«مؤسسة غزة الإنسانية»... كيف بدأت ولماذا انتهت؟

مسيرة قصيرة مشوبة بالانتقادات والاتهامات والغموض

TT

«مؤسسة غزة الإنسانية»... كيف بدأت ولماذا انتهت؟

أطفال ينزحون الماء عن خيمتهم التي أغرقتها مياه الأمطار بمدينة غزة الثلاثاء (أ.ب)
أطفال ينزحون الماء عن خيمتهم التي أغرقتها مياه الأمطار بمدينة غزة الثلاثاء (أ.ب)

بعد مسيرة قصيرة لم تدم سوى شهور قلائل، أعلنت «مؤسسة غزة الإنسانية» الأميركية، الاثنين، عن إنهاء عملياتها في قطاع غزة، بعد أكثر من شهر على تعليق أنشطة توزيع المساعدات عند النقاط التي كانت قد حددتها، وذلك مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وفي فترة عملها المحدودة، واجهت المؤسسة انتقادات حادة، ليس فقط من قِبل حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية، بل أيضاً ومن جهات دولية.

تأسست «غزة الدولية» بدعم أميركي رسمي، وبموافقة إسرائيل التي واجهت هي الأخرى انتقادات من كيانات ودول ومؤسسات دولية اتهمتها بتجويع الفلسطينيين، في حين واجهت المؤسسة اتهامات من الأمم المتحدة وأطراف أوروبية وغيرها بتسييس توزيع المساعدات، حتى إن الانتقادات بدأت تخرج من الولايات المتحدة ذاتها، بعدما وقَّع 21 عضواً بمجلس الشيوخ رسالة يطالبون فيها بوقف تمويلها «بسبب انتهاكات صارخة لمبادئ العمل الإنساني».

وتبيَّن أنه تم تسجيل المؤسسة في 11 فبراير (شباط) الماضي في سويسرا، وأنها مسجلة في الموقع الرسمي لولاية ديلاوير في الولايات المتحدة، في حين أن مقر عملها الأراضي الفلسطينية، ومن دون أن يكون لها أي مقار في أي من منطقتي التسجيل.

فلسطينيون يسيرون بأجولة طحين في شارع الرشيد في جباليا بشمال قطاع غزة 17 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وعند بدء تولي مهامها، قالت المؤسسة في بيان إنها تريد الإمساك بزمام توزيع المساعدات، كاستجابة إنسانية فعالة تشمل جميع المدنيين في القطاع، وإنها تهدف لإطعام 1.2 مليون نسمة وتخطط لتوزيع ما يقرب من 300 مليون وجبة غذائية خلال ثلاثة أشهر، بتكلفة تصل إلى 1.30 دولار للوجبة الواحدة.

وقالت صحيفة «هآرتس» العبرية في تقرير لها نهاية مايو (أيار) الماضي إن هناك تساؤلات حول الجهة التي تمول عمليات «مؤسسة غزة الإنسانية» وآليات عملها، مرجحةً أن تكون قد تلقت تمويلاً مباشراً أو غير مباشر من الحكومة الإسرائيلية، خاصةً وأن الكثير من مساعداتها كانت تتضمن بضائع من إسرائيل.

خطة «قاتلة»

ترأس المؤسسة جون أكري، وهو مسؤول سابق في «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية»، وجوني مور، وهو واعظ إنجيلي وخبير في العلاقات العامة ومستشار سابق لترمب، ومقرب من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.

وكان جيك وود، المدير التنفيذي للمؤسسة، قد أعلن استقالته بعد يومين فقط من بدء ضخ المساعدات، مؤكداً في بيان عدم إمكانية تنفيذ خطة لتوزيع المساعدات على سكان القطاع مع الالتزام الصارم «بمبادئ الإنسانية والحياد والنزاهة والاستقلالية».

طفل فلسطيني يعاني سوء التغذية يقف داخل منزل أسرته المتضرر من القصف الإسرائيلي في مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة 23 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وتوالت المطالبات الدولية الداعية لوقف عمل «مؤسسة غزة الإنسانية»، وأصدرت منظمة العفو الدولية بياناً في 29 مايو، قالت فيه إن المؤسسة «مخطط مساعدات غير شرعي وغير إنساني يهدد بانتهاك القانون الدولي»، داعيةً إلى توزيع المساعدات من خلال وسائل آمنة وفعالة تحفظ كرامة الناس، ويديرها عاملون محترفون في مجال المساعدات الإنسانية، وليس شركات أمن خاصة.

وفي بيان لاحق، قالت منظمة العفو: «هذه ليست استجابة إنسانية»، ووصفت خطة توزيع الغذاء بأنها «قاتلة»، داعية إلى العودة إلى آليات التنسيق القائمة بقيادة الأمم المتحدة. وأضافت: «لقد استُبدلت الآن نقاط توزيع المساعدات البالغ عددها 400 والتي كانت تعمل خلال وقف إطلاق النار المؤقت في شتى أنحاء غزة، بأربعة مواقع توزيع فقط خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي؛ ما اضطر مليونَي شخص إلى التجمع في مناطق عسكرية مكتظة، حيث يواجهون إطلاق نار وإصابات جماعية يومياً بينما يحاولون الحصول على الطعام، ويُحرَمون من إمدادات أخرى منقذة للحياة».

وأصدرت منظمة «أطباء بلا حدود» بياناً في 27 يونيو (حزيران)، طالبت فيه بوقف نشاط المؤسسة لأنها تتسبب بما وصفته بـ«مجازر متكررة».

فلسطينيون يتهافتون للحصول على طعام من تكية خيرية بمدينة غزة 14 يوليو 2025 (رويترز)

وفعلياً، لم تعمل المؤسسة داخل قطاع غزة سوى لخمسة أشهر؛ إذ أُعلن تأسيسها في فبراير الماضي، وفي بداية مايو أعلنت عن تخصيص نقاط محددة للتوزيع، ثم في نهاية الشهر بدأت فعلياً أولى عمليات توزيع المساعدات من خلال أربع نقاط حددتها جميعاً في مناطق تسيطر عليها القوات الإسرائيلية أمنياً في رفح وخان يونس بجنوب القطاع، قبل أن تغلِق اثنتين منها لاحقاً، وتخصص نقطة ثالثة بالقرب من محور نتساريم وسط القطاع.

«مصائد الموت»

اتبعت «مؤسسة غزة الإنسانية» نهجاً أثار انتقادات واسعة في عملية توزيع المساعدات بلا نظام واضح، من خلال وضع المساعدات في النقاط التابعة لها، وترك السكان يقطعون مسافات طويلة للوصول إليها وسط مخاطر إطلاق النار من قِبل القوات الإسرائيلية؛ الأمر الذي تسبب بمقتل وإصابة نحو ألف فلسطيني.

وتعرضت معظم المساعدات للنهب والسرقة من قِبل عصابات ولصوص يُقدِمون على بيع ما يستحوذون عليه من مساعدات في السوق السوداء بأسعار باهظة الثمن. وباتت نقاط توزيع المساعدات الأميركية توصَف بأنها «مصائد موت».

طفل فلسطيني يصرخ بانتظار الحصول على الطعام من مطبخ خيري بمدينة غزة 28 يوليو 2025 (رويترز)

وخلال مقابلات مع وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية وغيرها، أقرت عناصر أمنية خدمت في نقاط التوزيع التي حددتها المؤسسة بتورطها وآخرين في قتل وإصابة فلسطينيين كانوا يتهافتون على المساعدات.

ومن بين من قدموا شهاداتهم الضابط الأميركي المتقاعد من القوات الخاصة أنتوني أغيلار، الذي كشف في مقابلة مع «بي بي سي» عن أنه استقال بسبب مشاهدته ارتكاب القوات الإسرائيلية جرائم حرب، من خلال إطلاق النار على حشود الفلسطينيين في نقاط توزيع المساعدات، وإطلاق قذائف مدفعية في بعض الأحيان.

وحسب وزارة الصحة في قطاع غزة، قُتل 2615 فلسطينياً وأصيب أكثر من 19182 عند نقاط توزيع المساعدات الأميركية، وكذلك في مناطق دخول المساعدات التي كانت تستخدمها القوات الإسرائيلية لاستهداف الفلسطينيين.

وذكر المكتب الإعلامي الحكومي أنه وثَّق مقتل 1109 عند نقاط مراكز «مؤسسة غزة الإنسانية» وداخلها، من بينهم 225 طفلاً، و32 من كبار السن.

موقف «حماس»

ولطالما طالبت «حماس» بإلغاء عمل هذه المؤسسة وإيقافه. وخلال مفاوضات وقف إطلاق النار، طالبت مراراً بألا تكون «مؤسسة غزة الإنسانية» طرفاً في عملية توزيع المساعدات على الفلسطينيين. وفي الاتفاق الأخير كان هناك توافق «ضمني» بين الحركة والولايات المتحدة برعاية الوسطاء، على العمل على إنهاء نشاطها.

نازحون عائدون إلى مخيم جباليا المدمَّر بشمال قطاع غزة 19 يناير 2025 (أ.ف.ب)

وفي 11 يونيو الماضي، تصاعدت حدة الصدام بين «حماس» والمؤسسة الأميركية التي اتهمت الحركة بقتل 5 من عامليها كانوا في حافلة متجهة إلى مركز توزيع للمساعدات غرب خان يونس بجنوب القطاع؛ وهو الأمر الذي نفته الحركة، في حين أكدت وقتها مصادر ميدانية من الحركة وخارجها لـ«الشرق الأوسط» الواقعة بدعوى أن هؤلاء يعملون لصالح إسرائيل ويخدمون جماعة ياسر أبو شباب.

ومع تدفق المساعدات من أكثر من معبر إلى قطاع غزة، بدأ يتراجع عمل المؤسسة تدريجياً، وتحديداً خلال شهر يوليو (تموز).

وبعد إعلان «مؤسسة غزة الإنسانية» إنهاء عملها داخل القطاع، وصفت حركة «حماس» الخطوة بأنها «مستحقة لمؤسسة لا إنسانية سقطت بسقوط مشروع الإبادة وهندسة التجويع بالشراكة مع الاحتلال». وطالبت في بيان المؤسسات القانونية والمحاكم الدولية بملاحقتها والقائمين عليها.


مقالات ذات صلة

رئيسة البرلمان الألماني تؤكد الطبيعة الفريدة لعلاقات بلادها مع إسرائيل

أوروبا علم ألمانيا (رويترز)

رئيسة البرلمان الألماني تؤكد الطبيعة الفريدة لعلاقات بلادها مع إسرائيل

قبيل بدء زيارتها الرسمية الأولى لإسرائيل، أكّدت رئيسة البرلمان الألماني يوليا كلوكنر على الطبيعة الفريدة للعلاقات الألمانية الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

نشرت اللجنة المكلفة بصياغة دستور لدولة فلسطينية، الثلاثاء، المسودة الأولى لدستور مؤقت ليتسنى للجمهور الاطلاع عليها، وإبداء الملاحظات قبل الصياغة النهائية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي أطفال يلعبون وسط أنقاض مبانٍ مدمّرة في مخيم جباليا شمال قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

مشعل: «حماس» ترفض إلقاء السلاح و«الحكم الأجنبي»

أكد رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» في الخارج خالد مشعل، رفض الحركة التخلي عن سلاحها وكذا قبول «حكم أجنبي» في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
العالم العربي أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«مساومات إيران» تُحرّك مياه «اتفاق غزة» الراكدة

لقاء مرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الأربعاء، وسط توترات مع إيران وجمود في مسار «اتفاق غزة».

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

اتهمت حركة «فتح»، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفض تل أبيب للمضي قدماً في اتفاق وقف النار.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».