مدير «الوكالة الذرية»: نسعى إلى إعادة التعامل مع إيران

غروسي يتحدث خلال مقابلة صحافية في نيويورك اليوم (أ.ب)
غروسي يتحدث خلال مقابلة صحافية في نيويورك اليوم (أ.ب)
TT

مدير «الوكالة الذرية»: نسعى إلى إعادة التعامل مع إيران

غروسي يتحدث خلال مقابلة صحافية في نيويورك اليوم (أ.ب)
غروسي يتحدث خلال مقابلة صحافية في نيويورك اليوم (أ.ب)

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، اليوم (الثلاثاء)، إن الوكالة تريد إعادة التعامل بشكل كامل مع إيران من أجل استعادة أنشطة التفتيش في البلاد.

وتأتي تعليقاته في مانيلا في أعقاب قرار مجلس محافظي الوكالة الذي يضم 35 دولة، يوم الخميس، بأن على إيران إبلاغها «دون تأخير» بوضع مخزونها من اليورانيوم المخصّب ومواقعها النووية التي تعرّضت للقصف.

وشنَّت إسرائيل في 13 يونيو (حزيران) هجوماً غير مسبوق على منشآت استراتيجية في إيران؛ ما أسفر عن مقتل عشرات من قادة «الحرس الثوري»، الجهاز الموازي للجيش النظامي، إضافة إلى مسؤولين وعلماء في البرنامج النووي الإيراني.

وأشعلت تلك الضربات حرباً استمرّت 12 يوماً بين البلدين، شاركت خلالها الولايات المتحدة بقصف 3 مواقع نووية داخل إيران.

تعاون طهران

وعلَّقت طهران تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقيدت وصول مفتشيها إلى المواقع المستهدَفة، منتقدةً الوكالة لامتناعها عن إدانة الهجمات على منشآتها النووية.

وتبنَّت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الخميس، قراراً يدعو إيران إلى «تعاون كامل ودون تأخير»، ويُلزم طهران بتقديم «تعاون كامل وسريع» من خلال تأمين المعلومات، وإتاحة الوصول إلى منشآتها النووية؛ استجابةً لطلبات مدير الوكالة، رافائيل غروسي.

وقالت فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة في بيان: «ينبغي على إيران أن تلتزم تماماً، ودون أي تحفظ، باتفاق الضمانات لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (...) لتقدم للوكالة، ودون أي تأخير، معلومات دقيقة حول موادها ومنشآتها النووية، وأن تمنح الوكالة كل ما يلزم للتثبت من هذه المعلومات».

عراقجي ونائبه مجيد تخت روانتشي خلال محادثات مع غروسي على هامش أعمال الجمعية العامة في نيويورك... سبتمبر الماضي (الخارجية الإيرانية)

ورداً على القرار، أعلن عباس عراقجي، وزير خارجية إيران، تخلي بلاده عن تفاهم القاهرة رسمياً، رغم أن كثيراً من المسؤولين الإيرانيين تحدَّثوا في مناسبات مختلفة عن تخلي طهران عن التفاهم؛ بسبب تفعيل آلية «سناب باك»، وإعادة العقوبات الأممية على طهران في بداية الشهر الماضي.

والأحد الماضي، اتهم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، القوى الغربية بعرقلة تعاون طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، نافياً في الوقت نفسه وجود أي جمود أو حاجة لوساطة مع الهيئة التابعة للأمم المتحدة.

وقال بقائي: «لسنا بحاجة إلى أي وساطة في تعاملنا مع الوكالة. ممثلنا في فيينا يقوم بدوره، ونحن نطرح مواقفنا علناً ومباشرة خلال الحوار مع مسؤولي الوكالة. وما دمنا عضواً في معاهدة عدم الانتشار، فنحن ملتزمون بتعهداتنا». مضيفاً أن «المشكلة بدأت عندما عمدت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، وهو ما أعاق التعاون الطبيعي بين إيران والوكالة».

ماذا تريد الوكالة؟

وكان غروسي قد أكّد الأسبوع الماضي في فيينا، أن الوكالة تنتظر الصيغة النهائية لمشروع القرار الأوروبي - الأميركي بشأن إيران، المتعلق بتجديد تفويض الوكالة في مراقبة البرنامج النووي الإيراني، مؤكداً أن أي تكليف جديد «سيُنفَّذ وفق ما يقرره مجلس المحافظين»، مشدداً على أن الالتزامات المفروضة على طهران، بموجب اتفاق الضمانات الشاملة ومعاهدة عدم الانتشار، لا تسقط، رغم الهجمات التي تعرَّضت لها المنشآت النووية خلال الأشهر الماضية.

وقال غروسي: «(الوكالة الذرية) لا تزال تفتقر إلى تقرير إيراني حول حالة المواقع المتضررة والمواد النووية المرتبطة بها، وهو تقرير يجب تقديمه دون تأخير»، وفقاً لالتزامات إيران بموجب اتفاق الضمانات. وأوضح أن «الوكالة الذرية» لم تتمكَّن، حتى الآن، من إجراء أي نشاط تحقق في المنشآت النووية التي تضرَّرت خلال الهجمات، مشيراً إلى أن غياب وصول المفتشين إلى مخزونات إيران من اليورانيوم منخفض وعالي التخصيب لمدة 5 أشهر جعل عملية التحقق «متأخرة منذ زمن طويل».

وحثَّ غروسي طهران على التعاون الكامل وتسهيل التنفيذ الفعّال لجميع أنشطة الضمانات، مؤكداً استعداده لمواصلة الحوار معها. وأضاف أن التحقق من مخزونات اليورانيوم «أمر ضروري، ويجب أن يجري في أقرب وقت ممكن».

وأشار غروسي إلى الاتفاق الذي وقَّعه مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في القاهرة، موضحاً أنه يُحدِّّد فهماً للإجراءات الخاصة بتفتيش الوكالة، والإخطارات، وتنفيذ الضمانات في إيران، في أعقاب الهجمات العسكرية التي وقعت في يونيو.

وقال غروسي: «منذ ذلك الحين، سهّلت إيران وصول الوكالة لإجراء عمليات التفتيش والتحقق من معلومات التصميم، مع إشعار مسبق في معظم المنشآت غير المتأثرة في طهران، وهذا أمر مرحَّب به». وأضاف: «على الرغم من تسجيلي تعاون إيران في عمليات التفتيش بعدد من المنشآت، فلا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الانخراط البنّاء».

ووصف دبلوماسيون غربيون مشروع القرار بأنه «تقني في المقام الأول»، إذ يصدر تفويضاً جديداً لـ«الوكالة الذرية» لتقديم تقارير عن الأنشطة النووية الإيرانية بعد انتهاء آخر استمرّ 10 سنوات اعتباراً من 2015، وهو العام الذي شهد إبرام الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى، حسب «رويترز».

ومع ذلك، لم يقتصر مشروع القرار على انتقاد إيران لضعف تعاونها، والدعوة إلى حل دبلوماسي - في إشارة واضحة إلى محادثات محتملة مع الولايات المتحدة - بل تضمَّن مطالبة طهران بتنفيذ ما يُسمى «البروتوكول الإضافي» الذي يوسِّع صلاحيات «الوكالة الذرية».

وكان تطبيق «البروتوكول الإضافي»، الذي وقَّعته إيران عام 2003 ولم تصادق عليه حتى الآن، حجر الزاوية في اتفاق 2015 الذي رفع العقوبات عن إيران مقابل فرض قيود صارمة على أنشطتها النووية.

ويمنح «البروتوكول الإضافي» الوكالةَ رقابةً أوسع على الأنشطة النووية لأي دولة، مثل سلطة إجراء عمليات تفتيش مفاجئة في مواقع غير معلنة.

مخزون اليورانيوم

وقبل تعرض منشآتها النووية للهجوم، كانت إيران تخصّب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، القريبة من مستوى 90 في المائة المطلوب للاستخدامات العسكرية.

وأشارت الوكالة إلى أن إيران كانت تملك، حتى تاريخ بداية الحرب، نحو 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة تصل إلى 60 في المائة، بزيادة قدرها 32.3 كيلوغرام مقارنة بـ17 مايو (أيار)، مؤكدة أنها لم تتمكَّن من التحقق من مستويات اليورانيوم منذ 13 يونيو.

وتقول الدول الغربية إنه لا حاجة مدنية لإنتاج اليورانيوم بنسبة 60 في المائة. وتفيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن إيران هي الدولة الوحيدة غير الحائزة على السلاح النووي التي تخصّب اليورانيوم عند مستوى 60 في المائة.

صورة من قمر «ماكسار» تُظهر مجمع فوردو بعد أن شنَّت الولايات المتحدة ضربات على المنشأة النووية تحت الأرض بالقرب من قم (رويترز)

وقال غروسي، نهاية الشهر الماضي، إن إيران لا تبدو حالياً منشغلةً بتخصيب اليورانيوم بنشاط، إلا أن الوكالة التابعة للأمم المتحدة رصدت في الآونة الأخيرة حركةً متجددةً في مواقعها النووية.

وقال: «المواد النووية المخصّبة بنسبة 60 في المائة لا تزال في إيران. وهذه إحدى النقاط التي نناقشها؛ لأننا بحاجة إلى العودة إلى هناك، والتأكد من أن المواد موجودة في أماكنها، ولم يتم تحويلها إلى أي استخدام آخر. وهذا أمر مهم جداً جداً».


مقالات ذات صلة

إيران تحذر أميركا وإسرائيل من شن هجمات قبيل تشييع خامنئي

شؤون إقليمية الجنرال علي عبداللهي قائد العلميات في هيئة الأركان الإيرانية يشارك في مراسم ذكرى قتلى الحرب الأخيرة بطهران 24 مايو الماضي (أ.ب)

إيران تحذر أميركا وإسرائيل من شن هجمات قبيل تشييع خامنئي

حذر قائد عسكري إيراني، الخميس، الولايات المتحدة وإسرائيل من شن أي هجوم على إيران، في وقت تستعد البلاد لإقامة مراسم تشييع رسمية للمرشد علي خامنئي.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية  لقطة من تسجيل بثه التلفزيون الإيراني الرسمي، الأربعاء، تظهر سفينة جنحت في مضيق هرمز. (التلفزيون الإيراني الرسمي/أ.ب)
p-circle

إيران تهدد ناقلات النفط المخالفة لمساراتها في «هرمز» بـ«رد قوي»

هددت إيران، الخميس، بالرد عسكرياً على ناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز من دون الالتزام بالمسارات التي تحددها طهران.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
شؤون إقليمية مارة قرب موقع تجهيز مراسم وداع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في مصلّى طهران، الخميس (رويترز) p-circle

قاليباف يدعو الإيرانيين إلى الثأر لمقتل خامنئي من خلال المشاركة الواسعة في تشييعه

دعا رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف الخميس إلى الثأر لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده إلى الطائرة الرئاسية الجديدة التي أهدتها قطر إلى الولايات المتحدة، في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند الأربعاء (أ.ف.ب)

تحليل إخباري معضلة ترمب: اتفاق بلا تنازلات لإيران

لم تعد المفاوضات الأميركية - الإيرانية تدور فقط حول أجهزة الطرد المركزي والعقوبات. فبعد الحرب الأخيرة، انتقل مضيق هرمز من تهديد مؤجل إلى ورقة ضغط مجرّبة.

إيلي يوسف ( واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة الرئاسة في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية - 1 يوليو 2026 (أ.ب)

ترمب: نزع السلاح النووي الإيراني يمضي جيداً

قال ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الأمور ‌بين ‌الولايات ​المتحدة ‌وإيران ⁠تسير على ​ما يرام، ⁠مضيفاً أن الاجتماعات في قطر ⁠سارت ‌على نحو ‌جيد.

«الشرق الأوسط» (لندن_واشنطن)

إيران تحذر أميركا وإسرائيل من شن هجمات قبيل تشييع خامنئي

الجنرال علي عبداللهي قائد العلميات في هيئة الأركان الإيرانية يشارك في مراسم ذكرى قتلى الحرب الأخيرة بطهران 24 مايو الماضي (أ.ب)
الجنرال علي عبداللهي قائد العلميات في هيئة الأركان الإيرانية يشارك في مراسم ذكرى قتلى الحرب الأخيرة بطهران 24 مايو الماضي (أ.ب)
TT

إيران تحذر أميركا وإسرائيل من شن هجمات قبيل تشييع خامنئي

الجنرال علي عبداللهي قائد العلميات في هيئة الأركان الإيرانية يشارك في مراسم ذكرى قتلى الحرب الأخيرة بطهران 24 مايو الماضي (أ.ب)
الجنرال علي عبداللهي قائد العلميات في هيئة الأركان الإيرانية يشارك في مراسم ذكرى قتلى الحرب الأخيرة بطهران 24 مايو الماضي (أ.ب)

حذر قائد عسكري إيراني، الخميس، الولايات المتحدة وإسرائيل من شن أي هجوم على إيران، في وقت تستعد البلاد لإقامة مراسم تشييع رسمية للمرشد علي خامنئي، في استعراض للولاء الشعبي للمؤسسة الحاكمة، وتأكيد على أن شعلة «الحماسة الثورية» لا تزال متقدة.

وقُتل المرشد الإيراني في الضربات الأميركية والإسرائيلية الأولى خلال الحرب. ومن المقرر أن تبدأ مراسم التشييع في طهران خلال عطلة نهاية الأسبوع، على أن تتبعها مواكب جماهيرية الأسبوع المقبل في قم ومشهد، إلى جانب مراسم تقام في العراق.

وقال الجنرال علي عبداللهي، قائد «عمليات هيئة الأركان المشتركة الإيرانية»: «نحذر أعداء إيران، ولا سيما الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، من أي سوء تقدير، ونحثهم على التفكير في الرد القاسي الذي ستشنه قواتنا المسلحة على أي تهديد أو عدوان ضد بلدنا»، حسبما أوردت وكالة «رويترز» عن وسائل إعلام حكومية.

ومن المقرر أن تبدأ مراسم التشييع في طهران في 4 يوليو (تموز)، وتختتم في التاسع من الشهر نفسه بدفن خامنئي في مسقط رأسه بمدينة مشهد، مع التخطيط لإقامة مراسم إضافية في مدينة قم والعراق خلال الفترة نفسها.

وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد وجه، الأربعاء، تحذيراً مماثلاً، مؤكداً أن طهران سترد «فوراً وبقوة» على أي تهديد يستهدف الشعب الإيراني أو قيادة البلاد.

وجاء تحذير عراقجي عقب تصريحات لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس وصف فيها المرشد الإيراني الحالي مجتبى خامنئي بأنه «مستهدف بالقتل».

مارة قرب موقع تجهيز مراسم وداع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في مصلّى طهران، الخميس (رويترز)

وأفادت وسائل إعلام إيرانية بتشديد الإجراءات الأمنية خلال فترة التشييع، فيما قال رئيس منظمة الطيران المدني الإيرانية، الأربعاء، إن قيوداً مؤقتة ستُفرض على المجال الجوي فوق عدد من المدن، بينها طهران ومشهد.

وقال محمد سعيدي، إمام جمعة قم، لوسائل الإعلام الحكومية: «إن المشاركة الشعبية الواسعة في موكب تشييع المرشد ستكون، في الواقع، استفتاء آخر على الجمهورية الإسلامية».

وإذا كانت السلطات تنظر إلى التشييع بوصفه استفتاء، فإنها لا تترك نتيجته للمصادفة. فهي تأمل في حشد ملايين المؤيدين لملء شوارع المدن الإيرانية، مع توفير وسائل النقل والإقامة والطعام، لإظهار قوة نظامها الثيوقراطي، بعدما نجا مما عدته حرباً وجودية.

ويمثل مقتل خامنئي، وخلافة نجله مجتبى له بوصفه المرشد الإيراني الثالث، في خضم صراع مع ألد خصوم الحكام، لحظة فارقة في تاريخ النظام الممتد 47 عاماً. ولم يظهر مجتبى، الذي أصيب بجروح خطرة في الضربة التي قتلت والده، في أي صورة جديدة منذ اندلاع الحرب.

لكن محللين يقولون إن التأييد الشعبي للحكام أصبح بالغ الهشاشة خلف واجهة الوحدة والولاء، ، حسب «رويترز».

ففي أنحاء البلاد، سئم كثير من الإيرانيين عقوداً من العقوبات التي تخنق اقتصادهم، وغضبوا من القمع الذي يُمارس باسم ثورة عام 1979، التي لا يتذكرها سوى كبار السن في مجتمع يغلب عليه الشباب.

وعندما تدفق الناس إلى الشوارع في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني)، في احتجاجات أشعلها التضخم، ردد كثيرون هتافات تطالب بموت خامنئي، ولم تتمكن السلطات من سحق الاضطرابات إلا بإطلاق النار على آلاف المحتجين.

وبعد بدء تداول أنباء مقتل خامنئي في الأيام الأولى من الحرب، قال سكان في طهران إن أصوات الهتاف والابتهاج انطلقت من خلف نوافذ المنازل والشقق في أجزاء من المدينة.

صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر مباني متضررة في المقر الرسمي للمرشد الإيراني علي خامنئي في طهران - الأحد 1 مارس 2026 ( أ.ب)

أما الآن، فتبدو طهران متوترة وهادئة، في تناقض حاد مع المشهد العاطفي الذي رافق آخر تشييع لمرشد إيراني، وهو الخميني، مؤسس الثورة.

حينها، احتشد ملايين الباكين حول موكب تشييع الخميني، وتسلق بعضهم سيارة الإسعاف، بينما انكشفت ساقه العارية من الكفن، في وقت كان عناصر «الحرس الثوري» يحاولون إبعاد الحشود.

وقالت سميرة، البالغة 35 عاماً، والتي يملك زوجها مطعماً في طهران، إن عائلتها لا تخطط لحضور أي من مراسم التشييع، وإنها ستغادر طهران طوال الأسبوع.

وأضافت: «يبدو الأمر كما لو أن الحياة توقفت، وعناصر الباسيج موجودون في كل مكان»، في إشارة إلى قوة التعبئة الطوعية التابعة لـ«الحرس الثوري».

مواكب جماهيرية في مدن عدة

وكان عمال يعلقون، الخميس، ملصقات جديدة في طهران تعلن التأييد للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، وتظهر خلفه صور والده.

وقال حسين خيري، البالغ 63 عاماً، وهو من قدامى المحاربين في حرب 1980-1988 مع العراق، بينما كان يقف تحت ملصق لخامنئي في طهران: «نحن نظهر قوتنا لأميركا وللآخرين بطريقتنا الخاصة».

وقال محسن، وهو عضو في «الباسيج» يبلغ 24 عاماً ويقيم في طهران، وطلب عدم نشر اسم عائلته: «هذه أصعب أيام حياتي».

وأضاف: «لا أتذكر الفترة التي توفي فيها الإمام الخميني، لكن والدي يقول إن البلاد بأكملها كانت غارقة في الحزن والحداد. واليوم أيضاً يعيش الناس حالة حداد، ولا سيما لأن مرشدنا قُتل شهيداً».

ومن المقرر أن يقدم مسؤولون وشخصيات أجنبية، بينهم ممثلون عن روسيا والصين، التعازي خلال مراسم تقام الجمعة.

جانب من تجهيز ساحة مصلّى طهران لمراسم تشييع المرشد علي خامنئي(تسنيم التابعة لـ«الحرس الثوري»)

وفي السبت، سينقل جثمان خامنئي إلى مسجد في طهران، في المحطة الأولى من جولة تشييع وطنية. وستُنقل إلى جانبه جثامين ابنته وزوج ابنته وحفيدته، إضافة إلى زوجة نجله مجتبى، المرشد الإيراني الجديد، وجميعهم قُتلوا في الضربة نفسها.

وتقدم الفنادق تخفيضات بنسبة 50 في المائة، فيما جُهزت المدارس والمساجد والقاعات الرياضية لإيواء المشيعين، وجرى تحويل مسارات شبكات الحافلات والقطارات لخدمة مواقع المراسم الرئيسية.

وبعد موكب تصفه السلطات بأنه سيكون حاشداً في وسط طهران يوم الاثنين، ستُنقل الرفات إلى مدينة قم، مركز الحوزات الدينية ومعقل المحافظين في إيران، لإقامة مراسم يوم الثلاثاء.

ثم ستقام مراسم في مدينتي النجف وكربلاء العراقيتين، الأربعاء، بمشاركة شخصيات بارزة من شبكة الجماعات الشيعية المتحالفة مع إيران في المنطقة.

وسيدفن خامنئي، الخميس، بعد موكب آخر في مشهد، قرب مرقد الإمام رضا، الذي يحظى بمكانة دينية كبيرة في إيران.


إيران تهدد ناقلات النفط المخالفة لمساراتها في «هرمز» بـ«رد قوي»

 لقطة من تسجيل بثه التلفزيون الإيراني الرسمي، الأربعاء، تظهر سفينة جنحت في مضيق هرمز. (التلفزيون الإيراني الرسمي/أ.ب)
لقطة من تسجيل بثه التلفزيون الإيراني الرسمي، الأربعاء، تظهر سفينة جنحت في مضيق هرمز. (التلفزيون الإيراني الرسمي/أ.ب)
TT

إيران تهدد ناقلات النفط المخالفة لمساراتها في «هرمز» بـ«رد قوي»

 لقطة من تسجيل بثه التلفزيون الإيراني الرسمي، الأربعاء، تظهر سفينة جنحت في مضيق هرمز. (التلفزيون الإيراني الرسمي/أ.ب)
لقطة من تسجيل بثه التلفزيون الإيراني الرسمي، الأربعاء، تظهر سفينة جنحت في مضيق هرمز. (التلفزيون الإيراني الرسمي/أ.ب)

هددت إيران، الخميس، بالرد عسكرياً على ناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز من دون الالتزام بالمسارات التي تحددها طهران، في تصعيد جاء بعد ساعات من إعلان نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي الاتفاق على إنشاء قناة اتصال للإبلاغ عن خروق مذكرة تفاهم إسلام آباد ورصدها.

وقالت عمليات هيئة الأركان المشتركة إن جميع ناقلات النفط العابرة للمضيق يجب أن تستخدم المسارات المعتمدة من السلطات الإيرانية، محذرة من أن أي مخالفة ستُقابل بـ«رد فوري وقوي».

وأضافت أن «أي عدم امتثال، أو انحراف عن المسار المحدد، أو تجاهل لبروتوكولات الملاحة المعتمدة لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مضيق هرمز، سيُقابل برد فوري وقوي من القوات المسلحة، بما يعرض أمن السفن المخالفة للخطر» حسبما جاء في بيان نقله التلفزيون الإيراني الرسمي.

وجاء التحذير غداة محادثات فنية غير مباشرة عقدتها الولايات المتحدة وإيران في الدوحة، بوساطة قطرية وباكستانية، لمتابعة تنفيذ الاتفاق المؤقت الموقع في 17 يونيو (حزيران).

ووصف الوسطاء المحادثات بأنها أحرزت «تقدماً إيجابياً»، لكن البيان العسكري الإيراني أظهر استمرار الخلاف الحاد بشأن الجهة التي تملك حق تحديد مسارات السفن في المضيق وشروط مرورها.

وقالت هيئة الأركان إن استمرار تحليق المقاتلات الأميركية فوق المضيق «يتسبب في انعدام الأمن في هذا الممر المائي ويهدد أمن المنطقة».

وأضافت أن «أي محاولة من جانب الولايات المتحدة للتدخل في القضايا الأمنية، أو القيام بأي عمل تخريبي في مضيق هرمز، ستُعد تهديداً للسيادة الوطنية الإيرانية، وستُقابل برد سريع وحاسم».

ولم يتضح على الفور ما الذي دفع طهران إلى إصدار التحذير. غير أن القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» كانت قد أعلنت، عقب اجتماع مع مسؤولين من دول في الشرق الأوسط في البحرين، أن المشاركين شددوا على «التزامهم المشترك بحرية تدفق التجارة عبر مضيق هرمز»، حسبما أوردت «أسوشييتد برس».

وبدا أن العبارة أثارت غضب طهران، التي تقول إن ترتيبات المرور في المضيق لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، حين كانت السفن التجارية تعبر من دون رسوم أو اشتراط الحصول على موافقة إيرانية مسبقة.

قناة لم تبدأ عملها

صدر التحذير بعد ساعات من إعلان غريب آبادي اختتام جولة المحادثات في الدوحة. ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» عنه أن المشاركين اتفقوا على «إنشاء قناة اتصال بحلول الخميس» للإبلاغ عن انتهاكات مذكرة التفاهم ورصدها.

ولم يعلن غريب آبادي تفاصيل القناة أو الأطراف التي ستديرها، كما لم يوضح ما إذا كانت ستسمح باتصال مباشر بين المسؤولين العسكريين الأميركيين والإيرانيين، أم ستعمل عبر قطر وباكستان.

وتعود فكرة قناة الاتصال إلى التفاهمات التي خرجت بها محادثات السلام في سويسرا. وكان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قد قال عقب محادثات سويسرا إن أحد الأهداف الرئيسية للمفاوضات تمثل في إنشاء «قناة على الجانب الإيراني» لمعالجة النزاعات وخفض التصعيد.

وأوضح فانس أن الإيرانيين وافقوا على إرسال ممثل من «الحرس الثوري» إلى الدوحة للقاء مسؤول من القيادة المركزية الأميركية، بهدف استخدام القناة في تسوية عدد من القضايا العالقة.

دخان يتصاعد من انفجارات في موقع غير محدد، إثر ضربات قالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» إنها نفذتها داخل إيران رداً على هجوم إيراني بطائرة مسيّرة استهدف سفينة شحن في مضيق هرمز، في 26 يونيو (حزيران) 2026 («سنتكوم»/رويترز)

وبذلك، اتفق الجانبان على إنشاء آليات منفصلة لمنع الاحتكاك الميداني، في مقدمها قناة اتصال مباشرة بين «سنتكوم» و«الحرس الثوري». وتُخصص القناة لتنسيق حركة السفن في مضيق هرمز، وتبادل التنبيهات العاجلة، واحتواء أي حادث بحري أو عسكري قبل تحوله إلى مواجهة أوسع.

وتشمل الترتيبات الموازية نقطة اتصال بين الدول المشاركة في مذكرة التفاهم لضمان المرور الآمن للسفن التجارية، إلى جانب وحدة لمنع النزاعات وخفض التصعيد في لبنان.

ولم يتضح ما إذا كانت القناة التي أعلنها غريب آبادي الأربعاء هي نفسها القناة العسكرية المباشرة التي تحدث عنها فانس، أم أنها آلية أوسع تعمل عبر الوسطاء لرصد خروق مذكرة التفاهم.

وكانت طهران قد شددت على أنها لن تعقد أي اجتماع تفاوضي مباشر مع المسؤولين الأميركيين «على أي مستوى». وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن مهمة الوفد الإيراني اقتصرت على متابعة تنفيذ مذكرة التفاهم.

وعقد المفاوضون الأميركيون والإيرانيون اجتماعات منفصلة مع الوسطاء القطريين والباكستانيين. ولم يشارك المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف أو جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترمب، في الجلسات الفنية.

استئناف بعد التشييع

قالت قطر وباكستان إن اجتماعات الدوحة أحرزت «تقدماً إيجابياً» في القضايا المتعلقة بمذكرة تفاهم إسلام آباد، وإن المحادثات ستستأنف بعد انتهاء مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي.

وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، الخميس، إن الوسطاء القطريين والباكستانيين اختتموا اجتماعات منفصلة مع المفاوضين الأميركيين والإيرانيين، وإن المحادثات استندت إلى نتائج قمة بحيرة لوسيرن في سويسرا.

وأضاف أن الأطراف اتفقت على مواصلة المناقشات، على أن يحدد موعد الاجتماع المقبل في أقرب وقت ممكن بعد انتهاء مواكب تشييع خامنئي.

وقال المتحدث باسم الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي إن اجتماعات الأربعاء حققت «تقدماً إيجابياً»، وإن إسلام آباد تأمل في تحديد موعد الجولة المقبلة في أسرع وقت ممكن بعد التشييع.

وقُتل خامنئي، البالغ من العمر 86 عاماً، في قصف أميركي إسرائيلي استهدف المجمع الذي يضم مقر إقامته في وسط طهران في 28 فبراير (شباط)، وانتخب نجله مجتبى خلفاً له.

وتبدأ مراسم التشييع السبت، على أن تمتد ستة أيام وتشمل مناطق مختلفة في إيران ومحطات في العراق. وأعلنت إسلام آباد مشاركة رئيس الوزراء شهباز شريف، فيما توقع المنظمون حضور مسؤولين من نحو 30 دولة.

وكانت إيران والولايات المتحدة قد وقعتا مذكرة التفاهم في 17 يونيو، بوساطة قطرية وباكستانية، بعد حرب بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير. ومن المقرر أن تستمر المفاوضات 60 يوماً قابلة للتجديد.

وتشمل المذكرة وقف الحرب على الجبهات المختلفة، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن قسم من الأصول المجمدة، والتفاوض على اتفاق نهائي.

وأفادت «رويترز» بأن جولة الدوحة ركزت على قضايا كان يفترض أن يكون الاتفاق الأولي قد حسمها، وفي مقدمها حركة الملاحة في المضيق والحوافز المالية لإيران، بدلاً من الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيداً.

وقال ترمب، الأربعاء، إن «عملية نزع السلاح النووي من إيران تسير على ما يرام»، وأشاد بـ«اجتماعات جيدة جداً». غير أن مصادر مطلعة قالت إن البرنامج النووي لم يُطرح في المحادثات الفنية.

وقال فانس إن الملف النووي سيناقش لاحقاً، مضيفاً: «من الواضح أننا قلقون بشأن القضية النووية، وسنبدأ الحديث عنها».

وقال غريب آبادي إن المناقشات في الدوحة تناولت أيضاً مصير الأصول الإيرانية المجمدة. وأضاف أن اجتماعات عُقدت مع مسؤولين قطريين، بمن فيهم ممثلون عن البنك المركزي، لمراجعة قضايا تتعلق بإنفاق جزء من المبلغ الأولي البالغ ستة مليارات دولار.

وقال: «تم الاتفاق على أنه، استناداً إلى الاحتياجات التي أبلغت بها بلادنا، سيتم شراء السلع المطلوبة وتوفيرها لإيران».

لكن مسؤولين أميركيين قالوا إن واشنطن لم تفرج عن أي جزء من الأموال حتى الآن، وإن أي مبالغ مستقبلية ستصرف تدريجياً، وتدفع مباشرة إلى موردي السلع الإنسانية، وترتبط بتقدم إيران في تنفيذ المذكرة.

كما قال غريب آبادي إن الوفد الإيراني أثار خلال الاجتماعات ما وصفه بعدم وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها الواردة في البند الأول من المذكرة، والمتعلق بإنهاء الحرب في لبنان.

وأضاف أن الوفد ناقش تقارير عن تعزيز واشنطن قواتها ومعداتها في المنطقة، إلى جانب تصريحات لمسؤولين أميركيين وصفها بأنها «تهديدية وتدخلية».

من يسيطر على هرمز؟

يمثل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، محور الخلاف الأكثر إلحاحاً بين طهران وواشنطن.

وبموجب المذكرة، وافقت إيران على السماح للسفن بالعبور من دون رسوم لمدة 60 يوماً. لكنها تقول إن الاتفاق يتيح لها الاحتفاظ بالسيطرة على تحديد السفن المسموح لها بالمرور والمسارات التي تسلكها وإجراءات العبور التي يجب عليها اتباعها.

وقبل المحادثات في الدوحة، قال مصدران إيرانيان رفيعا المستوى لـ«رويترز» إن طهران مصممة على الحصول على اعتراف دولي بسيطرتها على المضيق وقدرتها على فرض رسوم على السفن العابرة، حتى إذا اضطرت إلى فرض ذلك بالقوة.

وأضاف المصدران أن المفاوضين الإيرانيين لن ينتقلوا إلى ملفات الخلاف الأخرى قبل الاتفاق على هذه السيطرة، وأن طهران قد تستأنف فرض الرسوم في منتصف أغسطس (آب) إذا انتهت المرحلة المؤقتة من دون تمديد.

وتريد إيران ترتيبات تمنحها حق تحديد كيفية دخول السفن إلى الخليج وخروجها، ومنع أي سفينة تشتبه في أنها تهدد أمنها، وفرض رسوم على خدمات إلزامية تقدمها.

الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، يكرّم عسكريين أميركيين في وحدة مشتركة لمكافحة الطائرات المسيّرة في البحرين، بعدما أسقطوا 14 مسيّرة هجومية إيرانية خلال الأسابيع الماضية («سنتكوم»)

وقال أحد المسؤولين الإيرانيين إن طهران لن تقبل العودة إلى الوضع السابق للحرب، وإنها مستعدة لمواجهة متجددة مع الولايات المتحدة إذا رفضت الدول الأخرى شروطها.

وشدد غريب آبادي، الخميس، على أن إدارة المضيق «تحت قيادة إيران»، وقال إن أمن المنطقة سيتحقق بإنهاء التدخلات وانسحاب الولايات المتحدة واحترام سيادة الدول وقبول «الحقائق الجيوسياسية الجديدة»، وليس تحت المظلة العسكرية الأميركية.

ويواجه الدور الذي تريده طهران أو الموافقة على فرض رسوم على المرور، معارضة دولية واسعة، بما في ذلك من الدول الولايات المتحدة والدول المتشاطئة مع الخليج العربي.

وقال ترمب إنه لن يسمح بفرض رسوم، إلا إذا قررت الولايات المتحدة فرضها، فيما قال وزير الخارجية ماركو روبيو إنه لا يحق لأي دولة منع الملاحة أو فرض بدلات عبور في ممر دولي.

ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أميركي أن ويتكوف وكوشنر حاولا إقناع الإيرانيين بأن الإصرار على الرسوم قد ينسف اتفاقاً أوسع يعود على طهران بعوائد أكبر.

وقال المسؤول إن الرسالة الأميركية كانت: «فكروا بصورة أكبر». وأضاف أن ما يمكن لإيران جنيه من تطوير مواردها النفطية وبيعها بحرية، في حال رفع العقوبات ضمن اتفاق شامل، سيكون «أكثر قيمة بمائة مرة» من الإيرادات التي قد تحققها من رسوم المرور.

وتدفع واشنطن باتجاه اتفاق أوسع يشمل البرنامج النووي ورفع العقوبات وعدم تدخل إيران في دول المنطقة.

ويثير الخلاف أيضاً نزاعاً قانونياً. فالمضيق موزع بين المياه الإقليمية لإيران وعُمان، لكن وضعه ممراً دولياً يقتضي حرية المرور.

ولا تعد إيران أو الولايات المتحدة طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بينما تعد عُمان طرفاً فيها. ومع ذلك، تعامل أحكام الاتفاقية على نطاق واسع بوصفها جزءاً من القانون الدولي العرفي.

وقال كريس أوفلاهرتي، القبطان السابق في البحرية البريطانية والمتخصص في القانون البحري، إن الاتفاقية تتيح لإيران المطالبة بمياه إقليمية تمتد 12 ميلاً، بدلاً من ثلاثة أميال بموجب اتفاقيات أخرى.

ولا يزيد عرض المضيق عند أضيق نقطة إلا قليلاً على 20 ميلاً. وقال أوفلاهرتي: «يعتقد معظم الناس أن القانون الدولي حسمها. لكن إيران قررت تحدي ذلك».

صورة أرشيفية لحاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» قبالة ميناء سبليت في كرواتيا، في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 (رويترز)

المسار العُماني

تطالب كل من إيران وسلطنة عُمان بالسيادة على حركة العبور عبر المضيق، وأعلنتا أنهما تدرسان فرض بدل خدمات. وفي المقابل، شاركت عُمان مع وكالة تابعة للأمم المتحدة في إطلاق مسار ملاحي مؤقت قرب ساحلها، وقدمت المبادرة بوصفها جهداً لإجلاء السفن والبحارة.

وأدى فتح المسار إلى تجدد التوتر خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعدما أطلقت إيران النار على أربع سفن حاولت العبور من الجانب العُماني من دون إذن مسبق من طهران. وردت الجيش الأميركي باستهداف أصول للبحرية الإيرانية قبالة خليج عمان.

وأعلنت «سنتكوم» تنفيذ ضربات على عشرة أهداف عسكرية إيرانية بسبب ما وصفته بـ«العدوان الإيراني المستمر على الملاحة التجارية». وقالت طهران إنها ردت بضرب قواعد أميركية في الكويت والبحرين، اللتين دانتا استهداف أراضيهما.

وبقي قطاع الشحن حذراً رغم تراجع حدة القتال. وقالت نقابات وأرباب عمل في القطاع البحري إنها ستواصل اعتبار مضيق هرمز منطقة حرب حتى 9 يوليو (تموز) على الأقل.

واستقر خام برنت عند مستوى يزيد قليلاً على 70 دولاراً للبرميل، فيما قال مسؤول أميركي إن ارتفاع عدد السفن العابرة ساهم في تراجع أسعار النفط.

وقال علي أنصاري، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة سانت أندروز، إن إيران ربما تبالغ في تقدير أوراقها ومدى استعداد واشنطن لقبول شروطها.

وأضاف: «احتمال اشتعال هذا الصراع مجدداً أكبر بكثير مما يعتقده الناس؛ لأن أياً من الطرفين لا يعتقد أنه خسر».


الضربة التي أشعلت الحرب وأنهت عهد خامنئي

لقطة فيديو نشرها الجيش الإسرائيلي تظهر لحظة استهداف مقر خامنئي (أ.ف.ب)
لقطة فيديو نشرها الجيش الإسرائيلي تظهر لحظة استهداف مقر خامنئي (أ.ف.ب)
TT

الضربة التي أشعلت الحرب وأنهت عهد خامنئي

لقطة فيديو نشرها الجيش الإسرائيلي تظهر لحظة استهداف مقر خامنئي (أ.ف.ب)
لقطة فيديو نشرها الجيش الإسرائيلي تظهر لحظة استهداف مقر خامنئي (أ.ف.ب)

في السبت، 28 فبراير (شباط)، بدأ سكان طهران أسبوع عملهم، فيما كانوا يستعدون بقلق لاحتفالات رأس السنة الفارسية الجديدة، وشهر رمضان، في ظل جهود دبلوماسية تهدف إلى تجنُّب الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وخلال ذلك الأسبوع، ارتفعت وتيرة الحركة في محيط المنطقة المحصَّنة الواقعة بقلب العاصمة وداخلها، التي تضم مقر إقامة المرشد ومراكز عمله، بينما كانت طهران تشهد إجراءات أمنية مشددة، في أعقاب احتجاجات عامة هزَّت البلاد، في يناير (كانون الثاني).

وأشارت تقديرات غربية إلى مقتل 20 ألف شخص، يومي 8 و9 يناير، فيما تحدثت السلطات عن مقتل ألفي شخص.

وتغيَّر كل شيء فجأة، بعدما هزَّت عدة انفجارات المنطقة، وشوهد الدخان يتصاعد من محيط مجمع باستور، الذي يضم مراكز قيادية في قلب طهران.

وأعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن «إسرائيل شنَّت ضربات استباقية ضد إيران».

واستمر الغموض لساعات بشأن مصير المرشد، البالغ من العمر 86 عاماً، الذي حكم إيران لنحو أربعة عقود اتسمت خصوصاً بمواجهة متواصلة مع الولايات المتحدة، بينما قمع في الداخل أصوات المعارضين.

صورة التُقطت بالأقمار الاصطناعية لتصاعد الدخان من مقر المرشد علي خامنئي بمنطقة باستور وسط طهران يوم 28 فبراير 2026 (رويترز)

وفي تلك الليلة، كتب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في منشور على منصته «تروث سوشيال»: «لقد مات خامنئي، أحد أكثر الأشخاص شرّاً في التاريخ»، مؤكداً أنه «لم يكن قادراً على تجنُّب أجهزة الاستخبارات وأنظمة التتبُّع المتطورة للغاية التي نملكها».

في البداية، أصرَّ المسؤولون الإيرانيون على أن خامنئي نجا من الهجوم. لكن، في صباح الأول من مارس (آذار)، أعلن مذيع على التلفزيون الرسمي، بصوت يرتجف من التأثر، مقتل المسؤول الأول في البلاد.

وأكدت السلطات تدريجياً مقتل مسؤولين كانوا يشاركون في اجتماع أمني رفيع، بينهم رئيس الأركان، عبد الرحيم موسوي، ووزير الدفاع، عزيز نصير زاده، ورئيس مجلس الحرب، علي شمخاني، وقائد «الحرس الثوري»، محمد باكبور.

ولاحقاً، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كانت تتعقَّب خامنئي منذ أشهر، وعلمت أن اجتماعاً لكبار المسؤولين الإيرانيين سيُعقَد، صباح ذلك السبت، في مجمع باستور المحصن، بحضور المرشد وكبار المسؤولين الإيرانيين.

ونقلت هذه المعلومات الاستخباراتية إلى إسرائيل، وبعد ساعتين وخمس دقائق من إقلاع الطائرات الإسرائيلية، وفي نحو الساعة 9:40 صباحاً بتوقيت طهران، أصابت الصواريخ بعيدة المدى المجمع، في توقيت غير معتاد لهذا النوع من الهجمات.

وتعليقاً على ذلك، قال ترمب، خلال قمة مجموعة السبع التي عُقِدت في فرنسا أخيراً: «لقد اعتقدوا أننا لن نصل إليهم، لأننا لا نقصف أبداً أثناء تناول الفطور، لكننا قصفنا».

ولم يكن خامنئي الوحيد الذي قُتِل في الهجوم الذي أدى إلى اندلاع حرب في الشرق الأوسط؛ فقد اغتيلت نخبة من الشخصيات البارزة، من بينها قائد «الحرس الثوري» محمد باكبور، والمستشار العسكري لخامنئي علي شمخاني، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده.

ولم تسلم عائلته أيضاً؛ إذ قُتِلت ابنته، وزوجة ابنه، وزوج ابنته، وحفيدته. كما فقد ابنه مجتبى خامنئي، الذي لم يشغل أي منصب رسمي لكنه كان شخصية محورية في مكتب والده لسنوات، زوجته زهراء حداد عادل، بينما نجا هو الآخر مصاباً بجروح، وفقاً لمسؤولين إيرانيين.

وبعد أسبوع، انتُخِب مجتبى خامنئي مرشداً ثالثاً للمؤسسة الحاكمة خلفاً لوالده، لكنه لم يظهر إلى العلن حتى الآن. ولطالما اتخذ علي خامنئي احتياطات أمنية مشددة؛ فلم يغادر إيران قط بصفته مرشداً للنظام، ونادراً ما كانت خطاباته تُبَث مباشرة على التلفزيون أو يُعلَن عنها مسبقاً. وخلال الحرب الإسرائيلية التي استمرت 12 يوماً على إيران، في يونيو (حزيران) 2025، أفادت تقارير بأنه أقام في ملجأ.

لكن، في تحدٍّ واضح للتهديدات، لم يختفِ تماماً عن الأنظار. وفي 17 فبراير (شباط)، ألقى خطابه العام الأخير في حسينية مكتبه بطهران، حيث استقبل مجموعة من المسؤولين ووجهاء محافظة أذربيجان الشرقية، وخصوصاً مدينة تبريز، في شمال غربي البلاد، خلال لقاء تقليدي سنوي.

وقال خامنئي في ذلك الخطاب إن الولايات المتحدة تريد «ابتلاع» إيران، وحثَّ الناس على التزام الهدوء وممارسة أعمالهم «من دون أي قلق».

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، أثار وجود علي خامنئي في قلب طهران في 28 فبراير، بدلاً من اختبائه في مكان آخر من البلاد الشاسعة، صدمة لدى كثيرين، نظراً إلى مخاطر هذه الخطوة، وذلك بعد ساعات من نشر تقارير أشارت إلى نقله إلى مكان سري

صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر مباني متضررة في المقر الرسمي للمرشد الإيراني علي خامنئي في طهران - الأحد 1 مارس 2026 ( أ.ب)

«لن تصدقوا»

من جانب آخر، كشف الهجوم عن اختراق استخباراتي أميركي - إسرائيلي عميق لإيران، وعكس ضعفاً على المستوى الاستراتيجي كان قد ظهر خلال الحرب التي شنتها إسرائيل، في يونيو 2025، واغتالت خلالها شخصيات رئيسية في ضربات محددة الأهداف.

وبحسب صحيفة «فاينانشيال تايمز»، اخترقت إسرائيل قبل سنوات كاميرات مراقبة الطرق في طهران، بما في ذلك تلك المحيطة بمجمع القيادة؛ ما مكَّنها من تحديد هوية الحراس وروتينهم وتحركاتهم.

وقال ترمب في قمة مجموعة السبع إن المراقبة عبر الأقمار الاصطناعية تعني أنه «إذا دخل شخص ما، وكان يحمل شارة عليها اسمه... فيمكنهم معرفة الاسم والحصول على الرقم التسلسلي».

وأضاف: «بإمكاننا رؤية الأشياء، ولن تصدقوا جودة الأشياء التي نملكها. ولهذا السبب حققنا هذا النجاح الكبير».