مقتل ضابط روسي كبير بانفجار سيارة في موسكو

روسيا تقول إنها تمارس ضبط النفس إزاء خطوات استفزازية لـ«الناتو»

السيارة التي قتل فيها الجنرال فانيل سارفاروف (56 عاماً) وسط منطقة سكنية في موسكو الاثنين (رويترز)
السيارة التي قتل فيها الجنرال فانيل سارفاروف (56 عاماً) وسط منطقة سكنية في موسكو الاثنين (رويترز)
TT

مقتل ضابط روسي كبير بانفجار سيارة في موسكو

السيارة التي قتل فيها الجنرال فانيل سارفاروف (56 عاماً) وسط منطقة سكنية في موسكو الاثنين (رويترز)
السيارة التي قتل فيها الجنرال فانيل سارفاروف (56 عاماً) وسط منطقة سكنية في موسكو الاثنين (رويترز)

قُتل جنرال في هيئة الأركان العامة للجيش الروسي في انفجار سيارة في جنوب موسكو، صباح الاثنين، في أحدث اغتيال لشخصية عسكرية بارزة، وذلك بعد ساعات فقط من إجراء مندوبين روس وأوكرانيين محادثات منفصلة في ميامي حول خطة لإنهاء الحرب. فيما أعلنت موسكو أنها تمارس «أقصى درجات ضبط النفس» رداً على ما وصفتها بخطوات «استفزازية» من حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وفي حين لم تعلّق أوكرانيا على الحادث، قال محققون روس إنهم ينظرون في احتمال تورط كييف في الانفجار الذي أودى بضابط رفيع في الجيش، سبق له أن قاد القوات الروسية في سوريا.

وهذا الحادث مشابه لعمليات اغتيال أخرى استهدفت جنرالات وشخصيات مؤيدة للحرب، أعلنت أوكرانيا مسؤوليتها عنها أو يُعتقد أنّها دبّرتها.

وقُتل رئيس قسم التدريب العملياتي في هيئة أركان القوات المسلحة، الجنرال فانيل سارفاروف (56 عاماً) بانفجار شحنة ناسفة كانت موضوعة أسفل سيارته المركونة في حي سكني، جنوب موسكو.

السيارة التي قتل فيها الجنرال فانيل سارفاروف (56 عاماً) وسط منطقة سكنية في موسكو الاثنين (رويترز)

وشاهد مراسلون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» سيارة بيضاء من نوع «كيا» وقد تحطمت أبوابها ونوافذها وتفحّم هيكلها جراء الانفجار. وطوّقت قوات الأمن الموقع، بينما عمل محققون على التفتيش بين الركام ورفع الأدلة.

وأفاد شهود عيان بسماع دويّ انفجار.

وقالت تاتيانا (74 عاماً)، وهي من سكان المنطقة، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم نتوقع ذلك إطلاقاً. كنّا نظن أننا بأمان، ثم وقع الانفجار بجوارنا».

وقال غريغوري (70 عاماً) الذي رفض ذكر اسمه كاملاً: «اهتزت النوافذ، كان واضحاً أنه انفجار»، مضيفاً: «علينا التعامل مع الأمر بهدوء أكبر. هذا ثمن الحرب».

وقالت لجنة التحقيق الروسية المعنية بالجرائم الكبرى إنها «تعمل على فرضيات عدة للتحقيق في الاغتيال. إحداها تتعلق باحتمال تورّط الاستخبارات الأوكرانية» فيه.

وبحسب سيرته الذاتية المنشورة عبر موقع وزارة الدفاع، شارك سارفاروف في عمليات للجيش الروسي في شمال القوقاز، بما في ذلك الشيشان، خلال تسعينات القرن الماضي.

صورة غير مؤرخة للجنرال فانيل سارفاروف (56 عاماً) الذي قتل بانفجار عبوة موضوعة أسفل سيارته في موسكو الاثنين (أ.ب)

وكان قائداً للقوات الروسية في سوريا خلال 2015-2016، مع بدء موسكو تقديم دعم عسكري مباشر لقوات الرئيس بشار الأسد خلال النزاع الذي اندلع في 2011، وأفضى إلى إطاحته في ختام 2024.

منذ بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، وُجهت إلى كييف اتهامات متكررة بتنفيذ هجمات ضد شخصيات روسية ومسؤولين عسكريين، سواء داخل روسيا أو في المناطق التي تحتلها موسكو في أوكرانيا.

وقُتل نائب رئيس الإدارة العامّة للعمليات في هيئة الأركان العامة للقوات المسلّحة الروسية، الجنرال ياروسلاف موسكاليك، بانفجار سيارة قرب موسكو في أبريل (نيسان) الفائت.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، قُتل قائد قوات الدفاع الإشعاعية والكيميائية والبيولوجية الروسية إيغور كيريلوف، في انفجار دراجة كهربائية مركونة قرب مبنى كان يقيم فيه في موسكو، في عملية اغتيال أعلن جهاز الأمن الأوكراني مسؤوليته عنها.

وفي أغسطس (آب) 2022، أدى انفجار سيارة إلى مقتل داريا دوغينا ابنة المفكّر القومي المتطرّف والمؤيّد للكرملين ألكسندر دوغين.

وفي أبريل 2023، قُتل المدون العسكري الروسي مكسيم فومين بانفجار تمثال صغير في مقهى بمدينة سانت بطرسبورغ.

اجتماعات «مثمرة وبنّاءة»

وأعلن الكرملين أن الرئيس فلاديمير بوتين أُبلغ بعملية الاغتيال، التي تأتي عقب مباحثات استمرت ثلاثة أيام في ميامي، في إطار جهود تبذلها الولايات المتحدة للتوسط لإنهاء الحرب المستمرة منذ أربع سنوات بين روسيا وأوكرانيا.

محقق روسي قرب السيارة التي قتل فيها الجنرال فانيل سارفاروف (56 عاماً) في موسكو الاثنين (إ.ب.أ)

وأشاد المفاوض الأوكراني، رستم عمروف، والمبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، الأحد بـ«التقدّم» المُحرز في المحادثات.

كما التقى المبعوث الروسي، كيريل ديميترييف أيضاً الوفد الأميركي الذي ضمّ جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ووصف ويتكوف الاجتماعات بأنها «مثمرة وبنّاءة».

وتلحظ خطة أولية لإنهاء الحرب طرحها ترمب، وتتألف من 28 بنداً، العديد من المطالب الأساسية لموسكو، ما أثار انتقادات في كييف والعواصم الأوروبية.

ومُذاك، تعمل أوكرانيا وحلفاؤها على تحسين الخطة، رغم أن كييف تقول إنها لا تزال تُطالَب بتقديم تنازلات كبيرة، مثل التخلي عن منطقة دونباس في شرق البلاد بأكملها لروسيا.

وشكك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في رغبة روسيا بإنهاء الحرب التي أودت بعشرات الآلاف ودمرت مناطق واسعة في شرق أوكرانيا وجنوبها.

ونفى الكرملين الاثنين رغبته في إعادة إنشاء الاتحاد السوفياتي والسيطرة على كل أوكرانيا وأراضٍ في شرق أوروبا، وذلك بعد أن أفادت وكالة «رويترز» بأن الاستخبارات الأميركية خلصت إلى أن بوتين يسعى إلى أكثر من مجرد السيطرة على شرق أوكرانيا.

«أقصى درجات ضبط النفس»

من جهة أخرى، قال نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، اليوم الاثنين، إن روسيا تمارس «أقصى درجات ضبط النفس» رداً على ما وصفها بأنها خطوات «استفزازية» من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مؤكداً أن موسكو ترسل إشارات تحذيرية إلى خصومها.

ونقلت قناة «آر تي» التلفزيونية عن ريابكوف قوله إن روسيا لا تنوي مهاجمة دول الاتحاد الأوروبي و«الناتو» وإنها «مستعدة لتوثيق ذلك قانونياً»، مشيراً إلى استمرار وجود مخاطر كبيرة في حدوث صدام عسكري بين روسيا و«الناتو» «بسبب عدم اتزان التصرفات العدوانية للدول الأوروبية».

وذكر ريابكوف أن روسيا ما زال لديها عدد من التساؤلات بالنسبة للولايات المتحدة فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية، مشيراً إلى أن نجاح الحوار الحالي بين موسكو وواشنطن «ليس أمراً محسوماً مسبقاً». ومضى قائلاً إن رغبة الدول الأوروبية في منع تطبيع العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة تعد عاملاً معرقلاً.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا تستعيد «ستارشيلد» وتبحث عن استقلالها... هدنة إنسانية وحرب مستمرة

الولايات المتحدة​ توفر أقمار «ستارلينك» اتصال إنترنت سريعاً في جميع أنحاء العالم (أ.ف.ب) p-circle

أوكرانيا تستعيد «ستارشيلد» وتبحث عن استقلالها... هدنة إنسانية وحرب مستمرة

أوكرانيا تستعيد «ستارشيلد» وتبحث عن استقلالها... قالت إن الخدمة تعمل بسلاسة مجدداً بعد مكالمة هاتفية بين رئيس وزراء بريطانيا والرئيس الأميركي

إيلي يوسف
أوروبا أحد أجهزة «ستارلينك» التي تستخدمها أوكرانيا قرب باخموت في شرق البلاد (رويترز)

عودة خدمة «ستارلينك» في أوكرانيا لطبيعتها بعد أسبوع من تقييد سرعتها

‌قالت أوكرانيا، السبت، إن نظام الأقمار الاصطناعية «ستارلينك» ونسخته العسكرية «ستارشيلد» عادا للعمل بكامل طاقتهما.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب (أ.ب)

«لولا تدخلي لاستحال إجلاؤهم»... ميلانيا ترمب تعلن هدنة في مدينة أوكرانية

أعلنت السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب أنها نجحت في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في مدينة أوكرانية خاضعة للسيطرة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة


إجراءات أمنية غير مسبوقة تجنّب فرنسا تكرار «السبت الأسود»

انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)
انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)
TT

إجراءات أمنية غير مسبوقة تجنّب فرنسا تكرار «السبت الأسود»

انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)
انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

نادراً ما عرفت فرنسا انتشاراً أمنياً كالذي شهدته البلاد في سبت التعبئة الثاني، الذي دعت إليه النقابات و«السترات الصفراء» والطلاب بدعم ومشاركة من أحزاب اليسار والخضر.

فالهم الأول للسلطات كان ألّا تشهد البلاد نسخةً جديدةً من العنف والمواجهات والحرائق، خصوصاً أعمال الشغب والنهب والسرقة التي طالت ما لا يقل عن 3 آلاف مخزن ومتجر، فضلاً عن إحراق مبنى بلدية مدينة ليموج التاريخي ومبنى المركز السياحي التاريخي أيضاً في مدينة ليون، ثالث المدن الفرنسية، ومقر رئيسة بلدية بوردو، واقتحام مقر بلدية مرسيليا.

جانب من الاشتباكات التي شهدتها مدينة ستراسبورغ يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

والصور التي نقلتها القنوات العالمية عمّا حصل في باريس ومدن أخرى كانت سيئة، لا بل مهينة للحكومة الفرنسية، التي أقرَّ وزير داخليتها، لوران نونيز، الاثنين الماضي، بأن قواته «فقدت السيطرة على الوضع». ورغم اعتقال، نهاية الأسبوع الماضي، 3 آلاف من المتظاهرين والمشاغبين والسارقين وسوقهم أمام المحاكم، فإنَّ الحذر الحكومي كان سيد الموقف.

وانعكس ذلك في التعبئة الأمنية الاستثنائية ليوم السبت. وبحسب وزارة الداخلية، فقد تمَّ نشر 70 ألف رجل شرطة ودرك مدعومين بفرق مكافحة الشغب وفرق النخبة المتخصصة الأخرى في قوى الأمن الداخلي. كذلك، استُدعيت وحدات من الجيش وفرق الخيالة والطوافات والمسيّرات والسيارات المصفحة. وباختصار، فإن السلطات أخرجت من ثكناتها كل ما تمتلكه للمحافظة على الأمن ودرء اتهامها بـ«التقصير». وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد اتهم جماعات من أقصى اليسار بأنها «تسعى لإسقاط الجمهورية».

شرطي يقف وراء سحابة من الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة في بوردو يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

واستبق نونيز، في كلمة له صباح السبت، انطلاق المظاهرات عبر البلاد ليؤكد «وجود دعوات مهمة صادرة عن حركات سياسية ومجموعات من المشاغبين لإثارة البلبلة»، في إشارة إلى اليسار الأكثر تطرفاً وراديكالية. وفي ردٍّ مسبق على الاتهامات الموجَّهة للقوى الأمنية بالإفراط باستخدام القوة، طمأن نونيز قواته بأنها «تحظى بدعم القيادات ووزير الداخلية»، مشيراً إلى أنها «تعمل في الإطار الشرعي والقانوني»، وأنَّ ردود فعلها «متناسبة» مع ما يقتضيه الوضع. واستطرد قائلاً: «لن نتساهل مطلقاً مع مثيري الشغب وممارسي أعمال النهب»، متعهداً بتنفيذ تدخلات أمنية «تتسم بقدر كبير من الحزم».

اتهامات للسلطة

لم تكتفِ السلطات بذلك، إذ عمدت عبر المديرين الأمنيِّين في المدن الكبرى والأقاليم إلى حظر التجول في المناطق الحساسة في المدن، وتعطيل حركة النقل العام، ومنع كثير من المظاهرات.

شارك 110 آلاف شخص في مظاهرة باريس التي انتهت باشتباكات محدودة مع رجال الأمن يوم 24 أكتوبر (رويترز)

كذلك، لجأت إلى «تكتيك» معروف يقوم على تحديد مسارات للمظاهرات التي سمحت بحصولها بعيداً عن وسط المدن ومقرات السلطة والشوارع التجارية، بحجة تجنب التكسير والنهب، وهو ما حصل في باريس ومرسيليا وأورليان وغيرها من المدن. وصدرت قرارات بمنع التظاهر في مدن كثيرة منها نيس، ومونبلييه، وبوردو، ونانسي، وميتز، وبيزانسون، وروان، وتولون، ولو هافر.

وحتى صباح السبت، كان الجدل ما زال قائماً بين النقابات التي دعت إلى التظاهر في باريس وبين مديرية الشرطة حول مسار المظاهرة الوحيدة في العاصمة التي سمح بها. وغيَّرت مديرية الشرطة مسارها في الساعات الأخيرة ما أوجد حالةً من البلبلة. إلا أنها انطلقت، في النهاية، من «ساحة إيطاليا» باتجاه شرق باريس وصولاً لما يُسمى «مدخل فانسان». واتهم بنجامين بال، الناطق باسم «تنسيقية السترات الصفراء»، الحكومة بانتهاك «حرية التظاهر» وانتهاج «سلوك سلطوي».

وفي باريس، أغلقت المتاحف أبوابها بوجه الزوار، وأولها متحف اللوفر، وتبعته متاحف «أورسيه»، و«بيكاسو»، و«القصر الكبير»، و«القصر الصغير».

وبالتوازي، توقّفت الزيارات في «قصر فرساي» منذ الظهيرة، وكذلك حال «المكتبة الوطنية الكبرى» و«أوبرا باريس» و«أوبرا باستيل». ولإعاقة تنقلات المتظاهرين وقطع الطريق على المشاغبين، أُغلقت كثير من محطات المترو وتوقف السير في عدد من الخطوط، بينما الأمر نفسه ينطبق على حافلات التروماي. وعمدت الشركة المشغلة للدراجات الهوائية في باريس، التي أُحرق كثير منها الأسبوع الماضي في «السبت الأسود»، إلى إغلاق 110 مراكز.

وباختصار، فإنَّ باريس نادراً ما شهدت هذا النوع من التدابير الأمنية التي حوَّلتها بشكل ما إلى «مدينة تحت الحصار».

مناوشات محدودة

الواضح أن هذه التدابير، مقرونة بالطقس العاصف، نجحت في خفض حدة التوتر. فبدت مظاهر العنف التي سادت نهاية الأسبوع الماضي أقلّ انتشاراً.

في باريس، أفادت مصادر الشرطة بأن 110 آلاف شخص شاركوا في المظاهرة وهي الوحيدة التي سُمح بها. وهذا العدد يتطابق مع عدد متظاهري العاصمة الأسبوع الماضي. وبعد أن سارت المظاهرة في العاصمة بهدوء، حصلت اشتباكات محدودة بنهايتها بين مجموعة من الأشخاص الملثمين ورجال الشرطة الذين عمدوا إلى توقيف العشرات من الأشخاص.

متظاهر خلال اشتباكات مع قوات الأمن خلال مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

وسعت هذه المجموعة إلى إقامة حواجز في الشوارع، وألقت الحجارة وكل ما وقع بين يديها على الأمن الذي ردَّ بالقنابل المسيلة للدموع. وتسعى القوى الأمنية إلى منع هؤلاء المشاغبين من التفرُّق والولوج إلى أحياء العاصمة، بينما المواجهات تدور على أحد مداخلها.

وفي مدينة ليون، ثالث أكبر المدن الفرنسية، جرت عمليات كر وفر، وسعت قوات الأمن إلى منع مجموعات من المتظاهرين من الوصول إلى وسط المدينة. كذلك حصلت مناوشات محدودة في مدينة بوردو، رغم منع المظاهرة التي جمعت 15 ألف متظاهر. والأمر نفسه تكرَّر في مدينة كليمرون فيران (وسط فرنسا) مع القوى الأمنية التي لجأت، كالعادة، إلى استخدام الغاز المسيل للدموع.

أما في مدينة أورليان (جنوب باريس)، حيث يلتئم المؤتمر العام لحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي تقوده مارين لوبان، كان التوتر أكثر حدة. فقد خرج الآلاف من الرافضين لـ«التجمع الوطني» وآيديولوجيته للتظاهر. وحرصت مديرية الشرطة على منع الاحتكاك بينهم وبين أنصار لوبان، كما منعت مظاهرة مقررة الأحد.

انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

وتفيد استطلاعات الرأي بأن لوبان هي الأوفر حظاً في التأهل للجولة الانتخابية الحاسمة والفوز برئاسة الجمهورية في رابع محاولة لها. وليس سراً أن حالة فرنسا، خصوصاً المالية، تثير قلق شركائها في الاتحاد؛ بسبب ارتفاع مديونيتها (3600 مليار يورو)، وفائدة استدانتها (أكثر من 5 في المائة)، ونسبة الدين لناتجها الداخلي الخام (119 في المائة).

في أي حال، كان مرتقباً أن يتراجع العدد العام للمتظاهرين؛ بسبب منع التظاهر في عشرات المدن. كذلك، فإن كثيراً ممن تظاهروا الأسبوع الماضي (ما بين 550 ألفاً و800 ألف متظاهر) عدلوا عن النزول إلى الشوارع؛ إما بسبب الخوف من القنابل المسيلة للدموع، أو من الأسلحة الأخرى غير المميتة التي تستخدمها وحدات محاربة الشغب، ومن بينها القنابل الصوتية وقنابل فك الحصار (عن رجال الأمن) والرغبة في الابتعاد عن المشاغبين والغوغائيين واللصوص.

ولم يعرف ما إذا كان انفتاح الحكومة على الطلاب قد كان له أثر إيجابي. فالرئيس ماكرون استقبل ممثلين عنهم الجمعة، بينما يتوقّع أن يستقبلهم رئيس الحكومة الاثنين. ولم تتغيَّر المطالب؛ إن كان بالنسبة لطلبة التعليم الثانوي أو الجامعي، التي تتلخص بتوفير الأساتذة البدلاء، وإصلاح الأوضاع المادية للمدارس، والتخلي عن آلية توجيه الطلاب في المرحلة الجامعية، وتوفير ما لا يقل عن 250 ألف فرصة مقعد جامعي من مختلف الاختصاصات.

وسار التلامذة والطلاب، السبت، إلى جانب النقابات العمالية و«السترات الصفراء»، ما يعكس الترابط بين الأطراف؛ ذلك أن الجميع يشكو من غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية مع مطالبة عامة برفع الرواتب، وتحديداً رواتب الحد الأدنى. بينما «السترات الصفراء» تشكو من ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والغاز، وكلها تسهم في تدهور المستويات المعيشية. ويحصل ذلك كله وسط مناخ اجتماعي وسياسي متوتر بينما البلاد تتأهب لخوض الانتخابات الرئاسية بعد أقل من 200 يوم.

ميلونشون يتصدَّر مظاهرة باريس

وكما في الأسبوع الماضي، تصدَّر جان لوك ميلونشون، المرشح الرئاسي وزعيم حزب «فرنسا الأبية» المسيرة الباريسية، محاطاً بمسؤولين من حركته.

رجل شرطة خلال دورية قرب جادة «شانزليزيه» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

وتتهم الحكومة واليمين، بجناحيه التقليدي والمتطرف والإعلام الموالي له، ميلونشون بالنفخ في نار التمرُّد، واستغلال المظاهرات سياسياً؛ الأمر الذي ينفيه قطعاً. ونبّه الأخير الرئيس ماكرون إلى أن عليه التجاوب مع المطالب المرفوعة. وحذَّره من أنه إذا لم يفعل، فإنه «سيفهم أن ما يحصل (اليوم) سوف يتكرَّر كل أسبوع».

وتتجه الأنظار منذ الآن إلى الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث أطلقت نقابة «الكونفدرالية العامة للعمل» القريبة من «الحزب الشيوعي» دعوةً من أجل إضراب عام، ما يعني عملياً أن البلاد دخلت في دوامة من الحراك.

ويُجمع المراقبون على أن حصر التعامل مع الاحتجاجات في الجانب الأمني لن يسهم في إطفائها، وبالتالي فإنها تحتاج لحلول سياسية واقتصادية ومالية. لكن وضع ميزانية الدولة لا يتيح للحكومة أن تتجاوب مع رفع الرواتب أو تخصيص 10 مليارات يورو للتعليم الثانوي. من هنا، فإن ما يحصل راهناً لن يكون نهاية الحراك الاجتماعي.


فرنسا: احتجاجات حاشدة والشرطة تستخدم الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه

من المظاهرات في باريس (أ.ف.ب)
من المظاهرات في باريس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا: احتجاجات حاشدة والشرطة تستخدم الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه

من المظاهرات في باريس (أ.ف.ب)
من المظاهرات في باريس (أ.ف.ب)

تجمَّع متظاهرون في باريس ومدن أخرى بأنحاء فرنسا، اليوم (السبت)، وسط وجود أمني مكثف شمل 70 ألفاً من أفراد الشرطة، فيما بدت الاضطرابات أقل حدة كثيراً مما كانت عليه قبل أسبوع، رغم ​وقوع مواجهات متفرِّقة في عدة مدن، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأفادت وكالة «أسوشييتد برس» بوقوع اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين في العاصمة باريس، وقالت إن الحكومة قدرت عدد المتظاهرين في عموم البلاد بنحو 410 آلاف شخص، منهم نحو 110 آلاف شخص شاركوا في مسيرة على أطراف باريس.

اشتباكات بين المحتجين والشرطة في باريس (أ.ف.ب)

بدورها، ذكرت الشرطة أن عشرات الآلاف تظاهروا سلمياً في العاصمة الفرنسية، منددين بارتفاع تكاليف المعيشة ومتهمين الرئيس إيمانويل ماكرون بتقليص الخدمات العامة، وبالفشل في معالجة حالة عدم المساواة الآخذة في التفاقم. وهتف عدد من المشاركين وهم يلوِّحون بالأعلام: «فلتسقط الدولة والشرطة والفاشيون».

وقالت وزارة الداخلية، في وقت لاحق، إن المسيرة في باريس «بدأت سلمية، لكنها انتهت بأعمال عنف».

واحدة من أسوأ الاضطرابات

وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع في أماكن أخرى على محتجين في كليرمون فيران وغرونوبل وليل، وكذلك نيس حيث استخدمت مدفعاً للمياه لإرغام محتجين على التراجع، بعد رفضهم تنفيذ أوامر وُجهت إليهم.

عناصر من الشرطة الفرنسية يقفون في حالة تأهب بينما تنفجر عبوة غاز مسيل للدموع خلال مظاهرة في باريس (أ.ف.ب)

واندلعت اشتباكات بين شبان ملثمين وعناصر الشرطة في مدينتي مرسيليا وليون، ‌ثاني وثالث ‌أكبر المدن الفرنسية.

ويشارك في هذه الموجة من الاحتجاجات طلاب الثانويات والنقابات فضلاً عن ناشطين في حركة السترات الصفراء وذلك قبل ستة أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية.

ونشرت الحكومة 10 آلاف فرد إضافي ​من ‌قوات ⁠الشرطة والدرك، مقارنة ​بعددهم يوم ⁠17 أكتوبر (تشرين الأول) حين تحولت احتجاجات على ارتفاع كلفة المعيشة وتردي الخدمات العامة إلى بعض من أسوأ الاضطرابات التي شهدتها فرنسا منذ سنوات.

وقال وزير الداخلية لوران نونيز: «يجب أن يكون تعاملنا سريعاً جداً»، متهماً جماعات من أقصى اليسار وعصابات إجرامية بتأجيج العنف.

محتجون يواجهون عناصر الشرطة في باريس (أ.ف.ب)

وأضاف نونيز لصحافيين أن الشرطة ألقت القبض على 135 شخصاً في أنحاء البلاد، بحلول مساء اليوم، موضحاً أن عدداً منهم أُلقي القبض عليه، في أعقاب عمليات تفتيش استباقية عُثر خلالها ⁠على ألعاب نارية وكرات معدنية وأغراض أخرى يمكن استخدامها أسلحة.

السباق الرئاسي

وأشاد زعيم اليسار المتطرف، جان لوك ميلونشون، الذي انضمَّ إلى الحشود في شوارع باريس، بما وصفه بأنه «مشهد جماهيري رائع يعكس الانضباط الجماعي وضبط النفس».

عناصر الشرطة يواجهون المحتجين في باريس (أ.ف.ب)

وأكد ميلونشون أن الاحتجاجات ستستمر، ما لم يعالج الرئيس ماكرون حالة الاستياء الاجتماعي في فرنسا، وهي واحدة من أغنى دول العالم، لكنها تعاني في الوقت ذاته مِن ديون متزايدة تثير قلق المستثمرين.

وقال: «بالنظر إلى الوضع الراهن، أعتقد أنه سيدرك أن هذا الأمر سيتكرر أسبوعياً. لا يزال هناك متسع من الوقت أمام (ماكرون) ليتراجع، وإلا فلن يتبقى أمامه سوى باب الخروج».

ومنذ بدء الاحتجاجات، تتهم الحكومة حزب «فرنسا الأبية» الذي يتزعمه ميلونشون، بتأجيج التوتر. ولا تصبّ استطلاعات الرأي في مصلحة ترشح السياسي البالغ 75 عاماً، الذي يخوض السباق الرئاسي للمرة الرابعة.

عناصر الشرطة الفرنسية تنتشر في باريس (أ.ف.ب)

وتتصدر زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، مارين لوبان، التي تخوض السباق الرئاسي للمرة الرابعة، استطلاعات الرأي.

والجمعة، استقبل الرئيس الفرنسي المنظمات الطلابية للمرة الأولى منذ بدء الاحتجاجات، متعهِّداً بـ«اتخاذ إجراءات ملموسة» بحلول الاثنين.


تمديد توقيف المشتبه بتنفيذه إطلاق النار الدامي بضواحي باريس

الشرطة الفرنسية تنقل جثة الرجل الذي قُتل في حادثة إطلاق النار وسط مدينة «تراب» (إ.ب.أ)
الشرطة الفرنسية تنقل جثة الرجل الذي قُتل في حادثة إطلاق النار وسط مدينة «تراب» (إ.ب.أ)
TT

تمديد توقيف المشتبه بتنفيذه إطلاق النار الدامي بضواحي باريس

الشرطة الفرنسية تنقل جثة الرجل الذي قُتل في حادثة إطلاق النار وسط مدينة «تراب» (إ.ب.أ)
الشرطة الفرنسية تنقل جثة الرجل الذي قُتل في حادثة إطلاق النار وسط مدينة «تراب» (إ.ب.أ)

أعلنت النيابة العامة الفرنسية لمكافحة الإرهاب، السبت، تمديد توقيف رجل يُشتبه في إطلاقه النار في ضواحي باريس الجمعة بدوافع عنصرية؛ ما أسفر عن مقتل شخص، وإصابة 5 آخرين.

وأُوقف الرجل البالغ 39 عاماً والذي قالت النيابة إنه يدعى كيفن تي، الجمعة، وهو يحمل مسدساً رشاشاً وقنابل غاز مسيل للدموع، بعد إطلاق النار على أشخاص من سيارة في مدينتي تراب ولا فيريير في ضواحي العاصمة الفرنسية.

وأفادت النيابة العامة لمكافحة الإرهاب التي تتولى التحقيق في القضية، بتمديد فترة توقيف المشتبه به بعد إخضاعه لاستجواب أوّلي.

وأشارت إلى توقيف ثلاثة من أفراد عائلته وأصدقائه في وقت متأخر، مساء الجمعة.

الشرطة الفرنسية في موقع الحادث عقب حادث إطلاق النار غرب باريس صباح الجمعة (رويترز)

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، إن إطلاق النار «هجوم إرهابي عنصري» نظراً إلى أن معظم الضحايا من أصول مهاجرة.

وصرّح رئيس بلدية تراب علي رابح أن إطلاق النار كان «هجوماً عنصرياً، وقد يكون مدفوعاً بمعاداة الإسلام»، مضيفاً أنه «قد يكون من أولى محاولات القتل الجماعي ذات الدوافع المعادية للإسلام والعنصرية» في فرنسا.

أسفر الهجوم عن مقتل شاب من أصول أفريقية يبلغ 26 عاماً، وإصابة خمسة آخرين بينهم فتاة في الثانية عشرة تلقت 8 رصاصات، ووصفت حالتها بالحرجة.

وتجمع مئات الأشخاص، السبت، في المكان الذي قُتل فيه الشاب بينغو بوسيو وانغي، رافعين لافتات تطالب بـ«العدالة».

وقال صاحب متجر: «كان يمكن أن يُستهدف أي شخص. لقد أطلق النار على سود وعرب، وكان يعلم أن غالبية سكان تراب مسلمون».

وقعت عملية إطلاق النار في وقت تشهد فيه فرنسا انقسامات حادة قبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية التي تتصدّر مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن استطلاعات الرأي فيها.

وحمّل بعض المتظاهرين حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف بزعامة لوبن مسؤولية ترسيخ مناخ من الكراهية.

وقالت النائبة ماتيلد بانو عن حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي خلال التجمع قرب موقع إطلاق النار: «العنصرية تقتل. اليمين المتطرف يقتل».

من جهتها، دعت لوبن إلى إجراء تحقيق «لا هوادة فيه»، معتبرة أن الدافع العنصري، إذا تأكد، سيكون «أمراً مشيناً».