اتهامات أميركية لإيران بـ«أخذ العالم رهينة»

روبيو قال إن بلاده لن تقبل وضع مواطنيها المحتجزين ورقة تفاوض

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في حفل خاص بالرهائن والمحتجزين الأميركيين بصورة غير مشروعة في وزارة الخارجية بواشنطن العاصمة (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في حفل خاص بالرهائن والمحتجزين الأميركيين بصورة غير مشروعة في وزارة الخارجية بواشنطن العاصمة (أ.ف.ب)
TT

اتهامات أميركية لإيران بـ«أخذ العالم رهينة»

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في حفل خاص بالرهائن والمحتجزين الأميركيين بصورة غير مشروعة في وزارة الخارجية بواشنطن العاصمة (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في حفل خاص بالرهائن والمحتجزين الأميركيين بصورة غير مشروعة في وزارة الخارجية بواشنطن العاصمة (أ.ف.ب)

حمل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بشدة على النظام الإيراني، متهماً إياه باحتجاز العالم رهينة من خلال ضرباتها الانتقامية ضد المنشآت المدنية في منطقة الشرق الأوسط وبتعرض الأمن العالمي للخطر.

وكان روبيو يتحدث في مناسبة داخل وزارة الخارجية في واشنطن العاصمة لتكريم الأميركيين والرهائن الذين احتجزوا ظلماً، وشارك في الحفل ذوو عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» روبرت ليفينسون الذي اختفى عام 2007 في جزيرة كيش الإيرانية. وأفادت السلطات الأميركية بأن ليفينسون كان في مهمة للتحقيق في تزوير السجائر، بيد أن صحيفة «واشنطن بوست» نشرت عام 2013 أنه كان يعمل مع وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه»، وقام بمهمة سرية لجمع معلومات استخبارية. وخلصت واشنطن عام 2020 إلى تورط الحكومة الإيرانية في وفاته.

وتحدث روبيو عن الحرب مع إيران، فقال إن «الولايات المتحدة تشارك حالياً في عملية عسكرية تستهدف أحد أكبر محتجزي الرهائن في العالم وأكبر راعٍ للإرهاب: النظام في إيران»، مؤكداً أن الهدف هو «تدمير قدرة ذلك النظام على إطلاق الصواريخ، عبر تدمير الصواريخ نفسها ومنصات إطلاقها، وضرب المصانع التي تصنعها، وإضعاف أسطوله البحري». وذكر بأن «هذا النظام لا يتردد في مهاجمة جيرانه وبنيتهم التحتية للطاقة وحتى المدنيين»، واعداً بأن «العالم سيصبح أكثر أماناً عندما تُنجز هذه المهمة». وذكر أن 7 أميركيين فقدوا حياتهم في الساعات الأولى من العملية العسكرية، واصفاً هؤلاء بأنهم «شجعان بشكل لا يُصدق، وأن الجميع يشعر بالإعجاب بخدمتهم وبسالتهم».

وشدد روبيو على أن الرجال والنساء في الجيش الأميركي ينفذون مهمة استثنائية بكفاءة وتأثير كبير، موضحاً أنه «يوماً بعد يوم تقل الصواريخ التي يمتلكها ذلك النظام، وتتراجع قدرته العسكرية، بينما تتعرض قواته البحرية للتدمير». ومع ذلك، أكد أن «القضية أوسع من مجرد حرب» مع النظام الذي «يحاول احتجاز العالم رهينة، ويرى في المواطنين الأميركيين سلعة يمكن خطفها واحتجازها ثم مقايضتها لاحقاً بتنازلات سياسية أو دبلوماسية». وأكد أن «هذا الأمر يجب أن ينتهي»، وأن الولايات المتحدة «لن تتسامح» مع ما سماها «دبلوماسية الرهائن». وأشار إلى ليفينسون الذي اختفى في إيران، مضيفاً أن الهدف هو أن «يعود كل أميركي محتجز ظلماً إلى وطنه، وأن يأتي يوم لا يُنظر فيه إلى أي إنسان كرهينة أو ورقة تفاوض».

الاحتجاز عبء

مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» كاش باتي ومساعد الرئيس الأميركي لشؤون مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا خلال حفل وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن العاصمة (أ.ف.ب)

واستهلت المناسبة بكلمة للمبعوث البيت الأبيض لشؤون الرهائن آدم بوهلر الذي ذكر بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب «أوضح بجلاء أن احتجاز الأميركيين يُمثل عبئاً»، مشدداً على ضرورة «إعادة كل أميركي إلى وطنه». وأضاف أن الوزير روبيو الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي الأميركي «جعل هذا الأمر أولوية قصوى (...) وأبلغ إيران بأنها دولة راعية للاحتجاز غير القانوني»، فضلاً عن أنه «وجّه إنذاراً للدول الأخرى، ليس فقط لإيران، بل أي دولة تحتجز مواطنين أميركيين، مثل روسيا وأفغانستان ودول في أفريقيا، بأن هذا الأمر غير مقبول».

كذلك، تحدث نائب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» كريستوفر رايا الذي أكد أن قضية بوب ليفينسون تكتسب أهمية خاصة؛ لأنه «أمضى قرابة 3 عقود في خدمة أمتنا، ومنها 22 عاماً كعميل خاص في مكتب التحقيقات الفيدرالي. وقال: «تشير أدلتنا إلى أن بوب توفي في الأسر في إيران»، مضيفاً أن كشف ملابسات اختفاء بوب منذ 19 عاماً «أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى». وشدد على أن العمل لا يزال جارياً عبر مسؤولي الوكالات الفيدرالية «في سعيهم وراء الحقيقة، ويواصلون العمل بجد كل يوم، ليس فقط من أجل بوب وعائلته، بل من أجل العديد من العائلات الأخرى التي تواجه نفس الظروف المأساوية».


مقالات ذات صلة

غياب المرشد يثير تساؤلات بشأن إدارة إيران

شؤون إقليمية مسؤولون إيرانيون خلال مراسم وداع علي خامنئي في مصلّى طهران الكبير بينهم الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي وغلام علي حداد عادل مستشار المرشد الجمعة (رويترز)

غياب المرشد يثير تساؤلات بشأن إدارة إيران

أثار استمرار غياب المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، عن الظهور العلني تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السياسية الإيرانية بشأن الجهة التي تدير شؤون البلاد فعلياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

إردوغان: ينبغي لإسرائيل عدم عرقلة الاتفاق بين أميركا وإيران

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اليوم (السبت)، إن جهود إحلال السلام في ​الشرق الأوسط لا يمكن أن تنجح دون دعم إقليمي.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية امرأة في طهران تحمل صورة لشخص قُتل في احتجاجات سابقة مناهضة للحكومة في إيران (أ.ف.ب)

إيران تشدد قبضتها الأمنية رغم ظروف الحرب

رغم ظروف الحرب التي تمر بها إيران، فقد تشددت سلطاتها الأمنية عقب موجة الاضطرابات الأخيرة التي هزّت عدداً من المدن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد استطاعت مصر أن تستفيد من تداعيات حرب إيران بشكل إيجابي نوعاً ما (إكس)

اقتصاد مصر يتخطى الصعاب... و«وثيقة ملكية الدولة» قد تدفع لنمو 7 %

تخطَّى اقتصاد مصر، تداعيات حرب إيران، في سابقة شكَّلت مفاجأةً للمؤسسات الدولية، بعد أن أظهر أداءً متماسكاً، وسجَّل نمواً بنسبة 5 في المائة في الرُّبع الثالث.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد صهاريج لتخزين النفط داخل مصفاة تابعة لشركة «إيسار أويل» الهندية في فادنار بالهند (رويترز)

الهند تعتزم التوسع في بناء مصافي نفط جديدة

قال رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، السبت، إن بلاده سوف تواصل بناء مصافي نفط جديدة لضمان أمن سلاسل الإمداد حتى رغم غلق الدول الغربية وحدات المعالجة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

السلطات الإندونيسية تحدد الجماعة المسلحة المسؤولة عن مقتل طيار أميركي في بابوا

أفراد من شرطة إندونيسيا (رويترز)
أفراد من شرطة إندونيسيا (رويترز)
TT

السلطات الإندونيسية تحدد الجماعة المسلحة المسؤولة عن مقتل طيار أميركي في بابوا

أفراد من شرطة إندونيسيا (رويترز)
أفراد من شرطة إندونيسيا (رويترز)

أكدت قوة إنفاذ القانون التابعة لعملية «سلام كارتينز» في إندونيسيا، أن الجماعة الإجرامية المسلحة المسؤولة عن مقتل الطيار الأميركي نيكولاس إف. جوسيلين هي «جماعة باكوسيب».

وتعد الجماعة فصيلاً متمرداً جديداً يقوده شخص يُدعى إم. مبالينجا، بحسب وكالة «أنتارا» الإندونيسية للأنباء.

وقال رئيس قوة المهام، مفوض الشرطة إيجي إيرا أدهيناتا، اليوم (السبت): «استناداً إلى عدد من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، تدعي (مجموعة باكوسيب) أنها جزء من الشبكة التي يقودها إلكيوس كوباك في منطقة ياهوكيمو».

وأوضح أنه عقب الهجوم الذي وقع الخميس وأسفر عن مقتل الطيار، باشرت قوة المهام تحقيقاً شاملاً تضمن استجواب الشهود وإجراء مقابلات وجمع المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف.

ولا تزال السلطات تحقق في طبيعة العلاقة الدقيقة بين «جماعة باكوسيب» والفصيل الذي يقوده إلكيوس كوباك.

وأضاف: «استناداً إلى عملية تحديد الهوية، تأكدنا أن منفذ الهجوم هو إم. مبالينجا».

ولا يزال المحققون يعملون على تحديد الدافع وراء الهجوم، إلا أن تسجيلاً متداولاً على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر الجماعة المسلحة وهي تهدد أي طائرة تعمل في المنطقة التي أعلنتها منطقة لعملياتها.

وكانت الجماعة المتمردة في إقليم بابوا الواقع بأقصى شرق إندونيسيا قد أعلنت أول من أمس مقتل طيار أميركي إثر استهداف الطائرة الصغيرة التي كان يقودها أثناء هبوطها في مدرج يقع في منطقة نائية بالإقليم، بعد أن «انتهك الحظر» الذي فرضته الجماعة على الرحلات الجوية المدنية في المنطقة التي تعتبرها مسرحاً لعملياتها. ونجا باقي ركاب الطائرة. وقد أعلن الجيش الإندونيسي استعادة جثة الطيار.


ترمب يحذّر من «هجوم» على الهوية الأميركية في عيد استقلالها الـ250

الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)
TT

ترمب يحذّر من «هجوم» على الهوية الأميركية في عيد استقلالها الـ250

الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)

دخلت الولايات المتحدة، السبت، عامها الـ250، في ذكرى تاريخية تتزامن مع مرحلة من الانقسام الوطني العميق. وتأتي ذكرى الاستقلال أيضاً في خضم موجة حر شديدة، وضعت نحو 160 مليون أميركي تحت تحذيرات من درجات حرارة مرتفعة أو قصوى؛ ما أربك خطط المسيرات والحفلات الشعبية في عدة مدن وبلدات حول البلاد، كما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن درجات الحرارة الحارقة لم تُثنِ الرئيس دونالد ترمب، من تصدّر برنامج الاحتفالات. ويعتزم ترمب تنظيم تجمع سياسي ضخم، مساء السبت، على غرار حملاته الانتخابية في «ناشونال مول» بالعاصمة واشنطن، ترافقه عروض جوية عسكرية، وما وصفه بأنه «أكبر عرض للألعاب النارية» في العالم. وقال مستبقاً الاحتفالية: «ستبلغ الحرارة نحو 107 درجات فهرنهايت، أي 41 درجة مئوية، وسأذهب وسألقي خطاباً طويلاً جداً، فقط لأثبت أنني أستطيع فعل أي شيء».

الرئيس الأميركي يستعد لإلقاء خطاب في ماونت راشمور يوم 3 يوليو (رويترز)

وفي وقت متأخر من الجمعة، زار الرئيس النصب الوطني في ماونت راشمور، حيث ألقى خطاباً تحت أنظار الرؤوس الغرانيتية العملاقة لأربعة من أسلافه البارزين.

وبينما أشاد ترمب بـ«الاستثنائية الأميركية»، وأثنى على قادة البلاد السابقين، حذّر من أن الهوية الأميركية «تتعرّض لهجوم متجدد». واستهدف في كلمته «الراديكاليين والمتطرفين» في الداخل، قائلاً إن هناك «عودة للخطر الشيوعي في بلادنا».

وهذا موضوع كرّره ترمب مراراً في الأسابيع الأخيرة، مع تحقيق الجناح اليساري المناهض للمؤسسة داخل الحزب الديمقراطي سلسلة انتصارات في الانتخابات التمهيدية الأميركية. وصوّر الرئيس صعود اليسار قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) على أنه اندفاع لـ«الشيوعيين»، و«تهديد» كبير للبلاد. وقال ترمب، الجمعة، إن السنوات الأخيرة شهدت محاولة لـ«انتزاع الروح الأميركية منا، وإبعادنا عن تاريخنا».

وبالنسبة إلى الأميركيين، تمثل احتفالات الذكرى الـ250 لحظة للتأمل بقدر ما هي مناسبة للاحتفال. فبعد قرنين ونصف القرن من الانتصارات والمآسي، والعبودية والحرية، والحرب الأهلية والحروب العالمية، تشير استطلاعات عدة إلى أمة منقسمة حول واقعها والاتجاه الذي تسير فيه. وأظهر استطلاع لجامعة «كوينيبياك» أن 61 في المائة من الأميركيين يرون أن الولايات المتحدة لا ترقى إلى مستوى القيم الواردة في إعلان الاستقلال، رغم أن الآراء حول ذلك منقسمة أيضاً؛ إذ يرى معظم الجمهوريين أنها ترقى إليها، بينما يرى معظم الديمقراطيين أنها لا تفعل.

خلاف حول السردية

بعد قرنين ونصف القرن على إعلان الاستقلال، لا تبدو الولايات المتحدة في الرابع من يوليو (تموز) 2026 منشغلة فقط بالاحتفال بتاريخها، بل بتحديد مَن يملك حق روايته؛ فالذكرى التي كان يفترض أن تشكل محطة جامعة تحولت إلى مرآة لانقسامات البلاد: بين وطنية تقوم على القوة والرموز العسكرية والولاء للقيادة، وأخرى تربط حب الوطن بالدستور والمساواة والنقد؛ وبين من يرى أميركا أمة ذات جذور مسيحية، ومن يتمسك بهوية مدنية متعددة الأديان والأعراق.

وقد وضعت إدارة دونالد ترمب الرئيس في قلب المشهد، عبر عروض عسكرية وموسيقى وطنية وألعاب نارية واحتفال وصفه بأنه «أكبر تجمع لترمب»؛ ما دفع الديمقراطيين إلى البحث عن صيغة تعارضه من دون أن تبدو معارضة للبلاد نفسها.

أنصار الرئيس الأميركي يشاركون في احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال أميركا يوم 3 يوليو (رويترز)

وبحسب صحيفة «واشنطن بوست»، ليست المنافسة على العَلم والنشيد والجيش جديدة في السياسة الأميركية؛ فمنذ ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان، نجح الجمهوريون بدرجات متفاوتة في ربط هويتهم الحزبية بصور القوة الوطنية، بينما عانى الديمقراطيون من اتهامات مزمنة بأنهم أقل حماسة للرموز الأميركية. الجديد في الذكرى الـ250 هو أن هذا الخلاف لم يعد يدور حول مقدار الاعتزاز بالبلاد، بل حول تعريف الاعتزاز نفسه.

بالنسبة إلى ترمب وحلفائه، تظهر الوطنية في الاستعراض: الطائرات العسكرية، والحشود، والأعلام، والألعاب النارية، واستعادة سردية أميركا القوية التي لا تعتذر عن تاريخها. أما الديمقراطيون، فيحاولون تقديم مفهوم مضاد يربط الوطنية بحماية المؤسسات، وخدمة المجتمع، والمساواة أمام القانون، والاعتراف بأخطاء الماضي بدل محوها.

ألقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب كلمة خلال احتفال بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة في ماونت راشمور بمدينة كيستون (رويترز)

ويعكس ذلك مأزقهم السياسي؛ فمقاطعة الاحتفالات التي يهيمن عليها ترمب قد تسمح للجمهوريين باتهامهم بازدراء المناسبة، بينما قد تجعلهم المشاركة مجرد ضيوف في عرض صُمم لتعظيم خصمهم.

لهذا اختار حكام وقادة ديمقراطيون التركيز على احتفالات الولايات، ومراسم التجنيس، والمتاحف، والعمل التطوعي. ففي فيرجينيا، على سبيل المثال، رُبطت فعاليات الرابع من يوليو باحتفال في مونتيسيللو يتضمن مراسم تجنيس لمواطنين جدد، ودعوة المواطنين إلى تجديد التزامهم بقيم المواطنة ومسؤولياتها. ويشير استطلاع أوردته «واشنطن بوست» إلى أن 18 في المائة فقط من الأميركيين يرون الحزب الديمقراطي «وطنياً جداً»، مقابل 31 في المائة يقولون ذلك عن الجمهوريين. وهذه فجوة تفسر لماذا أصبحت الذكرى اختباراً انتخابياً بقدر ما هي مناسبة تاريخية.

الجمهورية والزعيم

كان التخطيط الأصلي للذكرى يقوم على برنامج مدني واسع تشرف عليه «أميركا 250»، وهي هيئة غير حزبية أنشأها الكونغرس، تتمحور رؤيتها حول التاريخ والخدمة والمجتمعات المحلية، لكن الهيئة لم تحصل، بحسب «بوليتيكو»، إلا على 25 مليون دولار من أصل 150 مليوناً أقرها الكونغرس. ونتيجة ذلك، تقلص حجم برامجها، بينما تقدمت «فريدوم 250» المتحالفة مع البيت الأبيض لتشغل الفراغ، وتستحوذ على أبرز المنصات واللقطات.

أميركيون يشاركون في احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال أميركا يوم 3 يوليو (أ.ف.ب)

هذا التحول يتجاوز الخلاف الإداري والمالي؛ فهو ينقل مركز الاحتفال من المجلس التشريعي إلى الرئاسة، ومن سردية وطنية موزعة بين الولايات والمؤسسات إلى مشهد شديد التمركز حول شخص الرئيس. وكان الرئيس قد أنشأ في يناير (كانون الثاني) 2025 فريقاً خاصاً لتنظيم الاحتفال. وأعاد من خلاله إحياء مشروع «الحديقة الوطنية للأبطال الأميركيين». أما الصفحة الرسمية لـ«فريدوم 250»، فتقدم الذكرى بوصفها عاماً من الاحتفالات الهادفة إلى تجديد الحب للتاريخ الأميركي، والصلاة من أجل البلاد، وإعادة تكريسها «أمة واحدة تحت الله».

في المقابل، واصلت «أميركا 250» نشاطات أقل صخباً وأكثر انتشاراً، بينها حفلات محلية، وكبسولة زمنية، وبرامج طلابية، ومبادرة «أميركا تمنح»، التي أعلنت تجاوز 10 ملايين ساعة من الخدمة التطوعية.

وهنا تظهر روايتان متوازيتان: وطنية تُرى من منصة ضخمة في واشنطن، ووطنية تُمارس في الأحياء والمدارس والجمعيات. الأولى تعتمد الصورة والقوة والحشد، والثانية تراهن على المشاركة المدنية بوصفها التعبير العملي عن الانتماء.

إيمان وهوية

المعركة الثالثة تتعلق بالسؤال الأقدم: هل الولايات المتحدة أمة مسيحية أم جمهورية مدنية تضمن حرية الأديان؟

بحسب موقع «أكسيوس»، دفعت فعاليات مرتبطة بالبيت الأبيض نحو الصلاة وطلب «الهداية الإلهية»، وبرزت فيها أصوات مسيحية محافظة. وفي المقابل، انتقد قادة دينيون ومؤرخون غياب تمثيل واضح للمسلمين وبعض الطوائف اليهودية والبروتستانتية والكنائس السوداء. وفي مواجهة ذلك، أطلقت مبادرة «إيمان 250» تجمعات محلية تضم كنائس ومساجد ومعابد، لدراسة نصوص أميركية مختلفة، والاحتفال بالحرية الدينية، لا بهوية عقائدية واحدة.

تمثيل تاريخي خارج قصر فيرساي في باريس يوم 4 يوليو (أ.ف.ب)

هذا الصراع ليس هامشياً؛ لأن الدين بات جزءاً من الاستقطاب الحزبي. ويظهر مسح لمعهد أبحاث الدين، شمل أكثر من 22 ألف بالغ خلال 2025، أن 56 في المائة من الجمهوريين يصنّفون ضمن مؤيدي القومية المسيحية. وبذلك، يصبح استحضار عبارة «أمة واحدة تحت الله» رسالة سياسية موجهة إلى قاعدة انتخابية محددة، وليس مجرد تذكير بروحانية عامة.

لكن الآباء المؤسسين أنفسهم لا يقدمون إجابة مريحة لأي من الطرفين؛ فقد تأثروا بأفكار التنوير، مع حضور متفاوت للدين في تصوراتهم، وصاغوا نظاماً يمنع قيام كنيسة رسمية، ويحمي حرية المعتقد؛ لذلك، لا يدور الخلاف الحالي حول الماضي وحده، بل حول من يدخل اليوم في تعريف «الأميركي الحقيقي».

وطنية تبحث عن جامع

بحسب «مؤسسة سميثسونيان»، تكشف المقارنة مع الذكرى المئوية الثانية عام 1976 مقدار التغير. آنذاك، كانت البلاد خارجة من حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت واستقالة رئيس، أي إنها لم تكن أقل انقساماً أو قلقاً. ومع ذلك، نجحت الاحتفالات نسبياً في صنع فسحة مشتركة، عبر مهرجان للفنون الشعبية استمر 12 أسبوعاً، وشارك فيه ممثلون من جميع مناطق البلاد وقبائل أميركية أصلية ومنظمات عمالية ودول أجنبية.

جانب من فعاليات نظمتها البحرية الأميركية لإحياء الذكرى الـ250 للاستقلال في نيويورك يوم 4 يوليو (أ.ب)

أما في 2026، فتجري الذكرى داخل بيئة إعلامية مجزأة، وثقة منخفضة بالمؤسسات، وحملات انتخابية دائمة، تجعل كل رمز قابلاً للتحويل إلى سلاح حزبي. وحتى مشاعر الفخر الوطني لم تعد تستند إلى معنى واحد؛ فقد وجد مركز «بيو» أن الأميركيين يذكرون الحريات المدنية والتاريخ والإنجازات ومؤسسات البلاد بطرق مختلفة، بينما لا يرى سوى 6 في المائة أن زعيماً أو حزباً سياسياً يمثل مصدر فخرهم الوطني.

لذلك، يبقى تعلق الأميركيين بالرابع من يوليو أعمق من الولاء لحكومة أو رئيس. إنه تعلق بوعد غير مكتمل: الحرية، وإمكان الصعود، والقدرة على تصحيح الأخطاء، وفكرة أن البلاد مشروع يستطيع كل جيل إعادة تعريفه.

لكن الذكرى الـ250 تكشف أن الخلاف الأميركي لم يعد يدور حول الاحتفال بالبلاد فقط، بل حول معنى الوطنية نفسها. وبهذا أصبحت اختباراً لقدرة الأميركيين على الحفاظ على مناسبة وطنية مشتركة، رغم اختلافهم الحاد حول التاريخ والهوية ومستقبل البلاد.


الملك تشارلز: سنواصل الدفاع عن «القيم المشتركة» مع الولايات المتحدة

ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)
ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)
TT

الملك تشارلز: سنواصل الدفاع عن «القيم المشتركة» مع الولايات المتحدة

ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)
ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)

أكد الملك تشارلز الثالث السبت، أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ستواصلان الدفاع عن «القيم المشتركة»، وذلك في رسالة وجهها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب والشعب الأميركي بمناسبة الذكرى الـ250 للاستقلال.

وكتب الملك في الرسالة التي نُشرت على «إكس»، أنه بينما يتطلع البلدان «إلى الـ250 عاماً المقبلة، فأنا على يقين من أننا سنواصل الدفاع عن قيمنا المشتركة»، بما فيها الحرية وسيادة القانون.

ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)

وكان الملك، البالغ 77 عاماً، قد قام برفقة الملكة كاميلا، بزيارة دولة إلى الولايات المتحدة استمرت أربعة أيام في نهاية أبريل (نيسان). وحظيت هذه الزيارة التي هدفت إلى رأب الصدع في العلاقات بين واشنطن ولندن، بإشادة من وسائل الإعلام البريطانية والأميركية.

وقال الملك السبت، إنه يعتقد أن «الرابط بين شعبينا... سيزداد قوة مع مرور الوقت».