الأفلام السعودية في 2025.. سينما تتسع وجمهور يقترب

قراءة في الأعمال المحلية التي شكّلت ملامح العام... في الشاشة والمنصات والمهرجانات

‎من العرض العربي الأول لفيلم «المجهولة» في مهرجان البحر الأحمر بجدة (تصوير: إيمان الخطاف)
‎من العرض العربي الأول لفيلم «المجهولة» في مهرجان البحر الأحمر بجدة (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

الأفلام السعودية في 2025.. سينما تتسع وجمهور يقترب

‎من العرض العربي الأول لفيلم «المجهولة» في مهرجان البحر الأحمر بجدة (تصوير: إيمان الخطاف)
‎من العرض العربي الأول لفيلم «المجهولة» في مهرجان البحر الأحمر بجدة (تصوير: إيمان الخطاف)

في 2025، صُنعت الأفلام السعودية لتُشاهَد، ودخلت موسم العرض وهي تعرف موقعها، وتدرك طبيعة المتلقي، وتتحرك ضمن مسارات واضحة، سواء عبر شباك التذاكر وصالات السينما، أو من خلال المنصات الرقمية، أو المشاركة في المهرجانات الدولية؛ إذ بدا إنتاج الفيلم السعودي جزءاً من قراءة أوسع للسوق، بما انعكس على تماسك التجارب السينمائية، وعلى وضوح اتجاهها، وعلى طريقة تقديمها للجمهور، حيث تحركت الأفلام المحلية بثقة داخل مشهد متعدد الخيارات، ونجحت في إيجاد مكانها وحجز موقع بارز لها في ذهن المتلقي.

وقارب عدد الأفلام السعودية التي عُرضت في صالات السينما خلال هذا العام على نحو 11 فيلماً، هي: «هوبال»، و«شباب البومب 2»، و«إسعاف»، و«فخر السويدي»، و«تشويش»، و«ليل نهار»، و«صيفي»، و«الزرفة»، و«سوار»، و«قشموع»، و«القيد»، مما يعكس حركة إنتاج نشطة، وتنوّعاً في الخيارات المطروحة على الجمهور، بين أفلام كوميدية خفيفة، وأعمال ذات نبرة أكثر جدية، وتجارب تراهن على القصة والمكان أو على السرد الإنساني.

الكوميديا ما زالت تكتسح

جاء الحضور الواسع للأعمال الكوميدية، في قراءة واضحة لذائقة الجمهور، فأفلام مثل «الزرفة» و«فخر السويدي» و«إسعاف» اشتغلت على الإيقاع السريع، والمواقف اليومية، واللغة القريبة من المتلقي، واستطاعت أن تحجز لها مساحة ثابتة في قائمة الأفلام الأعلى إيراداً في شباك التذاكر السعودي، لعدة أسابيع، في منافسة شرسة مع أعمال هوليوودية وعربية واسعة الانتشار، كما قدمت هذه الأفلام وجوهاً جديدة، بعضها خاض تجربته السينمائية الأولى.

يضاف إلى ذلك؛ فيلم «شباب البومب 2» الذي انتقل إلى السينما، وهو فيلم يحمل قاعدة جماهيرية واسعة تشكّلت عبر التلفزيون، وجاء جزؤه الثاني بعد نجاح جماهيري كبير لقيه الجزء الأول من الفيلم في العام الذي يسبق، وهو عمل يشتغل على الكوميديا المباشرة، والشخصيات المألوفة، ويأتي من بطولة الممثل فيصل العيسى، الذي قدم تجربة ترفيهية استهدفت جمهوراً في معظمه من الشباب وصغار السن.

نجوم السينما... ووجوه جديدة

عند الوقوف على الأداء التمثيلي لهذه الأفلام، فإن «إسعاف» عزّز حضور الممثل إبراهيم الحجاج داخل السينما، بعد نجاحه السابق في «سطّار» الذي لم يستطع أي فيلم سعودي تجاوزه من حيث حجم الإيرادات حتى الآن، ويمكن القول إن «إسعاف» استثمر في كاريزما بطله، مؤكداً انتقال الحجاج من تجربة ناجحة إلى خط بطولي أكثر استقراراً داخل السينما التجارية.

في حين اعتمد «فخر السويدي» على مجموعة من الوجوه الشابة، واشتغل على مواقف اجتماعية بسيطة قريبة من الحياة اليومية، يتقدمهم الممثل فهد المطيري الذي لديه كمٌّ منوّع من التجارب الفنية، مما جعل هذا الفيلم يسهم في توسيع مساحة المشاركة أمام جيل جديد داخل السينما السعودية. والأمر ذاته مع «الزرفة» الذي اشتغل على الكوميديا الشعبية وفتح مساحة ظهور لوجوه جديدة شابة، وهو فيلم ساعد على تنشيط صالات السينما خلال فترة الصيف.

«هوبال»... ثقل درامي

ومن أهم الأفلام السعودية في 2025 فيلم «هوبال»، الذي اعتمد على سرد درامي كثيف، وأجواء إنسانية متجذرة في البيئة المحلية، ووسط الصحراء تحديداً، وهو عمل اشتغل على الصراع النفسي، وراهن على قوة النص، مما منح الفيلم خصوصيته، وأكد استعداد الجمهور السعودي لتجربة سينمائية أكثر عمقاً حين تأتي ضمن بناء سردي متماسك.

وجمع «هوبال» كثيراً من نقاط القوة، من أداء تمثيلي متقن لإبراهيم الحساوي ومشعل المطيري وميلا الزهراني، إلى جانب رؤية المخرج المتمرس في هذه الفئة من الأعمال عبد العزيز الشلاحي، ونص الكاتب مفرج المجفل... كل هذه العوامل أسهمت في تثبيت موقع الفيلم بوصفه عملاً محورياً في قراءة أفلام 2025.

«سوار» و«القيد»... أعمال لافتة

كذلك، من الأعمال اللافتة خلال العام فيلم «سوار» الذي استند إلى قصة حقيقية عن تبديل طفلين عند الولادة بين عائلتين من ثقافتين مختلفتين (سعودية وتركية)، واشتغل العمل الذي يعد التجربة الروائية الأولى للمخرج أسامة الخريجي، على أثر هذا الحدث على الهوية والانتماء والعلاقات الأسرية، كما راهن على الدراما الإنسانية المباشرة وبناء التعاطف عبر التفاصيل اليومية.

وإحدى المحطات الجديرة بالتوقف في 2025 فيلم «القيد»، للمخرج حسام الحلوة، صحيح أنه لم يحقق أرقاماً قوية في شباك التذاكر، لكن تكمن أهميته في موقعه داخل مسار بدأ يتبلور بين الأفلام السعودية، وهو سينما الصحراء، بوصفها عنصراً سردياً فاعلاً، حيث لعب المكان دوراً أساسياً في تشكيل التوتر، ودفع الشخصيات إلى مواجهات داخلية وخارجية، واعتمد العمل على التكثيف وبناء جو نفسي ضاغط، قائم على الثأر والمطاردات والعنف.

أفلام المنصات الرقمية

وفي موازاة صالات السينما، لعبت المنصات الرقمية دوراً محورياً في إيصال الأفلام السعودية إلى جمهور أوسع؛ يستطيع مشاهدتها بلغات عدة، أبرزها فيلم «رهين» الذي عرضته «نتفليكس»، وشكّل إحدى أبرز حالات هذا المسار، حيث بُني منذ البداية وفق منطق المشاهدة المنزلية، مع سرد مشدود وإيقاع محسوب، ووجد طريقه سريعاً إلى قوائم الأعلى مشاهدة.

وأتى «رهين» من بطولة الممثل محمد الدوخي، امتداداً لنجاحه السابق في «مندوب الليل»، مما يؤكد أن المنصات الرقمية باتت فضاءً أساسياً لبناء التجربة السينمائية، لا مجرد نافذة عرض لاحقة. كما عرضت «نتفليكس» أيضاً «مسامير جونير» الذي حافظ على حضوره عبر المنصة وحقق مشاهدات عالية، مستنداً إلى قاعدة جماهيرية ممتدة، مؤكداً مرونة الفيلم السعودي في اختيار وسيط العرض الأنسب لطبيعته.

المهرجانات... نجاح خارج الحدود

حضور الأفلام السعودية في المهرجانات خلال هذا العام جاء مختلفاً أيضاً، فالأفلام التي اتجهت إلى هذا المسار بدت واعية بطبيعة التلقي الدولي، وباللغة السينمائية التي تتحرك ضمنها. وشكَّل فيلم «هجرة» للمخرجة شهد أمين، المحطة الأبرز، مع عرضه العالمي الأول في مهرجان البندقية السينمائي، ثم مشاركته في مهرجان البحر الأحمر السينمائي وحصوله على جائزتين خلاله، كما أنه الفيلم الذي مثّل المملكة في سباق جائزة الأوسكار لعام 2026 عن فئة الفيلم الدولي، وثبّت صورته كعمل صُمم للتداول العالمي.

في السياق نفسه، جاء فيلم «المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، بعرضه العالمي الأول في مهرجان تورنتو السينمائي، ثم عرضه عربياً في مهرجان البحر الأحمر بجدة، وهو فيلم يترقب الجمهور عرضه مطلع العام الجديد، حيث يشكل تجربة مختلفة لهيفاء المنصور التي اعتادت أفلامها على المشاركة في المهرجانات السينمائية العالمية.

«محاربة الصحراء»... تجربة مختلفة

أحد الأعمال اللافتة لهذا العام، فيلم «محاربة الصحراء» الذي قدّم تجربة تاريخية ملحمية مستلهمة من القرن السابع في شبه الجزيرة العربية، وصُوّر في مواقع طبيعية داخل المملكة، كما تم عرضه في مهرجان البحر الأحمر السينمائي بجدة، وعكس العمل تطوراً في البنية الإنتاجية، واتجاهاً نحو مشاريع أوسع نطاقاً قادرة على مخاطبة جمهور عالمي، وتعزيز حضور المملكة بوصفها موقع إنتاج سينمائي.

استقرار السوق المحلية

وفي قراءة للمشهد، يقول الدكتور عبد الرحمن الغنام، وهو ناقد سينمائي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «عام 2025 يمثل مرحلة استقرار في السوق السينمائية السعودية، حيث تشير توقعات مداخيل شباك التذاكر إلى تسجيل مستويات متقاربة خلال العامين الماضيين، بالتوازي مع تبلور خصائص الفيلم المحلي من حيث الأنواع والجماهير ونماذج التسويق، وصعود جيل جديد من المخرجين والممثلين».

وأشار الغنام إلى أن هذا العام شهد حضوراً دولياً ملحوظاً عبر المهرجانات السينمائية والإنتاجات المشتركة، مما يؤكد قابلية السينما السعودية للتداول خارج حدودها المحلية. وأضاف: «في ضوء هذه المؤشرات، نتوقع أن تشهد السنتين المقبلتين اتساع نطاق النشاط السينمائي، مع استكمال شركات السينما توسّعها في البنية التحتية والتجارب الحديثة لصالات العرض في مناطق المملكة، ودخول لاعبين دوليين جدد إلى السوق الإنتاجية».

وإجمالاً، لم يقدم عام 2025 فيلماً واحداً يمثّل السينما السعودية، بل قدم مجموعة أفلام استطاعت أن تتقاسم المشهد، كلٌّ بلغته، وجمهوره، ومساره، في تنوع شكّل علامة على بدء مرحلة جديدة، تتحرك فيها السينما السعودية بثقة، ووعي، وعلاقة أكثر متانة مع الجمهور.


مقالات ذات صلة

بينيلوبي كروز: من نجمة ألمودوفار إلى ضمير «الملجأ»

يوميات الشرق مع زوجها الممثل خافييه باردم في مهرجان فينيسيا السينمائي (أ.ف.ب)

بينيلوبي كروز: من نجمة ألمودوفار إلى ضمير «الملجأ»

في آخر أفلامها، تلعب بينيلوبي كروز دور زوجة تشعر بأن زوجها المهندس المعماري قد يتخلّى عن بعض مبادئه إذا ما قبل تكليفاً مغرياً من أحد كبار أثرياء العالم.

محمد رُضا (تورنتو)
يوميات الشرق شهد مهرجان «تورنتو السينمائي» العرض الأول للفيلم (الشركة المنتجة)

«أطفال لا أعرفهم»... طفولة تنجو من الحرب ولا تنجو من آثارها

الحيوية التي امتلكها هؤلاء الأطفال، رغم قسوة الحياة واضطرارهم إلى الاعتماد على أنفسهم، أثارت اهتمام المخرجة...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)

«أنغام وأفلام»... أغنيات تتساقط منها الأعوام ويبقى الحبّ

للأغنيات قدرة على حفظ ما يتعذَّر الاحتفاظ به في الحياة، من أعمار وأمكنة ووجوه وعواطف...

فاطمة عبد الله (بيروت )
سينما أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته

محمد رُضا (لندن)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.


شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
TT

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)

«Fatherland»

★★★إخراج: بافل بافليكوفسكي

الإنتاج: بولندا، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا (2026)

«الأوسكار»: ثالث فيلم للمخرج تختاره بولندا لتمثيلها في سباق «أفضل فيلم دولي»

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته، وآخر باطني يكشف عن غضب داخلي ناجم عن التوتّر بين الأب وابنته، إلى جانب أسباب أخرى.

يتناول الفيلم الأديب الألماني توماس مان (يؤدّيه هانز زيشلر)، الذي غادر موطنه عام 1933 مع صعود النازية. وتتمحور الأحداث حول عودته إلى ألمانيا عام 1949، عندما استجاب لدعوة لتسلّم «جائزة غوته» من مدينة فرانكفورت. ترافقه في الرحلة ابنته «إريكا» (ساندرا هولر)، التي لم تكن راغبة في الزيارة أصلاً.

تكشف المَشاهد التي تجمع الأب وابنته، سواء أكانا وحدهما أم وسط آخرين، عن توتّر بينهما، خصوصاً بعدما قرّر الأب قبول جائزة ألمانية ثانية. وهكذا يحيط الفيلم بوضعَين: شخصي؛ يتمثّل في العلاقة المتوتّرة بين مان وابنته، وعام؛ يتمثّل في ألمانيا الخارجة من حرب خسرتها.

لكن المخرج لا يدخل في التفاصيل، ولا يبني على ما يؤسّسه من أحداث بما يمكّن الفيلم من سبر أبعادها، مكتفياً بكاميرا تلاحظ ولا تشترك. أكثر من ذلك، كان التصوير بالأبيض والأسود في فيلمَيه السابقَين «آيدا» (2013) و«حرب باردة» (2018) أعلى حيويةً وفعلاً ممّا هو عليه في هذا الفيلم.

«Coward»

★★إخراج: لوكاس دونت

الإنتاج: بلجيكا، فرنسا، هولندا (2026)

«الأوسكار»: الفيلم البلجيكي المختار لسباق «أفضل فيلم دولي»

الحرب التي يختار المخرج دونت وضع حكايته فيها هي «العالمية الأولى». وقد كانت محطّ اهتمام عشرات الأفلام، بينها كلاسيكيات عدّة، كلّ منها كافٍ لدفن هذا الفيلم الجديد في خنادقها. أفلام مثل «الوهم العظيم» لجان رنوار (1937)، و«ممرات المجد» لستانلي كوبريك (1957)، و«طفولة إيفان» لآندريه تاركوفسكي (1962)، تناولت مآسيَ الحرب كما انعكست على شخصياتها في خطوط المواجهة الدامية. وكانت الحالات التي استعرضتها ترمي إلى ما هو أبعد من تمرير تجربة شخصية أو التوقّف عند ما يحدث لصاحبها دون الآخرين.

مشهد من «جبان» (ذا ريونيون)

في «جبان»، لا يهمّ كلّ هذا؛ لأن الحكاية التي يريد المخرج سردها تتناول شاباً يُدعى «بيار» (إيمانويل ماكيا)، يصفه رفاق السلاح بأنه جبان. يريد أن يبرهن على أنه ليس كذلك، لكنه لا يستطيع؛ لأنه بالفعل هكذا. لا نرى أمثلة فعلية على جبنه، ولا ينتهي الفيلم بموقف مغاير لبطله، ولا يدخل في عمق شخصيته، رغم تخصيص مشهد طويل لخوضه تجربة كان من المفترض أن يخرج منها شجاعاً، أو مختلفاً على الأقل.

الرهان هنا على الحبكة، مع الإصرار على توظيف الحرب العالمية الأولى ديكوراً.

يتحاشى الفيلم مشاهد الحرب بالمعنى المُتعارف عليه، رغم توافر مناسبات لها. وما يقدّمه منها يأتي من باب الضرورة أكثر ممّا يعبّر عن موقف أو بُعد من أي نوع. خيار المخرج الوحيد يقع بين كاميرا محمولة لتصوير المشاهد الرومانسية، وأخرى محمولة ومرتجّة لتصوير رفاق السلاح في أرض المعركة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.