يحتوي العدد الجديد من مجلة «القافلة»، الثقافية التي تُصدرها شركة «أرامكو السعودية»؛ كبرى شركات النفط العالمية، على محتوى ثقافي ومعرفي، يتضمن عدداً من المقالات والملفات الثقافية والعلمية.
ويتتبع عدد «يوليو (تموز) - أغسطس (آب)» مسيرة الفكر الإنساني وتطوره ومشكلاته؛ من مسألة «التزوير» بوصفه اعتداءً على الثقة يمتد إلى العملات والأدوية والأعمال الفنية والسلع الفاخرة والأخبار الرقمية، وصولاً إلى مشكلات صناعة النشر؛ القضية التي باتت مؤرّقة لكل من دخل إلى مجال النشر مؤلفاً أو ناشراً.
وفي هذا العدد، أعلنت «القافلة» عن إطلاق منصة «القافلة بودكاست»، في خطوة جديدة تهدف إلى توسيع حضورها الرقمي، وإتاحة محتواها الثقافي والمعرفي عبر قنوات رقمية متنوعة تناسب جمهورها؛ فعبر برنامجيها «صوت القافلة» و«بورتريه»، يمكن الاستماع إلى مجموعة مختارة من مقالاتها، بما يمنح القراء فرصة الوصول إلى محتوى المجلة والاستفادة منه عبر الوسائط المختلفة.

مشاكل صناعة النشر
في قضية العدد، تتناول «القافلة» مسألة «صناعة النشر» وتحدياتها، رغم ازدهارها الكمي، وتبحث عن سبل تطويرها؛ فصناعة النشر تتطلّب معالجة العقبات التي تعيق نموها وفاعليتها الثقافية، لتتحوّل إلى صناعة مجدية اقتصاديّاً على جميع الفاعلين فيها.
وشارك في هذا الملف 3 كتّاب؛ هم: أحمد السماري، ومعجب الشمري، وأحمد شوقي علي.
فتحت عنوان: «صناعة النشر بين منطق السوق ورسالة الثقافة»، قال أحمد السماري، إنه خلال العقدين الأخيرين، شهدت صناعة النشر العربية توسعاً ملحوظاً من حيث عدد دور النشر، وكثافة الإصدارات، لكن المقارنة بين دور النشر العربية ونظيراتها الغربية تكشف عن فجوة واضحة في آليات العمل الاحترافي؛ ففي بيئة نشر متقدمة، لا تقتصر وظيفة الناشر على تلقي مخطوط وطباعته كتاباً ثم توزيعه كيفما اتفق؛ إذ إن العملية تبدأ من قراءة المخطوط وتقييمه، ثم تحريره، ثمّ بناء خطة متكاملة لإطلاقه، تتضمن الحملات الإعلامية والندوات والتوقيعات والتواصل مع النقاد والصحافة والمنصات الثقافية، كما تحضر الوكيل الأدبي بوصفه عنصراً رئيسياً في حماية الكاتب والتفاوض نيابة عنه، وإدارة حقوقه الفكرية والتجارية.
وتحدث عن غياب الوكيل الأدبي وغياب المعايير الاحترافية، وقال: «في الدول العربية، لا يزال الوكيل الأدبي غائباً أو محدود التأثير؛ لأن العائد الذي يحصل عليه الكاتب لا يسمح بتمويل عمل الوكيل الذي يتقاضى أجره نسبة من حقوق الكاتب، ولذلك يجد الكاتب نفسه وحيداً أمام دار النشر: يفاوض، ويوقّع».
وأيضاً لاحظ السماري أنه لا يمكن فهم أزمة النشر العربية بعيداً عن ضيق السوق القرائية أصلاً، فعدد القراء في الدول العربية، قياساً بعدد السكان، لا يزال محدوداً، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم المبيعات والعوائد المالية، ثمّ على مستوى الخدمات التي تقدمها دور النشر.
لينتهي الكاتب إلى أن صناعة النشر العربية تحتاج اليوم إلى مراجعة شاملة تتجاوز الحنين الثقافي أو الشكوى التقليدية؛ فالمطلوب هو بناء منظومة متكاملة تبدأ من تحديث التشريعات المتعلقة بحقوق المؤلف، وتطوير العقود بما يحقق العدالة لأطراف الصناعة، وتفعيل دور الجمعيات والاتحادات المهنية، ورفع مستوى الشفافية والاحترافية. كما أن النهوض الحقيقي لا يتحقق دون توسيع قاعدة القراءة نفسها؛ لأن صناعة الكتاب لا تعيش بالكتابة وحدها، وإنما تحتاج إلى قارئ حقيقي ومستدام.
وفي الملف ذاته، وتحت عنوان: «الرقمنة لم تعد ترفاً»، كتب معجب الشمري: «يتمثل وجه آخر من الأزمة في طريقة تقديم الكتاب نفسه، فبعض دور النشر ما زال يتعامل معه بوصفه منتجاً ساكناً يكفي طرحه في السوق لينال حظه، في حين أن العالم تغير جذرياً. اليوم، يعيش القارئ محاصراً بمنافسة شرسة: منصات رقمية، وفيديوهات قصيرة، وألعاب تفاعلية، ومحتوى لحظي متدفق؛ فلم يعد كافياً أن تتقن طباعة كتاب جيد، ثم ننتظر أن يجد طريقه وحده إلى أيدي القراء. يُضاف إلى ذلك أزمة القدرة الشرائية في عدد من الدول العربية التي تعصف بها الضغوط الاقتصادية».
وتحت عنوان: «العدالة الواجبة بين ثلاثة ورابعهم القارئ»، كتب أحمد شوقي علي، متسائلاً: «كيف يسعر الكتاب؟»، قائلاً: «هناك فجوة ضخمة بين تكلفة النسخة الواحدة من الكتاب وسعر إتاحته للجمهور، الذي قد يتجاوز 3 أضعاف التكلفة الأصلية. لكن أسباب هذه الفجوة تتضح عند النظر إلى القسمة المالية الكلاسيكية بين أطراف الصناعة: إذ تقدر حقوق المؤلف بنحو من 10 في المائة إلى 15 في المائة، من سعر الغلاف، وتصل فعلياً إلى 18 في المائة، أو 12 في المائة بعد التخفيضات، في حين يحصل الناشر على حصة تراوح بين 40 و50 في المائة، ليتبقى لديه هامش ربح صافٍ يقارب 10 أو 15 في المائة بعد حسم تكاليف الطباعة والإنتاج، وفي المقابل، تذهب النسبة المتبقية التي تعادل من 40 إلى 50 في المائة من سعر الغلاف إلى الموزعين وتجار التجزئة، ولا يتوقف اختلال هذه المنظومة عند لحظة توقيع العقد أو تسلم الطبعة، وإنما يمتد ليكون التوزيع هو العقدة الكبرى التي تعطل وصول الكتاب إلى القارئ، ويتفق كثير من الناشرين العرب على أن تكلفة الشحن واللوجستيات وهشاشة شبكات التوزيع، تجعل الكتاب العربي أسيراً لمسارات قصيرة ومكلفة».
ويكمل قائلاً: «في المقابل، يجد الناشر نفسه تحت وطأة تغطية تكلفة الإنتاج والمصروفات التشغيلية، وهو ما يدفعه غالباً إلى تقليص حصة المؤلف، ويضاف إلى ذلك كله الارتفاع الحاد في تكلفة مدخلات الإنتاج، ففي بيئة تعتمد كلياً على استيراد الورق والأحبار، يصبح ارتفاع أسعار الكتب انعكاساً حتمياً لتكلفة الإنتاج وتراجع أعداد الطبعات، وليس بالضرورة رغبة في مضاعفة هوامش الربح».
ويلاحظ الكاتب أنه نتيجة لهذه التحديات الإنتاجية، تكشف الأرقام والبيانات عن هشاشة البنية التحتية لصناعة النشر العربي؛ إذ يوضح رئيس اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد، أن إجمالي العناوين المنشورة في الدول العربية بأسرها لا يتجاوز 80 ألف عنوان سنوياً، مقابل 100 ألف عنوان في تركيا وحدها، وهو رقم لا يتناسب مع كتلة سكانية تتجاوز 400 مليون نسمة. كما تراجعت أعداد النسخ المطبوعة للإصدار الواحد، وفقاً له؛ لتراوح بين 50 و1000 نسخة في حدها الأقصى، ومما يفاقم هذه الهشاشة غياب الدعم الحكومي الممنهج، وضعف الميزانيات المخصصة للتزويد والشراء المؤسسي من قبل المكتبات العامة والجامعية.

الزهاوي: شاعر التنوع الثقافي
يضمّ هذا العدد من «القافلة» مقالاً يتضمن سيرة الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي (1863 - 1936م)، بوصفه أحد روّاد التجديد الفكري والشعري، حيث يُعدّ الزهاوي أحد العلمين الشعريين مع معروف الرصافي في سنوات القرن العشرين الأولى، وهو الرجل الذي تباينت فيه آراء النقاد، وطالما لخصّ الزهاوي مواقف معاصريه منه، بقوله: «كنت في صباي اسمى (المجنون) لحركاتي غير المألوفة، وفي شبابي (الطائش) لنزعتي إلى الطرب، وفي كهولتي (الجريء) لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي (الزنديق) لمجاهرتي بآرائي الفلسفية»، وهو ما بيّن غربته عن عصره وزمنه وانفراده بالتعمق والتأمل.
كتب المقال حاتم الصكر، وفيه يؤكد نسبة الزهاوي إلى قبيلة «بابان» الكردية، متحدثاً عن تقييم معاصريه ونقاده، حيث رأوا أنه شاعر جدلي، وقد تفاوتت آراؤهم في أشعاره وأفكاره ومواقفه؛ «ذلك أنه تحرر من الأحكام المسبقة، وأبدى آراءه صريحة في تحرر الفرد والمجتمع، وفي النظر إلى الشعر والحياة والحرية».
ويضيف الكاتب أنه على الرغم من أن الزهاوي ينحدر من أسرة كردية؛ فقد جعلت منه الثقافة العربية، والوظائف التي شغلها، مثالاً لملتقى لغات وآداب مختلفة؛ فكان يحسن إلى جانب العربية، كلاً من الكردية والتركية والفارسية، ويكتب فيها ويترجم عنها. هذا التنوع في ثقافة الزهاوي وحياته، وتبدل أماكن إقامته ومهنه، انعكس في أشعاره ومواقفه، فوجدناه يكتب النثر المسترسل من دون أي ولع بالمحسنات السطحية، مثل السجع المكلف الفاقد للضرورة الدلالية والإيقاعية، وهو ما كان معاصروه التقليديون من الإحيائيين يختمون به فقرات نثرهم الفني.
وعن رأي الزهاوي في الشعر، يقول الكاتب: «كان مفهومه لماهية الشعر متقدماً قياساً إلى سياقات عصره؛ فهو لا يراه ذلك الكلام الموزون المقفى الدال على معنى كما جرى تعريفه تقليدياً؛ بل يربطه جمالياً بالشعور والتعبير الصادق، وبالشكل المناسب فنياً عمّا يحسّ به الشاعر:
ما الشعر إلا شعوري جئتُ أعرضه
فانقدْهُ نقداً شريفاً غير ذي دخلِ
الشعرُ ما عاش دهراً بعد قائلهِ
وسار يجري على الأفواه كالمثلِ
والشعرُ ما اهتزَّ منه روح سامعه
كمن تكهرب من سلك على غفلِ
يا شعرُ إنك أحلامي التي حسنتْ
وأنت ذكرى شبابي الناعم الخَضِلِ».
ويذكر الكاتب أن الزهاوي كان مناصراً للمرأة، داعياً إلى إنصافها اجتماعياً وثقافياً، ومطالباً بحقها في التعلم والمساواة الاجتماعية، كما عرف عنه تقديسه للتعلم وجعل ذلك جزءاً من رسالته. وفي مكان آخر من مسيرته، كان مدافعاً عن استقلال العراق وحريته بعد عقود من الانتداب والاحتلال، فلم يتوانَ عن مقارعة المستعمرين والمحتلين للبلاد العربية:
على كل عودٍ صاحبٌ وخليلُ
وفي كل بيتٍ رئةٍ وعويلُ
كأنّ وجوه القوم فوق جذوعهم
نجومُ سماءٍ في الصباح أفولُ

التزوير: اعتداء على الثقة
يفتح العدد الجديد من «القافلة» ملف التزوير، معتبراً أنه يمثل طيفاً واسعاً يبدأ من الجناية الواضحة، ويمر بالاحتيال الاقتصادي والثقافي، وينتهي عند أسئلة الإنسان عن الصدق والصورة والحقيقة. ولذا، هو في معظم صوره فعل جرمي واضح، تعاقب عليه القوانين وفقاً لخطورته ونتائجه؛ لأن النسخة الكاذبة يمكنها أن تهدم نظاماً كاملاً من الثقة.
يقول المقال: «العملة المزيفة تهدد قيمة النقد الوطني، والدواء المزيف يهدد الحياة، والوثيقة المزيفة تهدد العدالة والإدارة، والسلعة المزيفة تهدد الاقتصاد وحقوق الملكية، والعمل الفني المزيف يعتدي على التاريخ والذاكرة، والخبر المزيف يضرب وعي الناس وقدرتهم على الحكم، وأخطر ما فيه أنه لا يسرق الشيء فقط؛ بل يسرق أيضاً قدرتنا على تصديق الأشياء».
ويضيف: «يعيش التزوير، في جانب منه، في الأزقة الخلفية أو الورش السرية، ولكن ما إن تنتقل مخرجاته إلى العلن، حتى ترى بعضها يختال أمامنا في الأسواق الكبرى والمتاحف، ويتسلل إلى الصيدليات والمنصات الرقمية وشاشات التلفزيون».
ويكمل: «عمر التزوير من عمر الحضارات؛ إذ عثر علماء الآثار في مصر على حبيبات من الخزف، تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، مطلية باللون الأزرق لاستخدامها في الحلي بديلة عن الفيروز الثمين، ومنذ ذلك الحين، وفي كل مرة أنتجت حضارة ما شيئاً ثميناً، نشأ في الظل من يعمل على تصنيع شيء يشبهه».