الجزائر: حديث عن «تعديل دستوري فني» يثير جدلاً وحيرةً بين السياسيين

مجلس الوزراء يصادق على قانون الأحزاب الجديد بعد الأخذ بمقترحات التشكيلات السياسية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع مع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع مع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)
TT

الجزائر: حديث عن «تعديل دستوري فني» يثير جدلاً وحيرةً بين السياسيين

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع مع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع مع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)

فاجأ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الأوساط السياسية بإعلانه تأجيل دراسة «تعديل دستوري فني»، وذلك بعد ساعات قليلة من تأكيد الرئاسة أن الموضوع مطروح للدراسة والمصادقة في مجلس الوزراء؛ وسط تخمينات بأن هذا التعديل قد يمسّ القواعد المنظمة للولايات الرئاسية التي يحددها الدستور الحالي بعهدتين فقط.

وأفاد بيان لمجلس الوزراء، مساء الأحد، بأن الرئيس «أمر بتأجيل التعديل الفني للدستور من أجل الدراسة، تعزيزاً للمكسب الديمقراطي الانتخابي الذي تمثله السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، وهي الجهاز الإداري والفني الذي يعهد له الدستور بتنظيم العملية الانتخابية بالكامل، بينما كانت قبل انتخابات الرئاسية التي جرت في 2019 من صلاحيات وزارة الداخلية.

وكان بيان للرئاسة قد أكد قبل ذلك ببضع ساعات أن الرئيس سيبحث في اجتماعه بحكومته «مشروع قانون يتضمن تعديلاً دستورياً فنياً، ومشروعي قانونين عضويين يتعلقان بنظام الانتخابات والأحزاب السياسية، بالإضافة إلى عرض يخص تعويض تكاليف النقل في المجال الاقتصادي».

وأدخل حديث الرئاسة عن «تعديل دستوري فني» العديد من المراقبين والناشطين السياسيين في حيرة، عكستها حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي. ففي كل التغييرات التي شهدها دستور البلاد، جرى استعمال كلمة «تعديل» فقط، دون «فني».

لماذا كلمة «فني»؟

يقول خبير القانون والمحامي المعروف عبد الله هبول، الذي اشتغل قاضياً في سنوات سابقة، إن أي دستور هو وثيقة سياسية «وأي لمسة تُدخل عليه هي فعل سياسي بالضرورة وليس فنياً».

وذهبت قراءات أخرى إلى الربط بين هذا التعديل و«طموح مفترض» لتمديد العهدة الرئاسية لما بعد عام 2029، رغم خلوّ خطاب الرئيس العلني من أي إشارة بهذا المعنى.

ويستند أصحاب هذا الطرح إلى سابقة وقعت عام 2008، حين ألغى الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة القيد الدستوري على عدد الولايات عبر تصويت البرلمان، مما مهد الطريق لترشحه لولاية ثالثة في انتخابات 2009.

لكن بوتفليقة عاد وأغلق الترشح للرئاسة بولايتين في تعديل للدستور عام 2016، في خطوة أثارت استغراب قطاع واسع من الجزائريين.

ولما عدَّل الرئيس الحالي تبون الدستور في 2020، أبقى على هذا القيد، حيث تذكر المادة 88 منه: «مدة العهدة الرئاسية 5 سنوات... لا يمكن لأي شخص ممارسة أكثر من عهدتين متتاليتين أو منفصلتين، وتُعدّ العهدة كاملة في حالة انقطاعها مهما كان السبب». غير أن الدستور ينص، في موضع آخر، على أن لرئيس الجمهورية «حق المبادرة بتعديل الدستور»، حيث يعرض التعديل على الاستفتاء الشعبي بعد التصويت عليه في البرلمان.

جولة حوار الرئاسة الجزائرية مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)

وبخصوص «التعديل الدستوري الفني» المؤجل، أفاد سياسيون مؤيدون لسياسات الرئيس بأن «الأمر قد يتعلق بتغيير تواريخ إجراء الانتخابات أو بتمديد أو تقصير بعض الآجال القانونية، أو باستعادة وزارة الداخلية بعض الصلاحيات التي أخذتها سلطة تنظيم الانتخابات».

وحسبهم، قد يشمل التعديل الدستوري المتوقع إعادة توزيع بعض الصلاحيات الإجرائية، كتنظيم كيفية المصادقة على القوانين أو ضبط العلاقة الإجرائية بين غرفتي البرلمان، من دون المساس بطبيعة النظام السياسي أو جوهره.

وفي تقدير وزير سابق تحدثت معه «الشرق الأوسط» وطلب عدم نشر اسمه: «يُستعمل وصف التعديل الفني لإيصال رسالة طمأنة مفادها أنه لن يمس الثوابت الوطنية مثل اللغة والدين والعلم، ولن يطول المبادئ الديمقراطية الجوهرية، ويُقدم الهدف من هذا التعديل على أنه تحيين لبعض النصوص الدستورية لتتلاءم مع متطلبات المرحلة الجديدة أو لتسهيل سير عمل مؤسسات الدولة».

غير أن هذا التوجه لا يبدد المخاوف خصوصاً لدى قوى المعارضة؛ حيث يُخشى أن يتحول التوصيف «الفني» إلى وسيلة لمنح السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع، مما قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة توازنات القوى داخل بنية النظام.

قانون الأحزاب

في شأن متصل بالحياة السياسية، صادق مجلس الوزراء في الاجتماع نفسه على مشروع قانون متعلق بالأحزاب السياسية، لافتاً في بيانه إلى أن ذلك تم «بعد الموافقة على التعديلات المقترحة التي طلبتها الأحزاب السياسية».

أعضاء الحكومة الجزائرية خلال المصادقة على قانون الأحزاب الجديد (الرئاسة)

كانت الرئاسة قد تسلمت في الأشهر الأخيرة تعديلات على مشروع الحكومة الخاص بقانون الأحزاب السياسية أعدتها قوى المعارضة و«الموالاة»، تناولت في معظمها تخفيف القيود الإدارية وتعزيز ضمانات حرية العمل الحزبي. كما شملت تقليص صلاحيات وزارة الداخلية في الترخيص لتأسيس الأحزاب، وتوضيح أحكام منع «الترحال السياسي»، أي تنقل القياديين من حزب لآخر، وتخفيف شرط حل الحزب في حال عدم المشاركة في انتخابين متتاليين.

واجتمع الرئيس بغالبية الأحزاب، العام الماضي، حيث عرض عليها بعض «قوانين الإصلاح»، وسمع من قادتها تحفظات حول «التجاوزات» في مجال الحقوق النقابية والسياسية وحرية الصحافة.

ومن أهم ما شملته التحفظات ما ينص عليه القانون حول حل الحزب السياسي في حال عدم تقديمه مترشحين في انتخابين متتاليين، في خطوة تهدف إلى حل الأحزاب غير النشطة أو الشكلية، وإلزام التشكيلات السياسية بالمشاركة الفعلية في الحياة العامة.


مقالات ذات صلة

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

دخلت العلاقات الجزائرية - الفرنسية، المتوترة أصلاً، فصلاً جديداً من التأزيم والتصعيد، أمس (الجمعة)؛ بسبب تصريح إعلامي مثير.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من جلسة التصديق على تعديل قانون الانتخابات في الغرفة البرلمانية السفلى (البرلمان)

الجزائر تغلق منافذ السياسة في وجه «المال المشبوه»

بدأ أعضاء «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة العليا للبرلمان)، الخميس، مناقشة مشروع تعديل قانون الانتخابات، في خطوة تسبق استدعاء «الهيئة الناخبة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا توقيع اتفاقين بين الجزائر وبلجيكا أحدهما يخص ترحيل المهاجرين السريين (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر وبروكسل تطويان عقدين من التعثر باتفاقية «تاريخية»

شهدت العلاقات الجزائرية-البلجيكية تحولاً استراتيجياً بارزاً بتوقيع اتفاقيتين جديدتين في بروكسل، يتصدرهما اتفاق مهم لإعادة قبول المهاجرين في وضعية غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية التعادل السلبي خيّم على مواجهة المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني (أ.ب)

«ملحق المونديال»: التعادل السلبي يخيم على مواجهة الجزائر وأوروغواي

خيّم التعادل السلبي على المواجهة الودية القوية التي جمعت بين المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني مساء الثلاثاء في تورينو.

«الشرق الأوسط» (تورينو)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل تفاقم التوترات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

بعد عام من التعليق... الجزائر تستأنف استقبال المبعدين من فرنسا

شرعت الجزائر وباريس في فك عقدة أحد أبرز الملفات الخلافية العالقة منذ عام ونصف، وذلك رغم ظهور بوادر تصعيد جديدة مرتبطة بـ«قضية اليوتيوبر المعارض أمير دي زد».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

فرص تنافسية «محدودة» في مقترح نظام انتخابات المحليات المرتقبة بمصر

إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)
إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

فرص تنافسية «محدودة» في مقترح نظام انتخابات المحليات المرتقبة بمصر

إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)
إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)

تبدأ لجان مجلس النواب المصري، الاثنين، مناقشة مشروع قانون انتخابات المجالس المحلية، التي يُرتقب إجراؤها بعد غياب دام 18 عاماً، في ظل اتهامات لمشروع القانون المقدم من الحكومة، باعتماد نظام يخلق تنافسية سياسية «محدودة».

وتقضي بنود المشروع، التي تداولتها وسائل إعلام محلية، باعتماد نظام انتخابي مختلط يخصص 75 في المائة من مقاعد المجالس المحلية لنظام «القوائم المغلقة المطلقة»، مقابل 25 في المائة لنظام الانتخاب «الفردي». ويدافع مؤيدو هذا التوجه عن جدواه، معتبرين أنه يحقق «تمثيلاً أكثر توازناً»، في ضوء اختلاف طبيعة البيئة الانتخابية بين الانتخابات البرلمانية والمحلية.

في المقابل، أثار المشروع مخاوف لدى عدد من السياسيين من احتمال هيمنة الأحزاب الكبرى على نتائج الانتخابات عبر نظام القوائم، خصوصاً في ضوء التجربة البرلمانية الأخيرة، التي خُصص فيها 50 في المائة من المقاعد لنظام القوائم، وأسفرت عن سيطرة الأحزاب الكبرى الموالية للحكومة، بينها «مستقبل وطن» و«الجبهة الوطنية» و«حماة الوطن»، على التمثيل داخل مجلسي النواب والشيوخ.

يقول مدحت الزاهد، القيادي في «الحركة المدنية» المعارضة، ورئيس حزب «التحالف الشعبي»، إن حزبه سبق أن تقدم بمشروع قانون خلال دورة برلمانية سابقة لمعالجة مخاوف هيمنة الأحزاب الكبرى، عبر تبني نظام انتخابي مزدوج يجمع بين القائمة النسبية وإتاحة الفرصة للمستقلين.

وذهب الزاهد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى اقتراح بديل آخر، وهو «الاستعانة بالنظام الفردي»، مؤكداً «رفض حزبه لما يتم تداوله بشأن مشروع القانون الحالي باعتباره لا يحقق التوازن المطلوب في التمثيل، ولا يضمن تكافؤ الفرص بين القوى السياسية والمستقلين».

وزيرة التنمية المحلية المصرية الدكتورة منال عوض ميخائيل في لقاء مع رئيس لجنة المحليات في مجلس النواب المصري محمود شعراوي في مارس الماضي (مجلس الوزراء المصري)

«التنافسية المحدودة» حال تطبيق هذا المقترح، حذر منها كذلك الدكتور عمرو هاشم ربيع، عضو «مجلس أمناء الحوار الوطني» السابق، ونائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «المقترحات المطروحة داخل البرلمان قد تفتح المجال أمام الأحزاب الكبرى للهيمنة على أغلبية المقاعد».

وأوضح ربيع: «هذا الطرح يعيد إنتاج الإشكاليات التي ظهرت في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ حين منح نظام القوائم نسبة 50 في المائة، ما منح الأفضلية للقوى الأكبر تنظيماً وتمويلاً». وأضاف: «توسيع هذه النسبة إلى 75 في المائة في الانتخابات المحلية قد يؤدي إلى نتائج أكثر اتساعاً من حيث تركّز النفوذ السياسي»، محذراً من تقليص فرص التعددية الحزبية الحقيقية داخل المجالس المحلية.

ويرى ربيع، أن «هيمنة القوائم بهذا الشكل تتيح تشكيل تنافس ومعارضة محدودة التأثير داخل المجالس»، مشدداً على أن ملف الإدارة المحلية مرتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطن، ما يستدعي نظاماً انتخابياً يضمن تمثيلاً متوازناً وتنافساً حقيقياً يعزز كفاءة المجالس ودورها الرقابي والخدمي.

وينظر إلى الانتخابات المحلية على أنها مصدر اهتمام لقطاعات واسعة من المصريين، خصوصاً أن آخر انتخابات للمجالس المحلية جرت في أبريل (نيسان) 2008، وتم حل المجالس بحكم قضائي عام 2011 عقب ثورة 25 يناير.

وسبق أن شهد البرلمان المصري نقاشات بين عامي 2016 و2020 بشأن مشروع قانون المحليات، لكنه لم يقر.

وأمام مجلس النواب 3 مشروعات تشريعية مطروحة، وفق عبد الناصر قنديل، مدير «المجموعة المصرية للدراسات البرلمانية»، الذي يشير إلى أن من بينها مشروعاً حكومياً لا تزال تفاصيله غير واضحة، وأن «جميع هذه المشروعات تتفق على تخصيص 75 في المائة من المقاعد لنظام القوائم».

في هذا السياق، قال رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، النائب محمد عبد العليم داود، إن «إقرار مشروع قانون المحليات يتطلب وجود ضمانات قوية تحول دون توظيفه لصالح أحزاب بعينها»، مؤكداً أن «نزاهة العملية الانتخابية تمثل ركيزة أساسية لنجاح التجربة المحلية وتعزيز ثقة المواطنين».

واقترح داود، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إطلاق حوار مجتمعي واسع بالتوازي مع المناقشات البرلمانية، يضم الأحزاب والقوى السياسية وخبراء الإدارة المحلية والمحافظين السابقين ومؤسسات المجتمع المدني، من شأنه معالجة أي مخاوف أو سلبيات محتملة قبل إقرار القانون. وشدد على «ضرورة الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات لضمان الشفافية والنزاهة، ما يمثل عاملاً حاسماً في بناء مجالس محلية فاعلة».

وتنص المادة 180 من الدستور المصري، على تخصيص ربع المقاعد للشباب دون سن 35، وربع العدد للمرأة، مع ألا تقل نسبة تمثيل العمال والفلاحين عن 50 في المائة، بما يتضمن تمثيلاً مناسباً للمسيحيين وذوي الإعاقة.

في المقابل، دافعت النائبة البرلمانية سحر عتمان، عضو لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، عن تخصيص 75 في المائة من مقاعد المجالس المحلية لنظام القوائم، معتبرة أن المخاوف بشأن سيطرة الأحزاب الكبرى «تبدو مقاربة غير عادلة»، مشيرة إلى محدودية حضور الأحزاب في القرى والمراكز مقارنة بالبرلمان، وأن نظام القوائم يتيح فرصاً أكبر لذوي الإمكانات المحدودة للانخراط في العمل المحلي.

وعتمان، التي تقدمت بأحد مشاريع القوانين الثلاثة، تعتقد أن التجربة العملية قبل 2011 أثبتت أن «العمل الجماعي ضمن القوائم يعزز فرص المشاركة ويدعم العناصر الجديدة»، مشيرة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التجربة الجديدة يجب منحها فرصة قبل تقييمها وإدخال أي تعديل بعد دورة كاملة للمجالس في ظل المقترح الحالي».

وقلل قنديل من المخاوف المرتبطة بزيادة نسبة القوائم وما قد تثيره من هيمنة محتملة للأحزاب الكبرى عادّاً أنها «مبالغ فيها»، ومشيراً إلى أن الانتخابات المحلية تتم في نطاقات ضيقة وتتنوع جغرافياً، ويصعب على حزب واحد السيطرة على نتائجها، كما أن وجود نواب معارضين سيتيح دعم مرشحين محليين، ما يعزز التعددية ويحد من الهيمنة الحزبية لأحزاب كبرى.

وتحظى انتخابات المحليات باهتمام سياسي رفيع المستوى في مصر، إذ سبق أن وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حكومة مصطفى مدبولي عقب اليمين الدستوري في فبراير (شباط) الماضي إلى استكمال الاستحقاق الدستوري الخاص بالمجالس المحلية، وهو ما أكد مدبولي الالتزام به.

وتنص المادة 180 من الدستور على اختصاص المجالس المحلية بمتابعة تنفيذ خطة التنمية، ورصد نشاط الأجهزة التنفيذية، وممارسة أدوات الرقابة المختلفة، بما في ذلك سحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية وفق القانون.


ليبيا: اتفاق مرتقب بين «النواب» و«الدولة» بشأن «الميزانية الموحدة»

صورة وزعتها حكومة «الوحدة» الأحد لاستلام وزيرها للاقتصاد مهام عمله بطرابلس
صورة وزعتها حكومة «الوحدة» الأحد لاستلام وزيرها للاقتصاد مهام عمله بطرابلس
TT

ليبيا: اتفاق مرتقب بين «النواب» و«الدولة» بشأن «الميزانية الموحدة»

صورة وزعتها حكومة «الوحدة» الأحد لاستلام وزيرها للاقتصاد مهام عمله بطرابلس
صورة وزعتها حكومة «الوحدة» الأحد لاستلام وزيرها للاقتصاد مهام عمله بطرابلس

في تطور لافت للانتباه ستكون له تداعيات إيجابية على المشهد السياسي الليبي، تحدثت مصادر في مجلسي «النواب» و«الدولة» عن اتفاق مرتقب على إعداد «ميزانية موحدة» للعام الحالي، مع توقعات بإقرارها خلال الأسبوع الحالي، في إطار خطوات تحد من الإنفاق العشوائي ووقف المناكفات السياسية بين شرق البلاد وغربها.

وبينما لم يصدر حتى الآن أي إعلان رسمي من المجلسين أو مصرف ليبيا المركزي يؤكد هذا التوافق، قالت وسائل إعلام محلية، الأحد، إنه «يستند إلى مصادر مسؤولة في المصرف المركزي»، مشيرةً إلى أنه يهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي وضبط الإنفاق العام.

وتزامنت هذه التطورات مع إعلان حكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تسلم وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة مهام عمله رسمياً، عقب استكمال إجراءات التسليم والاستلام من اللجنة المكلفة في إطار حزمة تعديلات الدبيبة الوزارية.

وكان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، قد دعا مؤخراً لتفاهم الأفرقاء الليبيين على «ميزانية موحدة» كخطوة تساهم في تقليل الانقسامات المالية التي أثرت على الاقتصاد منذ سنوات.

بدوره، أعلن مجلس النواب رسمياً تخصيص ميزانية إجمالية قدرها 210 ملايين دينار ليبي (32.9 مليون دولار بسعر السوق الرسمية) للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بهدف تمويل الانتخابات البرلمانية والرئاسية المرتقبة وتغطية جميع النفقات المتعلقة بالعملية الانتخابية.

ونشر المجلس في جريدته الرسمية، الأحد، قراراً باستكمال شغل المقاعد الشاغرة في مجلس المفوضية عبر تسمية ثلاثة أعضاء جدد هم: علي عبد الجواد، وهيثم الطبولي، وعلي أبو صلاح.

ولم تعلق المفوضية على هذه الخطوة، لكنها أطلقت الأحد برنامجاً تدريبياً تخصصياً بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يركز على رصد منصات التواصل الاجتماعي وتحليل المحتوى الرقمي خلال الفترات الانتخابية، بهدف خلق بيئة معلوماتية آمنة تدعم نزاهة وشفافية الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وكانت المفوضية قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن تخصيص مجلس النواب هذه الميزانية، عقب تصويت مجلس الدولة على انتخاب صلاح الكميشي رئيساً للمفوضية، إلى جانب اختيار أعضاء مجلسها المكون من ثلاثة أعضاء.

مع ذلك، من المتوقع بحسب مراقبين محليين أن تثير هذه الإجراءات خلافات جديدة مع مجلس الدولة وحكومة الوحدة المؤقتة في ظل التباينات السياسية، حيث ينظر إليها الطرفان على أنها إجراءات أحادية تخالف الاتفاقات السياسية السابقة في الصخيرات وبوزنيقة، التي تُلزم بالتوافق بين المجلسين في شغل المناصب السيادية.

وقد يؤدي الخلاف حول رئاسة المفوضية إلى نشوء شرعية مزدوجة لمجلسها، ما يعني تعطيل العملية الانتخابية برمتها. كما تثور مخاوف من أن حكومة الوحدة، باعتبارها الحليف التقليدي لمجلس الدولة، قد ترفض التعاون مع مفوضية غير توافقية، خاصة في صرف الميزانية.

وكانت البعثة الأممية قد أعربت عن قلقها البالغ من هذه الإجراءات الأحادية، ودعت مجلسي النواب والدولة إلى وقف الخطوات المنفردة والتوصل إلى توافق وطني شامل يضمن إجراء انتخابات نزيهة وشفافة ومقبولة من جميع الأطراف، لتجنب أي تعقيدات إضافية قد تعرقل العملية السياسية في البلاد.


الجزائر وسويسرا لتسريع إجراءات استرداد الأصول الناتجة عن جرائم الفساد

وزيرا خارجية الجزائر وسويسرا (وزارة الخارجية الجزائرية)
وزيرا خارجية الجزائر وسويسرا (وزارة الخارجية الجزائرية)
TT

الجزائر وسويسرا لتسريع إجراءات استرداد الأصول الناتجة عن جرائم الفساد

وزيرا خارجية الجزائر وسويسرا (وزارة الخارجية الجزائرية)
وزيرا خارجية الجزائر وسويسرا (وزارة الخارجية الجزائرية)

عاد وزير الشؤون الخارجية الجزائري أحمد عطاف من العاصمة السويسرية بيرن، في نهاية الأسبوع الماضي، بتعهد قوي من المسؤولين هناك بتسريع إجراءات ما يُعرف بـ«استرجاع الأموال المنهوبة»، وذلك بعد زيارة استغرقت ثلاثة أيام جرى خلالها تقييم شامل ومعمق لمختلف أبعاد العلاقات الثنائية.

ويُطلق تعبير «الأموال المنهوبة» على ودائع يُشتبه في أنها ناتجة عن فساد مالي، حوّلها مسؤولون جزائريون إبان العهد السابق إلى ملاذات ضريبية وبنوك في دول أجنبية، من بينها سويسرا.

ولم تعلن باستفاضة تفاصيل الزيارة، التي اختُتمت الجمعة، غير أن بياناً مقتضباً للخارجية الجزائرية أشار إلى محادثات عطاف مع وزير الخارجية السويسري إينياتسيو كاسيس تناولت «تعزيز الحوار السياسي، وتوطيد الشراكة الاقتصادية، وتثمين البعد الإنساني لعلاقات التعاون بين البلدين».

محادثات وزير خارجية الجزائر خلال زيارته سويسرا (وزارة الخارجية الجزائرية)

وأشار البيان إلى «الاتفاق على استحداث آلية مؤسساتية تعنى بتطوير التعاون الثنائي، وتدعيم الإطار القانوني المنظم للعلاقات البينية، وذلك بما ينسجم مع الأولويات التي سيتم تحديدها بصفة مشتركة».

من جهتها ذكرت وزارة الخارجية السويسرية في بيان أن المحادثات تطرقت إلى «التعاون الأمني والقضائي، حيث أبدى المسؤولان ارتياحهما لتوقيع مذكرة تفاهم عام 2025 ساهمت في تكثيف تبادل المعلومات والتعاون الشرطي».

ونقل البيان إشادة الوزير الجزائري بسويسرا لتعاونها في مجال المساعدة القضائية المتبادلة في المسائل الجنائية. كما نقل البيان نفسه تعهّد رئيس الدائرة الفيدرالية للعدل والشرطة، بيت جانز، بإعادة الأصول التي يثبت مصدرها غير القانوني إلى أصحابها الجزائريين.

وأكدت مصادر صحافية أن قضية «استرجاع الأموال المنهوبة»، المرتبطة بفترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 – 2019)، كانت من أبرز المسائل التي بحثها عطاف في سويسرا، حيث يُعتقد أن شخصيات من النظام وأفراداً من عائلاتهم يملكون أصولاً هناك تخضع لتحقيقات قضائية في الجزائر تتعلق بقضايا فساد تورّط فيها، على وجه الخصوص، وزراء ومسؤولون سابقون.

عقبات إجرائية

في السنوات الأخيرة، سارعت الجزائر الخطى لملاحقة الأصول المالية المهربة في سويسرا، حيث تشمل المطالب القضائية التحفظ على ودائع مصرفية تخص نسيم ولد قدور، نجل المدير العام الأسبق لمجمع «سوناطراك» للمحروقات المملوك للدولة، في إطار تحقيقات مرتبطة بقضايا فساد كبرى، من أبرزها ملف صفقة مصفاة «أوغستا».

رئيس «سوناطراك» سابقاً عبد المؤمن ولد قدور الذي حكم عليه بالسجن 15 سنة (الشرق الأوسط)

ورغم هذه المساعي، أقر وزير العدل الجزائري السابق رشيد طبي بوجود تحديات وعراقيل حالت دون تحقيق استجابة سريعة من بعض العواصم، مرجعاً بطء التجاوب الدولي إلى تعقيدات الأنظمة القضائية الأجنبية وتداخل الإجراءات القانونية العابرة للحدود، وهو ما قال إنه يتطلب تنسيقاً أعمق لتجاوز هذه العقبات الإجرائية.

وفي هذا السياق، أحرزت الجهود الدبلوماسية والقضائية الجزائرية اختراقاً لافتاً في الساحة السويسرية عام 2023، تمثل في نجاح القضاء الجزائري في إقناع المحكمة الجنائية الفيدرالية السويسرية بتثبيت الحجز على أرصدة مالية تخص وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب في بنك بجنيف بقيمة تقارب 1.7 مليون يورو.

وقدم بوشوارب طعوناً لإلغاء التحفظ على وديعته، دون جدوى، حيث يرجح أنه تم تسليمها للجزائر.

وزير الصناعة الجزائري السابق عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

كما تلاحق السلطات الجزائرية ودائع مصرفية أخرى مرتبطة بقضايا فساد كبرى، من بينها قضايا تخص وزير الطاقة السابق شكيب خليل، المتهم بتهريب أموال تُقدَّر بنحو 200 مليون دولار، كعمولات ورشى مرتبطة بصفقات النفط والغاز مع شركة «إيني» الإيطالية، خلال الفترة من 2010 إلى 2012.

وحُكم على بوشوارب غيابياً بالسجن 20 سنة سجناً نافذاً؛ وهو يعيش حاليا في فرنسا، حيث رفض القضاء هناك تسليمه إلى الجزائر لـ«عدم توفر ضمانات المحاكمة العادلة» حسبما ذكر. كما أُدين خليل بالعقوبة نفسها، وهو مقيم حالياً في الولايات المتحدة، ولا يُعرف ما إذا كانت حكومتها قد تلقت طلباً من الجزائر لتسليمه.

وزير الطاقة الجزائري السابق شكيب خليل المتهم بالفساد (الشرق الأوسط)

«المساعدة القضائية المتبادلة»

وكان وزير العدل والشرطة السويسري جانز قد قال في تصريحات صحافية خلال زيارته الجزائر في يونيو (حزيران) 2025 إن بلاده «عازمة بصدق على التعاون مع السلطات الجزائرية في مجال مكافحة الفساد وغسل الأموال»، وشدد على أنها لا ترغب في أن تكون ملاذاً لأموال ناتجة عن أنشطة غير مشروعة.

وزير العدل والشرطة السويسري خلال لقائه بنظيره الجزائري يوم 30 يونيو 2025 (وزارة العدل الجزائرية)

وأوضح الوزير السويسري أن عملية استرجاع الأصول «ليست مجرد قرار سياسي، بل هي مسار قانوني تقني معقد يخضع للتشريع السويسري والمعايير الدولية». وأشار إلى «ضرورة استكمال الإجراءات القضائية وتقديم أدلة وقرارات محاكم نهائية تثبت الأصل الإجرامي للأموال».

وفُهم من كلامه أن سويسرا لن تقدم على أي خطوة فيما يخص تسليم «الأموال المنهوبة» لصالح الجزائر، ما لم يصدر القضاء الفيدرالي أحكاماً نهائية بهذا الخصوص.

كما تناول جانز في تصريحاته «تفعيل المساعدة القضائية المتبادلة» بين البلدين، داعياً إلى تعزيز التنسيق بين الهيئات القضائية في الجزائر وسويسرا لتسريع معالجة الإنابات القضائية وتقليص الفوارق الإجرائية بين النظامين القانونيين.

وفي إطار التعاون مع دول غربية تُعَد ملاذاً لأموال عامة تم تحويلها من الجزائر، أفادت صحيفة إسبانية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بأن فندقاً يقع في مدينة برشلونة كان مملوكاً لرجل الأعمال الجزائري علي حداد، المحكوم عليه في قضايا فساد، أصبح ضمن أملاك الدولة الجزائرية.

وأكدت الصحيفة أن الأمر يتعلق بفندق «إل بالاس دي برشلونة»، الذي انتقلت ملكيته إلى «الصندوق الوطني للاستثمار» الجزائري خلال شهر أغسطس (آب) الماضي، وذلك عبر آلية «الدفع مقابل الدين»، بحسب ما أوردته الصحيفة.

وكشف الرئيس عبد المجيد تبون، في خطاب ألقاه أمام القيادة العسكرية بوزارة الدفاع في 10 أكتوبر 2024، عن تمكن الجزائر من استرداد أصول وممتلكات منهوبة ناهزت قيمتها 30 مليار دولار.

وتأتي هذه النتائج تتويجاً لمسار قانوني شهدته الجزائر سنة 2022، حيث كثفت إرسال الإنابات القضائية إلى عشرات العواصم لملاحقة ممتلكات وأرصدة مسؤولين كبار ورجال أعمال من العهد السابق.