الذكاء الاصطناعي سيُدمّر الخصوصية

أعمال ومشاعر وأقوال ورغبات الأفراد أكثر قيمةً وأكثر عُرضةً للخطر

الذكاء الاصطناعي سيُدمّر الخصوصية
TT

الذكاء الاصطناعي سيُدمّر الخصوصية

الذكاء الاصطناعي سيُدمّر الخصوصية

ما لم يُقيّد ويُعاد بناؤه على تصورات جديدة على وجه السرعة؛ فإن الذكاء الاصطناعي يهدد بتدمير الخصوصية بطرق أعمق من أي عصر تكنولوجي سابق، كما كتبت جين كالترايدر (*).

الخصوصية حق من حقوق الإنسان

إنني أعمل على حماية المعلومات الشخصية للأفراد، وأُؤكّد أن الخصوصية يجب أن تكون تلقائية، كحق أساسي من حقوق الإنسان. لكن المجتمع فشل في بناء حماية كافية، لا سيما مع صعود منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات المُوجّهة.

وقد أقنعت الشركات المستخدمين بأن «البيانات هي ثمن» استخدام الخدمات الحديثة، مع أن البيانات الشخصية يجب أن تكون أداةً يتحكم بها الأفراد لتحسين حياتهم.

أعمال ومشاعر وأقوال ورغبات الأفراد في خطر

ومع الذكاء الاصطناعي، يتفاقم اختلال توازن القوى حول البيانات بشكلٍ كبير. إذ تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي الآن بشكلٍ كبير على مجموعات بيانات شخصية ضخمة، ما يجعل المعلومات المتعلقة بالأفراد - ما يفعلونه، وما يشعرون به، وما يقولونه، وما يريدونه - أكثر قيمةً وأكثر عُرضةً للخطر من أي وقت مضى.

وتُوضّح الأمثلة هذا التهديد المُتزايد. يتخيل رواد التكنولوجيا مستقبلاً يُمكّن فيه الذكاء الاصطناعي من الوصول إلى كل محادثة أو كتاب أو بريد إلكتروني أو صورة صادفها أي شخص. وتتزايد الأجهزة القابلة للارتداء في جمع الحالات العاطفية آنياً. وتستطيع النظارات الذكية تسجيل كل ما نراه. وتتخذ روبوتات الدردشة الذكية شخصية المعالجين، مشجعةً المستخدمين على مشاركة مشاعرهم الحميمة، ما قد يؤدي إلى نتائج مأساوية في بعض الحالات.

تضارب الدوافع ونقاط الضعف الأخلاقية

لا تقتصر البيانات الشخصية في عصر الذكاء الاصطناعي على وصف الأشخاص فحسب، بل تُشكل هوياتهم وسلوكياتهم، لا سيما في بيئة من أصدقاء الذكاء الاصطناعي ورفاقه وعملائه. ويُعدّ ترك هذه البيانات في أيدي الشركات أو الحكومات أمراً محفوفاً بالمخاطر، لا سيما في ظل تضارب الدوافع، أو نقاط الضعف الأخلاقية، أو تغير الأجندات السياسية.

تاريخ مُبسط للخصوصية

لفهم المخاطر، إليكم تاريخاً مُبسطاً للخصوصية: في السياقات الدينية القديمة، كانت الخصوصية شبه معدومة؛ إذ كان يُفترض وجود مراقبة إلهية. وفي معظم أنحاء العالم في العصور الوسطى، كانت الخصوصية مستحيلة مادياً، حيث عاش الناس في مساحات ضيقة مشتركة. ومع ظهور المطبعة، بدأ الأفراد بالقراءة بمفردهم وبناء عوالم داخلية خاصة. ووسّع مفكرو عصر التنوير مفهوم الخصوصية الشخصية، ليشمل الأفكار والممتلكات والمراسلات.

وخلال العصر الصناعي، ظهرت الحماية القانونية ضد التفتيش والتشهير والتعدي على الممتلكات. وفي عام 1890، تمت صياغة «الحق في الخصوصية» رسمياً، للدفاع عن الحق في أن يُترك الناس وشأنهم، وتوسع نطاق الحماية ليشمل مشاعر الناس وحياتهم العقلية.

عصر التكنولوجيا زعزع الخصوصية

لكن عصر التكنولوجيا زعزع استقرار الخصوصية. فأتاحت الهواتف التنصت على المكالمات الهاتفية، وأتاحت الكاميرات المراقبة. وزادت الحروب العالمية والحرب الباردة من تطبيع التجسس الحكومي. وبحلول عصر الإنترنت، انهارت الخصوصية تماماً. فقد أدت وسائل التواصل الاجتماعي، وجمع البيانات الضخمة، وأدوات تتبع المواقع الشامل، والإعلانات الإلكترونية المتطورة، إلى تآكل السيطرة الشخصية.

اضطرار التشارك بالبيانات

وتحوّل علماء الخصوصية من تصور الخصوصية كعزلة تامة إلى «سلامة السياق»، أي توقع مشاركة البيانات الشخصية فقط مع متلقين مختارين، في ظروف محددة. لكن هذا النموذج فشل بسبب تسويق البيانات تجارياً. وأصبحت الموافقة مدفونة في سياسات خصوصية غير قابلة للقراءة ومُقنّعة خلف أزرار «موافق».

ومنحت بعض الحمايات القانونية الأميركية، مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) وقانون خصوصية المستهلك في كاليفورنيا (CCPA)، الأفراد الحق في معرفة البيانات التي جُمعت، أو حذفها، أو إلغاء بيعها. ومع ذلك، فلا يمكن حتى لهذه اللوائح مواكبة الأنظمة المتعطشة للبيانات والغامضة، التي تُشكل عصر وسائل التواصل الاجتماعي، ناهيك بعصر الذكاء الاصطناعي الأكثر تدخلاً الذي يبرز الآن.

متطلبات الذكاء الاصطناعي للبيانات غير مسبوقة

إن متطلبات الذكاء الاصطناعي للبيانات غير مسبوقة: كل شيء من التعبيرات والعادات إلى أنماط اللغة الشخصية العميقة. يشارك الأفراد أنفسهم في خلق هذه الثغرة، حيث يتخذون خيارات تستبدل بالخصوصية الراحة. يستخدم الناس أدوات التعرف على الوجه، ويمنحون وكلاء الذكاء الاصطناعي وصولاً واسعاً إلى البريد الإلكتروني والبيانات المالية، ويثقون برفاق الذكاء الاصطناعي لتخفيف الشعور بالوحدة. في عام 2025، سيكون الاستخدام الأكثر شيوعاً للذكاء الاصطناعي هو العلاج والرفقة، ما يوضح مدى شخصية هذه التفاعلات وهشاشتها.

قد يُدمر الذكاء الاصطناعي الخصوصية أو قد يُنقذها

تكمن المشكلة الأساسية في أنه لا يفهم أحد حقاً كيفية عمل هذه النماذج القوية أو ما يحدث بداخلها، ومع ذلك يُتوقع من المستخدمين التخلي عن كميات هائلة من البيانات الشخصية لتحسين وظائفها. وأنا أشبه هذه اللحظة بالعودة إلى العصور القديمة - عالم يُشرف عليه وجودٌ عليمٌ بكل شيء، يرى كل شيء. ولكن على عكس العالم الإلهي، فإن الذكاء الاصطناعي من صنع الإنسان، مبنيٌّ على خوارزميات ومجموعات بيانات ودوافع للشركات، بما في ذلك الربح والتأثير والسيطرة.

ضرورة إعادة صياغة حقوق البيانات

على الرغم من هذا المسار المُقلق، فإن الذكاء الاصطناعي قد يكون أيضاً مفتاحاً لإنقاذ الخصوصية، إذا اغتنم المجتمع الفرصة لإعادة صياغة حقوق البيانات. ولذا أدعو إلى معادل حديث للمطبعة: بنية تحتية تحويلية تُمكّن الأفراد من التحكم في بياناتهم الخاصة. تاريخياً، ساهمت المطبعة في دمقرطة المعرفة، مُمكّنةً تفتُّح الفكر الخاص، وممهدةً الطريق لثورات فكرية كبرى. وبالمثل، يحتاج مجتمع اليوم إلى تحول تكنولوجي يُلغي مركزية البيانات ويُعيد السيطرة للأفراد.

ملكية البيانات الفكرية ونقلها

هنا يصبح مفهوم قابلية نقل البيانات أمراً حيوياً. على الرغم من أنها تبدو عادية، لكن قابلية نقل البيانات تُحدث ثورة في هذا المجال. فهي تعني أن بإمكان الأفراد نقل بياناتهم بسهولة وأمان - عبر الخدمات والمنصات والأدوات - مع الحفاظ على الملكية والتحكم. اليوم، يصعب الوصول إلى قابلية نقل البيانات إلى حد كبير؛ فغالباً ما تُنتج الأدوات الحالية ملفات ضخمة وغير قابلة للقراءة لا يمكن للأفراد استخدامها بشكل مفيد. وهذا الغموض ليس مصادفة: فالشركات تستفيد من الاحتفاظ بسيطرة محكمة على بيانات المستخدم، ما يجعل مغادرته لها صعبة.

محفظة بيانات شخصية آمنة بدلاً من خوادم غامضة

ومع ذلك، إذا تم دمج قابلية نقل البيانات في نظام متماسك، فقد تُشكل العمود الفقري لبنية تحتية جديدة للخصوصية. وأنا أتخيل عالماً لا تُخزن فيه البيانات الشخصية في خوادم شركات غامضة، بل تُحفظ محلياً في محفظة بيانات شخصية آمنة أو «بود». يمكن بعد ذلك استخدام هذه البيانات بواسطة مساعد ذكاء اصطناعي شخصي يعيش مع المستخدم، ويعمل محلياً، ويتعلم فقط من معلوماته - بإذن صريح. يخدم هذا الذكاء الاصطناعي الفرد فقط، وليس نموذج أعمال الشركة.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك تطبيقات تتبع الدورة الشهرية. اليوم، يتشارك ملايين الأشخاص بيانات صحية بالغة الحساسية عبر تطبيقات مملوكة لشركات قد تبيع هذه المعلومات أو تُسلمها للسلطات، لا سيما في المناطق ذات قوانين الصحة الإنجابية المُقيّدة.

ولذا؛ أقترح مثلاً نظاماً ستُحفظ فيه هذه البيانات فقط في وحدة تخزين شخصية للمستخدم، لا يُمكن الوصول إليها إلا من خلال الذكاء الاصطناعي الخاص به، الذي يُمكنه بعد ذلك من المساعدة في تتبع الأنماط الصحية أو تقديم الدعم دون تعريضهم للمراقبة أو المخاطر القانونية.

يمكن أن يمتد هذا النموذج ليشمل العديد من المجالات الأخرى؛ الرعاية الصحية، والتكيف مع تغير المناخ، والاستقرار المالي، ودعم الوظائف، وغيرها. في كل حالة، يُمكن أن يُتيح الجمع بين الذكاء الاصطناعي الخاص والبيانات المحمولة التي يُتحكم بها شخصياً إمكانيات جديدة مع الحفاظ على الاستقلالية والسلامة.

بنية تحتية جديدة

لن يكون بناء هذه البنية التحتية أمراً سهلاً. فهو يتطلب تقنيات جديدة، ولوائح جديدة، وحوافز جديدة للصناعة؛ وهي أمور لا وجود لها حالياً. يعمل بعض المُبتكرين، بمن فيهم مُبتكر شبكة الإنترنت العالمية، على مكونات أولية. وكما هو الحال مع مطبعة جديدة، قد تُقاوم القوى المُتنفذة التغييرات التي تُهدد سيطرتها. مع ذلك، فإن الخيار واضح: فمن دون إجراءات حاسمة، سينجرف المجتمع نحو مستقبل بائس تنقرض فيه الخصوصية. ولكن إذا طوّرنا أدواتٍ تمنح الأفراد السيادة على بياناتهم، فقد يُصبح الذكاء الاصطناعي قوةً للتمكين بدلاً من المراقبة.

إن التحكم في بيانات المرء يُعادل التحكم في مصيره. لذا فإن استعادة الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي هي التحدي القادم - وهو أمرٌ ممكن وملحّ.

*مديرة الأبحاث في «ديتا ترانسفير إنيشياتيف، مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

قال وزير المالية الصيني، إن الاقتصادات الناشئة تواجه ثلاث تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية وتزايد أوجه القصور في الحوكمة العالمية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
تكنولوجيا شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)

خبراء ينصحون بإبعاد الأطفال عن الدمى الناطقة بالذكاء الاصطناعي

ينصح الخبراء بعدم وجود أي طفل دون سن الخامسة بالقرب من لعبة ذكاء اصطناعي، وأن على الآباء توخي الحذر فيما يتعلق بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.