50 عاماً من تطور العلوم الطبية... تُوّجت بعلاجات ثورية

5 عقود على إصدار «تقارير هارفارد» الصحية

50 عاماً من تطور العلوم الطبية... تُوّجت بعلاجات ثورية
TT

50 عاماً من تطور العلوم الطبية... تُوّجت بعلاجات ثورية

50 عاماً من تطور العلوم الطبية... تُوّجت بعلاجات ثورية

على مدار نصف قرن، قدمت «رسالة هارفارد الصحية» لقرائها معلومات صحية حديثة مبنية على الأدلة وقابلة للتطبيق -معلومات خضعت لتدقيق من أعضاء هيئة التدريس في كلية الطب بجامعة هارفارد والمستشفيات التابعة لها.

أول عدد صدر قبل 50 عاماً

افتُتح عددنا الأول، الذي صدر قبل 50 عاماً، بموضوع عنوانه: «ما يجب أن تعرفه عن النوبات القلبية قبل أن تموت بسببها». وبينما لا تزال أمراض القلب السبب الرئيسي للوفاة في الدول الصناعية، إلا أن التقدم المحرز منذ ذلك الحين كان ملحوظاً -من الاكتشاف المبكر للنوبات القلبية، إلى الإنجازات في علاج ضغط الدم والكوليسترول، إلى ابتكارات مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب واستبدال الصمامات.

5 عقود من التقدم الطبي

وبمناسبة هذا الإنجاز، يستعرض رئيس التحرير المخضرم الدكتور توني كوماروف، الذي تخرج طبيباً في ستينات القرن الماضي، خمسة عقود من التقدم الطبي وكيف تطورت رسالة هارفارد الصحية بالتوازي معها. ومنذ ذلك الحين أحرز العلم تقدماً مذهلاً في الوقاية من الأمراض وتشخيصها وعلاجها، في المجالات التالية:

الجينات والخلايا الجذعية واللقاحات

* الجينات وعلم الوراثة: عندما بدأتُ دراستي الجامعية، كنا قد تعلمنا للتوّ أن الجينات مكونة من الحمض النووي «دي إن إيه». وأثار هذا تساؤلات بدهية: كم عدد الجينات لدينا؟ كيف تعمل الجينات؟ ما الذي يُنشّط الجينات ويُعطّلها؟ هل تجعلنا جينات معينة عرضة لأمراض معينة؟ هل يمكننا إصلاح الجينات المعيبة للوقاية من الأمراض أو علاجها؟ أخبرني أستاذ الأحياء في جامعتي أننا سنعرف الإجابات يوماً ما، ولكن ليس في حياتنا. كان مخطئاً: فالعلم اليوم قد قدّم إجابات -مع أنه لا يزال أمامنا الكثير لنتعلمه. والعلم يُنتج بالفعل علاجات.

* الخلايا الجذعية: في ستينات القرن الماضي، تحدّث العلماء نظرياً عن كيفية علاج الأمراض بالخلايا الجذعية من الأجنة. ولكن كانت هناك مشكلة كبيرة؛ إذ يجب استخدام خلايا جذعية من جنين شخص آخر، وعندها سيُهاجم جهاز المناعة تلك الخلايا الغريبة. وبدا الحل الأمثل -باستخدام خلاياك الجذعية الجنينية- مستحيلاً، لأنك كنت جنيناً منذ زمن بعيد، وليس بالإمكان إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

ثم في أوائل الألفية الثانية، توصل العلماء إلى اكتشاف مذهل حول البشر، مبنيٍّ بشكل مثير للدهشة على أبحاث أُجريت باستخدام بيض الضفادع: يمكنك تحويل خلاياك البالغة إلى خلايا مطابقة تقريباً لخلاياك الجذعية الجنينية -أي يمكنك إعادة عقارب الساعة إلى الوراء! والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أنه يمكن بعد ذلك تحويل هذه الخلايا الجذعية إلى خلايا معادلة لخلايا قلبك أو دماغك لتحل محل الخلايا التي ماتت بسبب المرض. بالفعل، يتم اختبار هذه الخلايا لتحسين وظائف القلب المتضررة بسبب النوبات القلبية والأدمغة المتضررة بسبب مرض باركنسون، بنتائج واعدة.

اللقاحات والعلاجات المضادة للفيروسات

* اللقاحات: ربما تكون اللقاحات أهم تقنية طبية تم اختراعها على الإطلاق. خلال مسيرتي المهنية، أنقذت اللقاحات أكثر من 150 مليون حياة (معظمهم من الأطفال).

وبعد عام واحد فقط من تسبب فيروس جديد في جائحة كوفيد-19، أصبح لقاحه متاحاً بنسبة فاعلية تزيد على 90 في المائة في الوقاية من أمراض خطيرة. وفي الواقع، أظهرت أبحاثٌ رصينة أنها أنقذت حياة 20 مليون شخص في عامها الأول فقط.

* العلاجات المضادة للفيروسات: كانت المضادات الحيوية لعلاج الالتهابات البكتيرية المدمرة من أهم الاكتشافات الطبية. ولكن عندما أصبحتُ طبيباً، كانت الأدوية المستخدمة لعلاج الالتهابات الفيروسية قليلة. وقد تغيّر هذا الوضع بشكل كبير، فعلى سبيل المثال، أنقذت الأدوية المضادة للفيروسات ملايين الأرواح من الأشخاص الذين كانوا سيموتون بسبب فيروس نقص المناعة البشري (الإيدز) أو عدوى فيروس التهاب الكبد الوبائي (سي).

أمراض القلب والسرطان

* تقنيات التصوير: تُمكّن تقنيات التصوير الحديثة من رؤية أعماق جسمك دون أن تلمسه. عندما كنت طالباً في كلية الطب، لم تكن هناك طريقةٌ جيدةٌ لمعرفة ما إذا كان الصداع المفاجئ والشديد لشخصٍ ما ناتجاً عن نزيفٍ في الدماغ. أما اليوم، فقد اخترع العلم أجهزةً تُنتج صوراً واضحةً داخل جميع أجزاء الجسم، وصوراً تُساعد على تحديد المشكلات ومعالجتها بسرعة، وأحياناً تُنقذ حياةً.

* الكشف عن أمراض القلب وعلاجها: لا تزال أمراض القلب السببَ الأول للوفاة في الدول الصناعية، لكن الوفيات انخفضت بشكلٍ ملحوظ خلال مسيرتي المهنية. ويعود ذلك جزئياً إلى تغييرات نمط الحياة، ولكن أيضاً إلى التقدم العلمي، مثل الأدوية الجديدة الفعّالة لخفض ضغط الدم والكوليسترول، والتقنيات الجديدة لعلاج انسداد شرايين القلب (مثل الدعامات وجراحة المجازة القلبية)، وأجهزة تنظيم ضربات القلب، واستبدال صمامات القلب.

* الكشف عن السرطان وعلاجه: لا يزال السرطان ثاني أكثر الأمراض فتكاً في الدول الصناعية. عندما بدأتُ دراستي في كلية الطب، لم نكن نعرف سبب تحول الخلية إلى سرطانية، أو كيفية اكتشاف السرطان في مراحله المبكرة، أو سبب انتشار بعض أنواع السرطان في جميع أنحاء الجسم، أو سبب عدم مهاجمة الجهاز المناعي للخلايا السرطانية والقضاء عليها. أما اليوم، فقد قدّم العلم إجابات فعّالة أدت إلى العديد من العلاجات المعجزة.

* نمط حياة صحي: على مدار الأعوام الخمسين الماضية، كشفت دراساتٌ واسعة النطاق شملت مئات الآلاف من الأشخاص عن مدى تأثير نمط حياتنا على صحتنا. في الواقع، نعلم الآن أنه يمكنك فعل المزيد لحماية صحتك من خلال تغييرات في نمط حياتك، مثل ممارسة مزيد من التمارين الرياضية وتناول أطعمة صحية، مقارنةً بتناول أي دواءٍ تم اختراعه حتى الآن.

الذكاء الاصطناعي وزراعة الأعضاء

* الذكاء الاصطناعي: كان الإنجاز الأبرز من اندماج الذكاء الاصطناعي والعلوم الطبية حتى الآن، هو التنبؤ ببنية البروتينات. وتعتمد علاجات عديد من الأمراض على معرفة أشكال بروتينات معينة.

وقد أمضى آلاف العلماء قرناً من الزمن لتحديد أشكال 30 في المائة فقط من البروتينات البشرية. وفي عام2021، بين عشية وضحاها، حدّد الذكاء الاصطناعي بدقة أشكال الـ70 في المائة المتبقية. وقد سرّع هذا بالفعل تطوير أدوية جديدة بشكل كبير، وحاز جائزة نوبل.

* زراعة الأعضاء: عندما كنتُ أبدأ دراستي في كلية الطب، بدأتْ زراعة الأعضاء أخيراً تؤتي ثمارها. كان هناك عقد من الفشل: فالأشخاص الذين مُنحوا فرصة أخيرة للحياة ماتوا في سن مبكرة على أي حال. لكن العلم وجد أخيراً الحلول لإنجاح زراعة الأعضاء، مانحاً حياة كاملة لملايين البشر.

وعلى سبيل المثال، تُقام ألعاب زراعة الأعضاء كل عامين: يحمل كلٌّ من آلاف المتنافسين، في رياضات متعددة، عضواً من إنسان آخر. لم تسمح هذه الهبة للرياضيين بالبقاء على قيد الحياة فحسب، بل أتاحت لهم أيضاً تحقيق أحلامهم.

الشفاء يأتي من العلم

يقلقني أن بعض الناس يشككون في قيمة العلوم الطبية، وفي الأدوات التي وفرتها للإنسان.

ربما أكون متحيزاً من تجربتي الشخصية. مات معظم أسلافي بسبب نوبات قلبية في الأربعينات والخمسينات من عمرهم. كان لديهم بعض الجينات المعيبة التي لم تُكتشف بعد، جينات ورثوها عن أسلافهم. لكنني عشتُ وعملتُ حتى منتصف الثمانينات من عمري، لأن العلم اكتشف تلك الجينات المعيبة وطوّر علاجاتٍ لمواجهة آثارها الضارة.

وقد وُلدتُ، وعلى عكس والدي وعائلته، في الوقت المناسب للاستفادة من تقدم العلوم الطبية.

* رئيس تحرير رسالة «هارفارد» الصحية، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

انطلاق أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية»

علوم الأمير عبد الله بن بندر وزير الحرس الوطني السعودي افتتح أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية» الاثنين (واس)

انطلاق أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية»

تناقش القمة موضوعات مرتبطة بمستقبل التقنية الحيوية الطبية، من أبرزها الاستراتيجيات الوطنية والأطر التنظيمية، والبنية التحتية للبحث والتطوير والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص من المتوقع أن يحصل أكثر من 60 متخصصاً سعودياً على تدريب دولي متقدم ضمن شراكة «لايفيرا» مع «نوفو نورديسك» لنقل المعرفة وبناء القدرات المحلية (أدوبي)

خاص هل يتوسَّع التوطين الدوائي في السعودية من الإنتاج المحلي إلى الجينوم والطب الدقيق؟

تتناول مجموعة «لايفيرا» توسيع التوطين الدوائي في السعودية من الأدوية الأساسية إلى التصنيع الحيوي والجينوم والطب الدقيق والذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
علوم هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟

جنسن هوانغ: «الذكاء الاصطناعي العام» وصل... فهل يستطيع العلم إثبات ذلك؟

يشعل جدلاً جديداً حول معنى الذكاء

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
الاقتصاد الابتكار والتقنيات الحديثة يعززان فرص الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية بالسعودية (واس)

من المختبر إلى السوق... الأبحاث الصحية ترسم مساراً استثمارياً جديداً في السعودية

تتجه الأبحاث الصحية في السعودية إلى التحول من نشاط علمي يهدف إلى تطوير الرعاية والعلاجات إلى قطاع استثماري واعد.

بندر مسلم (الرياض)
علوم فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

لرصد الأطفال الأكثر عرضة لبعض السرطانات المبكرة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي
TT

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

لسنوات متتالية، حذَّرت منظمات سلامة الذكاء الاصطناعي من أن المختبرات الكبرى تتسابق لتطوير أنظمة أكثر ذكاءً واستقلالية، دون استراتيجية واضحة وواقعية لإدارة المخاطر. وأكد باحثون مستقلون أن الاستثمارات في السلامة والتوافق تتخلف كثيراً عن الاستثمارات في القدرات. وقد استقال موظفون، وتوقع بعض الخبراء وقوع كارثة، ولم يُسهم أي من ذلك في إبطاء هذا السباق.

تحذيرات قوية من الباحثين

لكن خلال الأسابيع القليلة الماضية، بدأت التحذيرات تتخذ منحى مختلفاً؛ إذ باتت تصدر بشكل متزايد من العاملين داخل المختبرات. في الأسبوع الماضي، أعلن باحث الذكاء الاصطناعي جاكوب كوكسون استقالته من شركة «أنثروبيك» في منشور حصد أكثر من 171 مليون مشاهدة على منصة «إكس». وبعد ذلك بوقت قصير، أيَّد إيفان هوبينغر، رئيس قسم علوم التوافق في «أنثروبيك» كوكسون علناً، وكذلك فعل إيثان بيريز، باحث التوافق في «أنثروبيك»، وسامويل ماركس، باحث الإشراف القابل للتوسع. كما أيَّدته جولي ستيل وجاسمين وانغ، باحثتا السلامة في شركة «أوبن إيه آي».

«الذكاء الخارق»... مقامرة بحياة البشر

لماذا الآن؟ يُشير كوكسون في تغريدته إلى جزءٍ واضح من الإجابة: «إنهم يتسابقون نحو الذكاء الخارق المُتطور ذاتياً، ويُقامرون بحياتنا». ويُشير كوكسون هنا إلى مفهوم تقني يُسمى «التحسين الذاتي المُتكرر» (recursive self-improvement)، أو استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية لبناء نماذج جديدة وتحسينها.

الذكاء الاصطناعي بدأ يتحكم

ويُمكن للباحثين الآن استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في مراحل كثيرة من عملية تطوير النماذج. يُمكنهم استخدامها لتصميم بنية تحتية حاسوبية جديدة تُوفر قوة حاسوبية وكفاءة وسرعة معالجة أكبر. كما يُمكن استخدامها لإنشاء بيانات تدريب أكثر وأفضل، أو لإدارة وتحسين إطار البرمجيات الذي يُنظم تدريب النموذج. أو يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة وتحسين الشفرة البرمجية التي تُحدد النموذج وتُنفذه.

بعبارة أخرى، لا تكتفي نماذج الذكاء الاصطناعي بالتحسن فحسب؛ بل بدأت تتولى زمام العمل اللازم لتطوير الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي.

مضاعفة إنتاجية البحث

على سبيل المثال، صرَّحت شركة «أوبن إيه آي» أخيراً بأن برامجها تُساهم بالفعل في «تسريع وتيرة البحث العلمي» داخل الشركة. وبحلول منتصف أغسطس (آب) كانت مؤسستها البحثية تستخدم 3.1 يوم عمل للوكلاء الأذكياء لكل يوم عمل بشري، وقالت الشركة إنها وصلت إلى ما تسميه «متدربَ بحث آلياً».

وأكدت شركة «أنثروبيك» بالمثل أن نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة تُسهم الآن في تطوير النماذج اللاحقة لها.

نماذج تولِّد نماذج أذكى

يُعدُّ ابتكار نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تولي هذه المهام أحد الأسباب التي دفعت «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، و«غوغل» إلى التركيز على تطوير مساعدي برمجة الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود كود»، و«كوديكس»، و«أنتيغرافيتي». وقد استغلت أقسام الهندسة في مختلف المؤسسات هذه الأدوات لتسريع تطوير برامجها، ما وفَّر مصدر دخل بالغ الأهمية لمختبرات الذكاء الاصطناعي. ولكن داخل هذه المختبرات، يُمكن استخدام الأنظمة نفسها لتسريع تطوير نماذج ذكاء اصطناعي جديدة.

ومع ازدياد قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء مهامه، تتراكم التحسينات والكفاءات، ما يُؤدي في النهاية إلى نموذج أكثر ذكاءً. ويمكن استخدام هذا النموذج، أو وكلاء الذكاء الاصطناعي التي يُشغّلها، لتطوير البنية التحتية وكتابة الشيفرة المستخدمة في الجيل التالي من النماذج.

التوصل إلى «ذكاء خارق»

وقد تبدأ هذه الحلقة المتكررة بالعمل بوتيرة أسرع فأسرع، مع تولي الذكاء الاصطناعي مزيداً من مراحل عملية التطوير. وبذلك، يُمكن أن يُصبح تطوير النماذج مع التحسين الذاتي المتكرر عملية مستمرة. قد تتحقق المكاسب في مجال الذكاء بشكل أسرع وأوسع، ما يمهد الطريق نحو ذكاء اصطناعي فائق.

انفلات الذكاء الاصطناعي خارج الإشراف البشري

وقد أثارت الحادثة التي وقعت لـشركة «هاغنغ فيس» هذا الصيف مخاوف كبيرة، ومهدت الطريق لإعلان كوكسون الذي انتشر كالنار في الهشيم. فقد خرجت أسراب من وكلاء «أوبن أيه آي» عن السيطرة، وخرجت من بيئة التدريب، ووصلت إلى الإنترنت، واخترقت خوادم الشركة؛ بل واخترقت خوادم «أوبن إيه آي» نفسها. وقد نبهت هذه الحادثة الناس إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تطورت إلى درجة يمكنها معها العمل خارج الإشراف البشري؛ بل وضد مصالح البشر.

بعد 4 أيام من استقالة كوكسون، نشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، مقالاً جديداً بعنوان «يجب علينا ضبط وتيرة التقدم في التقنيات الرائدة» We Must Pace the Frontier)) دعا فيه إلى إبطاء وتيرة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً.

ومن جانبها، صرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأنها ستقوم «بإبطاء أو إيقاف» عمليات التطوير أو النشر، في حال كانت مخاطر السلامة غير مقبولة. كما أعرب كبير العلماء في الشركة، جاكوب باتشوك، عن أمله في أن يصبح التباطؤ الطوعي ممارسة شائعة.

وقد دعت «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» الحكومات إلى التدخل وضبط «وتيرة» تطوير الذكاء الاصطناعي.

انعدام الالتزام

ومع ذلك، لم تلتزم أي من الشركتين بإبطاء تطوير ونشر النماذج الجديدة بشكل مستمر. فبالنسبة لهذه المختبرات، لا تُعد عملية الإبطاء أمراً بسيطاً؛ إذ يبرز تساؤل مفاده: ماذا لو أبطأت المختبرات «أ» وتيرتها بينما واصلت المختبرات «ب» السباق نحو الأمام؟

وفي هذا السياق، يدعو ديفيد ساكس -الذي شغل سابقاً منصب مسؤول ملف الذكاء الاصطناعي في إدارة ترمب- مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى ضبط وتيرة عملها ذاتياً. وفي المقابل، يرى الرئيس دونالد ترمب أنه لا مجال لإبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي، نظراً للمنافسة القائمة مع الصين؛ حيث كتب على منصة «تروث سوشيال» يقول: «من يفوز في سباق الذكاء الاصطناعي، يفوز بكل شيء!».

وفي مقاله، دعا أمودي أيضاً إلى «دمج» جهات تقييم مستقلة -مثل مؤسسات: «METR» و«Apollo Research» و«Redwood Research»- داخل هذه المختبرات. وقد أيد سام ألتمان -الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»- هذه الفكرة، وأكد أن شركته ستشارك فيها. وفي الوقت نفسه، يعكف المشرعون -ومعظمهم من الديمقراطيين- على اقتراح تشريعات من شأنها تعزيز دور الحكومة في الإشراف على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة.

كفاءة تقنية أعلى... وإشراف أدنى

إن فهم توقيت هذه التحركات ليس بالأمر الصعب؛ فأنظمة الذكاء الاصطناعي تزداد كفاءة في العمل بأقل قدر من الإشراف البشري، وفي الوقت ذاته، باتت تتولى جزءاً متزايداً من المهام المتعلقة بتطوير الجيل القادم من تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولا تكمن المخاوف ببساطة في استمرار ازدياد ذكاء نماذج الذكاء الاصطناعي؛ بل في أن عملية جعلها أكثر ذكاءً قد تتسارع لدرجة تفقد معها البشرية قدرتها -أكثر فأكثر- على مراقبة ما يحدث، أو إبطاء وتيرته، أو فرض معايير السلامة والمواءمة.

* مجلة «فاست كومباني».


كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية
TT

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

لعقود طويلة كان استخدام أجهزة التنقل للأطفال محدوداً بسبب ارتفاع التكاليف، وعوائق التأمين، والحاجة إلى تصنيع متخصص. أما الآن، فمؤسسة «مَيْكْ غود» MakeGood غير الربحية في نيو أورليانز -الحائزة على جائزة الابتكار في التصميم لعام 2026 في مجال التصميم المُيسّر- تستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد (التجسيمية) لتوسيع نطاق الوصول إلى هذه الأجهزة للأطفال الذين يعانون من حالات تجعل الحركة المستقلة صعبة، كما كتبت مارغريت أندرسن(*).

كرسي متحرك بلاستيكي ملون

بدلاً من إنتاج كرسي متحرك يدوي تقليدي، ابتكرت المؤسسة كرسياً متحركاً بلاستيكياً ملوناً سمته «الجهاز التدريبي wheelchair-like mobility trainer» يُشبه الكرسي المتحرك، ومُصمماً للأطفال من عمر سنة إلى ثماني سنوات، الذين يعانون من حالات مثل الشلل الدماغي أو تشقق العمود الفقري (السِّنْسِنَة المشقوقة)، أو الذين قضوا فترات طويلة في العناية المركزة لحديثي الولادة.

تصنيع منزلي

ويمكن تصنيع الكرسي «التدريبي» محلياً ببضع مئات من الدولارات باستخدام طابعات ثلاثية الأبعاد منزلية. وهو مُجمّع من عشرات المكونات الصغيرة باستخدام تقنيات النجارة المستوحاة من النجارة اليابانية، والهياكل الهندسية المتشابكة لإنشاء إطار متين من مطبوعات بحجم سطح المكتب.

وتدير المؤسسة منصة إلكترونية تُسمى 3D-mobility.org تربط أكثر من 1000 متطوع من صانعي الأجهزة حول العالم بالعائلات التي تطلبها. وتقوم المدارس، ومساحات العمل الإبداعية، والمستشفيات، وحتى الأجداد الذين اشتروا طابعات ثلاثية الأبعاد حديثاً، بتجميع هذه الأجهزة التدريبية بالقرب من أماكن سكن الأطفال.

تلبية الاحتياجات الفردية

يقول نعوم بلات، مؤسس «مَيْكْ غود»: «التصميم الجيد المقترن بالطباعة ثلاثية الأبعاد يمنحنا القدرة على تلبية احتياجاتنا دون الحاجة إلى القلق بشأن شركات التأمين. إذا احتجنا إلى جهاز مساعد على الحركة، يُمكننا ببساطة صنعه بأنفسنا».

وتُوسّع المنظمة حالياً مراكز الإنتاج المحلية عالمياً، لا سيما في مناطق أميركا اللاتينية، حيث يرتفع الطلب، بينما يبقى الوصول إلى الطابعات ثلاثية الأبعاد والمواد محدوداً.

* مجلة «فاست كومباني»


جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال
TT

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

كشفت دراسة دولية جديدة عن سبب وراثي لم يكن معروفاً من قبل وراء مجموعة نادرة من الاضطرابات النمائية، بعد أن توصل الباحثون إلى أن الطفرات التي تصيب جيناً يُعرف باسم NPTN تعطل الوظيفة الطبيعية للخلايا العصبية؛ ما قد يؤدي إلى تأخر النمو واضطراب طيف التوحد وفي بعض الحالات الإصابة بالصرع.

اضطرابات عصبية بلا تشخيص محدد

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Genome Medicine في 1 يوليو (تموز) الماضي. وتشير النتائج إلى أن هذا الاكتشاف قد يفتح الباب أمام تشخيص حالات مشابهة ظلت لسنوات من دون تفسير واضح. وبالنسبة إلى كثير من العائلات قد يعني ذلك نهاية رحلة طويلة من البحث عن سبب تأخر نمو الطفل أو معاناته من اضطرابات عصبية من دون الوصول إلى تشخيص محدد.

ورغم ندرة هذه الحالة؛ يرى الباحثون أن تحديد العلاقة بين جين NPTN وهذه الاضطرابات قد يساعد الأطباء على التعرف إلى مرضى آخرين يحملون طفرات مشابهة، ويوفر أساساً لفهم أفضل لكيفية تأثير هذه التغيرات الجينية في نمو الدماغ ووظائف الخلايا العصبية.

8 أطفال... وجين واحد

بدأت القصة مع ثمانية أطفال من دول مختلفة كانوا جميعاً يعانون اضطرابات نمائية لم يتمكن الأطباء من تفسيرها رغم خضوعهم لفحوص وراثية وطبية مكثفة.

وعند تحليل الحمض النووي (دي إن إيه) لهؤلاء الأطفال وجد الباحثون أن جميعهم يحملون تغيرات ضارة في جين NPTN، والأهم من ذلك أن هذه الطفرات لم تُورَّث من الوالدين، بل ظهرت تلقائياً خلال المراحل المبكرة من النمو الجنيني.

وعانى جميع الأطفال تأخراً في النمو أو إعاقات ذهنية، في حين شُخّص سبعة منهم باضطراب طيف التوحد. كما أصيب بعضهم بالصرع أو فقدوا مهارات لغوية سبق أن اكتسبوها، إضافة إلى اضطرابات في الحركة والنوم.

وكان جين NPTN صُنّف سابقاً على أنه «جين مرشح» قد تكون له علاقة باضطرابات النمو، إلا أن هذه الدراسة تقدم أول دليل قوي على أن الطفرات فيه يمكن أن تكون سبباً مباشراً لاضطرابات النمو العصبي والتوحد.

ويقول الدكتور ديرك مونتاغ، من معهد لايبنتس لعلم الأعصاب في ألمانيا وأحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة، تُظهر نتائجنا أن بروتين نيوروبلاستين Neuroplastin يؤدي دوراً أساسياً في عمل الدماغ. فإذا تغير هذا البروتين أو انخفضت كميته تصبح الخلايا العصبية أقل قدرة على معالجة الإشارات بصورة طبيعية.

بروتين يحافظ على تواصل الخلايا العصبية

يحمل جين NPTN التعليمات اللازمة لإنتاج بروتين يُعرف باسم نيوروبلاستين، وهو بروتين يساعد الخلايا العصبية على تنظيم مستويات الكالسيوم داخلها. ويُعد الكالسيوم عنصراً أساسياً لانتقال الإشارات بين الخلايا العصبية، لكن نجاح هذه العملية يعتمد على الحفاظ على مستوياته ضمن حدود دقيقة.

وكشفت الدراسة عن أن الطفرات في بروتين نيوروبلاستين تُضعف عمل مضخات متخصصة تُعرف باسم PMCA، وهي المسؤولة عن التخلص من الكميات الزائدة من الكالسيوم داخل الخلايا. وعندما تصبح هذه المضخات أقل كفاءة يبقى الكالسيوم داخل الخلية لفترة أطول من اللازم؛ ما يؤدي إلى اضطراب نقل الإشارات العصبية وإعاقة تكوين الشبكات العصبية الطبيعية أثناء نمو الدماغ.

ويقدم هذا الاكتشاف تفسيراً بيولوجياً لكيفية تسبب طفرة جينية واحدة في التأثير على التعلم والسلوك والتطور العصبي.

التجارب تؤكد النتائج

وللتأكد من تأثير هذه الطفرات؛ جمع الباحثون بين التحليلات الوراثية وتجارب أُجريت على خلايا عصبية بشرية وفئران وذباب الفاكهة. وأظهرت التجارب اضطراباً واضحاً في إشارات الكالسيوم داخل الخلايا العصبية. كما أدى خفض مستوى بروتين نيوروبلاستين إلى النصف في الفئران إلى انخفاض يقارب 50 في المائة في مستويات مضخات PMCA داخل الدماغ.

ولاحظ الباحثون أيضاً أن الفئران أصبحت أقل ميلاً للتفاعل الاجتماعي، وهو سلوك يشبه بعض السمات المرتبطة باضطراب طيف التوحد. كما أكدت تجارب ذباب الفاكهة أن الطفرات في جين NPTN تؤدي إلى إضعاف وظيفة بروتين نيوروبلاستين؛ ما عزز صحة النتائج.

وقال مونتاغ، تكمن قوة هذه الدراسة في أنها تربط بصورة مباشرة بين الأعراض السريرية لدى الأطفال والآليات الجزيئية التي تحدث داخل الخلايا العصبية.

خطوة نحو تشخيص أدق

ورغم أن الباحثين لم يوثّقوا حتى الآن سوى ثمانية أطفال مصابين بهذه الطفرات، فإنهم يرجحون وجود حالات أخرى حول العالم لم تُشخَّص بعد.

وبالنسبة للعائلات، فإن معرفة السبب الوراثي تمثل خطوة بالغة الأهمية نحو الحصول على تشخيص نهائي وتقديم استشارات وراثية أكثر دقة وفهم أفضل لكيفية تطور الحالة مستقبلاً. كما يضيف الاكتشاف جين NPTN إلى قائمة الجينات المرتبطة باضطرابات النمو العصبي والتوحد؛ ما يعزز أهمية الفحوص الجينية الشاملة للأطفال الذين يعانون تأخر النمو أو اضطرابات عصبية مجهولة السبب.

آفاق مستقبلية

ويعمل الباحثون حالياً على دراسة ما إذا كان بالإمكان استهداف اضطراب إشارات الكالسيوم علاجياً ومعرفة المرحلة التي قد يكون فيها التدخل أكثر فاعلية.

ورغم أن تطوير علاجات جديدة لا يزال يحتاج إلى مزيد من الدراسات، فإن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة نحو فهم الأسباب الجزيئية للاضطرابات النمائية النادرة. فبدلاً من مجرد إضافة جين جديد إلى قائمة الجينات المرتبطة بالأمراض، تكشف الدراسة عن مسار بيولوجي جديد يربط بين اضطراب تنظيم الكالسيوم داخل الخلايا العصبية ونمو الدماغ؛ وهو ما قد يمهد مستقبلاً لتطوير علاجات تستهدف السبب الأساسي للمرض وليس أعراضه فقط.