عن «تعديل دستوري فني» يثير جدلاً وحيرةً بين السياسيين

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع مع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع مع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)

فاجأ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الأوساط السياسية بإعلانه تأجيل دراسة «تعديل دستوري فني»، وذلك بعد ساعات قليلة من تأكيد الرئاسة أن الموضوع مطروح للدراسة والمصادقة في مجلس الوزراء؛ وسط تخمينات بأن هذا التعديل قد يمسّ القواعد المنظمة للولايات الرئاسية التي يحددها الدستور الحالي بعهدتين فقط.

وأفاد بيان لمجلس الوزراء، مساء الأحد، بأن الرئيس «أمر بتأجيل التعديل الفني للدستور من أجل الدراسة، تعزيزاً للمكسب الديمقراطي الانتخابي الذي تمثله السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، وهي الجهاز الإداري والفني الذي يعهد له الدستور بتنظيم العملية الانتخابية بالكامل، بينما كانت قبل انتخابات الرئاسية التي جرت في 2019 من صلاحيات وزارة الداخلية.

وكان بيان للرئاسة قد أكد قبل ذلك ببضع ساعات أن الرئيس سيبحث في اجتماعه بحكومته «مشروع قانون يتضمن تعديلاً دستورياً فنياً، ومشروعي قانونين عضويين يتعلقان بنظام الانتخابات والأحزاب السياسية، بالإضافة إلى عرض يخص تعويض تكاليف النقل في المجال الاقتصادي».

وأدخل حديث الرئاسة عن «تعديل دستوري فني» العديد من المراقبين والناشطين السياسيين في حيرة، عكستها حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي. ففي كل التغييرات التي شهدها دستور البلاد، جرى استعمال كلمة «تعديل» فقط، دون «فني».

لماذا كلمة «فني»؟

يقول خبير القانون والمحامي المعروف عبد الله هبول، الذي اشتغل قاضياً في سنوات سابقة، إن أي دستور هو وثيقة سياسية «وأي لمسة تُدخل عليه هي فعل سياسي بالضرورة وليس فنياً».

وذهبت قراءات أخرى إلى الربط بين هذا التعديل و«طموح مفترض» لتمديد العهدة الرئاسية لما بعد عام 2029، رغم خلوّ خطاب الرئيس العلني من أي إشارة بهذا المعنى.

ويستند أصحاب هذا الطرح إلى سابقة وقعت عام 2008، حين ألغى الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة القيد الدستوري على عدد الولايات عبر تصويت البرلمان، مما مهد الطريق لترشحه لولاية ثالثة في انتخابات 2009.

لكن بوتفليقة عاد وأغلق الترشح للرئاسة بولايتين في تعديل للدستور عام 2016، في خطوة أثارت استغراب قطاع واسع من الجزائريين.

ولما عدَّل الرئيس الحالي تبون الدستور في 2020، أبقى على هذا القيد، حيث تذكر المادة 88 منه: «مدة العهدة الرئاسية 5 سنوات... لا يمكن لأي شخص ممارسة أكثر من عهدتين متتاليتين أو منفصلتين، وتُعدّ العهدة كاملة في حالة انقطاعها مهما كان السبب». غير أن الدستور ينص، في موضع آخر، على أن لرئيس الجمهورية «حق المبادرة بتعديل الدستور»، حيث يعرض التعديل على الاستفتاء الشعبي بعد التصويت عليه في البرلمان.

جولة حوار الرئاسة الجزائرية مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)

وبخصوص «التعديل الدستوري الفني» المؤجل، أفاد سياسيون مؤيدون لسياسات الرئيس بأن «الأمر قد يتعلق بتغيير تواريخ إجراء الانتخابات أو بتمديد أو تقصير بعض الآجال القانونية، أو باستعادة وزارة الداخلية بعض الصلاحيات التي أخذتها سلطة تنظيم الانتخابات».

وحسبهم، قد يشمل التعديل الدستوري المتوقع إعادة توزيع بعض الصلاحيات الإجرائية، كتنظيم كيفية المصادقة على القوانين أو ضبط العلاقة الإجرائية بين غرفتي البرلمان، من دون المساس بطبيعة النظام السياسي أو جوهره.

وفي تقدير وزير سابق تحدثت معه «الشرق الأوسط» وطلب عدم نشر اسمه: «يُستعمل وصف التعديل الفني لإيصال رسالة طمأنة مفادها أنه لن يمس الثوابت الوطنية مثل اللغة والدين والعلم، ولن يطول المبادئ الديمقراطية الجوهرية، ويُقدم الهدف من هذا التعديل على أنه تحيين لبعض النصوص الدستورية لتتلاءم مع متطلبات المرحلة الجديدة أو لتسهيل سير عمل مؤسسات الدولة».

غير أن هذا التوجه لا يبدد المخاوف خصوصاً لدى قوى المعارضة؛ حيث يُخشى أن يتحول التوصيف «الفني» إلى وسيلة لمنح السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع، مما قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة توازنات القوى داخل بنية النظام.

قانون الأحزاب

في شأن متصل بالحياة السياسية، صادق مجلس الوزراء في الاجتماع نفسه على مشروع قانون متعلق بالأحزاب السياسية، لافتاً في بيانه إلى أن ذلك تم «بعد الموافقة على التعديلات المقترحة التي طلبتها الأحزاب السياسية».

أعضاء الحكومة الجزائرية خلال المصادقة على قانون الأحزاب الجديد (الرئاسة)

كانت الرئاسة قد تسلمت في الأشهر الأخيرة تعديلات على مشروع الحكومة الخاص بقانون الأحزاب السياسية أعدتها قوى المعارضة و«الموالاة»، تناولت في معظمها تخفيف القيود الإدارية وتعزيز ضمانات حرية العمل الحزبي. كما شملت تقليص صلاحيات وزارة الداخلية في الترخيص لتأسيس الأحزاب، وتوضيح أحكام منع «الترحال السياسي»، أي تنقل القياديين من حزب لآخر، وتخفيف شرط حل الحزب في حال عدم المشاركة في انتخابين متتاليين.

واجتمع الرئيس بغالبية الأحزاب، العام الماضي، حيث عرض عليها بعض «قوانين الإصلاح»، وسمع من قادتها تحفظات حول «التجاوزات» في مجال الحقوق النقابية والسياسية وحرية الصحافة.

ومن أهم ما شملته التحفظات ما ينص عليه القانون حول حل الحزب السياسي في حال عدم تقديمه مترشحين في انتخابين متتاليين، في خطوة تهدف إلى حل الأحزاب غير النشطة أو الشكلية، وإلزام التشكيلات السياسية بالمشاركة الفعلية في الحياة العامة.


مقالات ذات صلة

الجيل الجديد يقود طموحات الجزائر في المونديال

رياضة عربية منتخب الجزائر يستعد للمونديال بتشكيلة شابة (منتخب الجزائر)

الجيل الجديد يقود طموحات الجزائر في المونديال

يمرُّ المنتخب الجزائري بمرحلة انتقالية واعدة، يقودها جيل جديد من اللاعبين الشبان الذين يجمعون بين الموهبة والخبرة والسن المثالي، للتألق في البطولات الكبرى.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا اجتماع الإعلان عن التغيير في قيادة الأمن الداخلي بإشراف الوزير المنتدب للدفاع (وزارة الدفاع)

الجزائر: إقالة «الجنرال حسان» تفتتح مرحلة «إعادة التموضع» ومواجهة التحديات الإقليمية

أشرف الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش، على التنصيب الرسمي للواء منير زاهي مديراً عاماً للأمن الداخلي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

صدور قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» للجزائر في الجريدة الرسمية

صدر في الجريدة الرسمية للدولة الجزائرية قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر منذ 14 يونيو 1830 حتى الخامس من يونيو 1962، وآثاره المباشرة وغير المباشرة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع أشرف على التمرين التكتيكي (وزارة الدفاع)

الجيش الجزائري ينفّذ تمريناً بالذخيرة الحية يحاكي الواقع

نفَّذ الجيش الجزائري، الخميس، تمريناً تكتيكياً بالذخيرة الحية نفَّذته وحدات اللواء السابع المدرع، مدعمة بوحدات من القوات الجوية والدفاع الجوي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رجال أعمال في السجن بتهم فساد (الشرق الأوسط)

ملف «الأموال المنهوبة» يتصدر جهود الانفراجة بين الجزائر وفرنسا

في وقت تسعى فيه الدبلوماسية إلى تجاوز الخلافات بين الجزائر وباريس يفرض ملف «الأموال والممتلكات المنهوبة» نفسه بصفته بنداً محورياً بالمحادثات بين البلدين

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

توترات «المنفذ البحري» بين مصر وإثيوبيا... ماذا تعني لملف «سد النهضة»؟

سد النهضة الإثيوبيي (رويترز)
سد النهضة الإثيوبيي (رويترز)
TT

توترات «المنفذ البحري» بين مصر وإثيوبيا... ماذا تعني لملف «سد النهضة»؟

سد النهضة الإثيوبيي (رويترز)
سد النهضة الإثيوبيي (رويترز)

وسط تحركات أميركية لرأب الصدع بين القاهرة وأديس أبابا في أزمة «سد النهضة»، خرجت إثيوبيا بانتقادات علنية لمصر بشأن علاقاتها مع دول الجوار، كإريتريا، وعرقلة وصولها إلى البحر الأحمر.

الانتقادات الإثيوبية جاءت بعد إعلان وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، في أسمرة رفض وصول الدول غير المشاطئة إلى البحر الأحمر، ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه رغم اختلاف المسارين فإن تلك التوترات قد تؤثر على ملف «سد النهضة»، وقد تتشدد أديس أبابا في مواقفها ضد القاهرة وتتسع الفجوة بين الطرفين.

بينما أكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «موقف مصر الرافض دخول أي دول غير متشاطئة على البحر الأحمر لا يرتبط بملف (سد النهضة)، وكل ملف مختص بذاته ولن تقبل القاهرة أي مساومات فيهما أو ربط هذا بذاك».

انتقادات إثيوبية

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، قال خلال مؤتمر صحافي، الخميس، إن الحكومة المصرية تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

وخلال زيارته لأسمرة في 17 مايو (أيار) الحالي، التقى وزير الخارجية المصري وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدد الجانبان على أن أمن البحر الأحمر وإدارته «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له».

تلك المواقف المتبادلة بين أديس أبابا ومصر بشأن البحر الأحمر تأتي وسط حراك أميركي للبحث عن حل لأزمة «سد النهضة».

وأفادت «الخارجية المصرية»، في بيان صحافي يوم 18 مايو، بأن عبد العاطي بحث خلال اتصاله مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس قضية السد الإثيوبي والأمن المائي المصري، مؤكداً «الرفض الكامل لأي إجراءات أحادية، وأن قضية المياه تُعدّ قضية وجودية لمصر»، وسبق ذلك بشهر زيارة بولس للقاهرة التي تناولت محادثات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن «سد النهضة» أيضاً.

السيسي يستقبل مسعد بولس كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة الأميركية للشؤون العربية والأفريقية في 20 أبريل الماضي (الرئاسة المصرية)

ويؤكد السفير رخا أحمد حسن أن الانتقادات الإثيوبية الأخيرة لمصر محاولةٌ لاختلاق أزمة تبرر عدم الاستجابة للوساطة الأميركية بشأن ملف «سد النهضة».

ويؤكد المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم، أنه «لن يتم ربط الملفين أحدهما بالآخر كنوع من المساومة؛ لأن كل ملف منفصل بذاته، وأن إثيوبيا ترى أن التحركات المصرية محاولة تحجيم الدور الإثيوبي في المنطقة على الرغم من أهميته في القرن الأفريقي».

وأضاف أن «الخلافات تطورت أكثر من سابقتها في ملف (سد النهضة)؛ فالحراك الذي يحدث الآن سيوسع الفجوة وقد ينتقل لأروقة أخرى في ظل التحالفات التي قامت بها القاهرة مع دول جوار إثيوبيا التي لها خلاف كبير مع أديس أبابا مثل أسمرة وغيرها؛ وهو ما سيكون له آثار مستقبلية في أي عملية تفاوض كان من الممكن أن تعيد الأمل لحل الخلاف في ملف (سد النهضة)».

مساران متوازيان

وكانت مصر قد أعلنت توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد عام 2024 بعد جولات استمرت سنوات، مُرجعةً ذلك إلى «غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، حسب بيانات سابقة لوزارة الموارد المائية.

وأوائل هذا الشهر، كشف مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» عن محاولات لإحياء «وثيقة واشنطن» التي وقَّعت عليها القاهرة في فبراير (شباط) 2020 ورفضتها أديس أبابا، لكن بصيغة معدَّلة لإيجاد توافق واسع عليها.

كبير مستشاري ترمب خلال لقاء مع الوفد الإثيوبي برئاسة وزير الخارجية منتصف الشهر الحالي (صحفة مسعد بولس عبر منصة إكس)

ويرى مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، أن إثيوبيا عادةً ليس لديها استعداد لحل أزمة «سد النهضة» منذ أكثر من عقد، وأي ربط للملفين يُصعّب الوصول إلى اتفاق، خاصة وأن ملفي البحر الأحمر والسد منفصلان عند مصر، مشيراً إلى أنه يتشكك في جدية الإدارة الأميركية بشأن الضغط على أديس أبابا، خاصة وأنها لم تعلن خطة واضحة ولا نوايا لاجتماع قريب.

ويرى المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم، أن الكثير من الجهات والقوى الدولية فشلت في إنهاء الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا، لكن «واشنطن قد تنجح في مساعيها للوصول في تفاهمات بشأن ملفي السد والبحر الأحمر في حال استخدمت أسلوب العصا والجزرة على الدولتين مقابل بعض التسهيلات والمزايا».


مصر تُصعّد ضد حسابات «إخوانية»... ما دلالات التوقيت؟

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

مصر تُصعّد ضد حسابات «إخوانية»... ما دلالات التوقيت؟

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

اتخذت السلطات المصرية إجراءات تصعيدية ضد حسابات «سوشيالية» أغلبها لأشخاص موالين لجماعة «الإخوان المسلمين»، التي تحظرها الحكومة، بسبب «التحريض ضد الدولة»، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن «دلالات التوقيت».

وحسب خبراء فإن «الإجراء يأتي في توقيت زاد فيه التحريض الرقمي على منصات التواصل». وتوقعوا «خطوات أخرى ضد الجماعة والموالين لها والمحرضين ضد الدولة».

وأصدرت النيابة العامة، مساء الخميس، «قراراً بحجب حسابات عدد من صانعي المحتوى على كل منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، وإكس، وانستغرام، وتيك توك، وتلغرام)، وذلك لتحقيق إجراءات تنظيم المحتوى الرقمي والتعامل مع المخالفات القانونية».

وضمت قائمة أسماء الحسابات المطلوب غلقها على منصات التواصل ومنع الوصول إليها داخل مصر كلاً من: يحيى إبراهيم موسى (أحد مؤسسي حركة «حسم» الإرهابية)، وإعلاميين بينهم سامي كمال الدين، وهيثم أبو خليل، وأسامة جاويش، وهشام صبري، ومحمد ناصر، وعبد الله الشريف.

وتعود آخر العمليات المنسوبة لحركة «حسم» إلى عام 2019، حين اتهمتها السلطات بـ«التورط في تفجير سيارة بمحيط (معهد الأورام) في القاهرة، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً وإصابة العشرات».

كما نُسب إليها «محاولة استهداف مفتي مصر الأسبق، علي جمعة، والنائب العام المساعد، إلى جانب اغتيال رئيس مباحث طامية بمحافظة الفيوم في 2016، وهو العام الذي شهد إعلان الحركة عن نفسها رسمياً».

وأكدت «النيابة» في إفادتها أن «تنفيذ قرارات الحجب يأتي بالتنسيق مع الشركات المالكة للمنصات الرقمية، وذلك وفقاً للإجراءات القانونية المنظمة في إطار متابعة المحتوى المنشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية تجاه الحسابات التي يثبت مخالفتها للضوابط والقوانين المعمول بها».

مقر النائب العام المصري (الصفحة الرسمية لمكتب النائب العام على «فيسبوك»)

الخبير الأمني، اللواء فاروق المقرحي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحجب إجراء أمني يواجه التحريض الرقمي ويطوقه»، مؤكداً أن «(الإخوان) ومن يواليها لن يتوقفوا عن بث الشائعات»، وكما «تم مواجهة الجماعة بنجاح أمنياً وقضائياً سيتم تطويق عناصرها رقمياً أيضاً، وهذا حق الدولة»، لافتاً إلى أن توقيت الحجب بسبب زيادة التحريض الرقمي.

ويوضح الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية، هشام النجار، لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة تؤسس بهذا القرار لاستقرار المجتمع وحماية المواطنين من أي مصادر لبث الشائعات»، مؤكداً أن التحريض الرقمي حالياً من تلك العناصر كان كبيراً، وبالتالي يجب أن تتحرك الدولة وتتخذ ضدهم قرار الحجب، لافتاً إلى أن وتيرة التحريض زادت خلال الأشهر الأخيرة عبر ما تبثه حركة موالية يترأسها يحيى موسى عبر منصات التواصل.

القرار المصري يأتي بعد نحو 3 أسابيع من مواجهة جماعة «الإخوان» تضييقاً أميركياً جديداً، بعد أن ربطت واشنطن بينها وبين تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة» و«داعش»، إذ وصفتها بأنها «أصل الإرهاب الحديث».

وتحدثت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، مؤخراً عن استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب، ركَّزت في جوهرها على جماعة «الإخوان» بوصفها المنبع الفكري لـ«الإرهاب الجهادي» الحديث.

ووفق قرار النيابة العامة، مساء الخميس، فإن قرار الحجب جاء عقب الاطلاع على المحاضر المحررة من قِبَل «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات»، ورصد هذه الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث «ثبت استخدام هذه الحسابات في نشر محتوى مسيء لمؤسسات الدولة المصرية وبث خطابات تحريضية تثير الفتنة والكراهية بين أطياف الشعب، وإذاعة معلومات مغلوطة، متجاوزين بذلك حدود الرأي والتعبير التي تبيحها تلك المنصات».

مرشد «الإخوان» محمد بديع في إحدى جلسات محاكمته (أ.ب)

ويقبع معظم قيادات «الإخوان»، وفي مقدمتهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا «عنف وقتل» وقعت في مصر بعد رحيل «الإخوان» عن السلطة في عام 2013، فيما تقيم عناصر أخرى خارج البلاد.

ويرى المقرحي «أهمية أن تستمر الإجراءات الدولية والمصرية أيضاً لمواجهة (الإخوان) وعناصرها»، متوقعاً «خطوات أخرى ضد الجماعة والموالين لها والمحرضين ضد الدولة».

كما يرى النجار أن تلك الإجراءات المتواصلة لها دور مهم في تطويق التحريض والإرهاب الرقمي، وتنضم إلى تحركات مصر والعالم في تضييق الخناق على تحركات الجماعة.

في سياق ذلك، حذر الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية، أحمد بان، «من إمكانية أن تتحايل تلك الحسابات على الحجب بتقنيات حديثة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الإخوان» لم يعد لهم إلا «الساحة الإلكترونية» ويجب أن تكون هناك سردية مضادة متماسكة تُقدم الحقائق وترفع وعي المواطنين بهذه الشائعات، ومن ثم إفشال أفكار تلك الجماعات وأنصارها.


بعد محاكمة الهيشري... «الجنائية الدولية» تُعيد للواجهة ملف الانتهاكات بليبيا

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
TT

بعد محاكمة الهيشري... «الجنائية الدولية» تُعيد للواجهة ملف الانتهاكات بليبيا

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

سلّطت قضية الليبي خالد الهيشري، الماثل أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة «ارتكاب جرائم حرب واغتصاب واستعباد»، الضوء على ملف الانتهاكات في البلاد، وسط دعوات بضرورة محاسبة المتورطين كافة في عمليات تعذيب وقتل، منذ الانفلات الأمني الذي ساد ليبيا منذ عام 2011.

وانتهت المحكمة الدولية، الخميس، من جلسات «تأكيد التهم» في قضية المدعي العام ضد الهيشري (47 عاماً)، أحد المسؤولين الكبار عن سجن معيتيقة بطرابلس، فيما تبدأ الدائرة التمهيدية الأولى مداولاتها تمهيداً لإصدار قرارها خلال 60 يوماً.

وزيرة العدل في حكومة الدبيبة حليمة إبراهيم (المكتب الإعلامي للوزارة)

وقال المدعون إن الهيشري «اعتدى على سجينات، وعذبهن واغتصبهن في إطار نمط من التعذيب الجنسي»، وطلبوا من القضاة تأكيد 17 تهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب؛ منها القتل والاغتصاب والاضطهاد والاستعباد، خلال الفترة الممتدة من فبراير (شباط) 2015 حتى أوائل 2020.

ومنذ اعتقال الهيشري في يوليو (تموز) 2025 خلال وجوده بألمانيا، اعتبر حقوقيون ونشطاء ليبيون هذا الإجراء «خطوة إيجابية» للحد من الانتهاكات، التي ترتكبها تشكيلات مسلحة بحق محتجزين ومهاجرين غير نظاميين.

وسبق أن صرح الحاسي، الإعلامي الليبي، عقب توقيف الهيشري، بأن «جلادي السجون الليبية يواجهون أسوأ كوابيسهم، حيث صاروا اليوم يُسحبون مثل الفئران المذعورة من بوابات المطارات الأوروبية دون أي حصانة، ولا أرتال ولا ميليشيات تحميهم».

ومعيتيقة سجن كبير كانت تديره بشكل كامل ميليشيا «جهاز الردع»، بقيادة عبد الرؤوف كارة، ذي التوجه السلفي. وذكر المدعون العامون أن الهيشري، الذي كان يشرف أيضاً على جناح النساء في السجن «سيئ السمعة»، عرف عنه بأنه كان يعذب بلا رحمة، مما دفع المعتقلين إلى تلقيبه بـ«عزارئيل».

وقال رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، الدكتور عبد المنعم الحُر، إن قضية الهيشري تضع المحكمة الدولية «أمام تحديات قانونية، تتطلب دقة متناهية لضمان عدالة الإجراءات»، مشدداً على «ضرورة أن تستند التهم الموجهة إلى معايير واضحة في القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، بعيداً عن التسييس، مع مراعاة (مبدأ التكامل) الذي يعطي الأولوية للقضاء الوطني، إذا كان قادراً وراغباً في الملاحقة».

محاسبة باقي «المتورطين»

عبّر الحُر، الذي حضر جلسة «تأكيد التهم» الموجهة للهيشري بالمحكمة في لاهاي، عن رفضه «أي محاولة لاختزال النزاع في قضية فردية؛ فالمطالبة بالعدالة للهيشري يجب أن تكون فاتحة لمسار شامل، يحاسب كل المتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، دون استثناء».

أسامة نجيم الرئيس السابق لجهاز الشرطة القضائية في غرب ليبيا (حسابات موثوقة على وسائل التواصل)

وسبق أن أعلن كريم خان، المدعي العام لـ«الجنائية الدولية»، عن قائمة تضم كثيراً من المطلوبين للمحكمة بتهم «التعذيب والقتل». فيما لا تزال 8 أوامر قبض سارية المفعول، بانتظار تنفيذها ضد كل من أسامة نجيم، آمر جهاز الشرطة القضائية السابق في ليبيا، بالإضافة إلى عبد الرحيم الشقاقي، ومخلوف ارحومة دومة، وناصر مفتاح ضو، ومحمد الصالحين سالمي، وعبد الباري عياد الشقاقي، وفتحي الزنكال، إلى جانب سيف الإسلام القذافي، الذي سقطت المطالبة به لوفاته.

وشدد الحر في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، على التمسك بـ«سيادة القانون الدولي، وعدم الإفلات من العقاب»، متحدثاً عن «إشكالية تكمن في مدى قدرة الادعاء على تقديم أدلة دامغة، تربط المسؤولية الجنائية الفردية للمتهم بالانتهاكات المنسوبة إليه، خصوصاً في ظل بيئة نزاع معقدة كالتي تشهدها ليبيا».

وكشفت وثائق المحكمة الجنائية أن الهيشري لم يقدم رداً رسمياً بعد على التهم المذكورة، لكنّ محاميه طلبوا من القضاة رفض التهم، وطعنوا في اختصاص المحكمة في نظر هذه القضية. وقال الحر: «ما يهمنا في المنظمة إنسانية القضية؛ فخلف كل تهمة حقوق مهضومة وضحايا ينتظرون الإنصاف منذ سنوات».

لذا دعا الحر المحكمة إلى «تفعيل مشاركة الضحايا في الإجراءات بشكل أوسع، وضمان وصول صوتهم إلى قاعة المحكمة، ليعبروا عن حجم معاناتهم وما تعرضوا له من انتهاكات جسيمة».

وتفاعل سياسيون ونشطاء ومنظمات حقوقية في ليبيا مع مثول الهيشري أمام «الجنائية الدولية»، وطالبوا بمحاسبة باقي «المتورطين» في قضايا تعذيب وقتل، مشيرين إلى أن «جرائم الميليشيات المرتكبة بحق سجناء ومواطنين ومهاجرين ستظل تطاردهم»، وأن المحكمة «ستظل سيفاً على رقاب من لم تطله يد العدالة في ليبيا».

وفد من المحكمة الجنائية الدولية يلتقي النائب العام في ليبيا نوفمبر 2024 (مكتب النائب العام)

وقال الحر إننا «نراقب من كثب مدى التزام المحكمة الجنائية بالحياد التام؛ وننتظر أن تكون هذه القضية لبنة حقيقية في بناء دولة القانون بليبيا، وليس مجرد إجراء شكلي في أروقة المحاكم الدولية»، مشدداً على «عدم الإفلات من العقاب».

واعتقلتت السلطات الإيطالية نجيم في يناير (كانون الثاني) 2025، بناءً على مذكرة اعتقال صادرة عن «الجنائية الدولية» لاتهامه بارتكاب «جرائم قتل وتعذيب واغتصاب معتقلين في ليبيا»، لكنها أطلقت سراحه وأعادته إلى طرابلس على متن طائرة حكومية.

وأثار إطلاق سراحه غضباً بين أحزاب المعارضة الإيطالية، وأدى إلى تحقيق قانوني مع رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، وعدد من مسؤولي الحكومة.

وبحسب رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، أحمد عبد الحكيم حمزة، الذي حضر الجلسات، فإن قضية الهيشري تدخل مرحلة المداولات السرية داخل الدائرة التمهيدية للمحكمة، وسيراجع القضاة الأدلة المقدمة من الادعاء، وردود ومرافعات فريق الدفاع وشهادات الضحايا والمذكرات المرتبطة بالقضية.

وقال حمزة: «مهما طال زمن الإفلات من العقاب، فلن يفلت مرتكبو انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا من المحاسبة والمساءلة عبر جميع الوسائل القانونية والقضائية والحقوقية المحلية والدولية؛ بما يكفل للضحايا حقوقهم في الوصول إلى العدالة والإنصاف».

وتنظر المحكمة الجنائية الدولية في مزاعم «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية» بليبيا، منذ أن أحال مجلس الأمن الدولي القضية إلى المحكمة في 2011.