عودة «اللغة النووية» إلى واجهة المشهد السياسي العالمي

واشنطن تُلَوِّح بالاختبارات... وبكين تُسرّع الحفر في «لوب نور» وموسكو تراقب

تفجير نووي تجريبي اميركي في صحراء نيفادا (أ ب)
تفجير نووي تجريبي اميركي في صحراء نيفادا (أ ب)
TT

عودة «اللغة النووية» إلى واجهة المشهد السياسي العالمي

تفجير نووي تجريبي اميركي في صحراء نيفادا (أ ب)
تفجير نووي تجريبي اميركي في صحراء نيفادا (أ ب)

تعود اللغة النووية اليوم لتتصدّر الخطاب السياسي العالمي، في مشهد يعيد إلى الذاكرة سنوات التوتر الكبرى إبان «الحرب الباردة»، لكن بملامح جديدة تماماً، وبقوى مختلفة، وبسياقات لا يمكن اختزالها في «ثنائية واشنطن-موسكو» التي حكمت العالم طوال النصف الثاني من القرن الماضي. إذ عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ونائبه جي دي فانس، نيّة الإدارة «البدء بالتجارب النووية من جديد»، بدا أن العالم يقف أمام تحوّل استراتيجي واسع قد يعيد خلط المفاهيم والالتزامات والمعاهدات، ويدفع القوى الكبرى إلى سباق تسلّح غير معلن تتقاطع فيه الرسائل، والمصالح، وحسابات الردع. وبينما كانت أروقة القرار في واشنطن تناقش حول جدوى العودة إلى التفجيرات تحت الأرض، كانت الصين تعمل بصمت في قلب صحراء شينجيانغ (سنكيانغ – في غرب الصين) لتوسيع منشأة «لوب نور» التاريخية، وتواصل روسيا الإيحاء بأنها قادرة على الرد فوراً على أي تغيير أميركي، حتى إن لم تنفذه بنفسها. وهكذا يتشكّل مشهد نووي جديد، مختلف عن كل ما سبق، عنوانه الأساسي: عودة الردع إلى نقطة الصفر!

تقني أميركي داخل مرفق سانديا النووي في ولاية نيومكسيكو (آ ب)

منذ اللحظة الأولى لإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتزامه استئناف التجارب النووية، اندلع جدل واسع في الأوساط الأميركية والدولية. إذ جاء الإعلان في سياق سياسي حسّاس، تزامن مع اجتماعات رفيعة المستوى بين واشنطن وبكين، ومع تدهور الثقة بين القوى النووية الكبرى، ومع انهيار أجزاء كبيرة من منظومة الحد من التسلح التي بُنيت خلال عقود.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تُجرِ أي تفجير نووي منذ عام 1992، فإن الرئيس الأميركي ربط قرار العودة إلى التجارب بضرورة «التعامل بندّية» مع روسيا والصين، ملمحاً إلى أن الدولتين «ربما تنفّذان اختبارات منخفضة العائد» أو تعملان على تحديث رؤوسهما النووية من دون قيود مماثلة. وكان بعض المسؤولين الأميركيين قد لمّحوا، على مدى سنوات، لشكوك حول منشآت صينية وروسية، لكن من دون أدلة قاطعة.

من جهته، أوضح جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي، أن الاختبارات ستكون «علمية وتقنية قبل أن تكون سياسية»، وأن الغاية منها «التحقّق من سلامة الترسانة الأميركية». غير أن هذا الطرح لم يُقنِع خبراء المختبرات الأميركية الكبرى، لوس آلاموس ولورنس ليفرمور وسانديا، الذين يؤكدون أن التقنيات الحديثة، من المحاكاة الحاسوبية الفائقة الدقة إلى أجهزة الليزر العملاقة، مروراً بتجارب المواد غير الحرجة، توفر بيانات تُغني عن أي تفجير فعلي.

ومن ثم، في حين يقول مؤيدو الخطوة إن واشنطن تدخل مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي، ولا تستطيع إبقاء برامجها في حالة «جمود طوعي» بينما تتحرّك القوى المنافسة بوتيرة متسارعة، يصف معارضو القرار بأنه «سياسي أكثر منه علمي»، وأنه قد يطلق سباقاً نووياً يتجاوز بكثير حدود المقارنة التقنية.

ترسانة ضخمة... وقلق من الشيخوخة

تملك الولايات المتحدة اليوم ما يقرب من 3700 رأس نووي، بينها نحو 1700 رأس في حالة نشر. ولكن على الرغم من توافر هذه القوة الكاسحة، تتزايد المخاوف بشأن تقادم المواد الانشطارية التي صُنعت في السبعينات والثمانينات. ولهذا، يُعاد فتح النقاش حول حاجات المختبرات لاختبار بعض النماذج.

في المقابل، يشدد العديد من المتخصّصين على أن مشروع «تحديث» الترسانة، الذي قد تتجاوز كلفته 1.7 تريليون دولار على مدى ثلاثة عقود، يضمن بقاء الأسلحة الأميركية في وضع متفوق من دون الحاجة إلى تفجير واحد. ويوضح هؤلاء أن الولايات المتحدة تملك أكبر قاعدة بيانات نووية في العالم وأكثرها تعقيداً، وأن أي اختبار جديد لن يضيف معرفة لا يمكن الحصول عليها بالحسابات الرقمية.

مع هذا، تبقى الحسابات السياسية حاضرة بقوة. ذلك أن ترمب يطرح التجربة بعدّها جزءاً من سياسة «إظهار القوة»، في لحظة تتعاظم فيها التحديات مع الصين وروسيا في فضاءات عدة؛ أبرزها: بحر الصين الجنوبي، وأوروبا الشرقية، وقواعد الرّدع في مناطق القطب الشمالي والمحيط الهادئ.

وفي حال اتُخذ القرار فعلياً، فإن الموقع الأكثر ترجيحاً هو موقع نيفادا للتجارب النووية، الذي شهد أكثر من ألف تفجير منذ الأربعينات. بيد أن البنية التحتية فيه تدهورت إلى حد كبير: فالأنفاق مطمورة، والتجهيزات متقادمة، والكوادر المتخصّصة تقاعدت منذ زمن. بل، وتقدّر وزارة الطاقة أن إعادة الموقع للعمل قد تستغرق من سنتين إلى ثلاث سنوات، وبكلفة تصل إلى 150 مليون دولار على الأقل للتجربة الواحدة.

ولكن رغم ذلك، يلوّح بعض «صقور» المحافظين داخل أوساط اليمين الأميركي بخيار «التجربة فوق الأرض» لأهداف رمزية، مع أن هذا محظور دولياً منذ 1963 بسبب الآثار الإشعاعية.

معارضة داخلية... وتبعات دولية

في الداخل الأميركي، يواجه قرار العودة إلى التجارب معارضة سياسية وشعبية قوية في ولايات الغرب، وبخاصةٍ ولاية نيفادا، التي عانت كثيراً من آثار التجارب السابقة. وبالفعل، عدّ ساسة تلك الولايات القرار «قتلاً وتسميماً للشعب الأميركي»، مذكّرين بأن الحكومة دفعت أكثر من 2.7 مليار دولار تعويضات للمتضرّرين من الإشعاعات النووية خلال القرن الماضي.

ثم إن الرأي العام يشكِّك في جدوى المخاطرة بفتح سباق نووي من جديد، تشارك فيه هذه المرة ليس فقط روسيا والصين، بل أيضاً كوريا الشمالية والهند وباكستان، وربما إيران. ويضاف إلى ما سبق، أن واشنطن – التي لم تُصادق على «معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية» مع أنها التزمت بها عُرفياً – ستفقد آخر أوراق ذريعتها الأخلاقية في ملف الحد من الانتشار... ومن ثمّ، تمنح الصين وروسيا وآخرين غطاء مثالياً لأي خطوة مماثلة.

الصين تتوسع وروسيا تراقب

في هذه الأثناء، بينما ارتفعت الأصوات في واشنطن، التزمت بكين الصمت، مكتفية بنفي «أي انتهاكات» لـ«معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية». غير أن صحيفة «وول ستريت جورنال» اليمينية، ذكرت في تقرير لها «أن ما يجري على الأرض، وفق صور الأقمار الاصطناعية وتحليل خبراء مستقلين، يكشف عن واقع آخر».

ووفق التقرير، في قلب صحراء شينغيانغ، حيث تمتد القاعدة النووية الضخمة في منطقة «لوب نور» الصحراوية، ظهرت منذ 2020 أعمال توسع نوعية، منها:

- حفر أنفاق جديدة على الحافة الشمالية للمجمّع.

- إنشاء غرف تفجير أعمق.

- تشييد بنى دعم لوجيستية وكهربائية.

- حفر آبار رأسية يُرجح استخدامها لاختبارات ذات عائد كبير.

- نشاط مستمر للمركبات الثقيلة منذ 2021 وحتى 2025.

- زيادة الحركة في مركز القيادة المركزي داخل القاعدة.

ويقدّر مركز «أول سورسز آناليسيز» البحثي أن الموقع «شهد أكبر طفرة تطوير منذ التسعينات»، ما يشير إلى استعداد صيني لمواجهة سيناريو يعيد فتح باب التجارب. كذلك، يشير بعض الخبراء أيضاً إلى ان الصين، التي أجرت أقل عدد من الاختبارات التاريخية، «تفتقر إلى البيانات التجريبية» مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا، وهذا ما قد يدفعها إلى عمليات اختبار منخفض العائد لتعويض هذا النقص، خصوصاً، في سياق تطوير رؤوس نووية أصغر وأقل عائداً، ومحركات الصواريخ الحديثة.

ترسانة الصين تُقدر – وفق المصادر – بنحو 600 رأس نووي، وقد تصل إلى ألف بحلول 2030. لكن حتى هذا الرقم لا يُقارَن بالمخزون الأميركي أو حتى المخزون الروسي. ومن جهتها، تربط مصادر دفاعية أميركية توسعة «لوب نور» بأهداف صينية أكبر، أبرزها:

يواجه قرار العودة إلى التجارب معارضة سياسية وشعبية قوية في ولايات الغرب

- زيادة الغموض حول إمكاناتها النووية.

- تطوير رؤوس دقيقة تُستخدم لردع الخصوم في محيطها الإقليمي.

- بناء بنية تحتية تتيح إجراء اختبارات قصيرة وسرية عند الحاجة.

وتشير تقارير «البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية) إلى أن الصين قد تنتقل من «اختبارات موسمية» إلى «قدرة على التشغيل طوال العام»، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من السرّية. ومع أن بكين تؤكد التزامها بمبدأ «عدم الاستخدام الأول»، فإن قلة البيانات المتاحة حول برنامجها النووي تجعل أي تحليل عرضة للتأويل.

أما روسيا فتتخذ موقعاً وسطاً بين الخطابين الأميركي والصيني. فهي لم تُجرِ أي اختبار نووي منذ التسعينات، لكنها انسحبت من «معاهدة الحظر الشامل للتجارب» عام 2023، ورفعت مستوى خطابها النووي، خصوصاً، بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.

كذلك، في كل مرة تلوّح واشنطن بالاختبارات، يخرج مسؤولون روس للتأكيد على «جاهزية» بلادهم للرد الفوري. ومع أنه توجد مؤشرات على إجراء تفجيرات جديدة، تواصل موسكو تحديث أنظمة صواريخ «سارمات» و«أفانغارد» و«بوريفيستنيك»، مع تكثيف المناورات العسكرية التي تشمل قوات الردع. ويرى محللون غربيون أن روسيا تتعامل مع المسألة ببراغماتية شديدة: فهي لن تبدأ الاختبارات أولاً، لكنها لن تتأخر إذا قامت واشنطن بخطوة مماثلة.

مشهد نووي متعدد الأقطاب

في أي حال، يختلف السياق الحالي جذرياً عن مرحلة «الحرب الباردة». ففي الماضي، كانت الثنائية الأميركية - السوفياتية تجعل الحسابات أوضح، والضوابط قابلة للتفاوض. أما اليوم، فإن المشهد أكثر تعقيداً؛ ذلك أن الولايات المتحدة تبحث عن تعزيز الردع التقليدي والنووي، والصين تبني قدرات صاعدة بسرعة غير مسبوقة، وروسيا تعتمد خطاباً تصعيدياً لتعويض ضعفها التقليدي. أما القوى الأخرى، مثل كوريا الشمالية والهند وباكستان، فتراقب التطورات وتتكيف معها.

هذه البيئة المركبة تجعل أي اختبار، حتى لو كان محدوداً، كفيلاً بتغيير معادلات عدة في وقت قصير.

هنا، يتفق معظم العلماء الأميركيين على أنه لا حاجة إلى اختبارات نووية جديدة، لأن برامج المحاكاة الحديثة توفر دقة تفوق بكثير ما يمكن أن يقدمه تفجير واحد تحت الأرض. وهذا بالإضافة إلى أن البيانات المتراكمة على مدى عقود تجعل الترسانة الأميركية قابلة للتحليل والتقييم من دون الحاجة إلى تجربة فعلية.

لكن المشكلة، بحسب خبراء الحد من التسلح، تكمن في أن «السلاح النووي ليس مجرد منظومة تقنية، بل رمز سياسي». ومجرد إعلان النية بالعودة إلى الاختبارات يحمل في ذاته رسالة ردعية، قد تكون مفيدة للبعض وخطرة للغاية لآخرين.

وهكذا، بين مواقع التجارب النووية، يتشكّل اليوم فصل جديد من «سباق الظلال النووية». ومع أن أي دولة لم تضغط بعد على زر التفجير، فإن العالم يقف على مسافة قصيرة من لحظة قد تبدّل ميزان القوى بالكامل. والحقيقة، أن المنظومة التي بُنيت منذ الستينات، من معاهدات الحظر الجزئي والكامل، إلى اتفاقات الحد من التسلح، إلى آليات الشفافية، تتعرّض اليوم لاهتزازات عنيفة. وفي ظل انعدام الثقة، وتزايد الغموض، وتضارب الخطابات، يكفي قرار منفرد من أي قوة كبرى لإطلاق سباق لا يمكن إيقافه بسهولة. في الداخل الأميركي،

حقائق

أبرز المعاهدات والاتفاقات الدولية التي شكّلت لعقود العمود الفقري لمنظومة الحدّ من الأسلحة النووية

رسمت المعاهدات النووية خلال العقود السبعة الماضية الإطار القانوني والأمني الذي حاول ضبط سباق التسلح والحدّ من انتشار الأسلحة النووية. وتعد «معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية»، الموقعة عام 1968، الحجر الأساس في هذا النظام. وقد هدفت إلى منع انتقال السلاح النووي إلى دول جديدة، مقابل التزام الدول النووية بتقليص ترساناتها، وتعهد جميع الأطراف باستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية فقط. ورغم ثغراتها، ما زالت تلك المعاهدة الإطار الأكثر شمولية، إذ انضمت إليها غالبية دول العالم.

في أوروبا، شكّلت «معاهدة الحدّ من القوات النووية المتوسطة المدى» عام 1987 نقطة تحوّل. إذ أنهت سباق الصواريخ الأميركية والسوفياتية في أوروبا بإلغاء فئة كاملة من الصواريخ الباليستية والمجنّحة بمدى بين 500 و5500 كلم. لكن الانسحاب الأميركي منها عام 2019، بحجة الخروق الروسية، واستخدام الروس هذه الأنواع من الصواريخ أخيراً في أوكرانيا، أعاد القارة إلى مرحلة انعدام القيود.

أما معاهدات «ستارت» بين واشنطن وموسكو، بدءاً من «ستارت 1» عام 1991، فقد أسهمت في تقليص ضخم للترسانات الاستراتيجية لكلا البلدين. ومع انتهاء معظم هذه الاتفاقيات، لم يبق قيد التنفيذ اليوم سوى «نيو ستارت» (2010) التي تحدد سقف الرؤوس النووية المنشورة بـ1550 رأساً لكل طرف. ولكن مع تعليق روسيا العمل بها عام 2023 ورفضها التعاون في عمليات التفتيش، تقف المعاهدة على حافة الانهيار.

أما لجهة التجارب النووية، فجاءت «معاهدة الحظر الجزئي للتجارب» (1963) لتمنع التفجيرات في الجو والفضاء وتحت الماء، وتسمح فقط بالتجارب تحت الأرض، رداً على التلوث الإشعاعي الواسع في الخمسينات والستينات، قبل أن يسعى المجتمع الدولي لاحقاً إلى حظر شامل عبر معاهدة الحظر الكامل للتجارب النووية عام 1996. ورغم توقيع معظم الدول الكبرى عليها، لم تدخل حيز التنفيذ لأن دولاً أساسية مثل الولايات المتحدة والصين وإيران وإسرائيل ومصر وكوريا الشمالية والهند وباكستان لم تصادق عليها.

أيضاً، برزت معاهدات أخرى ذات طبيعة إقليمية، مثل «معاهدة تلاتيلولكو» لإنشاء منطقة خالية من السلاح النووي في أميركا اللاتينية، و«معاهدة بليندابا» لأفريقيا، و«معاهدة ريناتشيرو» لجنوب شرقي آسيا، وهي تشكل جزءاً من جهود دولية لمحاصرة الانتشار النووي عبر مناطق منزوعة السلاح. ورغم التراجع الكبير في منظومة الرقابة خلال العقد الأخير، ما زالت هذه المعاهدات تمثل الإطار المرجعي الأساسي لأي مفاوضات مستقبلية لإعادة بناء نظام الردع العالمي وضبط سباق التسلح النووي.



مقالات ذات صلة

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

حصاد الأسبوع صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري

علاء حموده (القاهرة)
حصاد الأسبوع  FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع سلاح "حزب الله" في قلب اختبار النيات السياسية والتحديات الإقليمية (آ ف ب/غيتي)

سنة على عهد الرئيس اللبناني... تثبيت الدولة

شكّلت السنة الأولى من عمر عهد الرئيس اللبناني جوزيف عون محطة مفصلية وأساسية في مسار استعادة الدولة. وفي بلد مثقل بالأزمات لم تكن السنة الأولى مرحلة إنجازات

كارولين عاكوم (بيروت)
حصاد الأسبوع الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً

رائد جبر (موسكو)

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.