«زيارة الشرع» بداية مسار تفاوضي جديد بين واشنطن ودمشق

سوريا تخرج من عزلتها عبر بوابة ترمب وتحقق 4 إنجازات

الشرع في مأدبة عشاء أقامتها غرفة التجارة الأميركية بحضور وزير الخارجية وعدد من رجال الأعمال والمستثمرين الأميركيين
الشرع في مأدبة عشاء أقامتها غرفة التجارة الأميركية بحضور وزير الخارجية وعدد من رجال الأعمال والمستثمرين الأميركيين
TT

«زيارة الشرع» بداية مسار تفاوضي جديد بين واشنطن ودمشق

الشرع في مأدبة عشاء أقامتها غرفة التجارة الأميركية بحضور وزير الخارجية وعدد من رجال الأعمال والمستثمرين الأميركيين
الشرع في مأدبة عشاء أقامتها غرفة التجارة الأميركية بحضور وزير الخارجية وعدد من رجال الأعمال والمستثمرين الأميركيين

كان استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترمب للرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، مشهداً غير مسبوق منذ استقلال سوريا، وحمل من الرمزية السياسية ما يتجاوز الدبلوماسية البروتوكولية، ليتحول إلى اختبار دقيق لإمكانية إعادة دمج دمشق في النظام الدولي بعد أكثر من عقد من العزلة والعقوبات.

اللقاء، الذي وصفته وكالة «أسوشييتد برس» بأنه «لحظة تاريخية»، لم يكن مجرد استعراض لعلاقات عامة، بل جسَّد بداية مسار تفاوضي جديد بين واشنطن ودمشق، يقوم على مبدأ «الانفتاح المشروط» مقابل التزامات سورية محددة، تتعلق بالأمن الإقليمي، ومحاربة الإرهاب، وتوازنات ما بعد الحرب في المنطقة.

وهو ما حاول الشرع تعزيزه عبر سلسلة اللقاءات المكثفة مع هيئات وشخصيات سياسية واقتصادية ومالية، والمقابلات الإعلامية التي أجراها في واشنطن، مع صحف ومحطات تلفزة.

وقال رئيس «المنظمة السورية الأميركية للطوارئ»، معاذ مصطفى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن الزيارة حققت 4 إنجازات أولية. أولاً، انضمام سوريا إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» بعد سنوات من القطيعة والاتهامات المتبادلة بشأن دعم الإرهاب.

ثانياً، الإعلان عن إعادة فتح السفارة السورية في واشنطن بعد إغلاق دام أكثر من 12 عاماً، إيذاناً بعودة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية تدريجياً.

ثالثاً، تجميد تطبيق قانون قيصر لمدة 6 أشهر، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لاختبار نيات دمشق، وإرسال رسالة طمأنة إلى الشركات والمستثمرين الأميركيين والدوليين.

ورابعاً، تم الاتفاق على استئناف قنوات الاتصال الأمنية والعسكرية بين الجانبين، خصوصاً في ملفات الحدود السورية - العراقية وملاحقة فلول «داعش».

وقال الرئيس الأميركي بعد لقائه الشرع، إن بلاده «ستفعل كل ما بوسعها لجعل سوريا بلداً ناجحاً وآمناً»، مؤكداً أن «الوقت حان لفتح صفحة جديدة مع الشعب السوري».

لقطة وزعتها وكالة «سانا» السورية تظهر الشرع جالساً قبالة ترمب بحضور كبار المسؤولين الأميركيين والسوريين (أ.ب)

قيود الكونغرس والعقبات السياسية

لكن هذا الانفتاح لا يعني أن صفحة العقوبات أُغلقت، فـ«قانون قيصر» الذي فُرض عام 2019 لا يمكن رفعه بقرار رئاسي فقط؛ إذ يتطلب موافقة الكونغرس الذي لا يزال منقسماً حيال الموقف من دمشق.

ويوضح معاذ مصطفى، الذي لعب دوراً كبيراً في صدور «قانون قيصر» مع كثير من الناشطين السوريين، أن «السبب الرئيس لعدم رفع القانون بالكامل يعود إلى اعتراض شخصيتين نافذتين في الكونغرس، هما، السيناتور ليندسي غراهام، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، والنائب برايان ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب».

ويضيف أن «غراهام وماست يشترطان تحقيق إنجازات سياسية وأمنية ملموسة داخل سوريا ومع الخارج، ويرفضان إعطاء دمشق مكاسب مجانية قبل اختبار التزاماتها». ويضيف أن حكومة بنيامين نتنياهو تمارس ضغوطاً على الرجلين لحضهما على عدم رفع عقوبات قيصر.

وبحسب البعض، تسعى إسرائيل للإبقاء على أوراق ضغط إضافية على دمشق، وربط أي تنازلات بملف الجولان والوجود الإيراني في سوريا.

كبار المحررين في صحيفة «واشنطن بوست» في جلسة مع الرئيس الشرع (سانا)

فرصة مشروطة

من منظور استراتيجي، يرى محللون أن زيارة الشرع تمثل «نافذة تاريخية» لسوريا للعودة إلى الخريطة السياسية، لكنها في الوقت نفسه فرصة مشروطة بسلوك النظام السوري في الأشهر المقبلة.

مدرعة أميركية ترافقها عربات من «قسد» في ريف دير الزور الشرقي (منصة إكس)

فواشنطن، بحسب مصادر مطلعة في وزارة الخارجية الأميركية، تتعامل مع سوريا على أنها «حالة اختبار»، لا بوصفها شريكاً كاملاً بعد، وتربط أي خطوات إضافية في مسار التطبيع أو رفع العقوبات بمدى التزام دمشق بثلاثة محاور رئيسية: ضبط السلوك الإقليمي، والتوقف عن دعم جماعات مسلحة في لبنان والعراق. التعاون الكامل في ملف مكافحة الإرهاب، وإغلاق مراكز احتجاز مقاتلي «داعش»، وتقديم ضمانات حول حقوق الأقليات، والإصلاح السياسي الداخلي.

وتشير ورقة تحليلية صادرة عن «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» إلى أن «الزيارة تمثل اختباراً لمعادلة جديدة قوامها: مكاسب اقتصادية تدريجية مقابل التزامات سياسية وأمنية». وترى أن الإدارة الأميركية «تمنح دمشق فترة سماح تمتد حتى منتصف العام المقبل لتبيان مدى جدّيتها في تطبيق هذه الالتزامات».

أنصار الرئيس أحمد الشرع يتجمعون خارج البيت الأبيض في أثناء لقاء الشرع بالرئيس الأميركي ترمب في واشنطن 10 نوفمبر في أول زيارة رسمية لرئيس دولة سوري (إ.ب.أ)

تحديات داخلية وإقليمية

في المقابل، يواجه الرئيس الشرع تحديات ضخمة في الداخل السوري. فرغم الحفاوة التي رافقت الزيارة، يواجه نظامه أزمة ثقة متنامية نتيجة الأوضاع المعيشية المتدهورة والانقسامات الطائفية والإثنية. وأشار تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن الشرع «يحاول موازنة الانفتاح الخارجي مع إصلاحات داخلية محدودة»، لكنه ما زال يواجه مقاومة من داخل النخبة الأمنية والعسكرية التي تتحفظ على الانفتاح السريع نحو الغرب.

في الإقليم، تراقب القوى العربية تطورات الزيارة بحذر إيجابي؛ فهذه الدول التي كانت حتى وقت قريب جزءاً من الجبهة العربية المناهضة لدمشق (نظام الأسد)، تدرك أن عودة سوريا إلى المعادلة الإقليمية يمكن أن تصنع توازناً جديداً مع إيران وتركيا، لكنها لا تريد في الوقت نفسه منح دمشق شرعية كاملة قبل أن تثبت التزامها بمسار إصلاحي حقيقي.

بعض المراقبين في واشنطن لا يستبعدون أن تكون الزيارة مقدمة لصفقة أوسع تشمل تفاهمات غير معلنة بين سوريا وإسرائيل، برعاية أميركية. واشنطن تدرك أن الملف السوري لا يمكن فصله عن الأمن الإسرائيلي، وأن أي تخفيف للعقوبات على دمشق سيُربط بمستوى التنسيق الأمني في الجولان والحدود الجنوبية. ويسعى ترمب إلى تحقيق إنجاز دبلوماسي يُضاف إلى رصيده الانتخابي، تماماً كما فعل في «اتفاقات إبراهيم».


مقالات ذات صلة

ستارمر يبحث مع الشرع الهجرة وأمن الحدود ويشيد بجهود التصدي لـ«داعش»

أوروبا اجتماع الشرع ورئيس الوزراء البريطاني في مقر الحكومة بداوننغ ستريت بحضور مسؤولين من الطرفين (حساب الرئاسة السورية)

ستارمر يبحث مع الشرع الهجرة وأمن الحدود ويشيد بجهود التصدي لـ«داعش»

ذكر مكتب رئيس ​الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم (الثلاثاء)، أنه بحث مع الرئيس السوري ‌أحمد ‌الشرع، خلال ​اجتماع ‌في ⁠لندن، ​قضايا الهجرة.

«الشرق الأوسط» (لندن - دمشق)
المشرق العربي مواطن يتفقد أضراراً لحقت بمنزله إثر اعتراض الدفاعات الجوية طائرة مسيّرة فوق حي سكني في أربيل... 4 مارس الحالي (أرشيفية - أ.ف.ب)

دوي انفجار قرب مطار أربيل في كردستان العراق

دوّى انفجار صباح اليوم (الثلاثاء) قرب مطار أربيل الدولي الذي يستضيف قوات تابعة للتحالف الدولي.

«الشرق الأوسط» (أربيل (العراق))
أفريقيا رجال شرطة ومواطنون في مكان الهجوم المسلح بجوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية الاثنين (رويترز)

الجيش النيجيري يعلن مقتل 38 إرهابياً

تعيش نيجيريا منذ أكثر من 17 عاماً على وقع تمرد مسلح دموي أطلقته جماعة «بوكو حرام» عام 2009، وتفاقم أكثر عند دخول تنظيم «داعش» على الخط عام 2016.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا مقاتل ليبي خلال المواجهات ضد «داعش» في سرت عام 2015 (أرشيفية-رويترز)

عودة «داعش» تجدد قلق الليبيين على وقع تحذير أميركي

عاد «شبح داعش» ليثير قلقاً بين الليبيين بعد عشر سنوات على سقوط ما كانت تعرف بـ«إمارة التنظيم» في سرت، مدفوعاً بتحذيرات أميركية

علاء حموده (القاهرة )
أفريقيا جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر «بجاجي» في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

«داعش» يهدد بإحراق مدينة في نيجيريا

هدّد تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» بحرق مدينة مالام فاتوري، الواقعة في أقصى شمال شرقي نيجيريا، وذلك بعد أسبوع من مقتل 75 من عناصر التنظيم الإرهابي.

الشيخ محمد (نواكشوط)

حدث استثنائي... ترمب يحضر مناقشات قضائية حول إلغاء حق المواطنة بالولادة

الرئيس دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
TT

حدث استثنائي... ترمب يحضر مناقشات قضائية حول إلغاء حق المواطنة بالولادة

الرئيس دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

تناقش المحكمة العليا في الولايات المتحدة اليوم (الأربعاء) قضية مركزية في الهوية الأميركية تتعلق بالجنسية عن طريق الولادة، وهو حق يرغب في إلغائه دونالد ترمب الذي يعتزم حضور الجلسات باسم حربه ضد الهجرة غير القانونية.

ووقّع ترمب خلال ولايته الثانية أمراً تنفيذياً يقضي بأن الأطفال المولودين لأبوين يقيمان في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، أو بتأشيرات مؤقتة، لن يصبحوا تلقائياً مواطنين أميركيين.

ونقضت محاكم أدنى درجة هذا القرار باعتباره غير دستوري، وقضت بأنه بموجب بند المواطنة في التعديل الرابع عشر للدستور، يُعتبر كل من يولد على الأراضي الأميركية مواطناً أميركياً، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وينص التعديل على أن «جميع الأشخاص المولودين أو المجنسين في الولايات المتحدة، والخاضعين لولايتها القضائية، هم مواطنون أميركيون». ولا ينطبق هذا على الأشخاص غير الخاضعين للولاية القضائية الأميركية، كالدبلوماسيين الأجانب، والقبائل الأميركية الأصلية.

ورداً على سؤال حول جلسة المحكمة العليا قال ترمب للصحافيين: «سأحضر». وكان ترمب قد حضر مراسم تنصيب أول مرشح له لمنصب قاضٍ في المحكمة العليا، هو نيل غورسوش عام 2017، بعد أشهر من بدء ولايته الأولى. لكن حضور رئيس في منصبه للمرافعات الشفوية في قضية تخص إدارته حالياً يُعد حدثاً استثنائياً.

وتقول إدارة ترمب إن التعديل الرابع عشر للدستور الذي أُقرّ عقب الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، يُعنى بحقوق المواطنة للعبيد المُحررين، وليس لأبناء مهاجرين غير قانونيين، أو زوار مؤقتين.

ويستند الأمر التنفيذي الصادر عن ترمب إلى فكرة أن أي شخص موجود في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، أو بتأشيرة لا يخضع لسلطة الدولة، وبالتالي يُستثنى من الحصول على الجنسية تلقائياً.

ورفضت المحكمة العليا هذا التعريف الضيق في قضية عام 1898 تتعلق برجل يُدعى وونغ كيم آرك، وُلد في سان فرانسيسكو عام 1873 لأبوين هاجرا إلى الولايات المتحدة من الصين.

وبعد زيارة للصين مُنع وونغ كيم آرك من دخول الولايات المتحدة عام 1895 بموجب قوانين استبعاد الصينيين. إلا أن المحكمة العليا قضت بأنه مواطن أميركي بحكم ولادته في الولايات المتحدة.

تاريخ وتقاليد

وقال أستاذ القانون بجامعة إيلينوي في شيكاغو ستيفن شوين إن من المرجح أن ترفض المحكمة الطعن في حق المواطنة بالولادة.

وصرح شوين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «هذه محكمة لطالما استندت إلى التاريخ والتقاليد كمرجع أساسي في فهم الدستور. وسيكون من المستغرب بعض الشيء أن نكتشف بعد 150 عاماً أننا كنا نطبق بند المواطنة بشكل خاطئ تماماً». وللمحافظين أغلبية ساحقة في المحكمة العليا (6-3). وقد عيّن ترمب ثلاثة من قضاتها.

وقال جون ساوير، المدعي العام في عهد ترمب، إنه لكي يكون الشخص مؤهلاً للحصول على الجنسية «يجب أن يكون مولوداً في الولايات المتحدة، وخاضعاً لولايتها القضائية». وأضاف ساوير في مذكرة للمحكمة أن «أبناء الأجانب المقيمين مؤقتاً أو غير القانونيين ليسوا خاضعين للولاية القضائية للولايات المتحدة». و«لا يخضع أي شخص لـ(للولاية القضائية) للولايات المتحدة إلا إذا كان يدين لها بالولاء الكافي، ويحق له المطالبة بحمايتها».

«سياحة الولادة»

وقال ساوير إن منح الجنسية تلقائياً لأبناء مهاجرين غير قانونيين «حافز قوي للهجرة غير القانونية»، معتبراً أن ذلك يشجع ما يُسمى بـ«سياحة الولادة».

وإذا رفضت المحكمة العليا إلغاء حق المواطنة بالولادة، فستكون هذه ثاني خسارة كبيرة لترمب خلال هذه الولاية، بعد أن أبطل القضاة معظم رسومه الجمركية في فبراير (شباط).

ورد ترمب بغضب على هذا الحكم، ووصف الثلاثاء حق المواطنة بالولادة بأنه «إحدى أكبر عمليات الاحتيال في عصرنا»، وذلك بعد يوم من منشور له على «تروث سوشال» ينتقد فيه «قضاة أغبياء».

وقال الاتحاد الأميركي للحريات المدنية، الذي يدافع عن حق المواطنة بالولادة أمام المحكمة، إن إدارة ترمب «لا تطالب بأقل من إعادة صياغة الأسس الدستورية لأمتنا». وأضاف أن «الحجج الباطلة للحكومة، إذا قُبلت، فسترخي بظلالها على جنسية ملايين الأميركيين على مدى أجيال». ومن المتوقع صدور قرار في القضية بحلول أواخر يونيو (حزيران)، أو أوائل يوليو (تموز).


ترمب يثور غضباً من حكم قضائي بوقف بناء صالة الاحتفالات بالبيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بتصريحات للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بتاريخ 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بتصريحات للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بتاريخ 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب يثور غضباً من حكم قضائي بوقف بناء صالة الاحتفالات بالبيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بتصريحات للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بتاريخ 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بتصريحات للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بتاريخ 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)

انفجر الرئيس الأميركي دونالد ترمب غضباً بعد أن أصدر القاضي الاتحادي ريتشارد ليون أمراً قضائياً مؤقتاً يوقف بناء صالة الاحتفالات الضخمة التي يتفاخر بها ترمب في موقع الجناح الشرقي من البيت الأبيض.

الحكم الذي جاء في 35 صفحة، يشترط موافقة صريحة من الكونغرس قبل استئناف الأعمال، عادّاً أن الرئيس يفتقر إلى السلطة القانونية لتمويل وتنفيذ مشروع بقيمة 400 مليون دولار دون تفويض تشريعي. وعُلّق تنفيذ القرار 14 يوماً لتجنب تعقيدات لوجيستية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع في البيت الأبيض (د.ب.أ)

لم ينتظر ترمب طويلاً، ولجأ إلى منصته المفضلة «تروث سوشيال» ليهاجم الحكم بشدة، واصفاً إياه بـ«غير المنطقي»، ومؤكداً أن المشروع «متوافق مع الميزانية ومتقدم عن الجدول الزمني». وأضاف أنه ممول بالكامل من تبرعات خاصة من «الأثرياء والشركات الكبيرة»، دون أن ينفق دافعو الضرائب دولاراً واحداً. ووصف «الصندوق الوطني للحفاظ على التراث التاريخي» الذي رفع الدعوى بـ«جماعة يسارية متطرفة من المجانين»، كما هاجم مجدداً رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، عادّاً مشروع تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي بمبلغ (2.5 مليار دولار) دليلاً على «عدم الكفاءة وربما الفساد».

بدورهم، أعلن مسؤولو البيت الأبيض فوراً بدء خطوات الاستئناف ضد الحكم القضائي، فيما رأى مراقبون أن الحكم أشعل فتيل خلاف قانوني وسياسي حاد يتجاوز مجرد «صالة احتفالات» إلى جوهر توازن السلطات في الديمقراطية الأميركية.

القاعة الأكبر والأجمل

على مدى أشهر، روّج ترمب لمشروع بناء «صالة احتفالات عظيمة وجميلة» متفاخراً بأنها ستكون الأكبر في تاريخ البيت الأبيض، بمساحة 90 ألف قدم مربعة. ووصفها بأنها إضافة فاخرة لاستضافة الاحتفالات الرسمية والدبلوماسية، و«هدية» من شركات وأثرياء. وبدأت بالفعل أعمال الهدم في الجناح الشرقي التاريخي العام الماضي في جزء من رؤيته لـ«تحديث» مقر الرئاسة، لكن الدعوى القضائية كشفت مخاوف جدية تتعلق بعدم إجراء تقييمات بيئية وتاريخية كاملة، وتجاوز السلطة التنفيذية حدودها.

ورفض القاضي ليون - المعيّن من قبل الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش الابن - خطة البناء، مؤكداً أنه لا يوجد قانون يمنح الرئيس السلطة التي يدّعيها. وشدّد على أن «الرئيس ليس مالكاً شخصياً للبيت الأبيض»، بل هو ملكية عامة تاريخية تحتاج إلى رقابة تشريعية للتعديلات الكبرى.

تمويل من القطاع الخاص

صورة تظهر الرافعات البرجية المُستخدمة في بناء قاعة الاحتفالات بالبيت الأبيض بواشنطن 31 مارس 2026 (أ.ب)

كان الرئيس ترمب قد خطط لتمويل بناء صالة الاحتفالات عبر صندوق خيري، بتبرعات من شركات كبرى مثل «أمازون»، و«غوغل»، و«بلانتير»، ومساهمة شخصية منه. وكانت ميزانية المشروع تقدر بـ200 مليون دولار، ثم ارتفعت إلى 400 مليون. وبينما أكدت الإدارة أن هذا التمويل الخاص يحمي المشروع من استقطاع من الميزانية الفيدرالية، لكن القاضي حذر من «التعقيد» ومخاطر تضارب المصالح، خصوصاً أن بعض المانحين يحملون عقوداً حكومية بمليارات الدولارات.

وقد أعطى القاضي للكونغرس سلطة الموافقة التشريعية الصريحة لأي أعمال، لكن الكونغرس يواجه انقساماً قوياً، حيث يدعم الجمهوريون مشروع بناء صالة الاحتفالات بقوة، ويعدونه ضرورة لتحديث البيت الأبيض و«هدية للأمة».

وقد وصف النائب بيرون دونالدز الجمهوري من فلوريدا الانتقادات الموجهة للمشروع بأنها «متلازمة الغضب من ترمب»، مؤكداً أن البيت الأبيض يحتاج إلى صالة احتفالات. وأعرب عدد من الجمهوريين أن التمويل الخاص يعفي المشروع من الحاجة إلى موافقة الكونغرس، واتهموا الديمقراطيين باستخدام القضاء لعرقلة إنجازات ترمب.

انتهاك لتوازن السلطات

أما الديمقراطيون، فيعارضون الاستمرار في البناء دون مراجعة شاملة، ويطالبون بتقييم تاريخي وبيئي، ويحذرون من «الفساد» الناتج عن تبرعات الشركات. ويرى الديمقراطيون هذا المشروع، انتهاكاً لتوازن السلطات، ويطالبون بحماية التراث الوطني، وأنه يفتح الباب لتغييرات مستقبلية دون رقابة.

ويقول المحللون إن الحكم القضائي يعد نقطة تحول في الجدل حول صلاحيات الرئيس في إجراء تعديلات في البيت الأبيض. ويعيد إحياء نقاشات تاريخية حول تجديدات سابقة، لكن حجم المشروع (400 مليون دولار) وتوقيته يجعله أكثر إثارة.

سياسياً، يستغل ترمب الحكم لتعزيز صورته بأنه ضحية الدولة العميقة والقضاة المعادين، أما الديمقراطيون، فيستخدمونه للضغط على المانحين وكشف تضارب المصالح. ويقول المحللون إنه إذا نجح الاستئناف أو حصلت موافقة الكونغرس (وهو أمر مرجح نتيجة الأغلبية الجمهورية)، فقد يستمر البناء. لكن الأمر يتجاوز الصراع حول صالة احتفالات إلى سؤال جوهري، هل يحق للرئيس إعادة تشكيل رموز السلطة دون رقابة، أم أن الكونغرس لا بد أن يكون حارس التوازن والمراقب؟


ترمب: أدرس جدياً الانسحاب من حلف «الناتو»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

ترمب: أدرس جدياً الانسحاب من حلف «الناتو»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مقابلة مع صحيفة «التلغراف» البريطانية، إنه يدرس جدياً سحب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بعد امتناع الحلف عن الانضمام إلى حربه على إيران، أو إرسال سفن حربية لإعادة فتح مضيق هرمز.

ووصف ترمب الحلف بأنه «نمر من ورق»، قائلاً إن مسألة خروج الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع المشترك «لم يعد أمراً قابلاً لإعادة النظر».

ويُعد هذا أقوى مؤشر حتى الآن على أن البيت الأبيض لم يعد يعتبر أوروبا شريكاً دفاعياً موثوقاً به، وذلك بعد رفض طلب ترمب من الحلفاء إرسال سفن حربية لإعادة فتح مضيق هرمز.

وسُئل ترمب عما إذا كان سيعيد النظر في عضوية الولايات المتحدة في الحلف بعد انتهاء النزاع، فأجاب: «بالتأكيد. أقول إن الأمر لا رجعة فيه. لم أقتنع يوماً بـ(الناتو). لطالما عرفت أنه نمر من ورق، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعلم ذلك أيضاً بالمناسبة».

وأضاف أن الولايات المتحدة لطالما كانت حاضرة لدعم الحلفاء، بما في ذلك أوكرانيا، بينما لم يظهر الحلفاء الدعم نفسه تجاه المصالح الأميركية.

واستهدف ترمب المملكة المتحدة بشكل خاص، منتقداً رئيس ​الوزراء البريطاني كير ستارمر بسبب رفضه المشاركة في الحرب، مُلمّحاً إلى أن «البحرية الملكية غير مؤهلة لهذه المهمة».

وعندما سُئل عما إذا كان ينبغي على ستارمر زيادة الإنفاق على الدفاع، قال ترمب: «لن أملي عليه ما يفعل. فليفعل ما يشاء. لا يهم. كل ما يريده ستارمر هو طواحين هواء باهظة الثمن ترفع أسعار الطاقة لديكم إلى مستويات فلكية».

وفي وقت لاحق، دافع ستارمر عن حلف شمال الأطلسي، واصفاً إياه بأنه «التحالف العسكري الأكثر فاعلية الذي عرفه العالم على الإطلاق».

وقال ستارمر خلال مؤتمر صحافي في مقر رئاسة الحكومة «(الناتو) يكفل أمننا منذ عقود، ونحن ملتزمون به كلياً».

وأبدت واشنطن استياءها المتزايد من موقف الحلفاء خلال الحرب؛ حيث اعتبر وزير الخارجية ماركو روبيو أن «الناتو» أصبح «طريقاً باتجاه واحد»؛ مشيراً إلى رفض الحلفاء السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدهم العسكرية.

وفي حديثه على قناة «فوكس نيوز» قبل ساعات من المقابلة مع ترمب، قال روبيو إن على أميركا «إعادة النظر» في عضويتها في حلف «الناتو» عند انتهاء الحرب في إيران.

وكانت صحيفة «التلغراف» قد كشفت الأسبوع الماضي أن ترمب يدرس اتخاذ إجراءات تتعلق بـ«الناتو» تهدف إلى معاقبة الأعضاء الذين لا يلبُّون مطالبه التمويلية.

ومساء أمس (الثلاثاء) قال ترمب، إن الحرب على إيران قد تنتهي في غضون «أسبوعين، وربما ثلاثة»، مؤكداً أن هدفها الوحيد هو منع إيران من امتلاك أسلحة نووية.