الجزائر: إطلاق ترتيبات لإدانة جرائم الاستعمار الفرنسي

مؤشرات رغبة الحكومة في الإفراج عن الكاتب بوعلام صنصال تثير جدلاً حاداً

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
TT

الجزائر: إطلاق ترتيبات لإدانة جرائم الاستعمار الفرنسي

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

لم يمنع تتابع مؤشرات الصلح بين الجزائر وباريس، الحكومة الجزائرية من إطلاق إجراءات في الميدان تخص توثيق الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي (1830-1962) بحق البيئة. في حين يثار جدال كبير حول طلب رفعه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير إلى نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، للإفراج عن الكاتب بوعلام صنصال الذي يُعد سجنه أحد أسباب توتر العلاقة مع فرنسا.

مراسم إطلاق ترتيبات لتجريم جرائم الاستعمار بحق البيئة (وزارة البيئة)

وأُعلن، الاثنين، بالجزائر العاصمة عن تشكيل «لجنة وطنية متعددة القطاعات» مكلفة بتوثيق «الجرائم البيئية التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر ودراسة آثارها»، بخاصة في المناطق المتضررة من الأنشطة المدمّرة للطبيعة، وعلى رأسها التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في صحراء الجزائر مطلع ستينات القرن الماضي.

وجرت مراسم إطلاق اللجنة بمقر وزارة البيئة، بإشراف وزيرة القطاع كوثر كريكو ووزير المجاهدين وذوي الحقوق عبد المالك تشريف، وبحضور المستشار لدى رئيس الجمهورية المكلف بالطاقة والمناجم والبيئة، أمين معزوزي.

وتندرج هذه المبادرة، حسب الحكومة، في إطار «مشروع الذاكرة البيئية الاستعمارية»، تماشياً مع التوصيات المنبثقة عن مؤتمر نُظم في الثالث من الشهر الجاري بالجزائر العاصمة، بحث في «المخلفات البيئية للاستعمار في أفريقيا: حقائق تاريخية وتداعيات إيكولوجية – حالة الجزائر».

وزيرا البيئة والمجاهدين (إعلام وزاري)

تُشرف على «اللجنة» هيئتان وطنيتان هما «المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954» التابع لوزارة المجاهدين، و«المرصد الوطني للبيئة والتنمية المستدامة» التابع لوزارة البيئة. وتضم اللجنة ممثلين عن قطاعات الدفاع الوطني والداخلية والنقل والزراعة والتنمية الريفية والصيد البحري والموارد المائية والتعليم العالي والبحث العلمي والصحة.

وفي كلمة لها بالمناسبة، وصفت الوزيرة كريكو هذا المشروع بأنه «حجر الزاوية في مسار ترسيخ مفهوم الذاكرة البيئية، بوصفه محوراً أساسياً من محاور الذاكرة الوطنية»، مشددة على أهمية «حصر وتوثيق جميع المناطق المتضررة من ويلات الاستعمار في الجزائر وأفريقيا، ورصد آثاره البيئية والبشرية التي ما تزال قائمة إلى اليوم».

ولفتت الوزيرة إلى أن إطلاق المشروع «يتزامن مع اليوم الدولي لمنع استغلال البيئة في الحروب والنزاعات المسلحة، المصادف لـ6 نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام، ما يشكّل مناسبة لتجديد التأكيد على أن البيئة ليست ساحة معركة، بل فضاء مشترك للحياة والأمن واستقرار الشعوب».

لقطات مركّبة لأحد مواقع التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية (أرشيفية)

ومن جانبه، أكد وزير المجاهدين أن الجزائر «تطمح إلى أداء دور ريادي على الصعيد الأفريقي، في توثيق وجمع المعلومات المتعلقة بتداعيات التدمير المنظم الذي طال الإنسان والطبيعة خلال الاستعمار»، موضحاً أن «هذه الجهود ترمي إلى إحياء الوعي الجماعي حول تلك المرحلة المظلمة من تاريخ الأمة الجزائرية».

ووفق الوزير نفسه «يمثل مشروع الذاكرة البيئية الاستعمارية خطوة نوعية في توسيع مفهوم الذاكرة الوطنية، من خلال مقاربة تسليط الضوء على البعد الإنساني والبيئي لجرائم الاستعمار الفرنسي».

وأشار إلى أن هذا العمل المشترك بين قطاعي المجاهدين والبيئة «يعكس إرادة الدولة الجزائرية في توثيق جميع الأبعاد التاريخية والإنسانية والبيئية للجرائم الاستعمارية، بما يكرّس العدالة التاريخية والبيئية على المستويين الوطني والأفريقي».

من جهته، أكد مدير «المرصد الوطني للبيئة والتنمية المستدامة»، كريم عراب، أن الدراسات المنجزة في مجال البيئة «كشفت حجم وفظاعة الجرائم التي ارتُكبت خلال الحقبة الاستعمارية»، مؤكداً أن «هذه اللجنة الوطنية ستُعمق الدراسات وفق مقاربة علمية دقيقة لتحديد الأضرار الناتجة عن الممارسات المخالفة للقوانين والمعايير الدولية».

الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ 2022 (الرئاسة الجزائرية)

وتضع الجزائر «اعتراف فرنسا بجرائم الاستعمار» ضمن مطالبها المتعلقة بـ«الذاكرة»، مقابل تردد فرنسا في الاستجابة لهذا الطلب، ما شكّل أحد أكبر المشكلات بين البلدين، وتسبب في تغذية التوترات التي تعيشها العلاقات الثنائية منذ أكثر من عام، والتي اندلعت بسبب اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء.

وظهرت في الأسابيع الماضية مؤشرات انفراجة، من خلال تصريحات إيجابية تم تبادلها بين ضفتي البحر المتوسط. كما يرتقب أن تزور الأمينة العامة لوزارة الخارجية الفرنسية آن ماري ديكوت الجزائر، في مستقبل قريب، لاستئناف الحوار حول مسائل الهجرة السرية ومحاربة الإرهاب، التي توقفت بسبب الأزمة الدبلوماسية.

صورة مركبة للرئيسين الجزائري والألماني نشرتها الرئاسة الجزائرية بمناسبة طلب الإفراج عن الكاتب بوعلام صنصال

وفي السياق، أثار نشر الرئاسة الجزائرية، الاثنين، رسالة من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير إلى الرئيس عبد المجيد تبون، تضمنت «بادرة إنسانية» لصالح الكاتب الفرنسي - الجزائري المسجون بوعلام صنصال، تتمثل في إصدار عفو عنه، جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث علّق العديد من الناشطين السياسيين والصحافيين، بأن السلطات الجزائرية «أظهرت مؤشرات قوية على قرب الإفراج عن صنصال»، برغم أنها كانت تتهمه حتى وقت قريب بـ«الخيانة والتعاون مع جهات أجنبية».

الكاتب بوعلام صنصال (حسابات ناشطين معارضين لسجنه)

وجاء في رسالة الرئيس الألماني: «لقد طلبت من نظيري الجزائري العفو عن بوعلام صنصال، وستكون هذه المبادرة تعبيراً عن روح إنسانية ورؤية سياسية مستنيرة، كما تعكس أيضاً علاقتي الشخصية الوطيدة بالرئيس تبون والعلاقات الممتازة بين بلدينا».

وأكدت الصحافة الألمانية أن طلب شتاينماير تضمن أيضاً رغبة برلين في نقل صنصال إلى ألمانيا للعلاج.

وأشار ناشطون باستهجان، عبر حساباتهم، إلى رفض الحكومة طلبات متكررة للإفراج عن نشطاء الحراك الذين يفوق عددهم 180 والذين دانتهم المحاكم بسبب مواقفهم من سياساتها. كما أثيرت قضية المؤرخ محمد الأمين بلغيث المسجون بسبب تصريحات عُدّت مسيئة للأمازيغية والناطقين بها.

أستاذ التاريخ محمد الأمين بلغيث (متداولة)

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ناشد تبون، في مناسبات عدّة، إطلاق سراح الكاتب السبعيني الذي اعتُقل منذ عام وحكم عليه بالسجن 5 سنوات مع التنفيذ، بسبب تصريحات لمنصة إخبارية محسوبة على اليمين الفرنسي المتشدد، زعم فيها أن «أراضي واسعة من غرب الجزائر تعود إلى المغرب»، وأن الاستعمار الفرنسي اجتزأها منه.

اقرأ أيضاً

«ستكون هذه المبادرة تعبيراً عن روح إنسانية ورؤية سياسية مستنيرة، كما تعكس أيضاً علاقتي الشخصية الوطيدة بالرئيس تبون والعلاقات الممتازة بين بلدينا».

الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير


مقالات ذات صلة

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

شمال افريقيا محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

طوى القضاء الجزائري ملف قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة، بإصدار أحكام قضت بالحبس النافذ لفترات غطت مدة توقيفهم احتياطياً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)

تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

«هناك دول تحرّض على الكراهية ضد الجزائر معتقدة أننا سنخضع لهذه الأساليب الدنيئة»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري في لقاء سابق مع الرئيس الروسي خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو (الرئاسة الجزائرية)

جدل مثير حول «عقوبات أميركية» مفترضة على الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي

احتجّ حزب من «الغالبية الرئاسية» في الجزائر على ما وصفه بـ«الترويج لأخبار زائفة»، نشرتها وسائل إعلام أجنبية، تناولت فرض عقوبات أميركية محتملة على الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة الجزائري سابقاً مع الرئيس الفرنسي عام 2017 (حسابات مبلغين عن الفساد)

وزير جزائري هارب يواجه حكماً جديداً بالسجن 20 سنة

يواجه وزير الصناعة الجزائري الأسبق، عبد السلام بوشوارب، حكماً غيابياً جديداً بالسجن، وذلك على خلفية تورطه في قضايا فساد عابرة للحدود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)

الجزائر تعبئ جهازها القنصلي لتسوية ملفات المعارضين

وجّهت الجزائر العشرات من مسؤوليها الدبلوماسيين في الخارج بمباشرة تنفيذ إجراءات جديدة، تخص تسوية وضعية المئات من رعاياها في البلدان الغربية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
TT

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)

وافق مجلس النواب المصري، أمس (الثلاثاء)، على تعديل وزاري في حكومة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، شمل تغييراً في 13 حقيبة وزارية، مع الإبقاء على وزراء الحقائب السيادية من دون تغيير، وعودة وزارة الإعلام إلى التشكيل الحكومي.

وتضمنت رابع حركة تغيير في حكومة مدبولي، المستمر في منصبه منذ أكثر من 8 سنوات، اختيار نائب لرئيس الوزراء للتنمية الاقتصادية، و4 نواب وزراء.

كما تضمن التعديل، اختيار ضياء رشوان وزيراً للدولة للإعلام، مع بقاء الدكتور بدر عبد العاطي وزيراً للخارجية، والفريق أول عبد المجيد صقر وزيراً للدفاع، واللواء محمود توفيق وزيراً للداخلية.

وقبل اعتماد حركة التعديل الوزاري، تشاور الرئيس عبد الفتاح السيسي مع مدبولي بشأن «إجراء تعديل على تشكيل الحكومة الحالية»، وفق إفادة للرئاسة المصرية.

وتنص المادة 147 من الدستور على أن «لرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

ومن المقرر أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية، اليوم (الأربعاء).


«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
TT

«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)

يخوض مجلس النواب المصري اختباراً سياسياً جديداً مرتبطاً بأحكام قضائية تتعلق بالطعن في صحة عضوية بعض النواب، كان آخرها الحكم الصادر، السبت، بإبطال عضوية نائبين؛ فيما أكد رئيس اللجنة التشريعية بالمجلس «الالتزام الكامل بتنفيذ أحكام القضاء».

وتسود المشهد البرلماني حالة ترقب بعد صدور حكم محكمة النقض الذي قضى ببطلان العملية الانتخابية في دائرة منيا القمح بمحافظة الشرقية، الواقعة إلى الشرق من القاهرة، مع الأمر بإعادتها من جديد.

كما قضت المحكمة ببطلان عضوية النائبين محمد شهدة وخالد مشهور، وإلغاء فوزهما تمهيداً لإعادة الانتخابات في الدائرة، وسط توقعات بإصدار أحكام أخرى محتملة بشأن دوائر أخرى.

وأوضح رئيس «اللجنة التشريعية» في مجلس النواب، المستشار محمد عيد محجوب، أن المجلس سيلتزم بتنفيذ الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح، تأكيداً على احترام الدولة لأحكام القضاء وسيادة القانون.

وأضاف محجوب لـ«الشرق الأوسط»: «مؤسسات الدولة المصرية تحترم الأحكام القضائية وتنفذها»، مستشهداً بما حدث في الانتخابات البرلمانية السابقة، ولا سيما في المرحلة الأولى، حيث أعيدت الانتخابات في الدوائر التي أُلغيت نتائجها بأحكام قضائية.

وبيّن محجوب أن الحكم الصادر «سيسلك مساره الإجرائي المعتاد، بدءاً من عرض أسباب الحكم على المكتب الفني بمحكمة النقض، ثم إحالة الملف إلى رئاسة مجلس النواب والأمانة العامة، وبعدها إلى اللجنة التشريعية»، مشدداً على أنه لا يمكن تحديد إطار زمني دقيق لانتهاء هذه الدورة الإدارية.

رئيس مجلس النواب المصري هشام بدوي (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر قضائي بمحكمة النقض أن الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح يُعد باتاً ونهائياً وملزماً لكافة الجهات، ولا يجوز الطعن عليه.

وبحسب الدستور المصري، تُبطَل عضوية أعضاء مجلس النواب اعتباراً من تاريخ إبلاغ المجلس بالحكم ببطلانها، مع العلم أن محكمة النقض تختص بالفصل في صحة عضوية أعضاء المجلس، وتُقدم إليها الطعون خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من إعلان النتيجة النهائية للانتخابات، وتفصل في الطعن خلال 60 يوماً من تاريخ ورود الطعن إليها.

وتعليقاً على حيثيات الحكم القضائي، قال المحامي بمحكمة النقض ألبير أنسي: «الحكم لم يُبنَ على ثبوت التزوير ثبوتاً يقينياً بقدر ما جاء تعبيراً عن خلل إجرائي أصاب مسار العملية الانتخابية، وعجز عن تقديم المستندات الجوهرية اللازمة لإضفاء المشروعية الكاملة على النتيجة المعلنة».

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الحكم أقرب في طبيعته إلى حكم إجرائي وقائي، وليس حكم إدانة موضوعية للعملية الانتخابية نفسها»، مرجحاً إبطال عضوية بعض النواب وإعادة الانتخابات في عدد من الدوائر، مع اختلاف الإجراءات وفق الوقائع الخاصة بكل دائرة.

وفي السياق نفسه، قال الإعلامي أحمد موسى إن مجلس النواب أمام «فرصة تاريخية لتصحيح ما شاب العملية الانتخابية»، مؤكداً في برنامجه الذي تبثه قناة محلية أن تنفيذ أحكام محكمة النقض «واجب على الجميع، بما في ذلك البرلمان، ولا يجوز تعطيلها تحت أي مبرر».

ودعا موسى «الهيئة الوطنية للانتخابات» إلى الاضطلاع بدورها، مطالباً مجلس النواب بالالتزام بتنفيذ الأحكام فور صدورها، «حفاظاً على الثقة العامة وصوناً لهيبة الدولة وسيادة القانون».

ومن المقرر أن تصدر محكمة النقض في الخامس من أبريل (نيسان) المقبل حكمها النهائي بشأن الطعن المعروض على عضوية عدد من النواب المنتمين إلى قائمة حزبية في غرب الدلتا.

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)

لكن محللين رأوا في هذه الجولات القضائية إشارة إلى «ارتباك المشهد البرلماني المصري في ظل العدد الكبير من الطعون المنظورة»، ورأى فيها نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عماد جاد، «تقويضاً لمصداقية المجلس».

وأعاد جاد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، التذكير بأصوات سياسية وحقوقية طالبت خلال الانتخابات البرلمانية الماضية بإجراء إصلاحات سياسية شاملة، لا سيما فيما يتعلق بقوانين الانتخابات، وتنظيم عمل الأحزاب، ومعايير اختيار المرشحين على القوائم الحزبية والمستقلين.

وفي الشهر الماضي، ودَّع المصريون انتخابات برلمانية ماراثونية على مراحل ممتدة، بلغت ثماني جولات خلال شهرين، بعد إلغاء نتائج عدد من الدوائر بسبب مخالفات انتخابية.

وجاء ذلك عقب صدور أحكام «المحكمة الإدارية العليا» بمجلس الدولة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ببطلان الانتخابات في نحو 30 دائرة بالمرحلة الأولى، نتيجة طعون تقدم بها مرشحون؛ كما ألغت «الهيئة الوطنية للانتخابات» نتائج 19 دائرة على خلفية المخالفات، في أعقاب تصريحات للرئيس عبد الفتاح السيسي عن وجود مخالفات في تلك المرحلة التي انطلقت في 10 نوفمبر الماضي.


الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)

عبَّرت وسائل إعلام عبرية عن قلق إسرائيلي من التحركات العسكرية المصرية في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، في حين عدَّ عسكريون سابقون بمصر أن الوجود العسكري المصري بالصومال «شرعي ويتفق مع القانون الدولي والمواثيق الدولية»، وهدفه المساعدة في تحقيق الاستقرار الأمني بالمنطقة.

وذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن مصر توجه جيشها للرد على إسرائيل عبر الصومال، وأن هناك دولاً عربية تدعمها في ذلك.

ونشرت الصحيفة تقريراً تحت عنوان «صراع النفوذ يشتعل في القرن الأفريقي: مصر ترد على الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال)»، قالت فيه إن القاهرة التي تعارض هذا الاعتراف تعيد نشر قواتها في الصومال رداً على التحركات الإسرائيلية؛ وقدّرت الصحيفة وجود نحو 10 آلاف جندي مصري منتشرين هناك.

لكن رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق بالجيش المصري، لواء أركان حرب محمد الشهاوي، قال إن القوات المصرية «هي ثامن أكبر قوة ضمن قوات حفظ السلام على مستوى العالم، والقوات المصرية الموجودة في الصومال هي تحت لواء قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي وتعمل على حفظ الأمن ومقاومة الإرهاب، وتحافظ على الأمن القومي الأفريقي والأمن القومي الصومالي وأمن منطقة البحر الأحمر ضد أي أخطار».

وتابع الشهاوي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تدرك تماماً أن الصومال، بسبب موقعه الاستراتيجي، مطمع لكثير من الدول، وخاصة إسرائيل التي اعترفت أخيراً بإقليم (أرض الصومال) كدولة تريد فصلها عن الصومال لزعزعة أمنه وإرغامه على القبول بمخططات معينة، مثل المخطط الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر وإنشاء قوة بحرية، فضلاً عن ممارسات أخرى تقوم بها إثيوبيا بدعم إسرائيلي مثل العمل على عدم عودة الاستقرار لدولة السودان والدفع نحو استمرار الصراع فيها».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه رسائل تحذيرية متكررة بشأن الصومال وأمن البحر الأحمر، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي والمساعي لوضع قدم بمدخل البحر الأحمر.

مصر تشارك بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أ.ف.ب)

واعترفت إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، باستقلال إقليم «أرض الصومال» الذي يطل على خليج عدن وجنوب البحر الأحمر، وهو إقليم سعت إثيوبيا للحصول على ميناء بحري وعسكري به مقابل الاعتراف باستقلاله.

وأكد خبير الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، أن دور القوات المصرية في الصومال هو العمل على حفظ الأمن والاستقرار تحت مظلة الاتحاد الأفريقي وقوات حفظ السلام التابعة له، «ومن ثم فوجود القوات المصرية شرعي بطلب من الاتحاد الأفريقي ومن دولة الصومال التي زار رئيسها مصر مؤخراً وأكد على هذا الأمر أمام العالم كله».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «وفقاً لذلك، ليس مفهوماً أن تزعم أطراف أخرى قلقها من الوجود المصري الشرعي، بينما إسرائيل هي التي لجأت إلى خطوة غير شرعية، وضربت بالقانون الدولي عرض الحائط بسعيها لتقسيم دولة الصومال بالاعتراف (بأرض الصومال) كدولة».

واستطرد: «تحرشات إثيوبيا بالصومال وضغطها عليه لقبول بناء قاعدة عسكرية بحرية إثيوبية على أراضيه، بجانب تحركات أخرى مريبة في منطقة القرن الأفريقي عموماً تقوم بها أديس أبابا وتدعمها إسرائيل، مثل إمداد (قوات الدعم السريع) بالسودان بميليشيات وعتاد وسلاح، يأتي في سياق تحركات إسرائيلية تهدف لزعزعة الاستقرار في المنطقة».

وأضاف: «مصر والاتحاد الأفريقي يتنبهان لهذه التحركات جيداً، ومن ثم فالوجود العسكري المصري هناك هو لمجابهة كل هذه التهديدات وضمن الالتزام القانوني الدولي والشرعية الدولية».

وقال الرئيس المصري، الأحد، إن بلاده ماضية في نشر قوات ببعثة حفظ السلام في الصومال في إطار التزامها بدعم أمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته مصر.

وعقد الرئيسان لقاءً ثنائياً تلاه اجتماع موسع بمشاركة وفدي البلدين، شدد خلاله السيسي على موقف مصر الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه، ورفض أي إجراءات من شأنها المساس بسيادته أو تهديد استقراره.

وحذر الرئيس المصري خلال المؤتمر الصحافي من «خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول»، معتبراً أنها تشكل «انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة».

وفي نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 أعلنت مصر أنها ستساهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وقتها إن هذه الخطوة تجيء «بناء على طلب الحكومة الصومالية، وبناء أيضاً على ترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وحلت بعثة الاستقرار والدعم التابعة للاتحاد الأفريقي، المعروفة باسم «أوسوم»، محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

Your Premium trial has ended