غابريال أوربونايت: فيلمي «ترميم» يعالج هشاشة الروابط العائلية

المخرجة الليتوانية قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها حوّلت الصمت إلى دراما

يناقش الفيلم قضايا اجتماعية حول علاقة الفرد بالأسرة (الشركة المنتجة)
يناقش الفيلم قضايا اجتماعية حول علاقة الفرد بالأسرة (الشركة المنتجة)
TT

غابريال أوربونايت: فيلمي «ترميم» يعالج هشاشة الروابط العائلية

يناقش الفيلم قضايا اجتماعية حول علاقة الفرد بالأسرة (الشركة المنتجة)
يناقش الفيلم قضايا اجتماعية حول علاقة الفرد بالأسرة (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الليتوانية، غابريال أوربونايت، إن فيلمها «ترميم» وُلد من رغبتها في الغوص في العلاقات الإنسانية التي تكون على الحافة بين الفقد والتجدد، مؤكدة أن الفكرة الأساسية للفيلم انطلقت من ملاحظة شخصية عن هشاشة الروابط العائلية حين تتعرض للاختبار، وعن الكيفية التي يمكن أن تعيد بها الأزمات رسم حدود القرب والبعد بين أفراد العائلة.

وأضافت أوربونايت لـ«الشرق الأوسط»: «جذبني إلى هذه القصة التناقض بين الخراب الخارجي والترميم الداخلي، بين ما يُهدم في العالم المادي وما يمكن ترميمه في النفس»، مشيرة إلى أن عنوان الفيلم «ترميم» لا يشير فقط إلى عملية مادية، بل هو استعارة رمزية للحياة ذاتها، وللجهد الإنساني الذي يبذله الأفراد في محاولة إعادة ترتيب شظايا ذواتهم بعد صدمة أو خسارة.

غابريال أوربونايت (الشرق الأوسط)

وأوضحت: «هذه الثيمة لطالما كانت محور اهتمامي منذ بداياتي الفنية، سواء في أعمالي القصيرة السابقة أو في أعمالي الفوتوغرافية التي تناولت موضوعات العائلة والذاكرة والبيت»، مشيرة إلى أن الدافع الأساسي وراء الفيلم كان رغبتها في التقاط لحظة ما بعد الخسارة، «تلك المسافة الزمنية الهشة التي يمر فيها الإنسان بين الحزن ومحاولة النهوض»، على حد تعبيرها.

وتدور أحداث فيلم «ترميم» الذي يعرض للمرة الأولى ضمن المسابقة الدولية بمهرجان «القاهرة السينمائي الدولي» في دورته الـ46 الراهنة، حول قصة امرأة تُدعى «إيفا» تعود إلى منزل طفولتها بعد وفاة والدها، لتجد المكان غارقاً في الفوضى كما في ذكرياتها القديمة، وتحاول إعادة بناء البيت كنوع من الوفاء لوالدها.

لكن أثناء عملية الترميم تكتشف أن الجدران ليست ما يحتاج إلى الإصلاح فقط، بل العلاقات العائلية التي تصدعت بفعل الزمن والغياب. وبين محاولاتها لتنظيف المكان وإعادة ترتيبه، تنفتح دفاتر الماضي وتعود مشاعر ظنت أنها انتهت، فتجد نفسها في مواجهة ذاتها القديمة وأسئلتها المعلّقة.

وأكدت المخرجة الليتوانية أنها أرادت أن تصنع فيلماً صامتاً في روحه، مليئاً بالمساحات الفارغة، حيث يمكن للمشاهد أن يملأها بتجاربه الخاصة، مشيرة إلى أنها كانت تؤمن بأن الصمت أبلغ من الحوار في كثير من المواقف.

يشارك الفيلم بالمسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي (الشركة المنتجة)

وقالت إن «عملية الكتابة استغرقت أكثر من عامين، بدأت خلالها بتدوين ملاحظات حول ذكريات طفولتي وتجارب أصدقائي مع الفقد، ثم بدأت بدمج هذه الخيوط في نص متماسك»، لافتة إلى أنها لم تكن تسعى إلى فيلم عن الحزن بقدر ما كانت تريد فيلماً عن التعافي، عن تلك القدرة الخفية التي يمتلكها الإنسان للبدء من جديد.

ولفتت غابريال إلى أن اهتمامها بالعائلة لا ينبع من الحنين فقط، بل من كونها ترى فيها البنية الأولى للهوية، قائلة: «العلاقات الأسرية في أوروبا الشرقية تمر بتحولات عميقة في السنوات الأخيرة، حيث لم تعد العائلة تلك الوحدة المغلقة كما كانت، بل أصبحت ساحة لتقاطع الهويات الجديدة بين الأجيال».

وأوضحت أن اختيارها للممثلة الرئيسية كان من أهم المراحل في الإعداد للفيلم؛ إذ احتاجت إلى وجه قادر على التعبير بالصمت أكثر من الكلام، واختارت في النهاية الممثلة الليتوانية إينغا ميكوتي التي رأت فيها «مزيجاً من القوة والهشاشة في آن واحد»، على حد تعبيرها. مشيرة إلى أن «أداءها القائم على الاقتصاد في الحركة والنظرات منح الشخصية عمقها الحقيقي».

وأوضحت المخرجة الليتوانية أن العمل مع الممثلين تم بطريقة تقوم على الارتجال الموجَّه، حيث كانت تمنحهم المساحة للتعبير الحر ضمن إطار المشهد، دون أن تفرض عليهم تفاصيل دقيقة؛ لأن الفيلم يعتمد على الصدق العاطفي لا على الحوار النصي، لافتة إلى أنها كانت تطلب منهم أن يعيشوا داخل المكان كأنهم بالفعل يرممون بيتاً عاشوا فيه طيلة حياتهم، ليأتي الأداء حقيقياً.

وعن التحديات التقنية التي واجهتها أثناء التصوير، قالت إن «ضيق المساحة داخل المنزل (موقع التصوير الأساسي) جعل من تحريك الكاميرا عملية معقدة، لكنها في الوقت ذاته فرضت نوعاً من الحميمية البصرية؛ إذ أجبرتهم القيود على الاقتراب أكثر من الشخصيات ومن تفاصيل الوجوه والأيدي»، مشيرة إلى أن الطقس كان عاملاً حاسماً أيضاً؛ إذ أرادت ضوءاً شتوياً باهتاً يعبّر عن الحالة الداخلية للفيلم، فكان الفريق ينتظر ساعات محددة من النهار لتصوير المشاهد.

استغرق الفيلم كتابة لمدة عامين (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن الفيلم تم تصويره في منطقة «كاوناس» التاريخية، وهي مدينة تحمل الكثير من الذاكرة الجماعية لليتوانيين، معتبرة أن اختيار المكان لم يكن مصادفة؛ لأن البيوت هناك ما زالت تحتفظ بآثار الماضي، تماماً كالشخصيات التي تحاول ترميم حاضرها، واتسق مع إرادتها في أن ينعكس عبر المكان أيضاً التناقض بين ما يرمم وما يُنسى، وبين التاريخ الشخصي والجماعي.

وقالت إن «الجانب البصري للفيلم كان له أهمية مركزية، فدراستي التصوير الفوتوغرافي قبل الإخراج جعلني أولي الصورة نفس الأهمية التي أوليها للسرد»، لافتة إلى أنها عملت عن قرب مع مدير التصوير ماريوس باكيس لبناء لغة بصرية تقوم على التفاصيل الصغيرة، مثل حركة الغبار في الضوء، وصوت الخشب المتشقق، وإيقاع التنفس، لتصبح هذه العناصر جزءاً من البنية الدرامية لا مجرد عناصر تقنية.

وأضافت أن الموسيقى في الفيلم كانت شبه غائبة، واكتفت باستخدام أصوات البيئة كأداة درامية، معتبرة أن غياب الموسيقى التقليدية ساعد المشاهد على التوغل في الحالة الشعورية للشخصيات دون توجيه عاطفي مباشر، فصوت المطرقة أو ارتطام الريح بالنوافذ كان - في نظرها - موسيقى من نوع آخر.

وأكدت غابريال أن «ترميم» ليس فيلماً عن امرأة واحدة، بل عن جيل كامل يعيش ما بعد انهيار الأحلام الجماعية، «جيل يحاول أن يجد توازنه بين الماضي والمستقبل، بين ما يمكن إصلاحه وما يجب تجاوزه»، وفق قولها. مؤكدة أن «هذا البعد الإنساني هو ما جعل الفيلم يجد صداه لدى الجمهور في العروض الأولى؛ إذ شعر كثيرون بأنه يتحدث عنهم شخصياً، حتى وإن كانت القصة في بلد بعيد».

وقالت المخرجة الليتوانية إن «العالم بعد الأزمات المتتالية، سواء كانت صحية أو اقتصادية أو اجتماعية، يحتاج إلى هذا النوع من السينما التي تعيدنا إلى الأسئلة الجوهرية: ماذا يمكن إنقاذه؟ وما الذي يستحق أن نبدأ بناءه من جديد؟».


مقالات ذات صلة

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

يوميات الشرق «يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

قبل نحو خمسين عاماً، وقف المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ خلف كاميرا فيلم Close Encounters of the Third Kind (لقاءات قريبة من النوع الثالث) متأملاً السماء، باحثاً…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق فيلم «صقر وكناريا» حظي باهتمام كبير بعد إطلاق البرومو الترويجي له (الشركة المنتجة)

انتعاشة قوية للأفلام الكوميدية خلال موسم الصيف السينمائي بمصر

يشهد موسم الصيف السينمائي بمصر، انتعاشة قوية للأفلام الكوميدية، وذلك بعد إعلان طرح أفلام جديدة يطغى على أحداثها اللون الكوميدي.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق يعد «المحطة» أول فيلم يمني يعرض في مهرجان «كان» (الشركة المنتجة)

سارة إسحاق: «المحطة» ينتصر لمثابرة المرأة في زمن الحرب

قالت المخرجة اليمنية سارة إسحاق إن فيلمها الروائي الطويل «المحطة» يعكس تعقيدات النفس البشرية وتناقضاتها.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق مشهد من فيلم الافتتاح «العميل السري» (سينما متروبوليس)

انطلاق مهرجان السينما البرازيلية في دورته الثامنة في بيروت

تشتهر السينما البرازيلية بسماتها البارزة المتعلقة بالواقعية الاجتماعية والسياسية. ومنذ ظهور حركة «سينما نوفو»، تطرح قصصاً تتناول التفاوت الطبقي والفساد السياسي

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تطرق الفيلم لما واجهه أشقاؤه بحياتهم (الشركة المنتجة)

إيدي سانشيز: «مكسيكي أميركي» يفكك أبعاد الهجرة والاندماج

قال المخرج والكاتب الأميركي إيدي سانشيز إن فيلمه الوثائقي الطويل الأول «مكسيكي أميركي» خرج للنور من فكرة عفوية وليدة اللحظة.

أحمد عدلي (القاهرة )

بريشة سعودية... «الملك سلمان» بين الإنسان والإنجاز في جائزة ضياء عزيز

اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
TT

بريشة سعودية... «الملك سلمان» بين الإنسان والإنجاز في جائزة ضياء عزيز

اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)

لم يكن رسم الملك سلمان في لوحات البورتريه مجرد اختبار للمهارة الفنية، بل بدا أقرب إلى محاولة لالتقاط شخصية تختزن في ملامحها تاريخ دولة كاملة. في جدة، وقف الفنانون أمام صور الملك سلمان كما لو أنهم يقرأون سيرة وطن؛ شاباً في بدايات الرياض القديمة، وقائداً يحتضن العلم السعودي بعينين يملؤهما الاعتزاز، وإنساناً ارتبط اسمه بمشروعات التحول الكبرى التي غيّرت ملامح المملكة.

النسخة التاسعة من «جائزة ضياء عزيز للبورتريه» تحولت إلى معرض بصري يروي الحكاية السعودية من وجهة نظر الفن. واحتضن مسرح جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة الحفل الذي نظّمته جمعية الثقافة والفنون لإعلان أسماء الفائزين بالجائزة التي جاءت هذا العام تحت عنوان «الملك سلمان... الإنسان والإنجاز»، بحضور الأمير فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود، إلى جانب فنانين ومثقفين ومهتمين بالفنون البصرية.

وتضمن الحفل تقديم أوبريت «وطن الثقافة»، في أمسية جمعت بين الفن التشكيلي والموسيقى والعرض المسرحي، وعكست الحراك الثقافي الذي تعيشه السعودية، والدعم المتزايد للفنون بوصفها جزءاً من المشهد الوطني الجديد.

وتأتي الجائزة امتداداً لمبادرة أطلقها الفنان التشكيلي ضياء عزيز بهدف تعزيز حضور فن البورتريه، أحد أكثر الفنون ارتباطاً بالإنسان وقدرته على توثيق الملامح والحكايات والتفاصيل الشخصية من خلال رؤية الفنان وأسلوبه التعبيري.

وفي حديث له مع لـ«الشرق الأوسط»، قال ضياء إن استمرار الجائزة للعام التاسع يعود إلى جودة الأعمال الفنية المطروحة واختيار موضوعات ترتبط بالوطن والإنسان السعودي، موضحاً أن الجائزة منذ انطلاقها تناولت موضوعات متنوعة مثل الأمن السعودي والخليج العربي حتى جائحة «كورونا».

وأضاف أن اختيار الملك سلمان محوراً للنسخة الحالية جاء لما تمثله شخصيته من حضور إنساني ووطني، إلى جانب ما شهدته المملكة من تحولات وإنجازات خلال مسيرته، مؤكداً أن الأعمال المشاركة هذا العام عكست مستوى فنياً عالياً وتنافساً واضحاً بين الفنانين.

واستقبلت الجائزة مشاركات من مختلف مناطق المملكة، في مساحة إبداعية أتاحت للفنانين تقديم قراءاتهم البصرية لشخصية الملك سلمان، عبر مدارس وأساليب تشكيلية متعددة.

ومن بين الأعمال التي لفتت الأنظار وحصدت المركز الأول، برزت لوحة الفنانة التشكيلية إيمان اللويمي، التي استعادت صورة الملك سلمان في شبابه خلال بدايات توليه إمارة الرياض في خمسينات القرن الماضي، واضعة خلفه ملامح الرياض القديمة بالأبيض والأسود، فيما حضرت الألوان الزيتية والزهور في بقية اللوحة بوصفها رمزاً لازدهار الحاضر.

وقالت اللويمي لـ«الشرق الأوسط» إن تنفيذ العمل سبقه بحث ودراسة لمسيرة الملك سلمان، موضحة أنها تنظر إلى الفن بوصفه عملاً معرفياً يبدأ بالفهم قبل الرسم. وأضافت أنها اعتمدت على الدمج بين الفحم الذي يرمز للماضي، والألوان الزيتية التي تعبر عن المستقبل والإنجاز، في محاولة لتجسيد العلاقة بين الإنسان والتحول الذي شهدته المملكة.

وأكدت أن اللوحة استغرقت ما بين 3 إلى 4 أسابيع من العمل المتواصل، مشيرة إلى أن أكثر ما كانت تسعى إليه هو تقديم عمل يحمل قيمة فنية وشخصية تفخر بها.


«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات
TT

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

قبل نحو خمسين عاماً، وقف المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ خلف كاميرا فيلم Close Encounters of the Third Kind (لقاءات قريبة من النوع الثالث) متأملاً السماء، باحثاً عن إجابة لسؤال لطالما شغل الخيال الإنساني طويلاً: هل توجد حياة أخرى في هذا الكون؟ ليعود إلى السؤال نفسه في فيلمه الجديد Disclosure Day أو «يوم الكشف»، الذي بدأ عرضه في صالات السينما الأسبوع الماضي، لكن من زاوية مختلفة تماماً. فبدلاً من البحث عن الكائنات القادمة من الفضاء، ينشغل هذه المرة بالبشر أنفسهم، ليطرح أسئلة جديدة من شاكلة: ماذا يحدث حين تصبح الحقيقة معروفة؟ وكيف يتعامل العالم مع معلومة قادرة على تغيير كل ما اعتاد تصديقه؟

الفيلم، الذي كتبه ديفيد كوب عن فكرة أصلية لسبيلبرغ، يجمع إيميلي بلانت وجوش أوكونور وكولين فيرث وكولمان دومينغو في حكاية تبدأ مع خبير أمن سيبراني يعثر على معلومات شديدة الحساسية، بالتوازي مع مقدمة طقس تقودها ظواهر غامضة نحو المسار نفسه. ومع تقدم الأحداث، تتشابك الخيوط داخل عالم تمتلئ أركانه بالأسرار والمصالح والملفات المغلقة.

السبعينات تلتقي 2026

منذ لحظة صدور الإعلان التشويقي للفيلم مع عبارة «قصة من ستيفن سبيلبرغ»، بدا للكثيرين أن المخرج البالغ 79 عاماً يستعد لتقديم عمل يكون تتويجاً لمسيرته، وخلاصة أفكاره حول سؤال شغله لعقود طويلة. بيد أنه حاول قراءة الحاضر بأدوات صاغها في سبعينات القرن الماضي، وكأن نصف قرن من التحولات التقنية والثقافية مرّ خارج حدود الفيلم، فبدت الهواتف الذكية، التي صارت امتداداً للذاكرة البشرية، حاضرة على الهامش أكثر من حضورها في قلب الحكاية.

يضاف لذلك طريقة تعامل الفيلم مع الإعلام والتلفزيون هي أيضاً تبدو قادمة من زمن آخر... ففي عالم يتحرك عبر المنصات الرقمية والبث المباشر والخوارزميات، يضع الفيلم جزءاً مهماً من رهانه على التلفزيون المحلي بوصفه بوابة الحقيقة الكبرى، بما يُظهر التباعد بين العالم الذي نعيشه والعالم الذي يتخيله الفيلم.

ورغم ذلك، دخل الفيلم شباك التذاكر العالمي بقوة، محققاً افتتاحية بلغت 92.8 مليون دولار، ومتصدراً الإيرادات العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى. لكن الأرقام نفسها تكشف جانباً آخر من الحكاية، ففي حين احتل الفيلم إيرادات شباك السينما في بريطانيا بإيرادات تجاوزت 7.5 مليون دولار وهي الأعلى عالمياً، حقق في المكسيك نحو 4 ملايين دولار، وسجل في فرنسا وأستراليا والبرازيل أرقاماً قوية، فيما كان الأداء أكثر تواضعاً في عدد من الأسواق الأخرى، وخاصة الآسيوية منها.

وفي السعودية تحديداً اكتفى الفيلم بإيرادات بلغت نحو 416 ألف دولار خلال أسبوعه الأول، محتلاً المركز الخامس في شباك التذاكر المحلي، بنحو عشرين ألف تذكرة مبيعة.

مطاردة السر الأكبر

خلال الفيلم يلعب جوش أوكونور دور دانيال، خبير الأمن السيبراني العامل لدى منظمة نافذة تدعى «واردكس»، ومهمة المنظمة هي إخفاء المعلومات المتعلقة بالكائنات الفضائية عن العالم. يقرر دانيال كشف هذه الأسرار، إلا أن السيناريو يرسله في رحلة طويلة مع صديقته جاين (إيف هيوسن) بانتظار إشارة من زميله هوغو (كولمان دومينغو).

في خط درامي آخر تظهر إيميلي بلانت بدور مقدمة نشرة الطقس مارغريت، التي تكتشف فجأة أنها قادرة على التحدث بجميع لغات الأرض، إضافة إلى لغات أخرى غريبة، وتقدم بلانت أفضل أداء في الفيلم، فيما تشكل مشاهد تطور قدراتها النفسية أكثر لحظاته حيوية، لما تجمعه من قوة وهشاشة، وربطها بين حاضر الشخصية وطفولتها.

العالم الذي يتخيله سبيلبرغ

يبدو Disclosure Day من الخارج فيلماً عن الفضائيين والمؤامرات الحكومية، لكن يطرح الكثير من الأسئلة من الداخل... كيف تتصرف الحكومات تجاه الحقائق المفزعة؟ كيف يتفاعل الإعلام؟ ماذا يحدث للمسلمات الراسخة حين تهتز فجأة؟ وكيف يعيد الإنسان تعريف موقعه داخل الكون؟

كما تظهر خبرة سبيلبرغ الطويلة في بناء هذا الإحساس بالترقب، فحتى في المشاهد الهادئة، ينجح في خلق شعور دائم بأن حدثاً هائلاً يقترب من الأفق. وطيلة الفيلم، تتحرك الكاميرا بثقة، أما الموسيقى التي صاغها جون ويليامز، فأضافت طبقة من الرهبة والحنين تذكر بأعماله الكلاسيكية.

وربما تكمن المعضلة الأساسية في Disclosure Day في الفجوة بين نظرة ستيفن سبيلبرغ المتفائلة للعالم ومزاج الجمهور المعاصر. فالمخرج الذي بنى جزءاً كبيراً من إرثه على الإيمان بالإنسان وقدرته على التعاطف والتوحد أمام المجهول، يقدم هنا فيلماً يرى أن كشف وجود حياة خارج الأرض قد يصبح لحظة تتوحد فيها البشرية، بيد أن هذا التفاؤل يبدو منفصلاً عن عالم يعيش وسط تدفق يومي من الأخبار والأزمات والانقسامات، ومن هنا تنشأ المسافة بين الفيلم وجمهوره؛ فبينما ما زال سبيلبرغ يؤمن بقدرة الحقيقة على جمع البشر حول معنى مشترك، يعيش العالم اليوم وسط ضجيج متواصل يجعل الدهشة أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل نصف قرن.


«ساعة حظ» يجدد سيرة المسرح الغنائي المصري من الأربعينات

جانب من العرض المسرحي الغنائي «ساعة حظ» (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من العرض المسرحي الغنائي «ساعة حظ» (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«ساعة حظ» يجدد سيرة المسرح الغنائي المصري من الأربعينات

جانب من العرض المسرحي الغنائي «ساعة حظ» (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من العرض المسرحي الغنائي «ساعة حظ» (وزارة الثقافة المصرية)

تستعيد فرقة مسرح الشباب التابعة للبيت الفني للمسرح بمصر نمط المسرحية الغنائية من خلال العرض المسرحي «ساعة حظ» الذي تقدمه على مسرح أوبرا ملك برمسيس (وسط القاهرة) لتحكي من خلاله قصة مجموعة أشخاص يجمعهم مخبأ يحتمون به من القصف الذي تتعرض له المدينة.

يأتي العرض في إطار كوميدي اجتماعي، مستلهماً أحداثه من قصة «المخبأ رقم 13» للأديب محمود تيمور، في معالجة مسرحية تعتمد على الاستعراضات والغناء.

ويقوم ببطولة العرض ياسر أبو العينين، وهالة محمد، وعادل الحسيني، ومحمد مجدي كامبا، وعلي الباهي، ونادين عامر، ويسري إبراهيم، وليلى عبد القادر، ومحمد عيسى، ومحمد أسامة الهادي، ومحمد بغدادي، وأحمد جيمي. الدراماتورج والأشعار: أحمد زيدان، والتأليف الموسيقي والألحان: زياد هجرس، ومن إخراج حسام التوني.

العرض مأخوذ عن قصة «المخبأ رقم 13» (وزارة الثقافة المصرية)

ويستعيد العرض الذي انطلق ضمن موسم عيد الأضحى فكرة المسرح الغنائي، الذي اشتهر في بدايات القرن العشرين وكان من أبرز نجومه ورواده سيد درويش صاحب مسرحيات «العشرة الطيبة» و«ولو» و«الباروكة» و«الطاحونة الحمرا» و«الهلال» و«إش» وغيرها من الأوبريتات الشهيرة للموسيقار الذي لَقّب بـ«فنان الشعب».

ويصف الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين مسرحية «ساعة حظ» بأنها من «الأعمال الجيدة المأخوذة من رواية للأديب الكبير الراحل محمود تيمور في الأربعينات، وهي فترة لها خصوصيتها حيث كانت مصر جزءاً من الحرب العالمية الثانية، وكان الطليان في العلمين والإنجليز محتلين مصر، فيما كان الفرنسيون موجودين بشكل أو بآخر».

«ساعة حظ» يتناول قصة منذ الأربعينات (وزارة الثقافة المصرية)

ويضيف سعد الدين لـ«الشرق الأوسط» أن «تيمور كتب هذا النص في هذه الفترة بشكل سوداوي بعض الشيء ليرصد الحالة الاجتماعية للناس والمشاكل والقضايا السائدة في المجتمع والمسيطرة عليه، من خلال تفاصيل حياة الشخصيات، لكن المختلف أن عرض (ساعة حظ) يقدم هذه الفكرة في قالب غنائي، ويقدمه في (أوبرا ملك)، وهو مكان كان كازينو بالأصل، كأننا نعود لأجواء تاريخية في الأربعينات؛ فهو عمل جيد جداً يستند لرواية تعود أحداثها لزمن الأربعينات لكنه يقدمها برؤية عصرية».

ولفت الناقد الفني إلى أن «عصر الأربعينات من القرن الماضي في مصر كان يمثل عصر الاستعراض الموجود في المسرح الغنائي والسينما المصرية، حيث كنا نشاهد استعراضات ضخمة فيها 20 راقصة وأكثر من راقص لجذب جمهور الكازينو، فهذا العرض يعيدنا لتلك الحالة من خلال تجربة شبابية أتمنى أن تستمر».

وتشهد المسارح التابعة لوزارة الثقافة المصرية العديد من العروض التي حظيت باهتمام وحضور جماهيري واسع، خصوصاً خلال فترة عيد الأضحى، وتتنوع موضوعاتها بين التراجيديا والكوميديا والغناء الاستعراضي، ومن بين الأعمال التي تعرض حالياً «الملك لير» على المسرح القومي، من تأليف ويليام شكسبير وبطولة يحيى الفخراني وإخراج شادي سرور، وعرض «تياترو» على مسرح السلام من بطولة نور محمود، وعبد المنعم رياض، وأحمد السلكاوي، وأشعار طارق علي، وتأليف أحمد الملواني، وإخراج أحمد فؤاد. وعرض «زائد واحد» على مسرح الهناجر الذي يشارك في بطولته عزت زين، ونغم صالح، وأحمد عباس. وهو من تأليف محمد عادل النجار، وأشعار يسري حسان، وألحان زياد هجرس، وإخراج محمود فؤاد صدقي.