سيمون كرم... «متمرّد» بات رئيساً للوفد اللبناني التفاوضي مع إسرائيل

اصطدم بوليد المعلم وغازي كنعان... وأغضب مؤيدي «حزب الله»

TT

سيمون كرم... «متمرّد» بات رئيساً للوفد اللبناني التفاوضي مع إسرائيل

السفير سيمون كرم (متداول)
السفير سيمون كرم (متداول)

في يوليو (تموز) الماضي، خطف السفير اللبناني السابق سيمون كرم، الذي ترأس، الأربعاء، الوفد التفاوضي مع إسرائيل، الأنظار في الجامعة اليسوعية، خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق، حين ألقى خطاباً أربك الحضور وأدى إلى انسحاب شخصيات في الندوة مؤيدة لـ«حزب الله».

يومها قال كرم: «إن شروط إنهاء الحرب جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل»، وقال إن هؤلاء المؤيدين للحزب «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، و(القوات الدولية) لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى».

لم يكن ذلك الخطاب حدثاً معزولاً، بل استعادة لمسيرة رجلٍ عرفته الحياة العامة صوتاً خارج الاصطفافات التقليدية، قبل أن يعود اليوم إلى المسرح السياسي بصفة جديدة، بعد أن عيّنه لبنان أول مدني يترأس الوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم»، في اجتماع حضرته الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس.

جذور سياسية

وكرم (75 عاماً)، وُلد في جزين (جنوب لبنان) لأسرة مارونية أنجبت البطريرك بولس المعوشي، وهو ابن شقيقة النائب الراحل جان عزيز (توفي في 13مارس / آذار 1986)، أحد رموز الحقبة الشهابية والدستورية والانفتاح، وكان عزيز مرشحاً رئاسياً جدياً مع بداية نشوب الحرب اللبنانية.

ويقول النائب السابق فارس سعيد لـ«الشرق الأوسط» إنّ «تعيين سيمون كرم في رئاسة الوفد اللبناني المفاوض مع إسرائيل يمثّل محطة سياسية غير عادية»، موضحاً أنّ الرجل ينتمي «إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية كالمطران المعوشي والنائب السابق جان عزيز، وهو بيتٌ غلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

تخرّج كرم في الجامعة اليسوعية حاملاً إجازة في الحقوق، وبرز باكراً في وصل الحركة الطلابية بين اليسوعية والجامعة اللبنانية، مما جعله جسراً بين البيئات السياسية المتباعدة.

ناشط ومحافظ وسفير

ويضيف سعيد: «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة». ويشرح: «عام 1991، عُيّن محافظاً للبقاع، لكنه اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية) التي كانت في لبنان، إذ رفض لقاء كنعان في عزّ الوصاية السورية»، قبل أن يتولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، حيث اصطدم بمحاولات السفير السوري حينها وليد المعلّم (أصبح وزير الخارجية لاحقاً) للتأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فاختار العودة إلى بيروت (استقال في 1993) حفاظاً على الموقع ورفضاً لأي وصاية».

ولعلّ من أبرز محطّاته المبكرة أنّه أثار عام 1999 جدلاً واسعاً بعد مقابلة تلفزيونية أعلن فيها أنّ إسرائيل ستنسحب من لبنان قريباً. يومها اعتُبر كلامه صادماً ومبالغاً فيه، لكن التطوّر حصل فعلاً في مايو (أيار) 2000، مما عزّز صورته كشخصية لا تخشى قول ما تعتقده ولو خالف السائد.

شراكات سياسية

شارك كرم في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب سمير فرنجية وفارس سعيد وهاني فحص وغيرهم، وكان من مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، قبل أن يسهم في مصالحة الجبل عام 2001 وينخرط لاحقاً في حركة «14 آذار»، «التي أعادت الاعتبار لفكرة لبنان السيد الحر المستقل»، حسبما يقول سعيد، مضيفاً: «هذه الخلفية السياسية المتراكمة جعلت اختياره اليوم يلامس أكثر من مجرد دور تقني ضمن (الميكانيزم)».

ويرى سعيد أن تعيين كرم اليوم «خطوة ذات دلالات سياسية تتجاوز البعد التقني للمفاوضات». ويقول: «هذا التعيين أدخل لبنان مجدداً في دينامية المنطقة».

واقع جديد

ولفت سعيد إلى أنّ «هذه المرة الأولى منذ أنطوان فتال عام 1983 التي يترأس فيها مدني وفداً تفاوضياً مع إسرائيل»، مضيفاً: «لبنان أُلحِق أخيراً بالمشهد الإقليمي الجديد. بعد شرم الشيخ خرج العرب عموماً من منطق الصراع العسكري المباشر، وبقي لبنان وحده في واجهة الاشتباك. اليوم يتكرّس واقع جديد».

وأوضح أنّ جعل الوفد سياسياً - عسكرياً وليس عسكرياً فقط، «فتح الباب أمام نقاشات أوسع تتجاوز الأمن إلى السياسة والاقتصاد»، مشيراً إلى أنّ هذا ما دفع (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو إلى الترحيب خطوةً بخطوة، لأنها تأتي في سياق واقع إقليمي لم يعد الصدام العسكري فيه خياراً أول».

وختم سعيد قائلاً: «هذه خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح، لكنها لا تعني أنّ الأزمة انتهت. هي تؤسس لمسار، وربما تسحب الذرائع من يد القوى الاعتراضية في الداخل التي كانت تتّهم الدولة بالعجز».


مقالات ذات صلة

لبنان: قرار حظر أنشطة «حزب الله» أمام الاختبار القانوني والميداني

المشرق العربي لقاء الرئيس عون مع سفراء «اللجنة الخماسية» حيث أكد أنه لا رجوع عن قرار الحكومة (رئاسة الجمهورية)

لبنان: قرار حظر أنشطة «حزب الله» أمام الاختبار القانوني والميداني

دخلت الحكومة اللبنانية، بعد حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله»، مرحلة الاختبار الفعلي للقرار الذي وصفه رئيس الجمهورية، الثلاثاء، بأنه «سيادي ونهائي»...

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي عناصر بالدفاع المدني يعملون على رفع الأنقاض من موقع غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

إسرائيل تلاحق قياديي «حزب الله» بالاغتيالات الجوية في الضاحية

تمضي إسرائيل في سياسة تنفيذ الاغتيالات بالضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان، وأعلنت منذ فجر الاثنين تنفيذ 4 اغتيالات على الأقل، استهدف آخرها مجموعة قياديين...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دبابة «ميركافا» إسرائيلية تتمركز قرب الحدود مع جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الجيش اللبناني ينفذ «إعادة تموضع» مع بدء إسرائيل التوغل البري

نفذ الجيش اللبناني إعادة تموضع لجنوده المنتشرين على الشريط الحدودي مع إسرائيل في الجنوب؛ إثر بدء الجيش الإسرائيلي توغلات محدودة

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد في موقع مبنى تعرّض لغارة جوية إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب) p-circle

لبنان: 40 قتيلاً و246 مصاباً في الهجمات الإسرائيلية خلال يومين

كشف متحدث باسم وزارة الصحة اللبنانية أن الهجمات الإسرائيلية على لبنان، أمس الاثنين واليوم الثلاثاء، أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 40 شخصاً وإصابة 246 آخرين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص مسيَّرة عرضها «حزب الله» ضمن مناورة عسكرية ببلدة عرمتى جنوب لبنان مايو 2023 (أرشيفية-أ.ب)

خاص مصدر لبناني يؤكد لـ«الشرق الأوسط» إطلاق مسيّرات باتجاه قبرص وملاحقة المتورطين

أكد مصدر رسمي لبناني، لـ«الشرق الأوسط»، إطلاق مسيّرات من لبنان باتجاه قبرص، الاثنين، مشيراً إلى أن السلطات تُلاحق المتورطين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

لبنان: قرار حظر أنشطة «حزب الله» أمام الاختبار القانوني والميداني

لقاء الرئيس عون مع سفراء «اللجنة الخماسية» حيث أكد أنه لا رجوع عن قرار الحكومة (رئاسة الجمهورية)
لقاء الرئيس عون مع سفراء «اللجنة الخماسية» حيث أكد أنه لا رجوع عن قرار الحكومة (رئاسة الجمهورية)
TT

لبنان: قرار حظر أنشطة «حزب الله» أمام الاختبار القانوني والميداني

لقاء الرئيس عون مع سفراء «اللجنة الخماسية» حيث أكد أنه لا رجوع عن قرار الحكومة (رئاسة الجمهورية)
لقاء الرئيس عون مع سفراء «اللجنة الخماسية» حيث أكد أنه لا رجوع عن قرار الحكومة (رئاسة الجمهورية)

دخلت الحكومة اللبنانية، بعد حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله»، مرحلة الاختبار الفعلي للقرار؛ الذي وصفه رئيس الجمهورية جوزيف عون، الثلاثاء، بأنه «سيادي ونهائي لا رجوع عنه»، مع ما يترافق مع ذلك من تعقيدات أمنية في ظل رفض معلن من «حزب الله» وتصاعد الدعوات الداخلية إلى تطبيقه سريعاً وبحزم.

وفي حين أعلن عون أنه «تم تكليف الجيش اللبناني والقوى الأمنية تنفيذه في كل المناطق اللبنانية»، كما بدأ القضاء اللبناني ملاحقة مطلقي الصواريخ من لبنان، تبرز أصوات لبنانية مطالبة بإجراءات أوسع لتشمل كل ما يرتبط بـ«حزب الله» عسكرياً وسياسياً ومالياً.

وفي هذا الإطار أكدت مصادر وزارية بدء العمل بقرار الحكومة الذي يرتبط بالجناح العسكري لـ«حزب الله»، مؤكدة في هذا الإطار أن التنفيذ بدأ ليشمل كل المظاهر المسلحة على اختلاف أنواعها وأشكالها في كل المناطق اللبنانية بعدما كان سابقاً الحديث عن جنوب الليطاني وشماله فقط.

النيران تندلع بأحد المباني التي استُهدفت بقصف إسرائيلي صباح الثلاثاء في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

وقال مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» إنه «جرى تعيين مكان إطلاق الصواريخ؛ وتحديداً شمال الليطاني»، وإن «العمل يجري على تعقب الأشخاص الذين يقفون خلف إطلاقها، ولكن لم تُحدد أسماؤهم ولا هوياتهم حتى الآن، وإن كان انتماؤهم معروفاً».

وكان «حزب الله» أعلن رفضه «قرار الحكومة العنتري» على حد قوله، ووصفه رئيس كتلته النائب محمد رعد في بيان له، بعد ساعات من المعلومات التي أشارت إلى اغتياله في غارة إسرائيلية الاثنين، بـ«قرار حظر رفض العدوان»، متهماً الحكومة بقصورها في تنفيذ «قرار الحرب والسلم...».

ملاحقات جزائية وإجراءات إدارية

وفي انتظار ما سينتج عن الخطوات العملية للقرار، أكد الخبير الدستوري الدكتور سعيد مالك أن القرار الحكومي «لا يصبح نافذاً بشكل كامل وشامل إلا إذا استُتبع بمراسيم وتدابير تطبيقية تصدر عن الوزارات المختصة؛ لأن إعلان الحظر يعني عملياً عدّ الأجنحة العسكرية والأمنية لـ(الحزب) خارجة عن القانون بكل ما يترتب على ذلك من نتائج».

ويوضح مالك لـ«الشرق الأوسط» أن هذا القرار «يفرض مباشرة ملاحقات جزائية أمام النيابة العامة التمييزية بجرائم تمس أمن الدولة، وتأليف جمعية بقصد تقويض سلطة الدولة، والانتماء إلى تنظيم مسلح غير شرعي، وحيازة أسلحة حربية من دون ترخيص، وتعريض لبنان لأعمال عدائية خارج قرار الدولة، بما قد يؤدي إلى إصدار مذكرات توقيف ومنع سفر وتدابير احترازية وفق الأصول القانونية».

كما يستتبع ذلك، وفق مالك، «إجراءات إدارية من قبل وزارة الداخلية تشمل حلّ وإقفال المراكز والمقار التابعة للأجنحة العسكرية والأمنية، وسحب التراخيص من الجمعيات والهيئات المرتبطة بها، وإلغاء أي صفة قانونية لكيانات تعمل لمصلحتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومنع أي نشاط تنظيمي مرتبط بها تحت أي تسمية».

الشّقان الإداري والسياسي

ويمتد التنفيذ إلى الشقين الإداري والسياسي، وفق تأكيد مالك، «عبر ضرورة عدّ الانتماء إلى الأجنحة المصنفة خارجة عن القانون مانعاً قانونياً من تولي الوظائف العامة أو الترشح للانتخابات أو شغل مناصب وزارية وإدارية، مع مراعاة الأصول القضائية». أما مالياً، «فيقتضي، تكليف (مصرف لبنان) و(هيئة التحقيق الخاصة) تجميد الحسابات والأصول، ومنع أي تمويل مباشر أو غير مباشر، وإخضاع الأشخاص المرتبطين بهذه الأجنحة لتدقيق مالي خاص عند الاشتباه في تمويل غير مشروع، إضافة إلى حظر أي تعاقد أو دعم من المؤسسات العامة والبلديات والهيئات الرسمية».

دعوات لتسريع التنفيذ

سياسياً، تصاعدت الدعوات إلى وضع قرار الحكومة موضع التطبيق الفوري. وهو ما شدد عليه رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» النائب سامي الجميل بعد لقائه الرئيس جوزيف عون، وفيما وصف القرارات بـ«التاريخية»، أكد أن العبرة تبقى في تنفيذها.

وأضاف: «نطالب بوضع كل القوى العسكرية والأمنية في تصرف القضاء لتنفيذ القرارات بالقوة، وإلا تبقى هذه القرارات القضائية بلا متابعة»، مؤكداً: «الامتحان هو بتسخير كافة إمكانات الدولة لتنفيذ قرارها وتطبيقه؛ بدءاً بتوقيف أي خلية أمنية لـ(حزب الله) قد تتحرك في المرحلة المقبلة، والمطلوب تفعيل عمل مخابرات الجيش لرصد وجود أي خلايا أمنية لـ(الحزب)».

بدوره، دعا رئيس حزب «القوات اللبنانية»، سمير جعجع، الأجهزة الأمنية والقضائية إلى المبادرة فوراً لاتخاذ خطوات عملية واضحة لوضع القرار موضع التنفيذ، محذراً من الانعكاسات الخطرة لأي تردد.

أما النائب ميشال معوض، فعدّ، بعد لقائه عون، أن «الدولة بدأت فعلياً بخطوات أولية»، مشيراً إلى وقائع تتصل بتوقيف أشخاص وتفكيك بعض مخازن الأسلحة.

في المقابل، طرح النائب السابق فارس سعيد تساؤلاً بشأن ما إذا كان يُفترض إصدار مذكرة توقيف غيابية بحق قيادات حزبية في حال استمرار إطلاق الصواريخ، فيما شدد النائب فادي كرم على أنه لا دولة ولا استقرار في ظل «الأمن بالتراضي»، داعياً القوى الأمنية والقضائية إلى تحمل مسؤولياتها.


إسرائيل تلاحق قياديي «حزب الله» بالاغتيالات الجوية في الضاحية

عناصر بالدفاع المدني يعملون على رفع الأنقاض من موقع غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
عناصر بالدفاع المدني يعملون على رفع الأنقاض من موقع غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
TT

إسرائيل تلاحق قياديي «حزب الله» بالاغتيالات الجوية في الضاحية

عناصر بالدفاع المدني يعملون على رفع الأنقاض من موقع غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
عناصر بالدفاع المدني يعملون على رفع الأنقاض من موقع غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

تمضي إسرائيل في سياسة تنفيذ الاغتيالات بالضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان، وأعلنت منذ فجر الاثنين تنفيذ 4 اغتيالات على الأقل، كان آخرها بعد ظهر الثلاثاء، واستهدف مجموعة من القادة العسكريين.

واستهدفت سلسلة غارات جديدة وعنيفة معقل «حزب الله» في ضاحية بيروت الجنوبية، وفق ما أفادت به «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية. وقالت «الوكالة» إن الغارات استهدفت منطقتي الرويس وصفير، ونُفذت من دون سابق إندار، مخلفة أضراراً كبيرة في المباني المستهدفة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن الضربة استهدفت اجتماعاً لقيادة في «حزب الله». وقال المتحدث باسمه، أفيخاي أدرعي، إن الغارة استهدفت «عدداً من العناصر القيادية في (حزب الله) بمنطقة بيروت». وجاءت الغارة من دون تحذير علني، في نمط مباغت أعاد عنصر المفاجأة إلى الضاحية.

اغتيالات الاثنين

وكانت ليلة الاثنين - الثلاثاء بدورها مسرحاً لضربة مماثلة طالت منطقة بئر حسن من دون إنذار، في مؤشر على توسيع نطاق الاستهداف خارج الحيز التقليدي للضاحية، واعتماد عنصر السرعة حين يتعلق الأمر بأهداف ذات طابع قيادي أو أمني.

وأعلن أدرعي، أن سلاح البحرية نفّذ، الاثنين، بتوجيه من هيئة الاستخبارات العسكرية، غارة استهدفت منطقة بيروت، أسفرت عن مقتل رضا خزاعي، الذي قال إنه مسؤول ملف «التعاظم العسكري» في «حزب الله» نيابةً عن «فيلق القدس»، ويشغل أيضاً منصب رئيس أركان «فيلق لبنان» في القوة.

ووفق البيان، فقد كان خزاعي يُعدّ «اليد اليمنى» لقائد «فيلق لبنان»، وعنصراً مركزياً في عملية بناء قدرات «حزب الله»؛ إذ تولى مسؤولية التنسيق بين «الحزب» وإيران، لا سيما بشأن مواءمة احتياجاته العسكرية مع الموارد التي توفرها طهران.

ووفق البيان الإسرائيلي، فقد كان خزاعي مسؤولاً عن التنسيق بين «الحزب» وإيران، والإشراف على عمليات التسلح وتنفيذ خطة «التعاظم العسكري»، إضافة إلى ترسيخ مسارات نقل الوسائل القتالية ومواكبة خطط الإنتاج داخل لبنان.

وفي سياق متصل، استهدفت غارة إسرائيلية، يوم الاثنين، منطقة حي ماضي في الضاحية الجنوبية. وأعلن الجيش الإسرائيلي حينها أنه «هاجم في بيروت بشكل موجه بدقة عنصراً بارزاً في (الحزب)»، قبل أن يعلن بعد الظهر «اغتيال مسؤول هيئة الاستخبارات في (الحزب) حسن مقلد».

رجال إطفاء يعملون بموقع تعرض لغارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

اغتيالات الضربة الأولى

وفي حين لم يعلن «حزب الله» عن قيادييه الذين قتلوا في الغارات الأولى فجر الاثنين، نقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر أمنية أن الاستهدافات «شملت شخصيات قيادية وأمنية في (حزب الله)، من بينها رئيس المجلس التنفيذي علي دعموش، وقائد عسكري يُعرف بـ(الحاج ياسر) يقود وحدة تُسمّى (وحدة المائتين)، إضافة إلى المسؤول الأمني المعروف بـ(أبو علي حيدر) محمد حيدر الذي نجا، فيما قُتل مساعده أحمد الزين، صهر القائد العسكري السابق مصطفى بدر الدين».

وفي تطور لافت، ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية، يوم الاثنين، أن من بين المستهدفين رئيس كتلة نواب «حزب الله» في البرلمان اللبناني النائب محمد رعد، قبل أن يصدر بيان باسمه ليلاً؛ مما نفى عملياً خبر اغتياله وأبقى المعلومات في إطار التداول الإعلامي غير المؤكد.

خريطة الإنذارات

بعد الضربات المباغتة، اتسعت دائرة الإنذارات العلنية داخل الضاحية. فقد وجّه الجيش الإسرائيلي تحذيراً إلى السكان الموجودين في الغبيري وحارة حريك وبرج البراجنة والحدث، داعياً إلى الإخلاء الفوري والابتعاد مسافة لا تقل عن 300 متر، بدعوى القرب من «منشآت ومصالح تابعة لـ(حزب الله)».

وصباح الثلاثاء، نفذ الجيش الإسرائيلي تهديده بقصف حارة حريك في الضاحية الجنوبية، حيث استهدف الضاحية الجنوبية بغارات جوية عنيفة؛ طالت إحداها مبنى إذاعة «النور» التابعة لـ«حزب الله».


الجيش اللبناني ينفذ «إعادة تموضع» مع بدء إسرائيل التوغل البري

دبابة «ميركافا» إسرائيلية تتمركز قرب الحدود مع جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابة «ميركافا» إسرائيلية تتمركز قرب الحدود مع جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش اللبناني ينفذ «إعادة تموضع» مع بدء إسرائيل التوغل البري

دبابة «ميركافا» إسرائيلية تتمركز قرب الحدود مع جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابة «ميركافا» إسرائيلية تتمركز قرب الحدود مع جنوب لبنان (أ.ف.ب)

نفذ الجيش اللبناني إعادة تموضع لجنوده المنتشرين على الشريط الحدودي مع إسرائيل في الجنوب، إثر بدء الجيش الإسرائيلي توغلات محدودة في ثلاثة محاور، وإصدار إنذارات إخلاء طالت عشرات القرى، وسط ضبابية تحيط بالخطط الإسرائيلية في لبنان.

وبالتزامن مع الجيش الإسرائيلي تعزيز انتشاره في جنوب لبنان، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن الجيش الإسرائيلي عزمه العمل على إقامة منطقة عازلة في لبنان.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن «الجيش اللبناني يخلي عدداً من مواقعه المتقدمة عند الحافة الحدودية إلى نقاط أخرى للتمركز فيها». وأشارت إلى أن القوات الإسرائيلية نفذت عملية تمشيط واسعة، من موقعها المستحدثة على تلة حمامص باتجاه الخيام وسهل مرجعيون، كما يستمر القصف المتقطع على الخيام وهورا والجبل تحت قلعة الشقيف».

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت منطقة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وبحسب «رويترز»، أخلى الجيش اللبناني سبعة مواقع عمليات أمامية على الأقل على الحدود. كما قال مسؤول لبناني للوكالة إن القوات الإسرائيلية «تقوم بعمليات توغل عبر أجزاء من الحدود اللبنانية».

توغلات على ثلاثة محاور

وبدأ التوغل العسكري ليل الاثنين - الثلاثاء، حيث أطلق الجيش الإسرائيلي موجة واسعة من القصف المدفعي، استهدفت منطقة الخيام، وترافقت مع تحركات عسكرية، بما أوحى أن التوغل سيكون على محور الخيام، وهو ما لم يثبت؛ إذ حصل التوغل على محاور كفركلا ويارون والقوزح.

وقال مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن القوات الإسرائيلية نفذت توغلات داخل الأراضي اللبنانية من ثلاث نقاط في قرى كفركلا (القطاع الشرقي)، ويارون (القطاع الأوسط) والقوزح (القطاع الغربي)، مؤكداً أن القوات الإسرائيلية لم تستحدث أي نقطة داخل الأراضي اللبنانية بعد، كما لم تستقر في أي من القرى التي توغلت إليها.

اتصالات على سائر المستويات

وفيما «نشطت اتصالات على سائر المستويات للجم التوغل وإيقافه»، حسبما يؤكد المصدر، اتخذ الجيش اللبناني تدابير عسكرية في المنطقة. وأوضح المصدر الأمني أن وحدات الجيش المنتشرة في النقاط الحدودية في تلك المناطق «نفّذت إعادة تموضع»، في إشارة إلى نقل مراكز، والتحاق بعض العناصر بالمراكز الأساسية والكبيرة في المنطقة. وقالت إن خطط الانتشار والتموضع «مرتبطة بمستوى التصعيد الإسرائيلي».

وكان الجيش اللبناني استحدث في وقت سابق نقاطاً حدودية جديدة، لمنع القوات الإسرائيلية من التوغل في داخل الأراضي اللبنانية، ونفذ تدابير جديدة في المنطقة لإقفال منافذ التسلل. وعادة ما ينشر الجيش عناصر جديدة في كل نقطة مستحدثة، تصل إلى عشرة عناصر، ومعززة بآليات عسكرية، وفي المقابل، تنفذ إسرائيل توغلاتها بدبابات ميركافا يصل عددها إلى عشرة دبابات تحمل عشرات الجنود، وتترافق مع طلعات جوية مسيرة أو مروحية أو قتالية لتوفير الحماية له.

إنذارات إخلاء لـ84 بلدة

في موازاة التحركات البرية، أصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، عبر «إكس»، إنذاراً عاجلاً لسكان 84 من القرى والبلدات في لبنان، مرفقاً قائمة بأسماء القرى التي طالها التحذير، مطالباً السكان بعدم العودة إليها في الوقت الحالي.

سكان محليون يتفقدون موقعاً في الضاحية الجنوبية لبيروت استهدفه الجيش الإسرائيلي بالغارات الجوية (أ.ف.ب)

اللافت أن الإنذارات لم تقتصر على القرى الحدودية الأمامية، بل شملت بلدات ساحلية في الزهراني بعيدة نحو 35 كيلومتراً عن الحدود مع إسرائيل، مثل السكسكية والخرايب والصرفند واللوبية. ويوحي إدراج هذه القرى ضمن لوائح الإخلاء بأن الحسابات الإسرائيلية لا تنحصر في المحور البري الحدودي.

وتشير مصادر مواكبة للتحركات الإسرائيلية في الجنوب، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تكون إسرائيل تمهّد لتصعيد يمتد من البحر، عبر عمليات إنزال للأطباق على الجنوب من عدة محاور، وإما أنها تدفع باتجاه إخلاء القرى المحاذية للشاطئ لتأمين حرية الحركة النارية والبحرية؛ ما يعني تحييد الساحل بالكامل، وعزله عن أي استخدام عسكري محتمل، بما يضمن فصل خطوط الإمداد أو الحركة بين الجنوب والعمق اللبناني.

أبعاد ميدانية وسياسية

في قراءة عسكرية - سياسية للمشهد، رأى العميد المتقاعد سعيد قزح أن الإنذارات التي يوجّهها الجيش الإسرائيلي إلى سكان القرى الجنوبية «لا تُفهم في إطار عسكري تقني فحسب، بل تحمل أبعاداً ميدانية ونفسية وسياسية مترابطة»، معتبراً أن أهدافها تتجاوز التحذير المباشر إلى «إعادة تشكيل المشهد الميداني تمهيداً لخيارات تصعيدية أوسع».

وقال قزح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «أول أهداف هذه الإنذارات هو تأمين حرية الحركة للجيش الإسرائيلي في حال أراد استهداف أي هدف عسكري داخل القرى، بحيث يتمكن من تنفيذ ضرباته من دون عوائق مرتبطة بوجود المدنيين». وأضاف أن الهدف الثاني «يتمثل في خلق أزمة مهجّرين ونازحين، بما يزيد النقمة الشعبية ويضع ضغطاً إضافياً على الدولة اللبنانية في ملف النزوح».

وأشار إلى أن «هناك بعداً نفسياً واضحاً في هذا المسار؛ إذ يُراد منه تكبير حجم النقمة، وطرح تساؤلات داخل البيئة الحاضنة حول ما الذي يحققه الحزب فعلياً»، معتبراً أن «هذا العامل النفسي يشكّل جزءاً من الحرب النفسية، ويبدو أنه يحقق أثراً ملموساً في ظل تصاعد النقمة على تصرفات الحزب».

رجال إطفاء لبنانيون في موقع استهداف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

ولفت قزح إلى أن الهدف الثالث للإنذارات «يرتبط باحتمال اتخاذ قرار بتقدم بري، بحيث تكون المناطق خالية من السكان». وأوضح أنه «في العقيدة العسكرية الإسرائيلية سابقاً، كان يتم تطويق المدن في أثناء التقدم، أما اليوم فالمسار يميل إلى تدمير المدن لتسهيل العمل العسكري داخل القرى بحرية أكبر، وهو ما يفسّر سياسة الإخلاءات والإنذارات».

وفيما يتعلق بالحديث عن اجتياح بري، اعتبر قزح أن «الجدية هذه المرة تبدو أكبر من المرة الماضية». وقال: «في الجولة السابقة كان التقدير أن أي توغل سيقتصر على القرى الأمامية بعمق يقارب خمسة كيلومترات، بهدف تأمين مستوطنات شمال إسرائيل من الرميات المباشرة، نظراً إلى أن مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية مكشوفة على تلك المستوطنات». وتابع: «اليوم يُعاد طرح فكرة المنطقة العازلة بجدية أكبر».