الأفلام السعودية في 2025.. سينما تتسع وجمهور يقترب

قراءة في الأعمال المحلية التي شكّلت ملامح العام... في الشاشة والمنصات والمهرجانات

‎من العرض العربي الأول لفيلم «المجهولة» في مهرجان البحر الأحمر بجدة (تصوير: إيمان الخطاف)
‎من العرض العربي الأول لفيلم «المجهولة» في مهرجان البحر الأحمر بجدة (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

الأفلام السعودية في 2025.. سينما تتسع وجمهور يقترب

‎من العرض العربي الأول لفيلم «المجهولة» في مهرجان البحر الأحمر بجدة (تصوير: إيمان الخطاف)
‎من العرض العربي الأول لفيلم «المجهولة» في مهرجان البحر الأحمر بجدة (تصوير: إيمان الخطاف)

في 2025، صُنعت الأفلام السعودية لتُشاهَد، ودخلت موسم العرض وهي تعرف موقعها، وتدرك طبيعة المتلقي، وتتحرك ضمن مسارات واضحة، سواء عبر شباك التذاكر وصالات السينما، أو من خلال المنصات الرقمية، أو المشاركة في المهرجانات الدولية؛ إذ بدا إنتاج الفيلم السعودي جزءاً من قراءة أوسع للسوق، بما انعكس على تماسك التجارب السينمائية، وعلى وضوح اتجاهها، وعلى طريقة تقديمها للجمهور، حيث تحركت الأفلام المحلية بثقة داخل مشهد متعدد الخيارات، ونجحت في إيجاد مكانها وحجز موقع بارز لها في ذهن المتلقي.

وقارب عدد الأفلام السعودية التي عُرضت في صالات السينما خلال هذا العام على نحو 11 فيلماً، هي: «هوبال»، و«شباب البومب 2»، و«إسعاف»، و«فخر السويدي»، و«تشويش»، و«ليل نهار»، و«صيفي»، و«الزرفة»، و«سوار»، و«قشموع»، و«القيد»، مما يعكس حركة إنتاج نشطة، وتنوّعاً في الخيارات المطروحة على الجمهور، بين أفلام كوميدية خفيفة، وأعمال ذات نبرة أكثر جدية، وتجارب تراهن على القصة والمكان أو على السرد الإنساني.

الكوميديا ما زالت تكتسح

جاء الحضور الواسع للأعمال الكوميدية، في قراءة واضحة لذائقة الجمهور، فأفلام مثل «الزرفة» و«فخر السويدي» و«إسعاف» اشتغلت على الإيقاع السريع، والمواقف اليومية، واللغة القريبة من المتلقي، واستطاعت أن تحجز لها مساحة ثابتة في قائمة الأفلام الأعلى إيراداً في شباك التذاكر السعودي، لعدة أسابيع، في منافسة شرسة مع أعمال هوليوودية وعربية واسعة الانتشار، كما قدمت هذه الأفلام وجوهاً جديدة، بعضها خاض تجربته السينمائية الأولى.

يضاف إلى ذلك؛ فيلم «شباب البومب 2» الذي انتقل إلى السينما، وهو فيلم يحمل قاعدة جماهيرية واسعة تشكّلت عبر التلفزيون، وجاء جزؤه الثاني بعد نجاح جماهيري كبير لقيه الجزء الأول من الفيلم في العام الذي يسبق، وهو عمل يشتغل على الكوميديا المباشرة، والشخصيات المألوفة، ويأتي من بطولة الممثل فيصل العيسى، الذي قدم تجربة ترفيهية استهدفت جمهوراً في معظمه من الشباب وصغار السن.

نجوم السينما... ووجوه جديدة

عند الوقوف على الأداء التمثيلي لهذه الأفلام، فإن «إسعاف» عزّز حضور الممثل إبراهيم الحجاج داخل السينما، بعد نجاحه السابق في «سطّار» الذي لم يستطع أي فيلم سعودي تجاوزه من حيث حجم الإيرادات حتى الآن، ويمكن القول إن «إسعاف» استثمر في كاريزما بطله، مؤكداً انتقال الحجاج من تجربة ناجحة إلى خط بطولي أكثر استقراراً داخل السينما التجارية.

في حين اعتمد «فخر السويدي» على مجموعة من الوجوه الشابة، واشتغل على مواقف اجتماعية بسيطة قريبة من الحياة اليومية، يتقدمهم الممثل فهد المطيري الذي لديه كمٌّ منوّع من التجارب الفنية، مما جعل هذا الفيلم يسهم في توسيع مساحة المشاركة أمام جيل جديد داخل السينما السعودية. والأمر ذاته مع «الزرفة» الذي اشتغل على الكوميديا الشعبية وفتح مساحة ظهور لوجوه جديدة شابة، وهو فيلم ساعد على تنشيط صالات السينما خلال فترة الصيف.

«هوبال»... ثقل درامي

ومن أهم الأفلام السعودية في 2025 فيلم «هوبال»، الذي اعتمد على سرد درامي كثيف، وأجواء إنسانية متجذرة في البيئة المحلية، ووسط الصحراء تحديداً، وهو عمل اشتغل على الصراع النفسي، وراهن على قوة النص، مما منح الفيلم خصوصيته، وأكد استعداد الجمهور السعودي لتجربة سينمائية أكثر عمقاً حين تأتي ضمن بناء سردي متماسك.

وجمع «هوبال» كثيراً من نقاط القوة، من أداء تمثيلي متقن لإبراهيم الحساوي ومشعل المطيري وميلا الزهراني، إلى جانب رؤية المخرج المتمرس في هذه الفئة من الأعمال عبد العزيز الشلاحي، ونص الكاتب مفرج المجفل... كل هذه العوامل أسهمت في تثبيت موقع الفيلم بوصفه عملاً محورياً في قراءة أفلام 2025.

«سوار» و«القيد»... أعمال لافتة

كذلك، من الأعمال اللافتة خلال العام فيلم «سوار» الذي استند إلى قصة حقيقية عن تبديل طفلين عند الولادة بين عائلتين من ثقافتين مختلفتين (سعودية وتركية)، واشتغل العمل الذي يعد التجربة الروائية الأولى للمخرج أسامة الخريجي، على أثر هذا الحدث على الهوية والانتماء والعلاقات الأسرية، كما راهن على الدراما الإنسانية المباشرة وبناء التعاطف عبر التفاصيل اليومية.

وإحدى المحطات الجديرة بالتوقف في 2025 فيلم «القيد»، للمخرج حسام الحلوة، صحيح أنه لم يحقق أرقاماً قوية في شباك التذاكر، لكن تكمن أهميته في موقعه داخل مسار بدأ يتبلور بين الأفلام السعودية، وهو سينما الصحراء، بوصفها عنصراً سردياً فاعلاً، حيث لعب المكان دوراً أساسياً في تشكيل التوتر، ودفع الشخصيات إلى مواجهات داخلية وخارجية، واعتمد العمل على التكثيف وبناء جو نفسي ضاغط، قائم على الثأر والمطاردات والعنف.

أفلام المنصات الرقمية

وفي موازاة صالات السينما، لعبت المنصات الرقمية دوراً محورياً في إيصال الأفلام السعودية إلى جمهور أوسع؛ يستطيع مشاهدتها بلغات عدة، أبرزها فيلم «رهين» الذي عرضته «نتفليكس»، وشكّل إحدى أبرز حالات هذا المسار، حيث بُني منذ البداية وفق منطق المشاهدة المنزلية، مع سرد مشدود وإيقاع محسوب، ووجد طريقه سريعاً إلى قوائم الأعلى مشاهدة.

وأتى «رهين» من بطولة الممثل محمد الدوخي، امتداداً لنجاحه السابق في «مندوب الليل»، مما يؤكد أن المنصات الرقمية باتت فضاءً أساسياً لبناء التجربة السينمائية، لا مجرد نافذة عرض لاحقة. كما عرضت «نتفليكس» أيضاً «مسامير جونير» الذي حافظ على حضوره عبر المنصة وحقق مشاهدات عالية، مستنداً إلى قاعدة جماهيرية ممتدة، مؤكداً مرونة الفيلم السعودي في اختيار وسيط العرض الأنسب لطبيعته.

المهرجانات... نجاح خارج الحدود

حضور الأفلام السعودية في المهرجانات خلال هذا العام جاء مختلفاً أيضاً، فالأفلام التي اتجهت إلى هذا المسار بدت واعية بطبيعة التلقي الدولي، وباللغة السينمائية التي تتحرك ضمنها. وشكَّل فيلم «هجرة» للمخرجة شهد أمين، المحطة الأبرز، مع عرضه العالمي الأول في مهرجان البندقية السينمائي، ثم مشاركته في مهرجان البحر الأحمر السينمائي وحصوله على جائزتين خلاله، كما أنه الفيلم الذي مثّل المملكة في سباق جائزة الأوسكار لعام 2026 عن فئة الفيلم الدولي، وثبّت صورته كعمل صُمم للتداول العالمي.

في السياق نفسه، جاء فيلم «المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، بعرضه العالمي الأول في مهرجان تورنتو السينمائي، ثم عرضه عربياً في مهرجان البحر الأحمر بجدة، وهو فيلم يترقب الجمهور عرضه مطلع العام الجديد، حيث يشكل تجربة مختلفة لهيفاء المنصور التي اعتادت أفلامها على المشاركة في المهرجانات السينمائية العالمية.

«محاربة الصحراء»... تجربة مختلفة

أحد الأعمال اللافتة لهذا العام، فيلم «محاربة الصحراء» الذي قدّم تجربة تاريخية ملحمية مستلهمة من القرن السابع في شبه الجزيرة العربية، وصُوّر في مواقع طبيعية داخل المملكة، كما تم عرضه في مهرجان البحر الأحمر السينمائي بجدة، وعكس العمل تطوراً في البنية الإنتاجية، واتجاهاً نحو مشاريع أوسع نطاقاً قادرة على مخاطبة جمهور عالمي، وتعزيز حضور المملكة بوصفها موقع إنتاج سينمائي.

استقرار السوق المحلية

وفي قراءة للمشهد، يقول الدكتور عبد الرحمن الغنام، وهو ناقد سينمائي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «عام 2025 يمثل مرحلة استقرار في السوق السينمائية السعودية، حيث تشير توقعات مداخيل شباك التذاكر إلى تسجيل مستويات متقاربة خلال العامين الماضيين، بالتوازي مع تبلور خصائص الفيلم المحلي من حيث الأنواع والجماهير ونماذج التسويق، وصعود جيل جديد من المخرجين والممثلين».

وأشار الغنام إلى أن هذا العام شهد حضوراً دولياً ملحوظاً عبر المهرجانات السينمائية والإنتاجات المشتركة، مما يؤكد قابلية السينما السعودية للتداول خارج حدودها المحلية. وأضاف: «في ضوء هذه المؤشرات، نتوقع أن تشهد السنتين المقبلتين اتساع نطاق النشاط السينمائي، مع استكمال شركات السينما توسّعها في البنية التحتية والتجارب الحديثة لصالات العرض في مناطق المملكة، ودخول لاعبين دوليين جدد إلى السوق الإنتاجية».

وإجمالاً، لم يقدم عام 2025 فيلماً واحداً يمثّل السينما السعودية، بل قدم مجموعة أفلام استطاعت أن تتقاسم المشهد، كلٌّ بلغته، وجمهوره، ومساره، في تنوع شكّل علامة على بدء مرحلة جديدة، تتحرك فيها السينما السعودية بثقة، ووعي، وعلاقة أكثر متانة مع الجمهور.


مقالات ذات صلة

رافا موليس: «الشفقة» محاولة لالتقاط صوت الجليد ككائن حي

يوميات الشرق استغرق تصوير الفيلم عامين (الشركة المنتجة)

رافا موليس: «الشفقة» محاولة لالتقاط صوت الجليد ككائن حي

قال المخرج الإسباني رافا موليس إن فيلمه الوثائقي «الشفقة» يسعى إلى نقل تجربة إنسانية وشعورية عميقة عاشها بنفسه أمام الأنهار الجليدية في آيسلندا.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)

جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

قال المخرج الكندي جيريمي كومتيه إن فيلمه «بارادايس» لم يولَد بين ليلة وضحاها، بل كان نتيجة رحلة طويلة امتدت لأكثر من عشر سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق بن أفلك ومورغن فريمن في «مجموع كل المخاوف» (باراماونت)

فيلم جديد من بطولة جاك رايان ومغامراته السياسية

تحوّلت رواية «The Hunt for Red October» إلى فيلم ناجح بعد 6 سنوات، مما شجَّع على اقتباس أعمال أخرى لتوم كلانسي.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق جانب من اجتماع وزيرة الثقافة مع صناع السينما (وزارة الثقافة)

مصر لدعم صناعة السينما بتسهيل التصوير في المواقع السياحية والتراثية

تسعى مصر لدعم صناعة السينما من خلال تيسير إجراءات التصوير أمام صُنّاع الأفلام في المحافظات والمواقع السياحية والتراثية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
سينما من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور...

إيمان الخطاف (الدمام (شرق السعودية))

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور... هذا المشهد يتكرر هذه الأيام داخل صالات السينما في السعودية وغيرها حول العالم، حيث يحظى الفيلم بإقبال لافت، مع حجوزات تنقضي بسرعة وحضور واضح من فئة الشباب، ليعود اسم «ملك البوب» إلى الواجهة، بعد أكثر من 15 عاماً على رحيله، بوصفه أيقونة موسيقية تستعيد حضورها عبر الفن السابع، وتفتح باباً جديداً لقراءة سيرته سينمائياً.

عالمياً، تصدّر «مايكل» شباك التذاكر الأميركي، متفوقاً على بقية الأفلام، بعدما نجح فيلم السيرة الذاتية في حجز المركز الأول بجدارة بين إيرادات يوم الجمعة الماضي. فالفيلم، الذي يأتي من إخراج أنطوان فوكوا، حقق 39.5 مليون دولار في يوم افتتاحه من مئات صالات العرض في أميركا الشمالية. وتعوّل شركة «لاينزغيت» كثيراً على نجاحه في تحقيق عوائد كبيرة، خصوصاً أن ميزانيته الإنتاجية بلغت 155 مليون دولار، وهي تكلفة مرتفعة تأثرت بأسعار حقوق الموسيقى ومشاهد الحفلات الضخمة. وتُظهر الأيام الأولى للفيلم نجاحاً كبيراً حول العالم، رغم أن الحكاية تبدو مبتورة، فلا يصل الفيلم إلى أعلى الأجزاء إثارة وتوتراً في حياة مايكل، ليفاجأ الجمهور بتصاعد إيقاع الفيلم بقوة، ثم انتهائه «بغتة» بعبارة «القصة مستمرة».

البوستر الرسمي للفيلم

من البدايات القاسية إلى صناعة الأسطورة

يبدأ الفيلم في منزل عائلة جاكسون عام 1966، حيث يفرض الأب جو تدريبات قاسية على أبنائه، في مشهد أقرب إلى الانضباط العسكري، سعياً إلى تحقيق «الحلم الأميركي»، وهو يردد على أولاده: «في الحياة إما أن نكون فائزين وإما خاسرين»، ويُظهر الفيلم بوضوح قسوة الأب، بما في ذلك تعنيفه مايكل؛ مما يشكّل جانباً أساسياً في تكوين شخصيته.

ثم ينتقل العمل إلى عام 1978، حين يبدأ مايكل التعاون مع المنتج كوينسي جونز، في خطوة مفصلية نحو ألبوم «أوف ذا وول»، ويعرض الفيلم تحوّل شخصيته، بما في ذلك انعزاله وتعلقه بعالمه الخاص، قبل أن يتخذ قراره الحاسم بالاستقلال عن والده، تمهيداً لصناعة عمله الأسطوري «ثريلر».

من هنا، يركز الفيلم على العلاقة بين مايكل ووالده المتسلّط جوزيف جاكسون، الذي يجسده كولمان دومينغو. ويؤدي الدور الرئيسي ابن شقيق جاكسون؛ جعفر جاكسون، فيما يشارك في البطولة كل من: نيا لونغ بدور «كاثرين جاكسون»، وتري هورتون بدور «مارلون جاكسون»، ورايان هيل بدور «تيتو جاكسون»، إضافة إلى جوزيف ديفيد جونز بدور «جاكي جاكسون»، وجمال هندرسون بدور «جيرمين جاكسون».

ويبدو الفيلم أشبه باحتفالية بنجومية «ملك البوب»، الذي بدأ طفلاً يغني مع إخوته في الستينات من العقد الماضي، وصولاً إلى نجوميته الكبيرة في الثمانينات وتحوّله ظاهرةً عالمية، دون تناول المنعطفات الصادمة التي مر بها جاكسون. ورغم أنه شخصية معقّدة ومتعددة الأبعاد، فإن الفيلم يقدّمه بصورة مسطّحة. وعندما لا يكون على المسرح أو في الاستوديو، يظهر جاكسون مبتسماً طيلة الوقت؛ يشاهد التلفاز مع والدته، ويزور الأطفال المرضى، ويقتني الحيوانات الغريبة.

يأتي ذلك نتيجة تدخلات عائلة جاكسون التي تناولها الإعلام لفترات مضت؛ مما دفع بالمنتجين إلى استبعاد كثير من القصص الحساسة في حياته. وخضع الفيلم لإعادة تصوير واسعة استمرت 22 يوماً، بعد حذف «فصله» الثالث بالكامل بسبب قيود قانونية؛ مما دفع إلى تأجيل طرح الفيلم كثيراً، حتى عُرض مؤخراً، في خطوة هدفت أيضاً إلى تجنّب أي تأثير سلبي محتمل على أدائه في شباك التذاكر.

احتفالية موسيقية ونهاية مفتوحة

ورغم أن الفيلم يبدو تقليدياً في سرده، فإنه يخفي داخله حساً إنسانياً حميمياً، مع استعراض أبرز محطات مايكل الغنائية، من «دونت ستوب تِل يو غِت إناف»، إلى أدائه الأسطوري لـ«بيلي جين». ويتوقف الفيلم في منتصف الرحلة، بعد أن يعلن مايكل أمام حشد جماهيري كبير انفصاله عن جولات إخوته الغنائية ضمن فرقة «جاكسون5»، ثم وقوفه على مسرح ضخم استعداداً للغناء، لينتهي الفيلم بعبارة «القصة مستمرة»؛ مما فتح باب التكهنات بشأن احتمالية إنتاج جزء ثان.

كما يختار الفيلم مساراً محدداً في تناول الشخصية فنياً، حيث يركّز على الجوانب التي تعزز صورة النجم بوصفه موهبة استثنائية وصاحب تأثير عالمي واسع. ويشكّل أداء جعفر جاكسون أحد أبرز عناصر الجذب في الفيلم، حيث ينجح في استحضار تفاصيل دقيقة من شخصية مايكل، سواء في الرقصات والصوت الهادئ والحضور على المسرح.

وإجمالاً، يؤكد الفيلم حقيقة لا جدال فيها، بأن مايكل جاكسون كان عبقرياً موسيقياً ويمتلك رؤية واضحة لمسيرته؛ بداية من صعوده منذ طفولته بموهبته اللافتة وحضوره الكاريزمي، ووصولاً إلى مرحلة نضجه الفني، حيث طوّر إحساساً دقيقاً بما يناسبه من أعمال، وكيفية تقديمها، سواء في الأداء المسرحي والفيديوهات الموسيقية.

ويبدو فيلم «مايكل» أقرب إلى تجربة جماهيرية متكاملة، تجمع بين الحنين، والمتعة البصرية، والإيقاع السريع، بما يفسر حجم الإقبال في صالات السينما، وتصفيق بعضهم بحرارة خلال الفيلم، حيث يجد المشاهد نفسه أمام عمل يستعيد ذاكرة فنية مشتركة، يعيد تقديمها ضمن قالب حديث يناسب جيل اليوم.


«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
TT

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)

تقع أحداث «العميل السري» (The Secret Agent) في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً. اختفى كثيرون، كما حدث في دول أميركا اللاتينية الأخرى قبل ذلك الحين وبعده، إلى جانب أولئك الذين جرت تصفيتهم جسدياً. يتناول المخرج كليبر ميندوسا فيليو هذه الفترة من زاويتين: ما يحدث لبطل الفيلم مارسيلو (واغنر مورا)، الذي يتنقّل بين 3 أسماء في سياق الأحداث، وما شهدته البيئة الاجتماعية والسياسية آنذاك.

«السر في عيونهم» (تورناسول فيلمز)

دول وأزمات

هناك ما لا يقل عن 20 فيلماً برازيلياً تناولت تلك الفترة، أو فترات سياسية أخرى، من بينها «اليوم الذي امتد 21 سنة» (The Day That Lasted 21 Years) لكاميلو تاڤاريز (2012)، و«أنا ما زلت هنا» (I’m Still Here) لوولتر ساليس (2024).

في الواقع، لا تقتصر الأفلام التي تناولت الاضطرابات السياسية في أميركا اللاتينية على بلد واحد. فهناك نحو 20 فيلماً تشيلياً عبّرت عن السنوات القاتمة التي مرت بها البلاد، نتيجة الصراع بين اليمين واليسار، من بينها «معركة تشيلي» (The Battle of Chile) لباتريسيو غوزمان (1975)، وأحدثها «الحظيرة الحمراء» (The Red Hangar) للمخرج خوان بابلو سالاتو.

أما الأرجنتين، فهي بدورها من الدول التي قدّمت عدداً لافتاً من الأفلام في هذا السياق (نحو 17 فيلماً)، من بينها الفيلم الحائز على الأوسكار «السر في عيونهم» (The Secret in Their Eyes) لخوان خوسيه كامبانيلا (2009).

كما أن دولاً أخرى في أميركا اللاتينية، مثل غواتيمالا، والسلڤادور، ونيكاراغوا، وباراغواي، وأوروغواي، تناولت قضاياها السياسية في أفلام، وإن كان ذلك بأعداد أقل.

من أبرز مزايا الأفلام المذكورة، إلى جانب غيرها، تنوّع مناهجها تبعاً لاختلاف رؤى مخرجيها، والموضوعات التي يتناولونها. ويقترب «العميل السري» من «السر في عيونهم» في اعتمادهما على مواجهة بين البطل والواقع السياسي ضمن حبكة تمزج بين التشويق السياسي والتحقيقي. كما يتشابهان في أسلوب بناء الأحداث، وصولاً إلى دلالات تعبّر عن طبيعة المرحلة. ويأتي ذلك في مقابل الابتعاد عن السرد الخطي المبسّط، والقائم على التسلسل الزمني وحده. كل من الفيلمين يربط بين الماضي والحاضر، ويترك المشاهد أمام تساؤلات مفتوحة حول المستقبل.

المخرج كليبر ميندوسا فيليو (سينما سكوبيو برودكشنز)

فصول

أحد أبرز اهتمامات المخرج في «العميل السري» هو الكشف عن معنى أن يعيش بلد تحت قبضة ديكتاتورية. في مطلع الفيلم، يقود مارسيلو سيارته الفولكسڤاغن القديمة إلى محطة بنزين على طريق ريفي. هناك تظهر جثة وُجدت قبل ساعات، وقد بدأت تتحلل تحت أشعة الشمس، فيما تحاول الكلاب نهشها. رائحتها تزكم الأنوف، لكن ليس جميعها؛ إذ يتأثر مارسيلو وصاحب المحطة، في حين لا يبدي الشرطيان اللذان يصلان إلى المكان أي انزعاج. لا يسدّان أنفيهما، بل يكتفيان بالنظر ببرود، في إشارة إلى اعتيادهما على مثل هذه المشاهد. يبرز هذا التباين بوضوح بين ردود الفعل.

يوسِّع المخرج دائرة اهتمامه لتشمل شخصيات متعددة، تنتمي إلى جانبي الخير والشر: شخصيات تعاني، وتخاف، وأخرى تُسبب المعاناة، وتنشر الخوف. ويمنح كل شخصية مساحة للتعبير عن نفسها، ودلالاتها، وموقعها ضمن تلك المرحلة العصيبة.

يقسم فيليو فيلمه إلى ثلاثة فصول. يقدّم الفصل الأول الشخصيات المحيطة بمارسيلو في بلدته التي وُلد فيها، وعاد إليها بعد انتقاله إلى العاصمة. وفيه مشهد لسمكة قرش تم اصطيادها، وكانت قد ابتلعت ساق رجل؛ في إشارة إلى رغبة ضمنية في إبقاء هوية الضحية مجهولة، كما كان الحال في المشهد الأول.

في الفصل الثاني، المعنون بـ«معهد إثبات الهوية»، تتخذ الأحداث منحى جديداً. يعمل مارسيلو في أرشيف المعهد، وتُطرح فرضية أن الساق المقطوعة تعود لشاب مفقود. تتوالى حوادث الاختفاء الغامض، في حين يظل رئيس الشرطة جاهلاً بخلفية مارسيلو الذي يحاول إخفاء ماضيه. ويتضح أن هناك خلافاً سابقاً بينه وبين رجل سلطة نافذ اتهمه بالشيوعية، وسعى للتخلص منه.

أما في الفصل الثالث، فتتصاعد الأحداث مع احتمال وصول قتلة مأجورين لتنفيذ عملية اغتيال، في إشارة إلى ممارسات شاعت في تلك الفترة، حيث كان بعض المسؤولين يلجأون إلى تصفية خصومهم عبر وسطاء.

دلالات

لا يبدو أن الفيلم يتمحور حول بحث مارسيلو عن هويته، كما لا يقدّم «عميلاً سرياً» بالمعنى التقليدي. ثمة إشارة عابرة إلى فيلم «La Magnifique» لفيليب دو بروكا، يظهر من خلال إعلان بعنوان «العميل السري»، وربما تحمل هذه الإشارة دلالة رمزية حول مفهوم «العمالة» نفسه؛ تُوجَّه الاتهامات جزافاً إلى الأبرياء، بدوافع شخصية، أو إدانات فردية. رئيس الشرطة في البلدة (ريسيف، مسقط رأس المخرج) شخصية فاسدة بدورها، ويظهر ذلك في انحيازه لإحدى امرأتين في نزاع، رغم وضوح الحق لغيرها. الفساد هنا ليس حالة فردية، بل هو جزء من منظومة أوسع، والمعاناة لا تقتصر على مارسيلو وحده.

هذا كلّه جزء من عالمٍ مُحكم البناء، تتوزّع فيه الأحداث من دون ترتيب مبسّط، أو إيقاع متعجّل، وفق رغبة المخرج في تحريك العوامل والعناصر الروائية المحيطة بالخيط المحوري. وليس دقيقاً ما كُتب عن أن الفيلم مجرّد رحلة لاستعادة الماضي وربطه بالحاضر؛ إذ ينشغل المخرج فيليو بتصوير حالةٍ تنتمي إلى الأمس، ساعياً إلى إعادة فتح ملفّها بطريقته الخاصة، مع مراعاة بناءٍ منهجي يحدّد العلاقات بين الشخصيات، ويكشف أسباب تموضعها على هذا النحو أو ذاك.


شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
TT

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)

JAWS

★★★

• إخراج:‫ ستيفن سبيلبرغ‬

• الولايات المتحدة | رعب (1975)

50 سنة على ثالث فيلم لسبيلبرغ وأول نجاحاته المطلقة

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا. عمد، بعد تمهيد موجز، إلى تصوير ثورة الطيور وانقضاضها على قاطني البلدة. لم يتأثر الفيلم بغياب الدافع مطلقاً (ولو أن هناك إيحاءً به في نهاية ذلك الفيلم الرائع). هذا لأن الحالة الماثلة وبراعة المخرج تجاوزتا هذه الحاجة.

عند سبيلبرغ يختلف الأمر. سمكة القرش الكبيرة تلتهم السائحين، والمبرر الوحيد الواضح هو أن أسماك القرش قد تفعل ذلك بطبيعتها (على عكس طيور هيتشكوك التي تعتمد على الأسماك أساساً).

مكان الأحداث في «جوز» هو أيضاً بلدة صغيرة ساحلية. حاكم البلدة (موراي هاملتون) يرفض طلب رئيس الشرطة (روي شايدر) إغلاق الشاطئ بعد أن تكرر هجوم تلك السمكة الضخمة على السابحين؛ حتى لا يتضرر الموسم السياحي. نتيجة ذلك مزيدٌ من الضحايا، وقيام الشريف برادي باستقدام عالم بحري اسمه هوبر (ريتشارد دريفوس) وصياد متخصص اسمه كوينت (روبرت شو). والثلاثة ينطلقون بعيداً عن الشاطئ منتظرين هجوم القرش على مركبهم، وانتظارهم يأخذ الوقت الكافي لكي يبلور المخرج شخصية كل منهم.

الإعجاب بفيلم ما ليس مقياس جودة، وفي هذا الفيلم ما يثير الإعجاب من مشاهد التشويق وتصوير السمكة القاتلة وهي تهدد حياة البشر. لكن، حال غيابها، ليس هناك سوى حكاية بلا دوافع كافية. عناصر العمل بذلك تنقسم ما بين بنية درامية ضعيفة وتشويق إثاري فعّال.

LEE CRONIN’S MUMMY

• إخراج:‫ لي كرونين‬

• الولايات المتحدة / آيرلندا | رعب (2026)

مومياء تعيش على أكل العقارب

العناوين التي تحمل أسماء مخرجيها، كما الحال في هذا الفيلم، كانت في زمن القيم تنتمي للمبدعين وحدهم: «فيلليني روما»، و«كوبولا العراب»، و«ألفرد هيتشكوك سايكو»... وفي مجال سينما الرعب «جورج آ. روميرو ليلة الموتى الأحياء». هذه الأيام المجال مفتوح. كل مخرج جديد، أو بعد حفنة من الأفلام ذات المستويات العادية أو أقل، يمكن أن يشترط وضع اسمه قبل العنوان. لي كرونين (في فيلمه الثالث) فعل ذلك على أمل أن يسهم ذلك في نجاح الفيلم. هل سمعتم به؟

من «لي كرونن مومي» (نيو لاين سينما)

الحال أن الفيلم الذي اختاره كرونين لهذه الغاية لا يستحق أن يُصنع أساساً، ليس لأنه دموي وعنيف، بل لأنه ممارسة رديئة في العموم، مليئة بالاستعارات من أفلام رعب أخرى، وباستثناء بعض المشاهد المصممة بنجاح، خالٍ من إضافة لما سبق من أعمال مشابهة.

تبدأ الأحداث في القاهرة. عائلة أميركية تعيش هناك وتفاجأ باختفاء ابنتها ذات السنوات التسع. البحث عنها لا يُجدي، والعائلة تعود إلى الولايات المتحدة مكسورة القلب. لكن بعد 8 سنوات يُكتشف أن الفتاة ما زالت حيّة. يهب الزوجان إلى القاهرة ويعودان بها إلى ولاية نيومكسيكو، غير مدركين بالطبع أن ابنتهما مومياء مسكونة وتحب أكل العقارب!

THE SUPER MARIO GALAXY MOVIE

• إخراج:‫ آرون هورڤاث ومايكل جلنيتش‬

• الولايات المتحدة | أنيميشن (2026)

كما قال شكسبير: «كثير من اللغط حول لا شيء»

في «سوبر ماريو غالاكسي موفي»، المستمد من لعبة فيديو حُوّلت إلى أجزاء عدة، هذا آخرها، عناية بالألوان والتصاميم وعناصر الصوت والصورة المتحركة، وألوف اللقطات السريعة.

من «سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)

لكنها جميعاً لا تعني أكثر من ذلك ولا تشكّل قيمة (لن أقول فنية، بل على الأقل ذات ضرورة). الحكاية تتولى الانتقال عبر المدارات المختلفة؛ لأن الأخوين ماريو (كريس برات) ولويجي (تشارلي داي) يبحثان عن الأميرة المختفية روزالينا (بري لارسن، كان لها مستقبل مختلف بعد فيلمها «Room» قبل 11 سنة) في واحد من ثقوب المجرّة التي يجوب الأخوان مساحاتها وتضاريسها الشاسعة في تواصل لا ينقطع من المواقف التي تدّعي التشويق. في كل ركن وسباحة فضائية هناك إعلان عن منتج تجاري. هي فرصة لبيع تذاكر وبيع منتجات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز