الجزائر: تعديل قانون الجنسية قد يؤدي لسحبها من الكاتب صنصال

أعلن اللجوء إلى القضاء الدولي «لمحاسبة الحكومة الجزائرية» على احتجازه

صورة مركَّبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
صورة مركَّبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
TT

الجزائر: تعديل قانون الجنسية قد يؤدي لسحبها من الكاتب صنصال

صورة مركَّبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
صورة مركَّبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)

على الرغم من استعادته حريته، قبل أربعة أشهر، إثر ما وُصف بـ«تدخل إنساني» من الرئيس الألماني، فإن أزمة الكاتب الفرنسي - الجزائري، بوعلام صنصال، مع السلطات الجزائرية، لم تُطوَ بعد؛ فقد أكد الروائي عزمه اللجوء إلى القضاء الدولي، في خطوة تصعيدية تأتي بالتزامن مع تضييق الخناق القانوني عليه في الداخل، حيث باتت هويته الوطنية وجواز سفره على المحك، تحت طائلة تعديلات قانون الجنسية الجديدة.

وأعلن صنصال (76 سنة)، نهاية الأسبوع، في تصريحات صحافية بفرنسا، عن انتقاله إلى إحدى دور النشر التابعة لعملاق النشر «هاشيت ليفر»، وهي «غراسيه» المملوكة لمجموعة «لويس هاشيت» التي يسيطر عليها رجل الأعمال، فينسنت بولوريه، المالك لمجموعة وسائل إعلام قوية في فرنسا، بعدما كان مرتبطاً في أغلب كتبه بمؤسسة النشر «غاليمار».

الكاتب بوعلام صنصال في أول ظهور له بعد إطلاق سراحه (ناشطون جزائريون)

وبهذه المناسبة، قال لقناة «سي نيوز» التابعة لبولوريه: «لم يكن بإمكاني البقاء في الوضع الذي وجدتُ نفسي فيه بعد خروجي من السجن كأنني رهينة لدى الجميع. لقد احتجت إلى فرنسا وألمانيا ولجنة الدعم الخاصة بي التي ساهمت في إطلاق سراحي، لكنني سأكمل الطريق بنفسي»، مشيراً إلى أنه يسعى إلى «تعلُّم الحرية من جديد، في سياق جديد، بهدف تحرير نفسي». كما قال إنه يريد أن «يناضل»، من دون توضيح ما يقصد.

يُذكر أن بوعلام صنصال، الذي تُوج بانتخابه عضواً في «الأكاديمية الفرنسية»، مطلع عام 2026، وحصل على الجنسية الفرنسية في 2024، كان قد أمضى عاماً خلف القضبان في الجزائر، بين سنتي 2024 و2025. وصدر بحقه حكم بالسجن لخمس سنوات، بتهمة «المساس بالوحدة الوطنية»، على خلفية تصريحات له لمنصة إخبارية مقرَّبة من اليمين الفرنسي المتشدد، المعادي لأي تقارب بين الجزائر وفرنسا، تضمَّنت الحديث عن أن «أجزاء كبيرة من غرب الجزائر تابعة تاريخياً للمغرب، اجتزأها الاستعمار الفرنسي».

وظل صنصال في قلب التوترات بين الجزائر وفرنسا، التي اندلعت في صيف 2004، بسبب انحياز باريس لمخطط الحكم الذاتي المغربي للصحراء. وناشد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، نظيره الجزائري، في عدة مناسبات، إطلاق سراحه عادّاً أنه «ضحية» للخلافات بين البلدين.

وبعد أشهر من التعبئة الدولية التي قادتها دار «غاليمار» وأوساط الثقافة والإعلام والسياسة في فرنسا، استعاد صنصال حريته في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بموجب عفو رئاسي من عبد المجيد تبون. وأعلنت الرئاسة الجزائرية أنها استجابت لطلب من الرئيس الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، الذي التمس «مبادرة إنسانية» لصالح الكاتب، على أساس أنه كبير في السنّ، ويعاني من المرض.

البرلمان الجزائري يصوت على تعديل قانون الجنسية في يناير 2026 (البرلمان)

وأوضح صنصال، في تصريحاته الصحافية، أنه «تعرّض لاعتداء من الحكومة، ومن النظام»، مؤكداً، في الوقت نفسه، أنه لا يسعى إلى «الانتقام». وأضاف: «أريد أن أذهب حتى النهاية، وأن أمثل يوماً أمام العدالة الدولية لمطالبة الحكومة الجزائرية بالمحاسبة». ويريد الكاتب، أمام الهيئات القضائية الدولية، أن يطرح على الأقل سؤالين على السلطة الجزائرية، حسب تعبيره، هما: «لماذا اعتقلتموني؟ لماذا أخذتم سنة من حياتي؟».

يروي الكاتب «وضعاً يستحيل قبوله»، ويُظهر إصراره على «المضي حتى النهاية» في مسعاه. ويقول: «لكنني بحاجة إلى الإحساس بأن هناك مَن يقف بجانبي». وأضاف: «أشعر بأن الجميع كان يحاول دفعي لقبول الوضع بحجج تتعلق بالاعتبارات الجيوستراتيجية، لكنني لا أهتم بذلك. الأمر يخصني، ويخص زوجتي، وأصدقائي، وأنا عازم على المضي قدماً في نضالي».

اتهام بـ«الجحود»

وشن ناشطون معارضون لمواقف الكاتب السياسية حملة واسعة على منصات الإعلام الاجتماعي، بعد إعلانه التوجه إلى القضاء. وانتقده بعضهم، متهمين إياه بـ«نكران الجميل»، بدعوى أن سلطات الجزائر أظهرت «رأفة» حين أخلت سبيله قبل انتهاء عقوبته.

إثر مغادرته السجن، أكد بوعلام صنصال، أنه لم يُهزم نفسياً، بعد عام من الاحتجاز «رغم صعوبته»، قائلاً إنه «شخص صامد، ولن يدمره عام واحد من السجن». وأوضح أن الحياة في السجن «كانت قاسية، مع شعور بالعزلة الشديدة، وغياب أي تواصل مع الخارج أو المحامي، وعدم القدرة على الحركة أو الكلام بحرية». ورغم ذلك، شدد على أنه لم يُكسر، وأنه ما زال قوياً نفسياً ومستعداً لمواصلة مساعيه بعد تجربته الصعبة. ولم يذكر الكاتب، في أي من تصريحاته الكثيرة في الإعلام الفرنسي أنه تعرَّض لعنف أثناء فترة سجنه.

قضية صنصال عمقت الأزمة السياسية بين الجزائر وفرنسا (الرئاسة الجزائرية)

وقبل استعادته حريته بشهرين، استهدفه الرئيس تبون بحدّة أثناء مقابلة صحافية بثها التلفزيون، فقد قال عنه دون تسميته: «أدعو الجزائريين إلى التعاون ضد خاين الدار». وكان يقصد بأن كلام الكاتب عن «حق المغرب في أرض الجزائر»، ينبغي التعامل معه بوصفه «خيانة».

وعلى أساس موقف الرئيس، بادر نائب من «الغالبية الرئاسية»، مطلع العام، بمقترح لتعديل قانون الجنسية، ينص على سحبها من أي جزائري تثبت ضده تهمة «الخيانة» و«العمالة لأعداء البلاد». وتم إقرار هذا القانون في 22 يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي حال تجريد صنصال من الجنسية الجزائرية، فإن ذلك سيُنشر في الجريدة الرسمية، وهو ما لم يتم بعد. في المقابل، صرَّح هو بنفسه، في فبراير (شباط) الماضي، بأنه فهم من بعض «الإشاعات المتداولة» أن جواز سفره الجزائري تم تعليق صلاحيته، وأنه يعتبر نفسه «أحياناً» فقط مواطناً فرنسياً بعد هذا الإجراء.


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا من جلسة سابقة لمصادقة النواب على قانون الانتخابات (البرلمان)

الجزائر: مقصلة «المال الفاسد» تلتهم مزيداً من المترشحين للبرلمان

تواجه الأحزاب الجزائرية المشاركة بانتخابات البرلمان المقررة في الثاني من يوليو المقبل صعوبات كبيرة باستخلاف العشرات من مرشحيها

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حريق في أوزلاقن بمنطقة القبائل سنة 2021 (الحماية المدنية)

الجزائر تغلق غاباتها هذا الصيف

أثبتت الخطة الوقائية نجاحها العام الماضي؛ بعدما تراجعت المساحات المحروقة بنسبة قياسية بلغت 91 في المائة، وهو إنجاز تسعى السلطات الجزائرية للحفاظ عليه وتطويره...

«الشرق الأوسط» (الجزئر)
رياضة عربية منتخب الجزائر يستعد لكأس العالم (رويترز)

منتخب الجزائر يفتح تدريباته أمام الجماهير قبل سفره للمونديال

أكد الاتحاد الجزائري لكرة القدم أن مران المنتخب الأول الذي يستعد للمشاركة في نهائيات كأس العالم 2026، المقرر الأحد المقبل، سيكون مفتوحاً أمام الجماهير.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جلسة برلمانية أثناء مناقشة قانون المالية لسنة 2026 (مجلس الأمة)

الجزائر تلجأ لـ«تقشف ذكي» في 2027 للحفاظ على السلم الاجتماعي

بدأت الجزائر التحضير لميزانيتها العامة لعام 2027 وحددت أولوياتها الأساسية ورسمت الخطوط العريضة والمحاور الاستراتيجية والأولويات، التي يتعين على كل قطاع مراعاتها

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
TT

فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)

فوجئت المصرية الثلاثينية، آلاء حواش، باستنزاف نزهة واحدة مع أولادها «لم تتضمَّن سوى تناول الطعام خارج المنزل» أكثر من 1500 جنيه (الدولار يعادل نحو 52.2 جنيه)، بعدما جمع الأبناء هذا المبلغ عيديةً من أقاربهم في عيد الأضحى. وتقول آلاء لـ«الشرق الأوسط»: «أي مبالغ نقدية لم تعد لها قيمة» في إشارة إلى الغلاء المتصاعد بالبلاد.

وتنوَّعت الفئات النقدية لدى أبناء آلاء الثلاثة بين 10 جنيهات و50 و100 و200 جنيه، والأخيرة هي الفئة النقدية الأكبر في مصر حالياً، والتي «لم تكفِ كل طفل لتناول وجبة طعام في أحد المطاعم بالمهندسين في محافظة الجيزة»، بحسب الأم المصرية، مشيرة إلى أن «أي فئة من العملة لم تعد تكفي؛ بل إن قيمتها قلت، فمثلاً عملة الـ100 جنيه فعلياً على أرض الواقع قلت كثيراً بسبب الغلاء».

وأمام موجات الغلاء التي يشهدها الشارع المصري، انتشرت شائعات عن توجه رسمي لإصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى؛ بسبب انخفاض قيمة العملات المتداولة حالياً؛ نتيجة ارتفاع أسعار السلع، ومن بين هذه الفئات إصدار ورقة نقدية بقيمة 10 آلاف جنيه. وقد تداول متابعون على «السوشيال ميديا» صورة لعملة شبيهة بالـ200 جنيه كُتب عليها 10 آلاف جنيه، وهو ما نفته الحكومة.

وقال المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، أخيراً، إن البنك المركزي المصري أفاد بأنَّه «لم يتم إصدار أي قرارات بهذا الشأن، ولا توجد حالياً أي خطط أو دراسات تتعلق بطرح هذه الفئة النقدية أو أي عملات ورقية أو بلاستيكية من فئات جديدة، بخلاف الفئات المتداولة بالفعل داخل السوق».

مسؤولون يراقبون الأسواق بهدف مواجهة أي ارتفاع للسلع (جهاز حماية المستهلك)

ورغم النفي الرسمي، فإنَّ خبراء لم يستبعدوا أن «تضطر الحكومة لإصدار فئات نقدية جديدة في حالة تفاقم التضخم والغلاء».

وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية، عاطف وليم لـ«الشرق الأوسط»: «إن إصدار فئات نقدية جديدة لن يكون سوى انعكاس لتفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر، وتآكل قيمة العملة، بحيث تضطر الحكومة إلى إصدار فئات أعلى، بعدما انخفضت قيمة الفئات الموجودة بالفعل». لكنه في الوقت نفسه يرى أنَّ ذلك لن يحدث سوى لو وصلنا لمرحلة «التضخم الجامح».

وسجَّل معدل التضخم الشهري في أبريل (نيسان) الماضي 1.1 في المائة مقابل 3.2 في المائة في مارس (آذار) الماضي. كما سجَّل معدل التضخم السنوي في الشهر نفسه 13.8 في المائة.

ويعتقد وليم أن «معدلات التضخم التي يشعر بها المواطن في الشارع أكبر من المعدلات الرسمية»، قائلاً: «إن المواطنين يلهثون خلف الغلاء»، كما يرى أيضاً أن «الاقتصاد المصري بعيد نسبياً عن مرحلة (التضخم الجامح)»، عادّاً في الوقت نفسه أن «إصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى لن يكون مؤشراً جيداً، وسيؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار».

عملات مصرية من فئة الـ200 جنيه (البنك الأهلي المصري)

في حين يرجح الخبير الاقتصادي الباحث في سوق المال، محمد مهدي عبد النبي، أنَّ «طباعة فئات نقدية جديدة أعلى من عملة الـ200 جنيه أمر وارد قريباً في ظلِّ تراجع القوة الشرائية للجنيه منذ عام 2022».

وكان مجلس الوزراء نفى في مايو (أيار) الحالي، التوقف عن إصدار العملة البلاستيكية من فئتَي 10 و20 جنيهاً.

وأضاف عبد النبي لـ«الشرق الأوسط»: «قد نشهد إصدار فئة نقدية أكبر، بمقدار 500 أو 1000 جنيه، حيث لم تعد الـ200 جنيه لها القوة الشرائية السابقة نفسها في ظلِّ الغلاء»، موضحاً أن «فئات العملات تلهث لملاحقة التضخم والغلاء».

مواطنون مصريون داخل سيارة أجرة في منطقة الجيزة (الشرق الأوسط)

عودة إلى عاطف وليم، الذي أشار إلى أنَّ «البرنامج الاقتصادي للحكومة على مدار سنوات لم يجنِ سوى تراجع قيمة الجنيه، فضلاً عن مزيد من الغلاء، والتضخم الذي يدفع ثمنه المواطن»، مطالباً بـ«تغيير البوصلة الاقتصادية نحو المشروعات الإنتاجية».

وتشهد مصر موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، متأثرة بالأوضاع الإقليمية، خصوصاً الحرب الإيرانية، فضلاً عن الزيادات المتكررة في أسعار السلع والخدمات، والتي تضع الأسر تحت ضغوط إضافية، مع ثبات ما لديها من عملات نسبياً، بينما تنخفض القوة الشرائية لهذه العملات.


سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
TT

سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

عادت السيول الجارفة لتضع مدينتي تهالة وغات في جنوب غربي ليبيا تحت ضغط كارثة موسمية متكررة، بعدما شهدت المنطقتان القريبتان من الحدود الجزائرية أمطاراً غزيرة منذ أول يوم في عيد الأضحى (الأربعاء)، أدت إلى جريان واسع للأودية ونزوح العائلات من المناطق المنخفضة، وسط استنفار حكومي، ودعوات متجددة إلى إنشاء سدود وشبكات حماية مائية لوقف الخسائر المتكررة.

وفيما أعلنت السلطات المحلية، الجمعة، عدم تسجيل خسائر بشرية حتى الآن، فإن المخاوف تصاعدت من تكرار سيناريوهات سابقة شهدتها المنطقة، التي تتاخم الحدود مع الجزائر خلال الأعوام الماضية، حين تحولت الأمطار الموسمية إلى كوارث خلفت وفيات، وأضراراً واسعة في البنية التحتية والمزارع والمساكن.

وجدد محمد علي مختار، مدير مكتب الإعلام ببلدية تهالة، مطالبة الحكومتين في غرب ليبيا وشرقها «بالحاجة العاجلة إلى مشاريع حماية مستدامة، تشمل إنشاء سدود أو تحويل مسارات الأودية، بعيداً عن التجمعات السكنية، بل وحتى دراسة إنشاء تجمع سكاني بديل إذا استمرت الأخطار الطبيعية على حالها».

أحد عناصر الطوارئ في الهلال الأحمر خلال جولة رصد بمدينة غات بالجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

وسلط المسؤول المحلي الضوء على معاناة المدينة التي تتكرر نتيجة السيول، وقال إنها دفعت جميع العائلات القاطنة في المدينة إلى النزوح نحو أماكن أكثر أماناً في إجراء احترازي، موضحاً أن الأضرار اقتصرت حتى اللحظة على خسائر مادية متفاوتة.

ولم تكن السيول الحالية الأولى التي تضرب المنطقة. ففي أغسطس (آب) قبل عامين، شهدت تهالة سيولاً قوية أودت بحياة ثلاثة أطفال، كما غمرت المياه الشوارع والمزارع، وألحقت أضراراً واسعة بالمنازل والبنية التحتية، بينما تعهدت السلطات حينها بإيجاد حلول جذرية، من بينها إقامة سدود لحجز المياه وتنظيم تدفق الأودية.

ويقول مختار إن المدينة تعاني منذ سنوات من هشاشة حادة في البنية التحتية، مشيراً إلى تكرار انقطاع الكهرباء وتعطل شبكات الاتصالات، وتوقف عدد من آبار المياه عن العمل مع كل موجة أمطار، مؤكداً أن الأزمة تتكرر منذ أعوام 2011 و2019 و2024 دون تنفيذ حلول جذرية تحد من أخطار السيول.

وتجددت مع الأمطار الأخيرة المطالب الشعبية والحقوقية بضرورة بناء منظومة سدود في الجنوب الغربي الليبي، خصوصاً في المناطق الواقعة على مسارات الأودية الآتية من المرتفعات الجزائرية.

وطالب الناشط السياسي والمدون فرج أبو سنينة بإنشاء سدود وحواجز مائية على الأودية المشتركة بين ليبيا والجزائر، إلى جانب إبعاد التجمعات السكنية عن مجاري السيول، وإنشاء بحيرات صناعية يمكن الاستفادة منها في الزراعة ومشروعات التشجير.

ويذهب سياسيون، من بينهم حسين الأنصاري، العضو السابق في «ملتقى الحوار الوطني» بجنيف السويسرية، إلى القول بأن بناء السدود في غات وتهالة بالجنوب الليبي أصبح «ضرورة وطنية حتمية» لحماية الأرواح والموارد، محذراً من أن استمرار تجاهل الحلول الهندسية الدائمة سيؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية.

أحد عناصر اللجنة العليا للطوارئ التابعة لحكومة الاستقرار يتفقد المركز الصحي بمدينة تهالة بالجنوب الليبي (بلدية تهالة)

وقال الأنصاري، إن «الدولة الليبية تنفق سنوياً ملايين الدنانير على عمليات الإغاثة الطارئة، والتعويضات وصيانة الطرق المتضررة بشكل مؤقت، بينما تبقى الحلول الترقيعية عاجزة عن منع تكرار الكوارث مع كل موسم أمطار»، وفق منشور عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وحسب تقدير العضو السابق في «ملتقى الحوار الوطني»، فإن إنشاء شبكة سدود ركامية وتخزينية في نقاط التحول الرئيسية داخل الأراضي الليبية، إلى جانب شق قنوات لتصريف المياه بعيداً عن المدن، سيكون أقل تكلفة على المدى البعيد مقارنة باستمرار سياسة «إدارة الأزمات». مشيراً إلى أن «الطبيعة الجغرافية لحوض غات وتهالة تجعل المنطقة في مواجهة مباشرة مع سيول ضخمة تنحدر من جبال التاسيلي داخل الجزائر، ما يتطلب تنسيقاً فنياً ومبكراً بين البلدين لدراسة حركة الأحواض المائية المشتركة وآليات الإنذار المبكر».

ومع تجدد الأزمة، أعلنت السلطات في شرق ليبيا على مدى يومين حالة الاستنفار لدعم المناطق المتضررة، حيث أصدر نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، الفريق أول صدام خليفة حفتر، الخميس، تعليمات بتقديم الدعم والإغاثة العاجلة لسكان تهالة، فيما وصلت قوافل طبية تابعة لوزارة الصحة التابعة للحكومة المكلفة من البرلمان إلى غات وتهالة لمتابعة التطورات الميدانية.

وكان نائب رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، في غرب ليبيا سالم الزادمة قد كشف قبل عامين عن خطة حكومية لإنشاء سدود على الأودية، التي تصب في مناطق الجنوب الغربي، وذلك عندما كان يشغل المنصب ذاته في الحكومة المكلفة من البرلمان، لكن هذه الوعود لم تر النور في ظل الانقسام السياسي والحكومي الذي تشهده البلاد.

وبينما يترقب السكان انحسار السيول، يعود ملف السدود الغائبة مجدداً إلى واجهة النقاش في ليبيا، بوصفه أحد أكثر الملفات ارتباطاً بأمن الجنوب وحماية مدنه من كوارث تتكرر كل عام تقريباً، في ظل غياب مشاريع بنية تحتية، قادرة على مواجهة التحولات المناخية والتقلبات الجوية الكثيرة.


الزاوية الليبية تلوّح بـ«حراك شعبي» لوقف فوضى الميليشيات

قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
TT

الزاوية الليبية تلوّح بـ«حراك شعبي» لوقف فوضى الميليشيات

قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)

لوّحت أطراف قبلية في مدينة الزاوية، الواقعة غرب ليبيا، بإمكانية تحوّل الغضب الشعبي المتصاعد إلى «حراك» منظم ضد نفوذ الميليشيات المسلحة، وذلك عقب يوم دامٍ من الاشتباكات بين فصائل متناحرة، أسفر عن مقتل 3 أشخاص وإصابة آخرين، وأعاد مشاهد الفوضى الأمنية إلى المدينة الساحلية.

وشهدت الزاوية هدوءاً هشاً، الجمعة، بعد تدخل «اللواء 25 مشاة» بقيادة محمود بن رجب، وفق ناشط محلي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فضل عدم ذكر اسمه، غداة اشتباكات مسلحة اندلعت داخل أحياء سكنية في ثاني أيام عيد الأضحى، وسط صمت حكومي أثار انتقادات محلية، فيما اضطر السكان إلى التزام منازلهم خشية تجدّد المواجهات.

ورغم تحذيرات سابقة من بعثة الأمم المتحدة، فقد اندلعت الشرارة الأولى لتلك المواجهات، الخميس، عقب مقتل محمد عريبي، أحد عناصر ميليشيا ما يعرف بـ«جهاز مكافحة التهديدات الأمنية» بقيادة محمد بحرون (الفار)، برصاص مجموعة مسلحة مناوئة لها، قبل أن تتوسع دائرة الاشتباكات وتؤدي أيضاً إلى مقتل محفوظ المغيربي وسمير حويل، بحسب وسائل إعلام محلية وشهود عيان قالوا إن التحشيدات المسلحة لا تزال مستمرة حتى، الجمعة.

سيارة محترقة في جنزور بالعاصمة طرابلس (جهاز الدعم والإسناد الأمني)

وتأتي هذه التطورات بعد أيام من تشييع 4 قتلى، سقطوا جراء «رصاص عشوائي» في المدينة، بينما أُعلن الثلاثاء عن مقتل شخص خامس، ما زاد من حالة الاحتقان، ورفع منسوب التحشيد بين الفصائل المسلحة.

لكن اللافت هذه المرة هو تصاعد الدعوات المحلية لمواجهة حالة الانفلات الأمني عبر تحرك شعبي؛ إذ قال عضو مجلس أعيان الزاوية، الهاشمي دخيل، إن المدينة قد تشهد بدءاً من السبت «حراكاً من الأهالي للانتفاض على الأوضاع الجارية ورفض استمرار الفوضى»، وفقاً لما نقلت عنه وسائل إعلام محلية، مبرزاً أن «الحرب لن تتوقف طالما استمر المسؤولون في التأقلم مع فوضى المدينة»، ومعتبراً أن ما جرى الخميس جاء «رداً على اغتيال عريبي»، في إشارة إلى استمرار منطق الثأر والانتقام بين المجموعات المسلحة.

ويرى متابعون أن الحديث عن «حراك شعبي» يعكس تنامي حالة السخط داخل الزاوية، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أبرز بؤر الصراع المسلح غرب ليبيا، في ظل تنافس فصائل نافذة على النفوذ ومصادر التمويل.

بدوره، اعتبر القيادي العسكري السابق في عملية «بركان الغضب»، ناصر عمار، أن ما يحدث في الزاوية يستدعي «وقوف أهل الزاوية يداً واحدة لرفض هذا العبث، والمطالبة برفع الغطاء القانوني والشرعي عن المتورطين في الفوضى».

ورغم الحديث عن «الحراك الشعبي» بوصفه حاضنة اجتماعية محتملة لمواجهة حالة الفوضى، يرى الباحث الليبي المتخصص في الشؤون الأمنية، فيصل أبو الرايقة، أن «فوضى الميليشيات في مدينة الزاوية تبدو ملفاً شديد التعقيد والتشابك»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تداخل عوامل داخلية وخارجية أسهم في ترسيخ نفوذ تلك الفصائل، في ظل هشاشة سيطرة السلطات بغرب ليبيا، إلى جانب وجود شبكات واسعة لتهريب النفط والبشر تستفيد من حالة الانفلات القائم».

وتضم الزاوية إحدى كبرى مصافي النفط في ليبيا، كما تُعرف بأنها نقطة رئيسية لتهريب الوقود، وانطلاق قوارب الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وهو ما يجعلها ذات أهمية أمنية واقتصادية بالغة.

وتكشف التطورات الميدانية الأخيرة أن دعوة الأمم المتحدة، التي أطلقت مطلع الأسبوع، إلى جميع الأطراف بضرورة تغليب لغة الحوار في مدينة الزاوية، وخفض حدة التصعيد خلال فترة العيد، «لم تلقَ استجابة تُذكر من جانب التشكيلات المسلحة على الأرض».

عناصر تابعة لميليشيا ما تعرف بـ«مكافحة التهديدات الأمنية» في الزاوية (الصفحة الرسمية للمجموعة المسلحة)

وكانت مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد أعربت عن «بالغ القلق» إزاء استمرار حشد الجماعات المسلحة، وتزايد حوادث الاغتيال في المدينة، محذّرة من أن الوضع «ينذر بموجة جديدة من العنف، ويُعرّض المدنيين لمخاطر متصاعدة». وأكدت أن استمرار التنافس بين الفصائل المسلحة على النفوذ والسيطرة على الموارد «لا يزال يقوّض الأمن ويضعف مؤسسات الدولة»، في إشارة إلى عمق الأزمة وتعقيدات المشهد الأمني بالمنطقة.

ورغم تعهد رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، عبد الحميد الدبيبة، مراراً بالعمل على تفكيك المجموعات المسلحة وبسط سلطة الدولة، يرى مراقبون أن «المشهد لا يزال يخضع لتوازنات معقدة تقوم على إعادة ترتيب الولاءات أكثر من إنهاء نفوذ الفصائل».

وفي مؤشر على الجدل المتواصل بشأن علاقة السلطة بالمجموعات المسلحة، كان الدبيبة قد استضاف خلال رمضان الماضي، عدداً من قادة التشكيلات البارزة في الزاوية على مأدبة إفطار رسمية، في خطوة أثارت انتقادات واسعة آنذاك.

وفي حادث منفصل يعكس استمرار الفوضى الأمنية غرب طرابلس، أفادت وسائل إعلام محلية، الخميس، بمقتل شابين في منطقة المشاشطة، جنوب جنزور، إثر انفجار قنبلة يدوية داخل سيارة كانا يستقلانها.