50 عاماً من تطور العلوم الطبية... تُوّجت بعلاجات ثورية

5 عقود على إصدار «تقارير هارفارد» الصحية

50 عاماً من تطور العلوم الطبية... تُوّجت بعلاجات ثورية
TT

50 عاماً من تطور العلوم الطبية... تُوّجت بعلاجات ثورية

50 عاماً من تطور العلوم الطبية... تُوّجت بعلاجات ثورية

على مدار نصف قرن، قدمت «رسالة هارفارد الصحية» لقرائها معلومات صحية حديثة مبنية على الأدلة وقابلة للتطبيق -معلومات خضعت لتدقيق من أعضاء هيئة التدريس في كلية الطب بجامعة هارفارد والمستشفيات التابعة لها.

أول عدد صدر قبل 50 عاماً

افتُتح عددنا الأول، الذي صدر قبل 50 عاماً، بموضوع عنوانه: «ما يجب أن تعرفه عن النوبات القلبية قبل أن تموت بسببها». وبينما لا تزال أمراض القلب السبب الرئيسي للوفاة في الدول الصناعية، إلا أن التقدم المحرز منذ ذلك الحين كان ملحوظاً -من الاكتشاف المبكر للنوبات القلبية، إلى الإنجازات في علاج ضغط الدم والكوليسترول، إلى ابتكارات مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب واستبدال الصمامات.

5 عقود من التقدم الطبي

وبمناسبة هذا الإنجاز، يستعرض رئيس التحرير المخضرم الدكتور توني كوماروف، الذي تخرج طبيباً في ستينات القرن الماضي، خمسة عقود من التقدم الطبي وكيف تطورت رسالة هارفارد الصحية بالتوازي معها. ومنذ ذلك الحين أحرز العلم تقدماً مذهلاً في الوقاية من الأمراض وتشخيصها وعلاجها، في المجالات التالية:

الجينات والخلايا الجذعية واللقاحات

* الجينات وعلم الوراثة: عندما بدأتُ دراستي الجامعية، كنا قد تعلمنا للتوّ أن الجينات مكونة من الحمض النووي «دي إن إيه». وأثار هذا تساؤلات بدهية: كم عدد الجينات لدينا؟ كيف تعمل الجينات؟ ما الذي يُنشّط الجينات ويُعطّلها؟ هل تجعلنا جينات معينة عرضة لأمراض معينة؟ هل يمكننا إصلاح الجينات المعيبة للوقاية من الأمراض أو علاجها؟ أخبرني أستاذ الأحياء في جامعتي أننا سنعرف الإجابات يوماً ما، ولكن ليس في حياتنا. كان مخطئاً: فالعلم اليوم قد قدّم إجابات -مع أنه لا يزال أمامنا الكثير لنتعلمه. والعلم يُنتج بالفعل علاجات.

* الخلايا الجذعية: في ستينات القرن الماضي، تحدّث العلماء نظرياً عن كيفية علاج الأمراض بالخلايا الجذعية من الأجنة. ولكن كانت هناك مشكلة كبيرة؛ إذ يجب استخدام خلايا جذعية من جنين شخص آخر، وعندها سيُهاجم جهاز المناعة تلك الخلايا الغريبة. وبدا الحل الأمثل -باستخدام خلاياك الجذعية الجنينية- مستحيلاً، لأنك كنت جنيناً منذ زمن بعيد، وليس بالإمكان إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

ثم في أوائل الألفية الثانية، توصل العلماء إلى اكتشاف مذهل حول البشر، مبنيٍّ بشكل مثير للدهشة على أبحاث أُجريت باستخدام بيض الضفادع: يمكنك تحويل خلاياك البالغة إلى خلايا مطابقة تقريباً لخلاياك الجذعية الجنينية -أي يمكنك إعادة عقارب الساعة إلى الوراء! والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أنه يمكن بعد ذلك تحويل هذه الخلايا الجذعية إلى خلايا معادلة لخلايا قلبك أو دماغك لتحل محل الخلايا التي ماتت بسبب المرض. بالفعل، يتم اختبار هذه الخلايا لتحسين وظائف القلب المتضررة بسبب النوبات القلبية والأدمغة المتضررة بسبب مرض باركنسون، بنتائج واعدة.

اللقاحات والعلاجات المضادة للفيروسات

* اللقاحات: ربما تكون اللقاحات أهم تقنية طبية تم اختراعها على الإطلاق. خلال مسيرتي المهنية، أنقذت اللقاحات أكثر من 150 مليون حياة (معظمهم من الأطفال).

وبعد عام واحد فقط من تسبب فيروس جديد في جائحة كوفيد-19، أصبح لقاحه متاحاً بنسبة فاعلية تزيد على 90 في المائة في الوقاية من أمراض خطيرة. وفي الواقع، أظهرت أبحاثٌ رصينة أنها أنقذت حياة 20 مليون شخص في عامها الأول فقط.

* العلاجات المضادة للفيروسات: كانت المضادات الحيوية لعلاج الالتهابات البكتيرية المدمرة من أهم الاكتشافات الطبية. ولكن عندما أصبحتُ طبيباً، كانت الأدوية المستخدمة لعلاج الالتهابات الفيروسية قليلة. وقد تغيّر هذا الوضع بشكل كبير، فعلى سبيل المثال، أنقذت الأدوية المضادة للفيروسات ملايين الأرواح من الأشخاص الذين كانوا سيموتون بسبب فيروس نقص المناعة البشري (الإيدز) أو عدوى فيروس التهاب الكبد الوبائي (سي).

أمراض القلب والسرطان

* تقنيات التصوير: تُمكّن تقنيات التصوير الحديثة من رؤية أعماق جسمك دون أن تلمسه. عندما كنت طالباً في كلية الطب، لم تكن هناك طريقةٌ جيدةٌ لمعرفة ما إذا كان الصداع المفاجئ والشديد لشخصٍ ما ناتجاً عن نزيفٍ في الدماغ. أما اليوم، فقد اخترع العلم أجهزةً تُنتج صوراً واضحةً داخل جميع أجزاء الجسم، وصوراً تُساعد على تحديد المشكلات ومعالجتها بسرعة، وأحياناً تُنقذ حياةً.

* الكشف عن أمراض القلب وعلاجها: لا تزال أمراض القلب السببَ الأول للوفاة في الدول الصناعية، لكن الوفيات انخفضت بشكلٍ ملحوظ خلال مسيرتي المهنية. ويعود ذلك جزئياً إلى تغييرات نمط الحياة، ولكن أيضاً إلى التقدم العلمي، مثل الأدوية الجديدة الفعّالة لخفض ضغط الدم والكوليسترول، والتقنيات الجديدة لعلاج انسداد شرايين القلب (مثل الدعامات وجراحة المجازة القلبية)، وأجهزة تنظيم ضربات القلب، واستبدال صمامات القلب.

* الكشف عن السرطان وعلاجه: لا يزال السرطان ثاني أكثر الأمراض فتكاً في الدول الصناعية. عندما بدأتُ دراستي في كلية الطب، لم نكن نعرف سبب تحول الخلية إلى سرطانية، أو كيفية اكتشاف السرطان في مراحله المبكرة، أو سبب انتشار بعض أنواع السرطان في جميع أنحاء الجسم، أو سبب عدم مهاجمة الجهاز المناعي للخلايا السرطانية والقضاء عليها. أما اليوم، فقد قدّم العلم إجابات فعّالة أدت إلى العديد من العلاجات المعجزة.

* نمط حياة صحي: على مدار الأعوام الخمسين الماضية، كشفت دراساتٌ واسعة النطاق شملت مئات الآلاف من الأشخاص عن مدى تأثير نمط حياتنا على صحتنا. في الواقع، نعلم الآن أنه يمكنك فعل المزيد لحماية صحتك من خلال تغييرات في نمط حياتك، مثل ممارسة مزيد من التمارين الرياضية وتناول أطعمة صحية، مقارنةً بتناول أي دواءٍ تم اختراعه حتى الآن.

الذكاء الاصطناعي وزراعة الأعضاء

* الذكاء الاصطناعي: كان الإنجاز الأبرز من اندماج الذكاء الاصطناعي والعلوم الطبية حتى الآن، هو التنبؤ ببنية البروتينات. وتعتمد علاجات عديد من الأمراض على معرفة أشكال بروتينات معينة.

وقد أمضى آلاف العلماء قرناً من الزمن لتحديد أشكال 30 في المائة فقط من البروتينات البشرية. وفي عام2021، بين عشية وضحاها، حدّد الذكاء الاصطناعي بدقة أشكال الـ70 في المائة المتبقية. وقد سرّع هذا بالفعل تطوير أدوية جديدة بشكل كبير، وحاز جائزة نوبل.

* زراعة الأعضاء: عندما كنتُ أبدأ دراستي في كلية الطب، بدأتْ زراعة الأعضاء أخيراً تؤتي ثمارها. كان هناك عقد من الفشل: فالأشخاص الذين مُنحوا فرصة أخيرة للحياة ماتوا في سن مبكرة على أي حال. لكن العلم وجد أخيراً الحلول لإنجاح زراعة الأعضاء، مانحاً حياة كاملة لملايين البشر.

وعلى سبيل المثال، تُقام ألعاب زراعة الأعضاء كل عامين: يحمل كلٌّ من آلاف المتنافسين، في رياضات متعددة، عضواً من إنسان آخر. لم تسمح هذه الهبة للرياضيين بالبقاء على قيد الحياة فحسب، بل أتاحت لهم أيضاً تحقيق أحلامهم.

الشفاء يأتي من العلم

يقلقني أن بعض الناس يشككون في قيمة العلوم الطبية، وفي الأدوات التي وفرتها للإنسان.

ربما أكون متحيزاً من تجربتي الشخصية. مات معظم أسلافي بسبب نوبات قلبية في الأربعينات والخمسينات من عمرهم. كان لديهم بعض الجينات المعيبة التي لم تُكتشف بعد، جينات ورثوها عن أسلافهم. لكنني عشتُ وعملتُ حتى منتصف الثمانينات من عمري، لأن العلم اكتشف تلك الجينات المعيبة وطوّر علاجاتٍ لمواجهة آثارها الضارة.

وقد وُلدتُ، وعلى عكس والدي وعائلته، في الوقت المناسب للاستفادة من تقدم العلوم الطبية.

* رئيس تحرير رسالة «هارفارد» الصحية، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

ماذا يجري داخل مختبرات أبحاث الطاعون الروسية؟

علوم صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا

ماذا يجري داخل مختبرات أبحاث الطاعون الروسية؟

من وضع برامج بدائية للقضاء على المرض إلى مشاريع علمية لمنع انتشاره

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم مرض باركنسون ويظهر يساراً إلى الأسفل «مستوى الدوبامين الطبيعي» ويميناً «مستوى الدوبامين في مرض باركنسون»

جين شائع يكشف سرّ سرعة تطور مرض باركنسون

أظهرت دراسة حديثة أن متغيرات وراثية في جين «إم سي 1 آر» (MC1R) ترتبط بتسارع تدهور الأعراض الحركية لدى المصابين بمرض باركنسون.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك الذكاء الاصطناعي يساعد في تحديد الطفرات الجينية المسببة للصرع

الذكاء الاصطناعي يساعد في تحديد الطفرات الجينية المسببة للصرع

للتفريق بين مسار الطفرة «الحميدة» والطفرة «الخبيثة»

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
علوم الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

يوسع نطاق ما يمكن للعلماء اكتشافه وقياسه

علوم من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)

دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

تشير دراسة جديدة إلى أن الدماغ البشري نشأ من عضوين منفصلين، وهو اكتشاف قد يؤثر على خيارات العلاج المستقبلية للأمراض التنكسية العصبية واضطرابات الدماغ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
TT

عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته

​في 21 سبتمبر (أيلول) 2026، رفضت محكمة الاستئناف الخامسة في تكساس التماساً من شركة «أكلارينت» (Acclarent)، التي أضافت قدرات الذكاء الاصطناعي إلى نظام «ترو دي» لمساعدة الجرَّاحين في جراحات الأنف والجيوب الأنفية. وتعلَّق الالتماس بالكشف عن أجزاء محجوبة من وثائق دعوى قضائية. ولم يكن القرار إدانة للشركة، ولا إثباتاً لتسبُّب تقنيتها في إصابة مريض؛ بل تناول ضرورة إتاحة الوثائق خلال التقاضي.

وتكمن أهمية هذه القرارات في أن التحقيق في الخطأ الطبي قد يتجاوز تصرف الطبيب إلى: ما الذي عرفته الشركة عن نظامها؟ وكيف اختبرته؟ وما الذي أوضحته لمستخدميه عن قدراته وحدوده؟ فعندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى غرفة العمليات، قد تصبح وثائق تطويره وتقييم سلامته أدلة لفهم ما حدث وتحديد المسؤولية.

«ترو دي» خريطة داخل الجسم

يعمل نظام «ترو دي» (TruDi) كخريطة رقمية داخل الأنف والجيوب الأنفية؛ إذ يستعين بصور الأشعة وتتبع الأدوات، ليُظهر للجرَّاح موضع أداته بالنسبة إلى الأنسجة المحيطة؛ خصوصاً قرب أجزاء حساسة، مثل قاعدة الجمجمة والشرايين المغذية للدماغ، فالجرَّاح يحرك الأداة، والنظام يساعده على توجيهها.

وفي عام 2021، أعلنت «أكلارينت» إضافة قدرات للذكاء الاصطناعي تساعد على التعرُّف على أجزاء تشريحية، واقتراح مسار للأداة بين نقطتين يختارهما الطبيب. ويشبه ذلك تطبيق الخرائط الذي يساعد السائق على تحديد موقعه واختيار الطريق، ولكنه لا يتولى القيادة عنه.

وإذا اختلف الموقع المعروض عن الموقع الفعلي للأداة، فقد يتأثر تقدير الجرَّاح. ولكن تحديد السبب يحتاج إلى تحقيق: هل هو يرتبط بوظائف الذكاء الاصطناعي؟ أم بتتبع الأدوات؟ أم بإعداد النظام واستخدامه؟

إصابات تصل إلى المحاكم

سلَّط تحقيق لوكالة «رويترز»، نُشر في 9 فبراير (شباط) 2026، الضوء على دعوتين تتعلقان باستخدام «ترو دي». ففي مايو (أيار) 2023، خضعت دونا فيرنيهو لجراحة للجيوب الأنفية، وتقول دعواها إن إصابة الشريان السباتي، أحد الشرايين الرئيسية المغذية للدماغ، أدت إلى سكتة دماغية. وفي يونيو (حزيران) 2022، خضعت إيرين رالف لجراحة مشابهة، وادَّعت أن النظام أعطى الجرَّاح معلومات غير دقيقة عن موضع أدواته، ما أدى إلى إصابة الشريان السباتي وسكتة دماغية.

ونفت «أكلارينت» الادعاءات؛ إذ أكدت الشركة المالكة لها: «إنتيغرا لايف ساينسز» (Integra LifeSciences)، عدم وجود دليل يربط الذكاء الاصطناعي بالإصابات المذكورة. ويبقى حسم السبب رهناً بالأدلة: هل أسهم خلل في النظام في الضرر؟ أم طريقة استخدامه؟ أم عوامل أخرى؟ فحدوث الإصابة أثناء استخدام التقنية لا يثبت وحده أنها تسببت فيها.

حين تؤثر الخوارزمية في تغطية العلاج

ولا تقتصر النزاعات على غرفة العمليات. ففي 9 مارس (آذار) 2026، وافقت محكمة فيدرالية في مينيسوتا الأميركية جزئياً على إلزام مجموعة «يونايتد هيلث» (UnitedHealth Group) بتقديم وثائق عن سياسات تغطية الرعاية واستخدام خوارزمية «إن إتش بريديكت» (nH Predict)، في دعوى أقامها ممثلو تركة الراحل جين لوكن وآخرون.

ويقول المدَّعون إن الشركة استخدمت الخوارزمية في قرارات أوقفت تحمُّل تكاليف رعاية مرضى ما زالوا بحاجة إليها، مثل التأهيل والتمريض المتخصص بعد العلاج في المستشفى. وتناولت طلبات الوثائق استخدام الأداة وتدريب الموظفين والرقابة عليها. ولم يحسم القرار صحة الاتهامات؛ بل أتاح الحصول على أدلة لفحصها.

وتكشف القضية أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يمتد إلى قرار شركة التأمين بشأن استمرار دفع تكاليف العلاج. وبالنسبة إلى المريض، قد يعني توقف التغطية صعوبة استكمال الرعاية التي يحتاج إليها.

من يتحمل المسؤولية؟

تدفعنا هذه القضايا إلى سؤال أوسع من: «أي طبيب أخطأ؟». فقبل استخدام النظام، تشارك جهات عدة في تطويره واختباره وتسويقه وشرائه واعتماده داخل المستشفى. وقد ينشأ الخلل في أي مرحلة؛ من تصميم البرنامج إلى تدريب العاملين ومراقبة أدائه.

ومن منظور الحوكمة، ينبغي توضيح واجبات كل طرف؛ إذ على الشركة أن تشرح قدرات النظام وحدوده والمخاطر المعروفة، وعلى المستشفى أن يتحقق من ملاءمته لمرضاه ومن أنه يوفر التدريب والمتابعة، وعلى الطبيب أن يستخدمه ضمن الغرض المخصص له، ويبلِّغ عن الخلل. أما المسؤولية القانونية فتتحدد وفق الأدلة وسبب الضرر والقانون المعمول به.

ولا يكفي القول إن النظام يعمل «تحت إشراف الطبيب». فالإشراف يتطلب فهم حدود الأداة، وامتلاك الوقت والصلاحية لمراجعة توصيتها ورفضها عند الحاجة، والتحقق حين تتعارض معلوماتها مع حالة المريض. فوجود الطبيب في نهاية سلسلة القرار لا يجعله مسؤولاً وحده عن كل خلل سبقها، كما أن استخدام التقنية لا يلغي واجبه في التحقق.

درس للمؤسسات الصحية العربية

تقدم هذه القضايا درساً للمؤسسات الصحية السعودية؛ والعربية عموماً: تبدأ حماية المريض قبل إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العيادة، بالتحقق من أدائه محلياً، وتدريب مستخدميه، وتعيين مسؤول عن سلامته، ووضع إجراءات للإبلاغ عن الأخطاء، وإيقاف استخدامه عند ظهور أخطار تستدعي التحقيق.

ومن الضروري حفظ سجل يوضح نسخة البرنامج المستخدمة، والمعلومات التي قدمها، وكيف تعامل معها الفريق الطبي؛ لفهم مصدر الخلل حتى بعد تحديث البرنامج. وينبغي أن تضمن عقود الشراء تعاون الشركة في التحقيق وإتاحة السجلات اللازمة، مع حماية بيانات المرضى.

ويحتاج المريض إلى جهة واضحة للسؤال والشكوى، فالثقة تنمو بقدرة المؤسسة على اكتشاف الخطأ وتصحيحه وإنصاف المتضرر. وعندما يصل النزاع إلى المحكمة، يجب أن يكون ممكناً تتبع ما حدث؛ فالقرار قد يمر عبر أطراف كثيرة، ولكن المسؤولية يجب ألا تضيع بينها.


كردستان العراق توثق آلاف الأصناف الحيوانية والنباتية المهددة

مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)
مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)
TT

كردستان العراق توثق آلاف الأصناف الحيوانية والنباتية المهددة

مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)
مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)

شهد إقليم كردستان شمال العراق الأسبوع الماضي تدشين «مشروع التنوع البيولوجي في كردستان» عند سد باستورا، الذي تقول عنه حكومة أربيل إنه خطوةً جوهريةً ضمن جهود الإقليم الرامية إلى توثيق وحماية الحياة النباتية والحيوانية فيه، وخصوصاً المهددة.

الحياة البرية في كردستان العراق (مؤسسة كردستان)

قاعدة بيانات وطنية جديدة

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال هندرين غازي، مدير البرامج في «مؤسسة كردستان»: «يمثل الموقع الإلكتروني (www.biodiversity.krd) الركيزة الأساسية للمشروع؛ إذ يُعدّ قاعدة بيانات وطنية جديدة تضم معلوماتٍ موثقةً علمياً حول الحياة النباتية والحيوانية في إقليم كوردستان»، مضيفاً أن «الباحثين في مؤسسة كردستان جمعوا هذه البيانات من خلال العمل الميداني، وهي الآن متاحة في منصة واحدة للطلاب والعلماء وصنّاع السياسات، ولكل المهتمين بالثروة الطبيعية في كردستان».

تسجيل وتوثيق 2252 نوعاً رسمياً

وأوضح غازي أنه «بحلول يوم إطلاق المشروع، تم تسجيل وتوثيق 2252 نوعاً رسمياً على الموقع الإلكتروني، منها 1408 أنواع نباتية و844 نوعاً حيوانياً. وبالإضافة إلى ذلك، تم تحديد 19 منطقة رئيسية للتنوع البيولوجي موزعة على محافظات إقليم كردستان الأربع».

واستطرد أن «إقليم كردستان يتميز بتنوع تضاريسه التي تشمل الجبال، والوديان النهرية، والأراضي الرطبة، والسهول؛ إلا أن المعلومات الموثوقة حول الكائنات التي تعيش في هذه المناطق كانت -لفترة طويلة- إما مشتتة أو غير متوفرة على الإطلاق. وقد أُنشئت قاعدة بيانات هذا المشروع لسد هذه الفجوة، وتوفير أساس علمي متين لأعمال الحفاظ على البيئة والتخطيط البيئي».

الحفاظ على الحياة البرية في كردستان

وتجدر الإشارة إلى أن رئيس وزراء إقليم كردستان، مسرور بارزاني، قال خلال كلمته بحفل تدشين المشروع: «يُعدّ هذا المشروع خطوةً بالغة الأهمية نحو الحفاظ على المناخ والحياة البرية في كردستان. وإن أبعاد هذا المشروع تتجاوز الحدود الإدارية لإقليم كردستان العراق»، داعياً إلى «توثيق الأصناف الحيوية في أي بقعة من جغرافيا كردستان التاريخية، بما فيها الدول المجاورة؛ بغية إثراء المخزون العلمي المشترك»، مؤكداً على أن «حماية هذه الثروة الطبيعية وصونها يمثلان مسؤولية تضامنية يتقاسمها كل محب للبيئة»، حسب تعبيره.

تم توثيق آلاف الأصناف الحيوانية والنباتية في المشروع (مؤسسة كردستان)

مبادرات مناخية وبيئية

ووفقاً لهندرين غازي، يُعدّ «مشروع التنوع البيولوجي في كردستان» جزءاً من أعمال مبادرة «Climate.KRD» -التابعة لـ«مؤسسة كردستان»- التي تركز على المبادرات المناخية والبيئية، بالشراكة مع وحدة تغير المناخ بمكتب رئيس حكومة إقليم كرردستان، منوهاً إلى أن مؤسسة كردستان تخطط خلال الأشهر المقبلة، لتوسيع قاعدة البيانات، وتنفيذ برامج توعوية، والتعاون مع الجامعات والشركاء لتوسيع نطاق المشروع.، حسبما قال.

وشدد غازي على أن هذا المشروع مفتوح للزوار من خلال الموقع الإلكتروني الذي استقبل ما يقرب من 9000 زائر خلال الـ24 ساعة الأولى من إطلاقه.

مراحل المشروع

وختم بأن المشروع يعتمد على 3 مراحل، الأولى جمع البيانات المتوفرة ودمجها في الموقع الإلكتروني، وهو ما تم بالفعل، والثانية، استكمال جميع الاكتشافات المتوفرة بما في ذلك موقعها ووصفها وأسماؤها العلمية، وحالتها لدى الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، والأخيرة افتتاح مركز للتنوع البيولوجي في كردستان وتطوير مركز لإعادة التأهيل وحماية الأنواع بالتنسيق مع الباحثين والأساتذة الأكاديميين.

وكان رئيس وزراء إقليم كردستان أطلق المشروع بحضور عدد من الوزراء وكبار المسؤولين الحكوميين في كردستان، وأرين بارزاني، رئيس «مؤسسة كردستان» المؤسسة المشرف على المشروع، كما شارك في حفل الإطلاق نشطاء في مجال المناخ، وباحثون، وعناصر من شرطة الغابات والبيئة.


بكتيريا معدّلة وراثياً تفتح باباً جديداً للقاحات السرطان الفموية

اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان
اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان
TT

بكتيريا معدّلة وراثياً تفتح باباً جديداً للقاحات السرطان الفموية

اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان
اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان

قد يصبح تعزيز مناعة الجسم ضد السرطان ممكناً يوماً ما عبر لقاح يُتناول عن طريق الفم بدلاً من الحقن؛ فقد أظهرت دراسة سريرية استكشافية مبكرة أن بكتيريا معدّلة وراثياً يمكن استخدامها لنقل مستضد سرطاني إلى الجهاز المناعي، مع نتائج أولية تشير إلى إمكانية تعزيز الاستجابة المناعية المضادة للأورام لدى بعض المرضى.

وفي تجربة سريرية من المرحلة الأولى، كان اللقاح التجريبي «B440» جيد التحمل عموماً، وأظهر مؤشرات مناعية وسريرية تستحق مزيداً من البحث. كما كشفت النتائج عن احتمال وجود مؤشر حيوي يمكن أن يساعد مستقبلاً في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة من هذا النهج.

بكتيريا لتحفيز المناعة

• بكتيريا «معوية». يمتلك الجهاز المناعي قدرة طبيعية على مهاجمة الخلايا السرطانية، لكن الأورام تستطيع تطوير آليات للهروب من هذه المراقبة؛ من بينها استغلال ما يُعرف بـ«نقاط التفتيش المناعية» (immune checkpoints)، وهي آليات تعمل بوصفها فرامل تمنع الجهاز المناعي من مهاجمة الخلايا بصورة مفرطة.

وتعمل أدوية مثبطات نقاط التفتيش المناعية، مثل بعض العلاجات الحديثة للسرطان، على تعطيل هذه الفرامل لإعادة تنشيط المناعة ضد الورم. لكن بعض السرطانات تتمكن من تطوير وسائل أخرى للهروب، كما أن عدداً من المرضى لا يستجيبون لهذه العلاجات.

ومن هنا بحث فريق بقيادة الباحث توشيرو شيراكاوا من قسم المسالك البولية، كلية الدراسات العليا للطب بجامعة كوبي اليابان، عن طريقة جديدة لتعزيز المناعة بالاستعانة ببكتيريا «Bifidobacterium longum»، وهي بكتيريا معروفة باستخدامها في بعض منتجات البروبيوتيك (probiotic)، وقدرتها على التفاعل مع الجهاز المناعي في الأمعاء.

وعدّل الباحثون البكتيريا وراثياً، بحيث تقدم جزءاً كبيراً من بروتين معدل يُعرف باسم بروتين ورم ويلمز 1 (WT1) Wilms tumor 1 protein، وهو مستضد مرتبط بعدد من الأورام. والهدف هو إيصال هذا المستضد عبر الجهاز الهضمي إلى الأنسجة اللمفاوية المرتبطة بالأمعاء، حيث يمكن أن يتفاعل مع الجهاز المناعي.

• تجربة على مرضى استنفدوا خيارات العلاج. اختبر الباحثون اللقاح الفموي التجريبي، وذلك في تجربة سريرية من المرحلة الأولى شملت 12 مريضاً مصابين بسرطان المسالك البولية المنتشر كانوا قد استنفدوا خيارات العلاج القياسية.

ونُشرت نتائج الدراسة بدورية «JCO Oncology Advances» في 7 يوليو (تموز) 2026، وأظهرت أن العلاج كان جيد التحمل. وكان الأثر الجانبي الوحيد المرتبط بالعلاج هو ارتفاع مؤقت في مستويات الإنترلوكين-6 «(IL-6) interleukin-6»، وهو جزيء يشارك في تنظيم الاستجابة الالتهابية، وقد ظهر لدى 3 مرضى فقط، وكانت جميع الحالات خفيفة وغير خطيرة.

لكن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام ظهر في الاستجابة المناعية؛ فقد تمكن الباحثون من رصد استجابة مناعية خلوية موجهة ضد بروتين «ورم ويلمز» لدى ستة من المرضى الاثني عشر. والمفاجأة أن هؤلاء المرضى كانوا جميعاً يمتلكون بالفعل استجابة ضعيفة للمستضد قبل تلقي اللقاح، كما بقوا لفترة أطول من دون تقدم للمرض مقارنة بالمرضى الآخرين.

أما المرضى الستة الذين لم تكن لديهم استجابة مناعية قابلة للكشف ضد بروتين ورم ويلمز قبل العلاج، فلم يُظهر اللقاح قدرة واضحة على تكوين استجابة جديدة لديهم.

رصد مؤشر حيوي يساعد في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة منها

تعزيز المناعة

• لقاح يعزز المناعة أكثر مما يبدأها. تشير هذه النتائج إلى احتمال أن يعمل اللقاح التجريبي بوصفه مُعزّزاً للاستجابة المناعية الموجودة مسبقاً، بدلاً من كونه لقاحاً قادراً على إطلاق استجابة جديدة من الصفر.

وإذا تأكد هذا الأمر في دراسات أكبر، فقد تصبح الاستجابة المناعية الضعيفة الموجودة مسبقاً ضد بروتين ورم ويلمز مؤشراً حيوياً يساعد الأطباء في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة من هذا النوع من العلاج.

وبعد انتهاء التجربة تلقى 7 مرضى علاجاً إضافياً بدواء «بيمبروليزوماب» (Pembrolizumab)، وهو أحد مثبطات نقاط التفتيش المناعية وفقاً لتقدير أطبائهم. ولوحظ انكماش الأورام لدى 3 منهم، وجميعهم كانوا من المرضى الذين ظهرت لديهم استجابة مناعية ضد بروتين ورم ويلمز بعد تلقي اللقاح التجريبي. لكنّ الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج لا تثبت فاعلية اللقاح، نظراً للعدد الصغير من المشاركين وطبيعة المتابعة غير العشوائية بعد انتهاء التجربة.

وقال شيراكاوا إن الدراسة لم تُصمم لإثبات فاعلية العلاج؛ بل لتوليد فرضيات يمكن اختبارها في دراسات لاحقة.

• نحو جيل جديد من لقاحات السرطان. يرى الباحثون أن النتائج تبرر مواصلة دراسة اللقاح التجريبي (B440)، خصوصاً بالاشتراك مع مثبطات نقاط التفتيش المناعية، أو استخدامها قبل هذه العلاجات.

ويجري الفريق حالياً تجربة سريرية من المرحلتين الأولى والثانية تختبر اللقاح التجريبي بالاشتراك مع دوائي «نيفولوماب» (Nivolumab) و«إبيليموماب» (Ipilimumab) لدى المرضى المصابين بورم الظهارة المتوسطة الخبيث الجنبي غير القابل للاستئصال (nonremovable malignant pleural mesothelioma).

ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً قبل معرفة ما إذا كان هذا النهج سيصبح علاجاً فعلياً، فإن الدراسة تفتح اتجاهاً جديداً في علاج السرطان هو استخدام بكتيريا معوية معدّلة وراثياً وسيلة فموية لإيصال مستضدات السرطان وتحفيز الجهاز المناعي من الداخل، وربما دمجها مستقبلاً مع العلاجات المناعية القائمة.