عودة «اللغة النووية» إلى واجهة المشهد السياسي العالمي

واشنطن تُلَوِّح بالاختبارات... وبكين تُسرّع الحفر في «لوب نور» وموسكو تراقب

تفجير نووي تجريبي اميركي في صحراء نيفادا (أ ب)
تفجير نووي تجريبي اميركي في صحراء نيفادا (أ ب)
TT

عودة «اللغة النووية» إلى واجهة المشهد السياسي العالمي

تفجير نووي تجريبي اميركي في صحراء نيفادا (أ ب)
تفجير نووي تجريبي اميركي في صحراء نيفادا (أ ب)

تعود اللغة النووية اليوم لتتصدّر الخطاب السياسي العالمي، في مشهد يعيد إلى الذاكرة سنوات التوتر الكبرى إبان «الحرب الباردة»، لكن بملامح جديدة تماماً، وبقوى مختلفة، وبسياقات لا يمكن اختزالها في «ثنائية واشنطن-موسكو» التي حكمت العالم طوال النصف الثاني من القرن الماضي. إذ عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ونائبه جي دي فانس، نيّة الإدارة «البدء بالتجارب النووية من جديد»، بدا أن العالم يقف أمام تحوّل استراتيجي واسع قد يعيد خلط المفاهيم والالتزامات والمعاهدات، ويدفع القوى الكبرى إلى سباق تسلّح غير معلن تتقاطع فيه الرسائل، والمصالح، وحسابات الردع. وبينما كانت أروقة القرار في واشنطن تناقش حول جدوى العودة إلى التفجيرات تحت الأرض، كانت الصين تعمل بصمت في قلب صحراء شينجيانغ (سنكيانغ – في غرب الصين) لتوسيع منشأة «لوب نور» التاريخية، وتواصل روسيا الإيحاء بأنها قادرة على الرد فوراً على أي تغيير أميركي، حتى إن لم تنفذه بنفسها. وهكذا يتشكّل مشهد نووي جديد، مختلف عن كل ما سبق، عنوانه الأساسي: عودة الردع إلى نقطة الصفر!

تقني أميركي داخل مرفق سانديا النووي في ولاية نيومكسيكو (آ ب)

منذ اللحظة الأولى لإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتزامه استئناف التجارب النووية، اندلع جدل واسع في الأوساط الأميركية والدولية. إذ جاء الإعلان في سياق سياسي حسّاس، تزامن مع اجتماعات رفيعة المستوى بين واشنطن وبكين، ومع تدهور الثقة بين القوى النووية الكبرى، ومع انهيار أجزاء كبيرة من منظومة الحد من التسلح التي بُنيت خلال عقود.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تُجرِ أي تفجير نووي منذ عام 1992، فإن الرئيس الأميركي ربط قرار العودة إلى التجارب بضرورة «التعامل بندّية» مع روسيا والصين، ملمحاً إلى أن الدولتين «ربما تنفّذان اختبارات منخفضة العائد» أو تعملان على تحديث رؤوسهما النووية من دون قيود مماثلة. وكان بعض المسؤولين الأميركيين قد لمّحوا، على مدى سنوات، لشكوك حول منشآت صينية وروسية، لكن من دون أدلة قاطعة.

من جهته، أوضح جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي، أن الاختبارات ستكون «علمية وتقنية قبل أن تكون سياسية»، وأن الغاية منها «التحقّق من سلامة الترسانة الأميركية». غير أن هذا الطرح لم يُقنِع خبراء المختبرات الأميركية الكبرى، لوس آلاموس ولورنس ليفرمور وسانديا، الذين يؤكدون أن التقنيات الحديثة، من المحاكاة الحاسوبية الفائقة الدقة إلى أجهزة الليزر العملاقة، مروراً بتجارب المواد غير الحرجة، توفر بيانات تُغني عن أي تفجير فعلي.

ومن ثم، في حين يقول مؤيدو الخطوة إن واشنطن تدخل مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي، ولا تستطيع إبقاء برامجها في حالة «جمود طوعي» بينما تتحرّك القوى المنافسة بوتيرة متسارعة، يصف معارضو القرار بأنه «سياسي أكثر منه علمي»، وأنه قد يطلق سباقاً نووياً يتجاوز بكثير حدود المقارنة التقنية.

ترسانة ضخمة... وقلق من الشيخوخة

تملك الولايات المتحدة اليوم ما يقرب من 3700 رأس نووي، بينها نحو 1700 رأس في حالة نشر. ولكن على الرغم من توافر هذه القوة الكاسحة، تتزايد المخاوف بشأن تقادم المواد الانشطارية التي صُنعت في السبعينات والثمانينات. ولهذا، يُعاد فتح النقاش حول حاجات المختبرات لاختبار بعض النماذج.

في المقابل، يشدد العديد من المتخصّصين على أن مشروع «تحديث» الترسانة، الذي قد تتجاوز كلفته 1.7 تريليون دولار على مدى ثلاثة عقود، يضمن بقاء الأسلحة الأميركية في وضع متفوق من دون الحاجة إلى تفجير واحد. ويوضح هؤلاء أن الولايات المتحدة تملك أكبر قاعدة بيانات نووية في العالم وأكثرها تعقيداً، وأن أي اختبار جديد لن يضيف معرفة لا يمكن الحصول عليها بالحسابات الرقمية.

مع هذا، تبقى الحسابات السياسية حاضرة بقوة. ذلك أن ترمب يطرح التجربة بعدّها جزءاً من سياسة «إظهار القوة»، في لحظة تتعاظم فيها التحديات مع الصين وروسيا في فضاءات عدة؛ أبرزها: بحر الصين الجنوبي، وأوروبا الشرقية، وقواعد الرّدع في مناطق القطب الشمالي والمحيط الهادئ.

وفي حال اتُخذ القرار فعلياً، فإن الموقع الأكثر ترجيحاً هو موقع نيفادا للتجارب النووية، الذي شهد أكثر من ألف تفجير منذ الأربعينات. بيد أن البنية التحتية فيه تدهورت إلى حد كبير: فالأنفاق مطمورة، والتجهيزات متقادمة، والكوادر المتخصّصة تقاعدت منذ زمن. بل، وتقدّر وزارة الطاقة أن إعادة الموقع للعمل قد تستغرق من سنتين إلى ثلاث سنوات، وبكلفة تصل إلى 150 مليون دولار على الأقل للتجربة الواحدة.

ولكن رغم ذلك، يلوّح بعض «صقور» المحافظين داخل أوساط اليمين الأميركي بخيار «التجربة فوق الأرض» لأهداف رمزية، مع أن هذا محظور دولياً منذ 1963 بسبب الآثار الإشعاعية.

معارضة داخلية... وتبعات دولية

في الداخل الأميركي، يواجه قرار العودة إلى التجارب معارضة سياسية وشعبية قوية في ولايات الغرب، وبخاصةٍ ولاية نيفادا، التي عانت كثيراً من آثار التجارب السابقة. وبالفعل، عدّ ساسة تلك الولايات القرار «قتلاً وتسميماً للشعب الأميركي»، مذكّرين بأن الحكومة دفعت أكثر من 2.7 مليار دولار تعويضات للمتضرّرين من الإشعاعات النووية خلال القرن الماضي.

ثم إن الرأي العام يشكِّك في جدوى المخاطرة بفتح سباق نووي من جديد، تشارك فيه هذه المرة ليس فقط روسيا والصين، بل أيضاً كوريا الشمالية والهند وباكستان، وربما إيران. ويضاف إلى ما سبق، أن واشنطن – التي لم تُصادق على «معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية» مع أنها التزمت بها عُرفياً – ستفقد آخر أوراق ذريعتها الأخلاقية في ملف الحد من الانتشار... ومن ثمّ، تمنح الصين وروسيا وآخرين غطاء مثالياً لأي خطوة مماثلة.

الصين تتوسع وروسيا تراقب

في هذه الأثناء، بينما ارتفعت الأصوات في واشنطن، التزمت بكين الصمت، مكتفية بنفي «أي انتهاكات» لـ«معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية». غير أن صحيفة «وول ستريت جورنال» اليمينية، ذكرت في تقرير لها «أن ما يجري على الأرض، وفق صور الأقمار الاصطناعية وتحليل خبراء مستقلين، يكشف عن واقع آخر».

ووفق التقرير، في قلب صحراء شينغيانغ، حيث تمتد القاعدة النووية الضخمة في منطقة «لوب نور» الصحراوية، ظهرت منذ 2020 أعمال توسع نوعية، منها:

- حفر أنفاق جديدة على الحافة الشمالية للمجمّع.

- إنشاء غرف تفجير أعمق.

- تشييد بنى دعم لوجيستية وكهربائية.

- حفر آبار رأسية يُرجح استخدامها لاختبارات ذات عائد كبير.

- نشاط مستمر للمركبات الثقيلة منذ 2021 وحتى 2025.

- زيادة الحركة في مركز القيادة المركزي داخل القاعدة.

ويقدّر مركز «أول سورسز آناليسيز» البحثي أن الموقع «شهد أكبر طفرة تطوير منذ التسعينات»، ما يشير إلى استعداد صيني لمواجهة سيناريو يعيد فتح باب التجارب. كذلك، يشير بعض الخبراء أيضاً إلى ان الصين، التي أجرت أقل عدد من الاختبارات التاريخية، «تفتقر إلى البيانات التجريبية» مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا، وهذا ما قد يدفعها إلى عمليات اختبار منخفض العائد لتعويض هذا النقص، خصوصاً، في سياق تطوير رؤوس نووية أصغر وأقل عائداً، ومحركات الصواريخ الحديثة.

ترسانة الصين تُقدر – وفق المصادر – بنحو 600 رأس نووي، وقد تصل إلى ألف بحلول 2030. لكن حتى هذا الرقم لا يُقارَن بالمخزون الأميركي أو حتى المخزون الروسي. ومن جهتها، تربط مصادر دفاعية أميركية توسعة «لوب نور» بأهداف صينية أكبر، أبرزها:

يواجه قرار العودة إلى التجارب معارضة سياسية وشعبية قوية في ولايات الغرب

- زيادة الغموض حول إمكاناتها النووية.

- تطوير رؤوس دقيقة تُستخدم لردع الخصوم في محيطها الإقليمي.

- بناء بنية تحتية تتيح إجراء اختبارات قصيرة وسرية عند الحاجة.

وتشير تقارير «البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية) إلى أن الصين قد تنتقل من «اختبارات موسمية» إلى «قدرة على التشغيل طوال العام»، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من السرّية. ومع أن بكين تؤكد التزامها بمبدأ «عدم الاستخدام الأول»، فإن قلة البيانات المتاحة حول برنامجها النووي تجعل أي تحليل عرضة للتأويل.

أما روسيا فتتخذ موقعاً وسطاً بين الخطابين الأميركي والصيني. فهي لم تُجرِ أي اختبار نووي منذ التسعينات، لكنها انسحبت من «معاهدة الحظر الشامل للتجارب» عام 2023، ورفعت مستوى خطابها النووي، خصوصاً، بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.

كذلك، في كل مرة تلوّح واشنطن بالاختبارات، يخرج مسؤولون روس للتأكيد على «جاهزية» بلادهم للرد الفوري. ومع أنه توجد مؤشرات على إجراء تفجيرات جديدة، تواصل موسكو تحديث أنظمة صواريخ «سارمات» و«أفانغارد» و«بوريفيستنيك»، مع تكثيف المناورات العسكرية التي تشمل قوات الردع. ويرى محللون غربيون أن روسيا تتعامل مع المسألة ببراغماتية شديدة: فهي لن تبدأ الاختبارات أولاً، لكنها لن تتأخر إذا قامت واشنطن بخطوة مماثلة.

مشهد نووي متعدد الأقطاب

في أي حال، يختلف السياق الحالي جذرياً عن مرحلة «الحرب الباردة». ففي الماضي، كانت الثنائية الأميركية - السوفياتية تجعل الحسابات أوضح، والضوابط قابلة للتفاوض. أما اليوم، فإن المشهد أكثر تعقيداً؛ ذلك أن الولايات المتحدة تبحث عن تعزيز الردع التقليدي والنووي، والصين تبني قدرات صاعدة بسرعة غير مسبوقة، وروسيا تعتمد خطاباً تصعيدياً لتعويض ضعفها التقليدي. أما القوى الأخرى، مثل كوريا الشمالية والهند وباكستان، فتراقب التطورات وتتكيف معها.

هذه البيئة المركبة تجعل أي اختبار، حتى لو كان محدوداً، كفيلاً بتغيير معادلات عدة في وقت قصير.

هنا، يتفق معظم العلماء الأميركيين على أنه لا حاجة إلى اختبارات نووية جديدة، لأن برامج المحاكاة الحديثة توفر دقة تفوق بكثير ما يمكن أن يقدمه تفجير واحد تحت الأرض. وهذا بالإضافة إلى أن البيانات المتراكمة على مدى عقود تجعل الترسانة الأميركية قابلة للتحليل والتقييم من دون الحاجة إلى تجربة فعلية.

لكن المشكلة، بحسب خبراء الحد من التسلح، تكمن في أن «السلاح النووي ليس مجرد منظومة تقنية، بل رمز سياسي». ومجرد إعلان النية بالعودة إلى الاختبارات يحمل في ذاته رسالة ردعية، قد تكون مفيدة للبعض وخطرة للغاية لآخرين.

وهكذا، بين مواقع التجارب النووية، يتشكّل اليوم فصل جديد من «سباق الظلال النووية». ومع أن أي دولة لم تضغط بعد على زر التفجير، فإن العالم يقف على مسافة قصيرة من لحظة قد تبدّل ميزان القوى بالكامل. والحقيقة، أن المنظومة التي بُنيت منذ الستينات، من معاهدات الحظر الجزئي والكامل، إلى اتفاقات الحد من التسلح، إلى آليات الشفافية، تتعرّض اليوم لاهتزازات عنيفة. وفي ظل انعدام الثقة، وتزايد الغموض، وتضارب الخطابات، يكفي قرار منفرد من أي قوة كبرى لإطلاق سباق لا يمكن إيقافه بسهولة. في الداخل الأميركي،

حقائق

أبرز المعاهدات والاتفاقات الدولية التي شكّلت لعقود العمود الفقري لمنظومة الحدّ من الأسلحة النووية

رسمت المعاهدات النووية خلال العقود السبعة الماضية الإطار القانوني والأمني الذي حاول ضبط سباق التسلح والحدّ من انتشار الأسلحة النووية. وتعد «معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية»، الموقعة عام 1968، الحجر الأساس في هذا النظام. وقد هدفت إلى منع انتقال السلاح النووي إلى دول جديدة، مقابل التزام الدول النووية بتقليص ترساناتها، وتعهد جميع الأطراف باستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية فقط. ورغم ثغراتها، ما زالت تلك المعاهدة الإطار الأكثر شمولية، إذ انضمت إليها غالبية دول العالم.

في أوروبا، شكّلت «معاهدة الحدّ من القوات النووية المتوسطة المدى» عام 1987 نقطة تحوّل. إذ أنهت سباق الصواريخ الأميركية والسوفياتية في أوروبا بإلغاء فئة كاملة من الصواريخ الباليستية والمجنّحة بمدى بين 500 و5500 كلم. لكن الانسحاب الأميركي منها عام 2019، بحجة الخروق الروسية، واستخدام الروس هذه الأنواع من الصواريخ أخيراً في أوكرانيا، أعاد القارة إلى مرحلة انعدام القيود.

أما معاهدات «ستارت» بين واشنطن وموسكو، بدءاً من «ستارت 1» عام 1991، فقد أسهمت في تقليص ضخم للترسانات الاستراتيجية لكلا البلدين. ومع انتهاء معظم هذه الاتفاقيات، لم يبق قيد التنفيذ اليوم سوى «نيو ستارت» (2010) التي تحدد سقف الرؤوس النووية المنشورة بـ1550 رأساً لكل طرف. ولكن مع تعليق روسيا العمل بها عام 2023 ورفضها التعاون في عمليات التفتيش، تقف المعاهدة على حافة الانهيار.

أما لجهة التجارب النووية، فجاءت «معاهدة الحظر الجزئي للتجارب» (1963) لتمنع التفجيرات في الجو والفضاء وتحت الماء، وتسمح فقط بالتجارب تحت الأرض، رداً على التلوث الإشعاعي الواسع في الخمسينات والستينات، قبل أن يسعى المجتمع الدولي لاحقاً إلى حظر شامل عبر معاهدة الحظر الكامل للتجارب النووية عام 1996. ورغم توقيع معظم الدول الكبرى عليها، لم تدخل حيز التنفيذ لأن دولاً أساسية مثل الولايات المتحدة والصين وإيران وإسرائيل ومصر وكوريا الشمالية والهند وباكستان لم تصادق عليها.

أيضاً، برزت معاهدات أخرى ذات طبيعة إقليمية، مثل «معاهدة تلاتيلولكو» لإنشاء منطقة خالية من السلاح النووي في أميركا اللاتينية، و«معاهدة بليندابا» لأفريقيا، و«معاهدة ريناتشيرو» لجنوب شرقي آسيا، وهي تشكل جزءاً من جهود دولية لمحاصرة الانتشار النووي عبر مناطق منزوعة السلاح. ورغم التراجع الكبير في منظومة الرقابة خلال العقد الأخير، ما زالت هذه المعاهدات تمثل الإطار المرجعي الأساسي لأي مفاوضات مستقبلية لإعادة بناء نظام الردع العالمي وضبط سباق التسلح النووي.



مقالات ذات صلة

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)

البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

أحرز اليمين المتطرف الذي يهبّ على أميركا اللاتينية كالإعصار، نصراً مفاجئاً ومفصلياً في البرازيل، يوم الأحد قبل الماضي، 4 أكتوبر، (تشرين الأول)؛ فقد حقَّق

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟