الذكاء الاصطناعي سيُدمّر الخصوصية

أعمال ومشاعر وأقوال ورغبات الأفراد أكثر قيمةً وأكثر عُرضةً للخطر

الذكاء الاصطناعي سيُدمّر الخصوصية
TT

الذكاء الاصطناعي سيُدمّر الخصوصية

الذكاء الاصطناعي سيُدمّر الخصوصية

ما لم يُقيّد ويُعاد بناؤه على تصورات جديدة على وجه السرعة؛ فإن الذكاء الاصطناعي يهدد بتدمير الخصوصية بطرق أعمق من أي عصر تكنولوجي سابق، كما كتبت جين كالترايدر (*).

الخصوصية حق من حقوق الإنسان

إنني أعمل على حماية المعلومات الشخصية للأفراد، وأُؤكّد أن الخصوصية يجب أن تكون تلقائية، كحق أساسي من حقوق الإنسان. لكن المجتمع فشل في بناء حماية كافية، لا سيما مع صعود منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات المُوجّهة.

وقد أقنعت الشركات المستخدمين بأن «البيانات هي ثمن» استخدام الخدمات الحديثة، مع أن البيانات الشخصية يجب أن تكون أداةً يتحكم بها الأفراد لتحسين حياتهم.

أعمال ومشاعر وأقوال ورغبات الأفراد في خطر

ومع الذكاء الاصطناعي، يتفاقم اختلال توازن القوى حول البيانات بشكلٍ كبير. إذ تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي الآن بشكلٍ كبير على مجموعات بيانات شخصية ضخمة، ما يجعل المعلومات المتعلقة بالأفراد - ما يفعلونه، وما يشعرون به، وما يقولونه، وما يريدونه - أكثر قيمةً وأكثر عُرضةً للخطر من أي وقت مضى.

وتُوضّح الأمثلة هذا التهديد المُتزايد. يتخيل رواد التكنولوجيا مستقبلاً يُمكّن فيه الذكاء الاصطناعي من الوصول إلى كل محادثة أو كتاب أو بريد إلكتروني أو صورة صادفها أي شخص. وتتزايد الأجهزة القابلة للارتداء في جمع الحالات العاطفية آنياً. وتستطيع النظارات الذكية تسجيل كل ما نراه. وتتخذ روبوتات الدردشة الذكية شخصية المعالجين، مشجعةً المستخدمين على مشاركة مشاعرهم الحميمة، ما قد يؤدي إلى نتائج مأساوية في بعض الحالات.

تضارب الدوافع ونقاط الضعف الأخلاقية

لا تقتصر البيانات الشخصية في عصر الذكاء الاصطناعي على وصف الأشخاص فحسب، بل تُشكل هوياتهم وسلوكياتهم، لا سيما في بيئة من أصدقاء الذكاء الاصطناعي ورفاقه وعملائه. ويُعدّ ترك هذه البيانات في أيدي الشركات أو الحكومات أمراً محفوفاً بالمخاطر، لا سيما في ظل تضارب الدوافع، أو نقاط الضعف الأخلاقية، أو تغير الأجندات السياسية.

تاريخ مُبسط للخصوصية

لفهم المخاطر، إليكم تاريخاً مُبسطاً للخصوصية: في السياقات الدينية القديمة، كانت الخصوصية شبه معدومة؛ إذ كان يُفترض وجود مراقبة إلهية. وفي معظم أنحاء العالم في العصور الوسطى، كانت الخصوصية مستحيلة مادياً، حيث عاش الناس في مساحات ضيقة مشتركة. ومع ظهور المطبعة، بدأ الأفراد بالقراءة بمفردهم وبناء عوالم داخلية خاصة. ووسّع مفكرو عصر التنوير مفهوم الخصوصية الشخصية، ليشمل الأفكار والممتلكات والمراسلات.

وخلال العصر الصناعي، ظهرت الحماية القانونية ضد التفتيش والتشهير والتعدي على الممتلكات. وفي عام 1890، تمت صياغة «الحق في الخصوصية» رسمياً، للدفاع عن الحق في أن يُترك الناس وشأنهم، وتوسع نطاق الحماية ليشمل مشاعر الناس وحياتهم العقلية.

عصر التكنولوجيا زعزع الخصوصية

لكن عصر التكنولوجيا زعزع استقرار الخصوصية. فأتاحت الهواتف التنصت على المكالمات الهاتفية، وأتاحت الكاميرات المراقبة. وزادت الحروب العالمية والحرب الباردة من تطبيع التجسس الحكومي. وبحلول عصر الإنترنت، انهارت الخصوصية تماماً. فقد أدت وسائل التواصل الاجتماعي، وجمع البيانات الضخمة، وأدوات تتبع المواقع الشامل، والإعلانات الإلكترونية المتطورة، إلى تآكل السيطرة الشخصية.

اضطرار التشارك بالبيانات

وتحوّل علماء الخصوصية من تصور الخصوصية كعزلة تامة إلى «سلامة السياق»، أي توقع مشاركة البيانات الشخصية فقط مع متلقين مختارين، في ظروف محددة. لكن هذا النموذج فشل بسبب تسويق البيانات تجارياً. وأصبحت الموافقة مدفونة في سياسات خصوصية غير قابلة للقراءة ومُقنّعة خلف أزرار «موافق».

ومنحت بعض الحمايات القانونية الأميركية، مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) وقانون خصوصية المستهلك في كاليفورنيا (CCPA)، الأفراد الحق في معرفة البيانات التي جُمعت، أو حذفها، أو إلغاء بيعها. ومع ذلك، فلا يمكن حتى لهذه اللوائح مواكبة الأنظمة المتعطشة للبيانات والغامضة، التي تُشكل عصر وسائل التواصل الاجتماعي، ناهيك بعصر الذكاء الاصطناعي الأكثر تدخلاً الذي يبرز الآن.

متطلبات الذكاء الاصطناعي للبيانات غير مسبوقة

إن متطلبات الذكاء الاصطناعي للبيانات غير مسبوقة: كل شيء من التعبيرات والعادات إلى أنماط اللغة الشخصية العميقة. يشارك الأفراد أنفسهم في خلق هذه الثغرة، حيث يتخذون خيارات تستبدل بالخصوصية الراحة. يستخدم الناس أدوات التعرف على الوجه، ويمنحون وكلاء الذكاء الاصطناعي وصولاً واسعاً إلى البريد الإلكتروني والبيانات المالية، ويثقون برفاق الذكاء الاصطناعي لتخفيف الشعور بالوحدة. في عام 2025، سيكون الاستخدام الأكثر شيوعاً للذكاء الاصطناعي هو العلاج والرفقة، ما يوضح مدى شخصية هذه التفاعلات وهشاشتها.

قد يُدمر الذكاء الاصطناعي الخصوصية أو قد يُنقذها

تكمن المشكلة الأساسية في أنه لا يفهم أحد حقاً كيفية عمل هذه النماذج القوية أو ما يحدث بداخلها، ومع ذلك يُتوقع من المستخدمين التخلي عن كميات هائلة من البيانات الشخصية لتحسين وظائفها. وأنا أشبه هذه اللحظة بالعودة إلى العصور القديمة - عالم يُشرف عليه وجودٌ عليمٌ بكل شيء، يرى كل شيء. ولكن على عكس العالم الإلهي، فإن الذكاء الاصطناعي من صنع الإنسان، مبنيٌّ على خوارزميات ومجموعات بيانات ودوافع للشركات، بما في ذلك الربح والتأثير والسيطرة.

ضرورة إعادة صياغة حقوق البيانات

على الرغم من هذا المسار المُقلق، فإن الذكاء الاصطناعي قد يكون أيضاً مفتاحاً لإنقاذ الخصوصية، إذا اغتنم المجتمع الفرصة لإعادة صياغة حقوق البيانات. ولذا أدعو إلى معادل حديث للمطبعة: بنية تحتية تحويلية تُمكّن الأفراد من التحكم في بياناتهم الخاصة. تاريخياً، ساهمت المطبعة في دمقرطة المعرفة، مُمكّنةً تفتُّح الفكر الخاص، وممهدةً الطريق لثورات فكرية كبرى. وبالمثل، يحتاج مجتمع اليوم إلى تحول تكنولوجي يُلغي مركزية البيانات ويُعيد السيطرة للأفراد.

ملكية البيانات الفكرية ونقلها

هنا يصبح مفهوم قابلية نقل البيانات أمراً حيوياً. على الرغم من أنها تبدو عادية، لكن قابلية نقل البيانات تُحدث ثورة في هذا المجال. فهي تعني أن بإمكان الأفراد نقل بياناتهم بسهولة وأمان - عبر الخدمات والمنصات والأدوات - مع الحفاظ على الملكية والتحكم. اليوم، يصعب الوصول إلى قابلية نقل البيانات إلى حد كبير؛ فغالباً ما تُنتج الأدوات الحالية ملفات ضخمة وغير قابلة للقراءة لا يمكن للأفراد استخدامها بشكل مفيد. وهذا الغموض ليس مصادفة: فالشركات تستفيد من الاحتفاظ بسيطرة محكمة على بيانات المستخدم، ما يجعل مغادرته لها صعبة.

محفظة بيانات شخصية آمنة بدلاً من خوادم غامضة

ومع ذلك، إذا تم دمج قابلية نقل البيانات في نظام متماسك، فقد تُشكل العمود الفقري لبنية تحتية جديدة للخصوصية. وأنا أتخيل عالماً لا تُخزن فيه البيانات الشخصية في خوادم شركات غامضة، بل تُحفظ محلياً في محفظة بيانات شخصية آمنة أو «بود». يمكن بعد ذلك استخدام هذه البيانات بواسطة مساعد ذكاء اصطناعي شخصي يعيش مع المستخدم، ويعمل محلياً، ويتعلم فقط من معلوماته - بإذن صريح. يخدم هذا الذكاء الاصطناعي الفرد فقط، وليس نموذج أعمال الشركة.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك تطبيقات تتبع الدورة الشهرية. اليوم، يتشارك ملايين الأشخاص بيانات صحية بالغة الحساسية عبر تطبيقات مملوكة لشركات قد تبيع هذه المعلومات أو تُسلمها للسلطات، لا سيما في المناطق ذات قوانين الصحة الإنجابية المُقيّدة.

ولذا؛ أقترح مثلاً نظاماً ستُحفظ فيه هذه البيانات فقط في وحدة تخزين شخصية للمستخدم، لا يُمكن الوصول إليها إلا من خلال الذكاء الاصطناعي الخاص به، الذي يُمكنه بعد ذلك من المساعدة في تتبع الأنماط الصحية أو تقديم الدعم دون تعريضهم للمراقبة أو المخاطر القانونية.

يمكن أن يمتد هذا النموذج ليشمل العديد من المجالات الأخرى؛ الرعاية الصحية، والتكيف مع تغير المناخ، والاستقرار المالي، ودعم الوظائف، وغيرها. في كل حالة، يُمكن أن يُتيح الجمع بين الذكاء الاصطناعي الخاص والبيانات المحمولة التي يُتحكم بها شخصياً إمكانيات جديدة مع الحفاظ على الاستقلالية والسلامة.

بنية تحتية جديدة

لن يكون بناء هذه البنية التحتية أمراً سهلاً. فهو يتطلب تقنيات جديدة، ولوائح جديدة، وحوافز جديدة للصناعة؛ وهي أمور لا وجود لها حالياً. يعمل بعض المُبتكرين، بمن فيهم مُبتكر شبكة الإنترنت العالمية، على مكونات أولية. وكما هو الحال مع مطبعة جديدة، قد تُقاوم القوى المُتنفذة التغييرات التي تُهدد سيطرتها. مع ذلك، فإن الخيار واضح: فمن دون إجراءات حاسمة، سينجرف المجتمع نحو مستقبل بائس تنقرض فيه الخصوصية. ولكن إذا طوّرنا أدواتٍ تمنح الأفراد السيادة على بياناتهم، فقد يُصبح الذكاء الاصطناعي قوةً للتمكين بدلاً من المراقبة.

إن التحكم في بيانات المرء يُعادل التحكم في مصيره. لذا فإن استعادة الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي هي التحدي القادم - وهو أمرٌ ممكن وملحّ.

*مديرة الأبحاث في «ديتا ترانسفير إنيشياتيف، مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
علوم بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

الذكاء الاصطناعي في الطب

نحو 64 % من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
خاص مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

خاص مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

تبرز مراكز البيانات المدارية كخيار ناشئ لتخفيف اختناقات طاقة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبدو أقرب إلى حل متخصص، لا بديل شامل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد يظهر شعار شركة «إس كيه هاينكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

استثمار ملياريّ لـ«إس كيه هاينكس» لتعزيز ريادتها في رقائق الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس»، يوم الأربعاء، أنها تخطط لاستثمار 19 تريليون وون (12.85 مليار دولار) في إنشاء مصنع جديد بكوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (سيول)

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.


دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
TT

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

خلصت دراسة قدمت في اجتماع الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان في سان دييغو إلى أن التعرض للدخان الناتج عن حرائق الغابات يرتبط بارتفاع كبير في مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

وحلل الباحثون بيانات عن انتشار الإصابة بالسرطان من تجربة فحص سرطان البروستاتا والرئة والقولون والمستقيم والمبيض، والتي تتعقب حالات التشخيص الجديدة بالسرطان لدى بالغين في أنحاء الولايات المتحدة ليس لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأورام الخبيثة.

ولتحديد مقدار التعرض لدخان حرائق الغابات، أجرى الباحثون تقييما للجسيمات الدقيقة والكربون الأسود في الجو باستخدام بيانات تلوث الهواء على مستوى سطح الأرض من الأحياء التي يعيش فيها المشاركون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي ساعدت في حساب عدد الأيام التي تعرضت فيها مناطق إقامتهم للدخان.

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي والمثانة والدم، ولكن ليس بسرطان المبيض أو الجلد.

ووجد الباحثون أيضا أن خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان يزداد مع ارتفاع مستوى تلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

وقال رئيس الدراسة تشي تشن وو من مركز السرطان الشامل بجامعة نيو مكسيكو في بيان «الرسالة الرئيسية هي أن دخان حرائق الغابات ليس مجرد مشكلة قصيرة الأمد تتعلق بالجهاز التنفسي أو القلب والأوعية الدموية. فقد ينطوي التعرض المزمن له أيضا على مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل».

وأضاف «من الملحوظ أن زيادة خطر الإصابة بالسرطان قد تحدث حتى عند مستويات منخفضة نسبيا من دخان حرائق الغابات (الجسيمات الدقيقة) التي يتعرض لها السكان عادة».

وأشار وو أيضا إلى أن مصدر ومكونات دخان حرائق الغابات تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، وقد تتأثر الصحة أيضا بالمركبات والتحولات الكيميائية التي تحدث للدخان أثناء انتشاره.