لماذا لم تُنقل مومياء «توت» للمتحف الكبير رغم تخصيص مساحة لها؟

مومياء توت (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء توت (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

لماذا لم تُنقل مومياء «توت» للمتحف الكبير رغم تخصيص مساحة لها؟

مومياء توت (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء توت (وزارة السياحة والآثار المصرية)

رغم تخصيص ركن خاص لمومياء الملك توت عنخ آمون داخل جناحه الفسيح بالمتحف المصري الكبير، تحت عنوان يشير إلى أن هذا الركن ممنوع التصوير داخله، فإن زائر المتحف يفاجأ بغيابها، إذ تخلو فاترينة عرض مومياء «الفرعون الذهبي» من أي شيء رغم اكتمال تجهيزها، وهو ما يثير تساؤلات عن عدم عرضها مع مقتنياته الكثيرة.

ووفق وزير الآثار الأسبق وعالم المصريات الدكتور زاهي حواس، فإنه تم تشكيل لجنة هذا العام من الآثاريين المصريين برئاسته قبل افتتاح المتحف الكبير، لبحث قضية نقل المومياء من مقبرة توت بوادي الملوك بالأقصر (جنوب مصر) إلى المتحف، وبعد مناقشات عديدة تم الاتفاق على عدم نقل المومياء نهائياً إلى القاهرة، وتركها داخل مقبرته.

وعزا حواس في تصريحات تلفزيونية أسباب الإبقاء على المومياء داخل المقبرة، رغم تحمسه في البداية لضرورة نقلها مع كل مقتنياته للقاهرة، إلى صغر حجم مقبرته بوادي الملوك، وعدم قدرتها على اجتذاب الزوار من دون المومياء، مؤكداً أن المومياء تمثل عنصر جذب لافتاً في وادي الملوك، وإذا تم نقلها للمتحف الكبير فستزاحم مقتنياته الفريدة الأخرى لا سيما قناعه الذهبي الفريد.

وقال مسؤول بوزارة السياحة والآثار لـ«الشرق الأوسط» -فضل عدم ذكر اسمه- إنه تم الإبقاء على المومياء في وادي الملوك بعد تهيئة ظروف العرض المناسبة لها داخل مقبرته، مراعاة للبعد الاجتماعي بحيث لا يتم نزع كل الآثار المهمة من الأقصر، تفادياً لإثارة حساسيات أهاليها، معتبراً أن المومياء والمقبرة تعدان فخراً للأقصر.

تابوت توت (الشرق الأوسط)

وكان حواس قد انتقد في مرات سابقة استخدام مكتشف المقبرة هوارد كارتر، عالم الآثار الإنجليزي، بعض التقنيات الغريبة لنزع القناع الذهبي عن المومياء، ما أدى إلى تدهور حالتها، ما دفعه لكتابة كتاب عن ماذا كان سيفعل لو تولى هو هذه المهمة؟ ووجد أن كارتر فعل الصواب لأنه لا يمكن ترك القناع صاحب الجمال الأخاذ مع المومياء.

ووُضع حجر أساس المتحف المصري الكبير عام 2002، وافتُتحت مرحلتاه الأولى والثانية اللتان شملتا مخازن الآثار، ومركز الترميم عام 2010، ثم تعطَّل التنفيذ بسبب أحداث 2011، قبل أن يتم استئناف العمل مجدداً عام 2014، وكان من المقرر افتتاحه عام 2020 لكن جائحة «كوفيد-19» تسببت في تعطيل المشروع، وتأجيل الافتتاح.

أحد توابيت توت بجناحه في المتحف الكبير (الشرق الأوسط)

وتعوّل وزارة السياحة والآثار المصرية على المتحف المصري الكبير، الذي تم افتتاحه رسمياً في الأول من الشهر الجاري، في جذب السياحة الثقافية، إذ تتوقع استقبال المتحف نحو 5 ملايين سائح سنوياً، بمعدل 15 ألف سائح يومياً، وتطمح مصر إلى زيادة عدد السائحين الوافدين إلى 30 مليون سائح بحلول 2031، بينما حققت رقماً قياسياً العام الماضي باستقبال 15.7 مليون سائح.

لكن الإقبال الكبير على المتحف منذ افتتاحه الرسمي ووصول عدد الزوار إلى الطاقة القصوى بنحو 19 ألفاً يومياً يبشر بزيادة الرقم المستهدف، ما دفع إدارة المتحف إلى اتخاذ تدابير عاجلة لمنع الزحام، وتنظيم عملية الدخول.

ورغم أن المتحف المصري الكبير يضم مجموعة فريدة من القطع النادرة، والمميزة، من بينها عمود مرنبتاح، وتمثال الملك رمسيس الثاني الذي نُقل من ميدان رمسيس (وسط القاهرة) إلى المتحف قبل نحو 20 عاماً، إضافة إلى المسلة المعلقة، وتماثيل الدرج العظيم، ومتحف مراكب الملك خوفو؛ فإن جناح توت يظل الأبرز، والأكثر جذباً للزوار.

إحدى العربات الحربية للملك توت (الشرق الأوسط)

ويضم الجناح المجموعة الكاملة للفرعون الذهبي منذ اكتشاف مقبرته في وادي الملوك بالأقصر (جنوب مصر) في نوفمبر (تشرين الثاني) 1922، والبالغة نحو 5 آلاف قطعة، من بينها «أجنة توت عنخ آمون»، وهي عبارة عن جنينين عمرهما خمسة وسبعة شهور، عثر عليهما في تابوتين في الجهة الشمالية من حجرة الدفن، ونُقلا إلى كلية طب قصر العيني بالقاهرة، حيث استقرّا في معامل الكلية ما يزيد على 80 عاماً.

وتشهد قاعة توت للمرة الأولى عرض العجلات الحربية الست للفرعون الذهبي في مكان واحد، بعدما كانت موزعة بين متاحف «التحرير»، و«الحربي»، و«الأقصر».

كرسي العرش الخاص بالملك توت (الشرق الأوسط)

ووصف حواس في مقالة له بـ«الشرق الأوسط» حالة مومياء توت عنخ آمون عندما تم فتح التوابيت المغلقة عليها لأكثر من ثلاثة آلاف عام، قائلاً: «لقد أدى تسرع المحنطين إلى صب كميات هائلة من الراتنغ على المومياء، الأمر الذي جعلها تلتصق بصندوق التابوت الذهبي الذي كانت ترقد بداخله.

وأوضح أن منطقة الصدر كانت ملتصقة تماماً بقاع التابوت الذهبي، ولم تكن هناك مواد إذابة في ذلك الوقت يمكن استخدامها لتجنب مزيد من التدمير للمومياء، فتم كسر معظم أضلاع القفص الصدري لتوت عنخ آمون، وكذلك فصل الرأس تماماً عن الجسم لاستخلاص القناع الذهبي الذي كان يغطي رأس وصدر المومياء.


مقالات ذات صلة

معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

يوميات الشرق رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)

معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

كشفت واقعة استرداد مصر لتمثال رأس أثري من هولندا بعد تتبعه في أحد المعارض بمدينة ماسترخيت عن إمكانية أن تقود المعارض والمزادات الخارجية لاسترداد الآثار المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من العصر الفايكنجي وقد أُزيل جزء منها.

«الشرق الأوسط» (ستوكهولم)
يوميات الشرق الملتقى ناقش الحفاظ على التقاليد الحرفية التراثية العربية (وزارة الثقافة المصرية)

7 دول عربية تسعى لحصر التقاليد الحرفية التراثية

تسعى مصر لحصر التقاليد الحرفية في الوطن العربي، من خلال الملتقى الإقليمي الذي تنظمه وزارتا الثقافة والتعليم العالي بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق طريق الكباش من أشهر المعالم الأثرية بالأقصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

مصر: جرائم التنقيب عن الآثار تقترب من طريق الكباش

جاءت واقعة ضبط رجل وامرأة ينقبان عن الآثار أسفل مقهى بمدينة الأقصر، جنوب مصر، بالقرب من طريق الكباش، لتعيد إلى الأذهان جرائم سابقة.

حمدي عابدين (القاهرة )
ثقافة وفنون الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

صاحبُ «قصير عمرة» وسط ديوانه

يحتل قصير عمرة موقعاً رئيسياً في خريطة القصور الأموية التي تزخر بها بادية بلاد الشام، ويتميّز في الدرجة الأولى بجدارياته التي تغطي جدرانه وسقوفه.

محمود الزيباوي

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.