50 عاماً من تطور العلوم الطبية... تُوّجت بعلاجات ثورية

5 عقود على إصدار «تقارير هارفارد» الصحية

50 عاماً من تطور العلوم الطبية... تُوّجت بعلاجات ثورية
TT

50 عاماً من تطور العلوم الطبية... تُوّجت بعلاجات ثورية

50 عاماً من تطور العلوم الطبية... تُوّجت بعلاجات ثورية

على مدار نصف قرن، قدمت «رسالة هارفارد الصحية» لقرائها معلومات صحية حديثة مبنية على الأدلة وقابلة للتطبيق -معلومات خضعت لتدقيق من أعضاء هيئة التدريس في كلية الطب بجامعة هارفارد والمستشفيات التابعة لها.

أول عدد صدر قبل 50 عاماً

افتُتح عددنا الأول، الذي صدر قبل 50 عاماً، بموضوع عنوانه: «ما يجب أن تعرفه عن النوبات القلبية قبل أن تموت بسببها». وبينما لا تزال أمراض القلب السبب الرئيسي للوفاة في الدول الصناعية، إلا أن التقدم المحرز منذ ذلك الحين كان ملحوظاً -من الاكتشاف المبكر للنوبات القلبية، إلى الإنجازات في علاج ضغط الدم والكوليسترول، إلى ابتكارات مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب واستبدال الصمامات.

5 عقود من التقدم الطبي

وبمناسبة هذا الإنجاز، يستعرض رئيس التحرير المخضرم الدكتور توني كوماروف، الذي تخرج طبيباً في ستينات القرن الماضي، خمسة عقود من التقدم الطبي وكيف تطورت رسالة هارفارد الصحية بالتوازي معها. ومنذ ذلك الحين أحرز العلم تقدماً مذهلاً في الوقاية من الأمراض وتشخيصها وعلاجها، في المجالات التالية:

الجينات والخلايا الجذعية واللقاحات

* الجينات وعلم الوراثة: عندما بدأتُ دراستي الجامعية، كنا قد تعلمنا للتوّ أن الجينات مكونة من الحمض النووي «دي إن إيه». وأثار هذا تساؤلات بدهية: كم عدد الجينات لدينا؟ كيف تعمل الجينات؟ ما الذي يُنشّط الجينات ويُعطّلها؟ هل تجعلنا جينات معينة عرضة لأمراض معينة؟ هل يمكننا إصلاح الجينات المعيبة للوقاية من الأمراض أو علاجها؟ أخبرني أستاذ الأحياء في جامعتي أننا سنعرف الإجابات يوماً ما، ولكن ليس في حياتنا. كان مخطئاً: فالعلم اليوم قد قدّم إجابات -مع أنه لا يزال أمامنا الكثير لنتعلمه. والعلم يُنتج بالفعل علاجات.

* الخلايا الجذعية: في ستينات القرن الماضي، تحدّث العلماء نظرياً عن كيفية علاج الأمراض بالخلايا الجذعية من الأجنة. ولكن كانت هناك مشكلة كبيرة؛ إذ يجب استخدام خلايا جذعية من جنين شخص آخر، وعندها سيُهاجم جهاز المناعة تلك الخلايا الغريبة. وبدا الحل الأمثل -باستخدام خلاياك الجذعية الجنينية- مستحيلاً، لأنك كنت جنيناً منذ زمن بعيد، وليس بالإمكان إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

ثم في أوائل الألفية الثانية، توصل العلماء إلى اكتشاف مذهل حول البشر، مبنيٍّ بشكل مثير للدهشة على أبحاث أُجريت باستخدام بيض الضفادع: يمكنك تحويل خلاياك البالغة إلى خلايا مطابقة تقريباً لخلاياك الجذعية الجنينية -أي يمكنك إعادة عقارب الساعة إلى الوراء! والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أنه يمكن بعد ذلك تحويل هذه الخلايا الجذعية إلى خلايا معادلة لخلايا قلبك أو دماغك لتحل محل الخلايا التي ماتت بسبب المرض. بالفعل، يتم اختبار هذه الخلايا لتحسين وظائف القلب المتضررة بسبب النوبات القلبية والأدمغة المتضررة بسبب مرض باركنسون، بنتائج واعدة.

اللقاحات والعلاجات المضادة للفيروسات

* اللقاحات: ربما تكون اللقاحات أهم تقنية طبية تم اختراعها على الإطلاق. خلال مسيرتي المهنية، أنقذت اللقاحات أكثر من 150 مليون حياة (معظمهم من الأطفال).

وبعد عام واحد فقط من تسبب فيروس جديد في جائحة كوفيد-19، أصبح لقاحه متاحاً بنسبة فاعلية تزيد على 90 في المائة في الوقاية من أمراض خطيرة. وفي الواقع، أظهرت أبحاثٌ رصينة أنها أنقذت حياة 20 مليون شخص في عامها الأول فقط.

* العلاجات المضادة للفيروسات: كانت المضادات الحيوية لعلاج الالتهابات البكتيرية المدمرة من أهم الاكتشافات الطبية. ولكن عندما أصبحتُ طبيباً، كانت الأدوية المستخدمة لعلاج الالتهابات الفيروسية قليلة. وقد تغيّر هذا الوضع بشكل كبير، فعلى سبيل المثال، أنقذت الأدوية المضادة للفيروسات ملايين الأرواح من الأشخاص الذين كانوا سيموتون بسبب فيروس نقص المناعة البشري (الإيدز) أو عدوى فيروس التهاب الكبد الوبائي (سي).

أمراض القلب والسرطان

* تقنيات التصوير: تُمكّن تقنيات التصوير الحديثة من رؤية أعماق جسمك دون أن تلمسه. عندما كنت طالباً في كلية الطب، لم تكن هناك طريقةٌ جيدةٌ لمعرفة ما إذا كان الصداع المفاجئ والشديد لشخصٍ ما ناتجاً عن نزيفٍ في الدماغ. أما اليوم، فقد اخترع العلم أجهزةً تُنتج صوراً واضحةً داخل جميع أجزاء الجسم، وصوراً تُساعد على تحديد المشكلات ومعالجتها بسرعة، وأحياناً تُنقذ حياةً.

* الكشف عن أمراض القلب وعلاجها: لا تزال أمراض القلب السببَ الأول للوفاة في الدول الصناعية، لكن الوفيات انخفضت بشكلٍ ملحوظ خلال مسيرتي المهنية. ويعود ذلك جزئياً إلى تغييرات نمط الحياة، ولكن أيضاً إلى التقدم العلمي، مثل الأدوية الجديدة الفعّالة لخفض ضغط الدم والكوليسترول، والتقنيات الجديدة لعلاج انسداد شرايين القلب (مثل الدعامات وجراحة المجازة القلبية)، وأجهزة تنظيم ضربات القلب، واستبدال صمامات القلب.

* الكشف عن السرطان وعلاجه: لا يزال السرطان ثاني أكثر الأمراض فتكاً في الدول الصناعية. عندما بدأتُ دراستي في كلية الطب، لم نكن نعرف سبب تحول الخلية إلى سرطانية، أو كيفية اكتشاف السرطان في مراحله المبكرة، أو سبب انتشار بعض أنواع السرطان في جميع أنحاء الجسم، أو سبب عدم مهاجمة الجهاز المناعي للخلايا السرطانية والقضاء عليها. أما اليوم، فقد قدّم العلم إجابات فعّالة أدت إلى العديد من العلاجات المعجزة.

* نمط حياة صحي: على مدار الأعوام الخمسين الماضية، كشفت دراساتٌ واسعة النطاق شملت مئات الآلاف من الأشخاص عن مدى تأثير نمط حياتنا على صحتنا. في الواقع، نعلم الآن أنه يمكنك فعل المزيد لحماية صحتك من خلال تغييرات في نمط حياتك، مثل ممارسة مزيد من التمارين الرياضية وتناول أطعمة صحية، مقارنةً بتناول أي دواءٍ تم اختراعه حتى الآن.

الذكاء الاصطناعي وزراعة الأعضاء

* الذكاء الاصطناعي: كان الإنجاز الأبرز من اندماج الذكاء الاصطناعي والعلوم الطبية حتى الآن، هو التنبؤ ببنية البروتينات. وتعتمد علاجات عديد من الأمراض على معرفة أشكال بروتينات معينة.

وقد أمضى آلاف العلماء قرناً من الزمن لتحديد أشكال 30 في المائة فقط من البروتينات البشرية. وفي عام2021، بين عشية وضحاها، حدّد الذكاء الاصطناعي بدقة أشكال الـ70 في المائة المتبقية. وقد سرّع هذا بالفعل تطوير أدوية جديدة بشكل كبير، وحاز جائزة نوبل.

* زراعة الأعضاء: عندما كنتُ أبدأ دراستي في كلية الطب، بدأتْ زراعة الأعضاء أخيراً تؤتي ثمارها. كان هناك عقد من الفشل: فالأشخاص الذين مُنحوا فرصة أخيرة للحياة ماتوا في سن مبكرة على أي حال. لكن العلم وجد أخيراً الحلول لإنجاح زراعة الأعضاء، مانحاً حياة كاملة لملايين البشر.

وعلى سبيل المثال، تُقام ألعاب زراعة الأعضاء كل عامين: يحمل كلٌّ من آلاف المتنافسين، في رياضات متعددة، عضواً من إنسان آخر. لم تسمح هذه الهبة للرياضيين بالبقاء على قيد الحياة فحسب، بل أتاحت لهم أيضاً تحقيق أحلامهم.

الشفاء يأتي من العلم

يقلقني أن بعض الناس يشككون في قيمة العلوم الطبية، وفي الأدوات التي وفرتها للإنسان.

ربما أكون متحيزاً من تجربتي الشخصية. مات معظم أسلافي بسبب نوبات قلبية في الأربعينات والخمسينات من عمرهم. كان لديهم بعض الجينات المعيبة التي لم تُكتشف بعد، جينات ورثوها عن أسلافهم. لكنني عشتُ وعملتُ حتى منتصف الثمانينات من عمري، لأن العلم اكتشف تلك الجينات المعيبة وطوّر علاجاتٍ لمواجهة آثارها الضارة.

وقد وُلدتُ، وعلى عكس والدي وعائلته، في الوقت المناسب للاستفادة من تقدم العلوم الطبية.

* رئيس تحرير رسالة «هارفارد» الصحية، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

مغنّية أوبرا أخفت صممها 30 عاماً تُشيد بجراحة «غيَّرت حياتها»

يوميات الشرق حين عاد السمع... عاد العالم معه (هيئة الخدمات الصحية الوطنية)

مغنّية أوبرا أخفت صممها 30 عاماً تُشيد بجراحة «غيَّرت حياتها»

أعلنت جانين روبوك، المُقيمة في لندن، أنها لم تعد تعدُّ نفسها صمّاء بعد خضوعها لعملية زراعة مزدوجة لقوقعة الأذن استعادت بفضلها حاسّة السمع...

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم روابط جديدة بين الجينات… والأمراض والاستجابة للعلاج

روابط جديدة بين الجينات… والأمراض والاستجابة للعلاج

نحو طب «شخصي» أكثر دقة

د. وفا جاسم الرجب
تكنولوجيا تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)

لم يعد الطبيب وحده… كيف يشارك الذكاء الاصطناعي في القرار الطبي؟

يعيد الذكاء الاصطناعي والبيانات المتكاملة تشكيل الرعاية الصحية نحو التنبؤ والتخصيص مع تحديات تتعلق بالجودة والخصوصية والتنظيم.

نسيم رمضان (لندن)
علوم القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها

هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكير الطبيب؟

الذكاء الاصطناعي أصبح طرفاً غير مرئي في تشكيل الحكم الطبي

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
صحتك عادة ما يستغرق تشخيص التوحد مدداً زمنية طويلة (معهد كيندي كريجر)

دراسة: التوحد ربما يكون شائعا بنفس القدر بين الذكور والإناث

أظهرت دراسة نشرت أمس الأربعاء أن التوحد ربما يكون شائعا بالقدر نفسه بين الإناث والذكور، وهو ما يعارض تقديرات سائدة بشأن مدى انتشار هذا الاضطراب.


حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» في بحر العرب

حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
TT

حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» في بحر العرب

حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)

أعلنت وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو وصول حاملة الطائرات «شارل ديغول» والسفن المواكبة لها إلى الموقع الذي ستتمركز فيه في بحر العرب، استعداداً لإمكانية إطلاق مهمة «محايدة» تهدف لإعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وقالت الوزيرة في مقابلة مع قناة «بي إف إم تي في»، الخميس، إن الحاملة «عبرت قناة السويس، وتقدمت نحو بحر العرب، وهي حالياً في موقعها، لكنها ليست في مضيق هرمز».

وأضافت: «منذ البداية، كان موقف فرنسا هو عرض إمكانية إعادة حرية الملاحة في المضيق، ولكن بطريقة غير هجومية، بل دفاعية بحتة، وتحترم القانون الدولي».

وكانت حاملة الطائرات قد عبرت قناة السويس في السادس من مايو (أيار) وتوقفت لعدة أيام في جيبوتي حيث تقيم فرنسا قاعدة بحرية.

وقالت الوزيرة إن وجود حاملة الطائرات الفرنسية في منطقة الخليج «يمنحنا إمكانية تقييم الوضع والتأثير في المعادلة الدبلوماسية الإقليمية والعالمية».

وأعلنت بريطانيا وفرنسا الشهر الماضي بلورة خطة عسكرية لتأمين مضيق هرمز، من شأنها أن تتيح استئناف حركة الملاحة التجارية فيه.

وأفادت تقارير بموافقة نحو 40 دولة على المشاركة في مهمة متعددة الجنسيات بقيادة الدولتين لحماية الملاحة في هذا الممر المائي الرئيسي، حالما توافق إيران والولايات المتحدة على رفع الحصار عنه، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويُعيق إغلاق المضيق الاستراتيجي تصدير المحروقات من الخليج، ويرفع أسعارها، ما يؤثر على الاقتصاد العالمي.


القضاء على البعوض يثير الجدل رغم تسببه بمقتل أعداد كبيرة من البشر

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
TT

القضاء على البعوض يثير الجدل رغم تسببه بمقتل أعداد كبيرة من البشر

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)

ليست الأسود ولا العناكب ولا الحيتان الحيوانات الأكثر حصداً لأرواح البشر، بل البعوض الصغير الذي يلدغ ويسبب حكة وينقل الأمراض، إلى حدّ أن فكرة القضاء عليه تصبح في كثير من الأحيان موضع جدل.

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً، بحسب بيانات رسمية، إذ ينقل نحو 17 في المائة من الأمراض المعدية، مثل الملاريا وحمى الضنك والحمى الصفراء وشيكونغونيا وزيكا.

وبسبب التغير المناخي، تنتشر هذه الحشرات في مناطق جديدة من العالم خلال فصول الصيف التي باتت أطول، ما يُثير مخاوف من أزمات صحية مستقبلية.

ومن هذا المنطلق، ألا يمكن للبشر القضاء على البعوض القاتل؟ وإذا كان ذلك ممكناً، فما تأثيره على البيئة؟

تشير عالمة الأحياء هيلاري رانسون من كلية ليفربول للطب الاستوائي في حديث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى عدم الحاجة للقضاء على مختلف أنواع البعوض، إذ من 3500 نوع معروفة تقريباً لا يلدغ البشر سوى نحو مائة، بينما تُعدّ 5 أنواع فقط مسؤولة عن نحو 95 في المائة من العدوى لدى البشر.

وتوضح أن الأنواع الخمسة الناقلة للأمراض «تطورت لتكون شديدة الارتباط بالبشر»، لا سيما من خلال التغذية والتكاثر على مقربة منهم.

وتؤكد أنّ القضاء عليها نهائياً، وهو أمر «مقبول» بالنظر إلى الضرر الذي تُسببه، لن يكون له تأثير كبير على النظام البيئي ككل، لافتة النظر إلى أنّ أنواعاً من البعوض متشابهة جينياً، لكنها أقل فتكاً «ستسدّ سريعاً هذه الفجوة البيئية».

جدل أخلاقي

من جهته، يعدّ عالم الحشرات دان بيتش من جامعة جورجيا في الولايات المتحدة أن هناك حاجة إلى مزيد من المعلومات لمقارنة القضاء النهائي على البعوض بخيارات أخرى، ويقول: «نحن لا نعرف ما يكفي عن بيئة معظم أنواع البعوض لاتخاذ قرار نهائي في أي من الاتجاهات».

ويضيف أن البعوض «ينقل عناصر غذائية من موائله المائية التي يفقس فيها» إلى مناطق أخرى، ويُعدّ غذاء لكائنات حية أخرى كأنواع من الحشرات والأسماك. كما أنه يُلقّح النباتات، مع العلم أنّ هذه الظاهرة «ليست مفهومة بشكل جيد، وقد تختلف بحسب الأنواع».

وترى رانسون أن الجدل الأخلاقي الدائر بشأن القضاء على كائنات حية مشروع، مشيرة أيضاً إلى أنّ البشر يُبيدون أصلاً أنواعاً كثيرة منها من دون قصد.

ومن بين التقنيات الحيوية الواعدة للقضاء على البعوض، تقنية «الدفع الجيني» التي تقوم على تعديل كروموسوم لنقل صفة معينة إلى كل نسله. وقد نجح علماء عدّلوا جينات إناث بعوض أنوفيلة غامبية الناقل لمرض الملاريا لجعلها عقيمة، في القضاء على مجموعة من هذه الحشرات خلال بضعة أجيال فقط داخل مختبرات.

وتعتزم مبادرة «تارغيت ملاريا» (استهداف الملاريا)، الممولة من مؤسسة غيتس الأميركية، إجراء تجارب في دولة متضررة من الملاريا بحلول عام 2030.

وقد واجهت المبادرة انتكاسة في بوركينا فاسو، حيث أوقف المجلس العسكري الحاكم خلال العام الفائت مشروعاً يتعلق بسلالات معدلة وراثياً من البعوض، ولكن من دون استخدام تقنية الإجبار الجيني (إجبار جين معين على الظهور على نحو تفضيلي في الأجيال الآتية)، وذلك عقب انتقادات من المجتمع المدني وحملات تضليل إعلامي.

وتتمثل استراتيجية واعدة أخرى بجعل بعوض الزاعجة المصرية مُصابة ببكتيريا ولباكيا (الولبخية) التي تمنع انتشار الفيروس. ومن شأن ذلك أن يقلل من أعدادها أو يحدّ من قدرتها على نقل حمى الضنك.

«لا حلّ سحرياً»

تثير هذه التقنيات تساؤلاً آخر بشأن الحاجة الفعلية للقضاء على هذه الحشرات.

أظهرت دراسة نُشرت عام 2025 أن إطلاق بعوض مُصاب ببكتيريا ولباكيا في مدينة نيتيروي البرازيلية خفّض حالات حمى الضنك بنسبة 89 في المائة. وحالياً، يتمتع أكثر من 16 مليون شخص في خمس عشرة دولة بالحماية بفضل هذه البعوضات «من دون مواجهتهم أي آثار سلبية»، على ما يقول مؤسس البرنامج العالمي لمكافحة البعوض سكوت أونيل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

في غضون ذلك، يسعى مشروع آخر يهدف إلى «منع انتقال العدوى بشكل تام» إلى استخدام تقنية تحوير الجينات لمنع إناث بعوضة الأنوفيلة الغامبية من نقل الملاريا. تشير أبحاث مخبرية نُشرت في مجلة «نيتشر» أواخر عام 2025 إلى أن العلماء يقتربون من تحقيق هذا الهدف، ومن المتوقع بدء تجربة ميدانية عام 2030.

مع ذلك، أظهرت النكسة في بوركينا فاسو أن هذه المشاريع تتطلب قدراً من «الدعم السياسي أو موافقة» الدول التي تُجرى فيها التجارب، بحسب ما يؤكد معدّ الدراسة ديكسون ويلسون لويتويرا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وبدل التعويل فقط على «حلّ تكنولوجي سحري» والذي عادة ما تموّله مؤسسة «غيتس»، تدعو رانسون إلى «حلّ أكثر شمولاً» لمكافحة الأمراض الفيروسية المنقولة عبر الحشرات.

وتقول رانسون إن هذا الحل يتضمن تعزيز إتاحة التشخيص والعلاجات واللقاحات الأكثر فاعلية لسكان الدول المتضررة. لكن بحسب منظمات غير حكومية، يهدّد خفض المساعدات الدولية من الدول الغربية الذي بدأ عام 2025، التقدم المُحرز في مكافحة معظم الأمراض التي ينقلها البعوض.


القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر
TT

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من العمليات الحديثة... من تطوير المنتجات إلى تخطيط القوى العاملة. إذ إن وعوده جذابة، فهو سيُؤتمت عمل المؤسسات ويُحسّنه على جميع المستويات لدفع عملية صنع القرار القائمة على البيانات، وزيادة الإنتاجية، وتحسين تجارب العملاء... ولكن ثمة مخاطر كامنة وراء هذه المكاسب، كما كتبت لويز ك. ألين(*).

اتخاذ القرار بالنيابة

إن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات أفضل- أمر، غير أن الاعتماد عليه لاتخاذ القرارات نيابةً عنك- أمر آخر.

وقد اتضح أن العديد من المديرين التنفيذيين يميلون إلى الخيار الثاني، حيث وجدت شركة SAP أن 74 في المائة من المديرين التنفيذيين الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم يثقون في مخرجات الذكاء الاصطناعي أكثر من النصائح البشرية. بالإضافة إلى ذلك، فإن ما يقرب من نصفهم سيسمحون للذكاء الاصطناعي بتجاوز قرارهم الشخصي كانوا قد اتخذوه بالفعل.

وقد يُعرّض هذا التوجه نحو الثقة بالأدوات الذكية، القادة لمساءلة في المستقبل، ما يُقوّض مصداقيتهم ومهاراتهم في سعيهم لتحقيق الكفاءة.

تأثير الذكاء الاصطناعي على العقل

إن هذا النمط مألوف. إذ غالباً ما تندفع الشركات نحو أطر عمل وأدوات وعمليات جديدة، متوقعةً أن مجرد تبنيها كافٍ لتحقيق النتائج، دون مراعاة التداعيات الأوسع.

ولقد حدث هذا من قبل. ففي العديد من عمليات نقل البيانات إلى الحوسبة السحابية المبكرة، على سبيل المثال، تم تحديث الأنظمة، لكن العمليات ظلت على حالها.

ويسلك الذكاء الاصطناعي مساراً مشابهاً، سواء في الاستخدام الشخصي أو التجاري. إذ يُسوَّق له على أنه طريق مختصر لاتخاذ قرارات مثلى. وقد تقبّل الجمهور، بشكل عام، هذا الطرح دون تمحيص.

القرارات لا تُتخذ بمعزل عن السياق

تكمن المشكلة في أن القرارات لا تُتخذ بمعزل عن السياق. فهي تتطلب سياقاً وحكماً وتحليلاً. عندما يعتاد الناس على الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي، تتضاءل مهارات الفهم والاستدلال مع ازدياد اعتمادهم على الأدوات في إنجاز العمل.

تشير الأبحاث بالفعل إلى مخاطر هذه الديناميكية. وقد أظهرت دراسة أجراها مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن اعتماد الأفراد بشكل كبير على أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام التي تتطلب تفكيراً مكثفاً، أدى إلى انخفاض مستوى مشاركتهم الإدراكية. وكانت هذه الآثار بالغة الأهمية لدرجة أن المشاركين أظهروا ضعفاً في قدرتهم على تذكر محتوى أعمالهم.

السرعة أم الحكمة؟

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه الآثار لم تختفِ عند إزالة الأدوات، بل استمرت. وهذا يشير إلى أن الإفراط في الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على النتائج في لحظتها، ويُضعف المهارات المكتسبة بمرور الوقت.

في المناصب القيادية العليا، قد تكون تداعيات هذا التشويش المنهجي على سير العمل وخيمة. فمهمة القادة هي تحديد التوجه رغم الغموض، وتوحيد جهود الأفراد حول هذا الهدف المشترك.

باختصار، فإن القرارات التي يتخذها القائد يجب أن تكون أقل أهمية من جوانب التعاطف والسلطة والمصداقية التي تُبنى عليها هذه القرارات.

إن كل قرار يُعهد به إلى جهة خارجية يُعد فرصة ضائعة لصقل مهارات التفكير والتواصل.

* قيم المؤسسة وثقافتها وأهدافها طويلة الأجل هي وظائف بشرية في جوهرها*

إعادة صياغة دور الذكاء الاصطناعي

يُخاطر القادة الذين يُطلقون العنان لأدوات الذكاء الاصطناعي بشكل كامل بتقويض نجاحهم. تُتيح هذه الأدوات توسيع نطاق المدخلات التي يأخذها القادة في الاعتبار، وتحدي الافتراضات، وتسريع التحليل. مع ذلك، فإنَّ الموازنة بين الأولويات المتنافسة وإدارة التنفيذ بطرق تُجسّد قيم المؤسسة وثقافتها وأهدافها طويلة الأجل هي وظائف بشرية في جوهرها. وكلما زاد غموض هذا الخط الفاصل بين العمل والتنفيذ، زادت المخاطر التي تواجهها المؤسسات.

الانضباط عند اتخاذ القرار

ستكون المؤسسات الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي هي تلك التي تتسم بالانضباط في اتخاذ قراراتها. وهذا يتطلب تركيزاً مُتجدداً على أساسيات القيادة: وضوح النية والقدرة على تطبيق الحكم السليم في المواقف التي تكون فيها البيانات غير مكتملة أو غامضة. قد يبدو هذا التمييز فلسفياً، ولكنه في الواقع عملي وواقعي.

الحفاظ على الطابع الإنساني للقرارات

إنّ أولئك الذين يُفكرون ملياً في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي ومتى، وما يجب على القادة الاستمرار في تحمّل مسؤولياته، سيحققون نتائج أفضل من أولئك الذين يُركّزون كلياً على الكفاءة.

ذكاء «محايد ومتفاعل وخصم»

هذا يعني التخلي عن فكرة اعتبار الذكاء الاصطناعي صانع قرار أو مالك مشروع، والنظر إليه بدلاً من ذلك على النحو التالي:

1. طرف ثالث محايد: تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي معالجة البيانات وتلخيصها بسرعة، ما يساعد على إبراز الأنماط الموضوعية، ولكن على القادة تفسير الأرقام في ضوء تاريخ المؤسسة وثقافتها وخصوصياتها.

2. منصة تفاعلية لتبادل الآراء: استخدم الذكاء الاصطناعي لمناقشة الخيارات، وجمع المعلومات حول سيناريوهات مماثلة، وتطوير أساليب تفكير جديدة، مع الاحتفاظ بمسؤولية الحكم والتوجيه النهائي والتواصل.

3. خصمٌ شرس: دع الذكاء الاصطناعي يلعب دور المُعارض. اطلب منه أن يُشكك في أفكارك، وأن يختبر خططك بدقة، وأن يُحلل ثغرات تفكيرك من منظور مختلف أصحاب المصلحة، وذلك لفهم كيفية استقبال الآخرين لرؤيتك الاستراتيجية.

يُساعد هذا التغيير في التفكير على ترسيخ وتوضيح دور الذكاء الاصطناعي في سير العمل التنفيذي، وجعله عاملاً مُساعداً لا مُتحكماً في الخطوات اللاحقة. ففي نهاية المطاف، القيادة تعني تحمُّل مسؤولية التوجيه والأفراد والنتائج.

يُمكن للذكاء الاصطناعي دعم هذا العمل، لكنه لا يستطيع القيام به. سيجد المديرون التنفيذيون الذين يسمحون للذكاء الاصطناعي باتخاذ القرارات بدلاً من تقديم المعلومات، أنفسهم، حتماً تقريباً، يُعيدون صياغة رؤاهم وفقاً لصورة التكنولوجيا، مُتجاهلين حدودها. وهذا يُشكل خطراً، استراتيجياً وشخصياً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».