إيران: لا وساطة ولا جمود في علاقتنا مع «الوكالة الذرية»

طهران تتهم واشنطن بـ«غياب الجدية وحسن النية» في التفاوض

صورة نشرها موقع عراقجي من لقائه مع نظيره العماني بدر البوسعيدي في مسقط
صورة نشرها موقع عراقجي من لقائه مع نظيره العماني بدر البوسعيدي في مسقط
TT

إيران: لا وساطة ولا جمود في علاقتنا مع «الوكالة الذرية»

صورة نشرها موقع عراقجي من لقائه مع نظيره العماني بدر البوسعيدي في مسقط
صورة نشرها موقع عراقجي من لقائه مع نظيره العماني بدر البوسعيدي في مسقط

قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن التدخلات الغربية تربك عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، نافياً وجود أي جمود أو حاجة لوساطة، ومؤكداً في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة «لا تظهر جدية ولا حسن نية» وأن نهجها القائم على «فرض الشروط» و«غياب الثقة» يحول دون أي حوار ذي معنى، فيما تتمسك طهران بحقوقها النووية.

ونفى بقائي وجود أي وساطة بين إيران والولايات المتحدة في الوقت الحالي. وقال: «لا حديث هنا عن وسيط أو وساطة؛ فالمسألة ترتبط بنهج الولايات المتحدة وعدم جديتها في التفاوض»، مضيفاً أن بلاده «تقدر جميع الدول التي تبذل جهوداً لتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة».

وقال إن «الحديث عن الوساطة يبقى مسألة ثانوية»، موضحاً أن «النهج الأميركي في التفاوض يقوم، في جوهره، على فرض الشروط بدلاً من الالتزام بقواعد العمل الدبلوماسي المتعارف والقائم على تبادل المصالح». وتابع: «ما دامت واشنطن متمسكة بهذا الأسلوب، فلن تتبلور مفاوضات ذات معنى، ولذلك فإن النقاش حول الوسيط أو الوساطة ليس في صلب الموضوع بل يأتي في مرتبة لاحقة».

وسئل بقائي عن شروط إيران للتفاوض، قائلاً: «يردد الأميركيون أنهم يسعون للحوار، لكن من دون الالتزام بمتطلباته تصبح المفاوضات مجرد عرض دعائي لتسويق أنفسهم كأنصار للدبلوماسية». وتابع: «إيران تعرضت لاعتداء في أثناء المسار الدبلوماسي مع واشنطن، وهذا يكشف مدى جديتهم في أمر التفاوض». وزاد: «واشنطن لم تترك أي مساحة للثقة. هذا هو المفهوم الأساسي الذي نعتمده في توضيح مواقفنا».

وتابع: «المبدأ الأهم في أي حوار هو تأمين مصالح إيران، وهذا ما نقاتل من أجله. أما الطرف المقابل فلا يؤمن بالحوار، وما دام مفهوم التفاوض لديه يعني فرض الشروط، فلن تتوفر بيئة مناسبة للمحادثات».

وقلل من تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن رغبة طهران في التوصل لاتفاق، قائلاً: «التجربة العملية أظهرت أن الولايات المتحدة غير جادة على الإطلاق. إمّا أنها لا تفهم معنى التفاوض، أو أن طبيعة سلوكها تجعل من التفاوض مجرد وسيلة لفرض الشروط». وأضاف: «لذلك يجب تقييم تصريحاتهم بناءً على أفعالهم، وسيتضح أنه لا جدية ولا حسن نية في هذه الادعاءات».

وعلق بقائي على حزمة العقوبات الجديدة التي فرضتها واشنطن مؤخراً وهددت بتوسيع نطاقها بسبب تعاون طهران وروسيا. وقال: «نواجه يومياً حزم عقوبات أميركية جديدة، إنها تُلحق الضرر، لكنها لا تمس عزمنا في الدفاع عن عزتنا وحقوقنا».

وجاء حديث بقائي للصحافيين في سياق مؤتمر صحافي قبل أن يغادر مع وفد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مسقط، للمشاركة في المنتدى السنوي، الاثنين، قبل أن يسافر إلى لاهاي للمشاركة في المؤتمر السنوي لحظر الأسلحة الكيميائية.

وفور وصوله إلى مسقط، أجرى عراقجي مشاورات مع نظيره العماني بدر البوسعيدي.

وقال بقائي إن عراقجي «ليس لديه أي خطة لعقد جلسة خاصة من الدول الأوروبية الثلاث». لكنه أضاف: «من الطبيعي أن يعقد لقاءات ثنائية على هامش الاجتماع مع بعض وزراء الخارجية والمسؤولين، ونحن بصدد الترتيب لذلك».

بقائي يتحدث في مؤتمر صحافي أسبوعي بطهران الأحد (أيسنا)

الوكالة الدولية

وانتقد بقائي إصدار قرار ضد إيران في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قائلاً: «القرار يخالف الأعراف المعمول بها في الوكالة ومجلس الأمن، ولا يسهم في حل المشكلة بل يزيدها تعقيداً».

وأضاف: «لا وجود لأي نية حسنة خلف هذا القرار»، مضيفاً أن «محتواه يمثل وصمة عار على جبين الجهات التي صاغته ودعمت صدوره، كما أنه يتجاهل تماماً جذور الأزمة المتمثلة في الهجمات غير القانونية التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على المنشآت النووية السلمية الإيرانية».

وأغلق بقائي باب الوساطة مع «الوكالة الذرية». وقال: «لسنا بحاجة إلى أي وساطة في تعاملنا مع الوكالة. ممثلنا في فيينا يقوم بدوره، ونحن نطرح مواقفنا علناً ومباشرة خلال الحوار مع مسؤولي الوكالة. وما دمنا عضواً في معاهدة عدم الانتشار، فنحن ملتزمون بتعهداتنا».

وقال إن «المشكلة بدأت عندما عمدت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، وهو ما عاق التعاون الطبيعي بين إيران والوكالة».

تعليقاً على سؤال بشأن ما قاله المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي حول الوساطة بين إيران والولايات المتحدة والأساس المحتمل للمفاوضات المقبلة لكسر الجمود بين الجانبين، قال بقائي: «لا وجود لأي جمود. نحن، كدولة عضو في الوكالة، لدينا مطالب، ونتوقع من مسؤولي الوكالة أن يبقوا ملتزمين بمسؤولياتهم الفنية، وألا يسمحوا للضغوط بإبعاد الوكالة عن مسارها المهني».

صورة نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية من اجتماع مجلس المحافظين الثلاثاء

وأضاف بقائي: «توصلنا إلى تفاهم مع الوكالة، ووضعنا آلية واضحة للتعاون في المرحلة التي أعقبت الاعتداء العسكري. كان من المفترض أن تشكل هذه الآلية أساساً للتعامل في الظروف الجديدة، لكن الدول الأوروبية الثلاث، تحت ضغط أميركي، حرمت الوكالة من هذه الفرصة، وأحدثت خللاً في هذا المسار من خلال تحركاتها في مجلس الأمن والوكالة».

وشدد بقائي على أن إيران «تواصل تعاونها مع الوكالة ضمن التزامات معاهدة عدم الانتشار وفي إطار قانون البرلمان».

وقال: «أعلنا بوضوح أنه في حال أقدمت الأطراف المقابلة على أي خطوة غير قانونية، فسيُعتبر اتفاق القاهرة مُلغى. إيران ستستمر في تعاونها مع الوكالة وفق التزاماتها بمعاهدة عدم الانتشار، ولكن ضمن الإطار الذي حدّده قانون البرلمان».

وتابع: «وعليه، ستستمر محادثاتنا مع الوكالة ضمن هذا الإطار، لكن لا يمكن تجاهل أن الخطوة الأوروبية التصعيدية ضد إيران كانت لها تبعات، وكان أحدها فقدان اتفاق القاهرة لاعتباره».

وأكد بقائي مجدداً أن «تفاهم القاهرة لم يعد قابلاً للتطبيق، ولم يعد صالحاً كأساس للتفاهم بين إيران والوكالة؛ لأن الأطراف المقابلة عطّلت هذا المسار الإيجابي بين الجانبين».

وأعلن عراقجي، الخميس، تخلي بلاده عن تفاهم القاهرة رسمياً ووضع الخطوة في سياق الرد على التحرك الغربي، رغم أن العديد من المسؤولين الإيرانيين تحدثوا في مناسبات مختلفة عن تخلي طهران عن التفاهم بسبب تفعيل آلية «سناب باك»، وإعادة العقوبات الأممية على طهران في بداية الشهر الماضي.

وقالت لجنة الأمن القومي البرلمانية، السبت، بعد اجتماع مشترك مع الوزارة الخارجية، والمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، إنها تعمل على بلورة رد من طهران على التحرك الأوروبي الأخير.

وشارك في الاجتماع البرلماني، نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية كاظم غريب آبادي، الذي قال الأسبوع الماضي، إن طهران ستراجع علاقاتها مع «الوكالة الذرية»، موضحاً أن ما قصده إبعاد «تفاهم القاهرة» الذي بات في حكم الملغى.

وبشأن ما إذا كانت تصريحات غريب آبادي تعني انسحاب إيران من معاهدة حظر الانتشار، قال بقائي: «لقد أعلناً بالفعل أول خطوة، وهي اعتبار اتفاق القاهرة غير صالح». وأضاف: «نأخذ في الاعتبار مجمل الظروف، ونتّخذ القرار الذي يضمن مصلحة البلاد».

وشدد على أن «القرارات المتعلقة بالملف النووي تتخذ على أعلى مستوى في الدولة، وعندما يصدر أي قرار سنكشف عن تفاصيله. ومحور أي خطوة في هذا المجال سيظل حماية مصالح وحقوق إيران بموجب معاهدة عدم الانتشار».

وعن التحذيرات الأميركية بشأن احتمال استئناف إيران للتخصيب، قال بقائي: «نحن بالتأكيد ندرس جميع الخيارات الممكنة، ونضع كل السبل المتاحة لحماية مصالحنا في الحسبان. وفرض ظروف علينا نتيجة أعمال محظورة وغير قانونية لا يعني أن إيران ستتنازل عن حقوقها».

وأضاف: «تصريح عراقجي بأن التخصيب في حالة تعليق لا يعني أننا، بسبب هذا الإجراء المفروض، سنتخلى عن هذا الحق القانوني. نحن، بصفتنا عضواً في معاهدة عدم الانتشار، مخوّلون بالاستفادة من الطاقة النووية السلمية، ومصمّمون على مواصلة هذا المسار».


مقالات ذات صلة

تقرير: طائرة «إف-35» أميركية تعرضت لأضرار خلال عمليات فوق إيران

شؤون إقليمية طائرة حربية أميركية من طراز «إف-35» (الجيش الأميركي)

تقرير: طائرة «إف-35» أميركية تعرضت لأضرار خلال عمليات فوق إيران

قالت مصادر لشبكة «سي إن إن» إن طائرة حربية أميركية من طراز «إف-35» تعرضت لأضرار جراء نيران يُشتبه في أنها إيرانية وهبطت اضطرارياً. 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير ​الدفاع الأميركي بيت هيغسيث (رويترز) p-circle

هيغسيث: لا يوجد «إطار زمني محدد» لإنهاء الحرب مع إيران

كشف وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، اليوم الخميس، أنه لا يوجد «إطار زمني» لإنهاء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، المستمرة منذ ثلاثة أسابيع

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طائرات عسكرية أميركية تظهر على سطح أكبر حاملة طائرات في العالم وسط الحرب على إيران (أ.ف.ب)

على طريقة «تيك توك»... البيت الأبيض يروّج للحرب مع إيران عبر الفيديوهات

الحملة الإعلامية للرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الحرب مع إيران أثارت انتقادات، إذ رأى بعض المسؤولين السابقين وأعضاء في الكونغرس أنها تتجاوز الأعراف الرئاسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية (الشرق الأوسط)

الدفاعات السعودية تتصدَّى لـ«3 صواريخ بالستية» و35 «مسيّرة» في الشرقية وينبع والرياض

تصدَّت الدفاعات الجوية السعودية، الخميس، لـ«3 صواريخ بالستية» و35 «مسيّرة» في الشرقية وينبع والرياض، حسبما صرّح المتحدث باسم وزارة الدفاع اللواء ركن تركي المالكي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال حفل توقيع اتفاقية الشراكة الأمنية والدفاعية بين الاتحاد الأوروبي وآيسلندا في مقر الاتحاد في بروكسل... بلجيكا 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

كالاس لعراقجي: المرور الآمن عبر مضيق هرمز «أولوية لأوروبا»

أبلغت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن ضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز يمثل أولوية لأوروبا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

ترمب: قضينا على القيادة الإيرانية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

ترمب: قضينا على القيادة الإيرانية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب «القضاء على القيادة الإيرانية»، وأن النظام في طهران «يبحث عن قادة جدد»، جازماً بأن «التأثير على إيران سيكون سيئا وسننتهي من ذلك قريبا».

وشدد على أنه لن ينشر قوات في ايران و«لن أرسل جنودا إلى أي مكان».

وكشف أنه أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «ألا يهاجم حقول الطاقة».


وزير إسرائيلي يرى الحرب على إيران «نعمة» لبلده

زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)
زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)
TT

وزير إسرائيلي يرى الحرب على إيران «نعمة» لبلده

زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)
زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)

عدَّ الوزير الإسرائيلي زئيف إلكين، الخميس، أن الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران هي «نعمة كبيرة» للدولة العبرية.

وقال إلكين، العضو في حزب الليكود لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: «ينبغي ألا يتمحور النقاش حول متى ستنتهي (الحرب)، بل حول كيف لنا أن نطيل أمدها ونفاقم الأضرار».

وأضاف الوزير المعني بشؤون الهجرة والاستيعاب في تصريحات للإذاعة العسكرية: «كلّ يوم من الحملة هو نعمة كبيرة لدولة إسرائيل».

وإلكين عضو أيضاً في المجلس الأمني المصغّر المكلّف إعطاء الضوء الأخضر لعمليات عسكرية واسعة النطاق.

وشنّت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات على إيران في 28 فبراير (شباط) أشعلت الحرب في الشرق الأوسط.

والخميس، قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إنه لا يوجد «إطار زمني» لإنهاء الحرب على إيران. وصرّح لوسائل الإعلام بأن «القرار النهائي بيد الرئيس لنقول: (لقد حققنا ما نحتاج إليه)».


استهداف الطاقة قد ينقل حرب إيران إلى «كسر النظام»

الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

استهداف الطاقة قد ينقل حرب إيران إلى «كسر النظام»

الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مع انتقال الضربات الأميركية - الإسرائيلية إلى منشآت الغاز والنفط الإيرانية، ثم ردّ طهران عبر استهداف مرافق طاقة في دول الجوار وتهديد منشآت أخرى في الخليج العربي، تبدو الحرب وقد دخلت مرحلة جديدة تتجاوز الهدف المعلن في بداياتها، أي تدمير القدرات العسكرية والنووية والصاروخية الإيرانية.

فاستهداف حقل «بارس الجنوبي»، وما تلاه من ضربات إيرانية على رأس لفان، نقل الصراع من حرب على أدوات القوة إلى حرب على ركائز الدولة والاقتصاد والطاقة.

ومع تخطي خام برنت 118 دولاراً للبرميل، وازدياد المخاوف من تعطّل إمدادات الغاز والنفط عبر الخليج العربي، لم تعد الحرب إيرانية - إسرائيلية، أو أميركية - إيرانية فقط، بل غدت أزمة إقليمية - دولية مفتوحة على أسواق الطاقة والتضخم والسياسة الداخلية الأميركية، خصوصاً بعد طلب البنتاغون تمويلاً إضافياً بقيمة 200 مليار دولار من الكونغرس، بما يعكس استعداداً لمواجهة قد لا تكون قصيرة.

حقل الغاز الإيراني «بارس الجنوبي» في جنوب إيران (أ.ف.ب)

استهداف الشرايين

التحول الأهم في هذه المرحلة ليس اتساع بنك الأهداف فقط، بل طبيعة الأهداف نفسها. فحين تُستهدف منشآت الغاز والطاقة، فإن المقصود لم يعد حصراً تقليص قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، بل ضرب قدرتها على الاستمرار كدولة قادرة على إدارة نفسها من الداخل.

فقطاع الطاقة في إيران ليس مجرد مصدر دخل، بل عنصر حيوي لتشغيل الكهرباء والوقود والصناعة وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي في بلد يعاني أصلاً ضغوطاً اقتصادية حادة. لهذا تبدو الضربات الأخيرة أقرب إلى محاولة تقليص قابلية النظام على الاحتمال، لا مجرد إضعاف أدواته القتالية.

هذا التحول يفسر أيضاً ازدياد الحديث عن أن الحرب دخلت طور «خلخلة النظام»، لا «ردع إيران» فقط. فاستهداف منشآت الطاقة ترافق مع استمرار تصفية شخصيات أمنية وقيادية رفيعة، بما يوحي بأن الضغط يتجه إلى تفكيك بنية الحكم الأمنية - العسكرية تدريجياً. لكن الفارق بين إضعاف النظام وكسره يبقى كبيراً. فالتقارير الأميركية الأخيرة تشير إلى أن القيادة الإيرانية تعرضت لضربات قاسية، إلا أن النظام لا يزال قائماً، فيما يزداد نفوذ «الحرس الثوري» داخله بدلاً من ظهور مؤشرات واضحة إلى انهيار قريب. وهذا يعني أن الحرب قد تنجح في إضعاف الدولة من دون أن تنتج سريعاً بديلاً سياسياً مستقراً.

طائرات عسكرية أميركية تظهر على سطح أكبر حاملة طائرات في العالم وسط الحرب على إيران (أ.ف.ب)

لا تفاوض بل تفكيك النظام

في هذا السياق، يرى الباحث في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فرزين نديمي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الولايات المتحدة وإسرائيل «تمضيان في حملتهما الجوية لتفكيك النظام في إيران»، وأنهما «تبدوان على المسار الصحيح» رغم اتساع الجغرافيا الإيرانية، وكثرة الأهداف، وتعقيد بنية النظام.

أهمية هذا التقدير أنه يلتقط ما توحي به الوقائع الميدانية: الحرب لم تعد محصورة في شلّ قدرة إيران على الضرب، بل باتت أقرب إلى عملية استنزاف عميقة للبنية التي يقوم عليها الحكم نفسه.

ويضيف نديمي أنه لا يعتقد أن واشنطن أو تل أبيب تفكران حالياً في التفاوض مع النظام، «خصوصاً وهما تقتلان قادته». وهذه نقطة مفصلية، لأنها تعني أن التصعيد القائم لا يُستخدم، في هذه المرحلة، كمجرد ورقة ضغط للوصول إلى تسوية سريعة، بل يبدو مساراً قائماً بذاته لتغيير ميزان القوة داخل إيران.

ومع أنه لا يستبعد اتصالات محدودة مع بعض العناصر داخل النظام، لكنه يعتبر أن ذلك لن يغيّر الصورة العامة. أي أن أي قنوات خلفية محتملة لا تعني أن باب التسوية السياسية فُتح، بل إن المعركة لا تزال تُدار بمنطق الضغط المتصاعد، لا بمنطق التسوية القريبة. وخطورة ذلك أن الحرب كلما تقدمت على هذا النحو أصبحت أكثر تكلفة وأقل قابلية للضبط.

طهران ترفع التكلفة

في المقابل، تبدو إيران واعية أنها لا تستطيع كسر التفوق الجوي الأميركي - الإسرائيلي عسكرياً، لذلك تراهن على سلاح آخر: تعميم التكلفة الاقتصادية. وهذا ما ينسجم تماماً مع تقدير نديمي بأن النظام، وخصوصاً «الحرس الثوري»، يركز على مواصلة إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وفي الوقت نفسه على «فرض تكلفة اقتصادية على الولايات المتحدة ودول الخليج» تكون موجعة بما يكفي لإجبار واشنطن، وإسرائيل تبعاً لها، على وقف الحملة.

من هنا يمكن فهم الردّ الإيراني على منشآت الطاقة في قطر، ليس بوصفه انتقامياً فقط، بل جزءاً من استراتيجية أوسع؛ إذا ضُربت طاقة إيران، فإن طاقة العالم لن تبقى بمنأى عن النار.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة هشاشة هذه المعادلة، مع إعلان قطر وقوع أضرار واسعة في رأس لفان، وتعليق جزء من نشاط الغاز، وتزايد القلق من تعطل إمدادات تمثل حصة جوهرية من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. هكذا تحاول طهران نقل المعركة من السماء والميدان إلى السوق العالمية، أملاً في أن تُنتج صدمة الأسعار ضغوطاً على الولايات المتحدة وحلفائها، تفعل ما لا تفعله الصواريخ وحدها.

جنود وطائرات تابعة للبحرية الأميركية على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» (رويترز)

تباين أميركي إسرائيلي

ورغم التنسيق الوثيق بين واشنطن وتل أبيب، فإن هذه المرحلة تكشف أيضاً فروقاً في حسابات النهاية. فإسرائيل تبدو أكثر استعداداً للذهاب بعيداً في استنزاف النظام الإيراني واغتيال قادته وتوسيع بنك الأهداف بما يهيئ لخلخلة داخلية طويلة المدى.

أما الولايات المتحدة، فمع أنها شريك كامل في الحرب، تبقى أكثر حساسية تجاه الفوضى النفطية، وأسعار البنزين، والتضخم، وردود الفعل الدولية، والانقسام السياسي داخل الكونغرس.

ولهذا يكتسب طلب البنتاغون تمويلاً إضافياً بأكثر من 200 مليار دولار دلالة تتجاوز الجانب المالي. فهو لا يعكس تكلفة الحرب الجارية فقط، بل يكشف أن المؤسسة العسكرية الأميركية تتصرف على أساس أن الحرب قد تطول، وأن استنزاف الذخائر والمخزونات الدقيقة صار مسألة استراتيجية. لكن هذا الطلب نفسه قد يتحول إلى اختبار سياسي صعب للرئيس دونالد ترمب، لأن الحرب التي دخلت طور الطاقة والأسواق لم تعد مجرد ملف أمني خارجي، بل بدأت تضغط مباشرة على الاقتصاد الأميركي وعلى السجال الداخلي بشأن جدوى الحرب وحدودها.

نهاية غامضة

المحصلة أن الحرب على إيران لم تعد، في شكلها الراهن، مجرد حملة لتدمير القدرات العسكرية، بل باتت أقرب إلى حرب على قدرة النظام نفسه على الاحتمال والاستمرار. غير أن الانتقال من إضعاف النظام إلى كسره أو إسقاطه ليس تفصيلاً عملياتياً، بل قفزة استراتيجية شديدة المخاطر. فالتقارير المتوافرة لا تشير بعد إلى انهيار وشيك، بل إلى نظام متضرر، لكنه لا يزال قائماً، وأكثر ميلاً إلى التشدد والاعتماد على «الحرس الثوري». وفي الوقت ذاته، فإن تحويل الطاقة إلى ساحة حرب يرفع التكلفة على الجميع: على إيران، وعلى الخليج، وعلى واشنطن، وعلى الاقتصاد العالمي. لذلك تبدو المشكلة الأساسية اليوم أن التصعيد قد يكون أسهل من الخروج منه. فكل ضربة إضافية قد تزيد الضغط على طهران، لكنها تزيد أيضاً احتمالات حرب أطول، وأسواق أكثر اضطراباً، ونهاية أكثر غموضاً من البداية.