المحبوب عبد السلام: الترابي ذاق خيانة تلاميذه وفي طليعتهم البشير

أدار مكتب الشيخ وكتب خطب الرئيس ثم «تخرج» من المدرسة وصار مستقلاً (الأخيرة)

TT

المحبوب عبد السلام: الترابي ذاق خيانة تلاميذه وفي طليعتهم البشير

البشير والترابي (إلى يمين الصورة) بعد الانقلاب (أ.ب)
البشير والترابي (إلى يمين الصورة) بعد الانقلاب (أ.ب)

ذاق الدكتور حسن الترابي مرارة شعور المرء أن تلامذته قد خانوه. ومن عادة التلامذة أن يفعلوا. نصّب الترابي الضابط عمر حسن البشير رئيساً، وربما راوده حلم أن يحتفظ لنفسه بدور المرشد على غرار ما هو عليه الوضع في إيران. تمرد البشير ومن عادة الجنرالات أن يفعلوا. السلطة وليمة باذخة لا تحتمل التقسيم والشركاء.

في عام 2017، وكان قد مضى عام على وفاة الترابي التقيت البشير وحاورته. سألته: من أصعب رجل تعاملت معه في السودان، وجاء الجواب: «هو حسن عبد الله الترابي رحمه الله». طلبت منه تفسير العلاقة الغريبة بينهما، فقال: «هو شخصية تتمتع بكاريزما قوية جداً. ظل مسيطراً على الحركة الإسلامية لفترة طويلة. عاش صراعات كثيرة داخل الحركة وكان الكاسب دائماً، غير أنه خسر للمرة الأولى معنا».

البشير والترابي (إلى يمين الصورة) بعد الانقلاب (أ.ب)

كان البشير مغامراً ومناوراً ومتقلباً. العلاقة المتذبذبة مع إيران خير دليل. في 1992 كان وضع النظام السوداني صعباً. الحصار شديد ولا سلاح ولا ذخائر، وتراجعت قدرة العراق على المساعدة العسكرية. زار وزير المال السوداني عبد الرحيم حمدي طهران لطلب المساعدة، فكان الرد أن على نظام البشير أن يسدد الديون المستحقة على نظام جعفر نميري.

قال المسؤولون الإيرانيون إن الأولوية هي لمساعدة المجموعات الشيعية التي خرجت دولها من الاتحاد السوفياتي. أبدوا استعدادهم لتزويد السودان بالكتب والأدوات الرياضية. شعر الجانب السوداني بالصدمة. حين روى حمدي القصة للترابي كان تعليق الأخير: «ألم تقرأ كتاب البخلاء ومعظمه عن الفرس؟».

تغير موقف إيران لاحقاً. دعمت الجيش السوداني في حرب دارفور بعد 2003. جاء الإيرانيون وفتحوا حسينيات وشيّعوا بعض الناس وأخذوا مئات الشباب لتدريبهم في سوريا. أقاموا صناعات عسكرية في السودان خصوصاً في جنوب الخرطوم واستخدموا مهربين من بورتسودان لتمرير الأسلحة إلى حركة «حماس» في غزة عبر الأراضي المصرية والأنفاق. واستهدفت الطائرات الإسرائيلية لاحقاً مصانع السلاح هذه.

ذات يوم سألت الرئيس البشير إن كان قادراً على التعايش مستقبلاً مع لقب الرئيس السابق، فأجاب: «ليس سهلاً فقط، بل هو متعة لأن الكل سيحترمك بصفتك رئيساً سابقاً وينادونك في الشارع يا فخامة الرئيس من دون أدنى مسؤوليات». تعلّم التجربة الصحافي العربي ألا يصدق مثل هذا النوع من العبارات التي سمعتها مراراً في عواصم مختلفة.

من جانبه، لم يكن الترابي يتوقف طويلاً عند ممارسات بعض الحكام في بلدانهم. كان يقول إن معمر القذافي «صديقه» وإنه كان يستدعيه «بغرض التحاور وبصراحة». وكان يعتقد أن «تغييرات طرأت على شخصية صدام حسين بعد حرب الخليج الأولى، خصوصاً بعدما وضع عبارة الله أكبر في العلم العراقي».

كان السياسي والباحث السوداني الدكتور المحبوب عبد السلام حاضراً في خضم تجربة الترابي والبشير التي تركت بصماتها على السودان الحالي الذي يقطر دماً.

* حين تستمع إلى أخبار السودان، هل تخشى أن تصبح بلا وطن؟

- هذا إحساس يعتري كثيرين من السودانيين، بعضهم تنتابه حالة نفسية، وبعضهم يكون واقعياً ويبدأ بترتيب أوضاعه، ويبحث عن وطن آخر. هذه حالة حقيقية واقعية تنتابني وتنتاب كثير من السودانيين عندما يتأملون الواقع، وخاصة عندما ينظرون إلى ما حدث لكل منهم، لأن الحرب هذه لم تترك شخصاً من دون أن تمسه مساً مباشراً، في تراثه المعنوي وتراثه المادي، فيما جنى وحفظ طوال عمره، وفيما ادخر.

* من يتحمل مسؤولية إيصال السودان إلى ما وصل إليه؟

- بالنسبة لي يمكن أن أقول النخب، خاصة نخب اليسار ونخب اليمين. النخب التي خرجت من رحم الماركسية، والنخب الإسلامية. صحيح أن كثيراً من تيارات الوسط تتحمل المسؤولية، في النخب، وهم، يشبه بعضهم بعضاً، اليسار واليمين، المدنيون والعسكريون، الضباط الذين يقومون بالانقلابات التي أشرت إليها، هم بعض من هذه النخب.

المحبوب عبد السلام مع الطيب صالح (أرشيف المحبوب عبد السلام)

أشار الأستاذ الطيب صالح إلى أن بعض العسكريين يستيقظون من النوم ويفكرون في الاستيلاء على السلطة. يركبون دبابة إلى الإذاعة. لكن كثيراً من المدنيين الذين لم يتأهلوا للحكم كذلك يصحون صباحاً وعندهم هذا الشغف بالحكم والوصول إلى السلطة. هناك فارق بين الآيديولوجيا والأناشيد وحقائق الواقع الاقتصادي والسياسي والعلاقات الخارجية.

* هل أفهم أن شراهة المدنيين إلى السلطة لم تكن تقل عن شراهة العسكريين؟

- أعتقد ذلك، لأن بعض الناس، لشغفه بالسلطة، يعدّ السياسة مهنة من لا مهنة له. السياسة تحتاج إلى تدريب خاص. الطيب صالح ذكر أن العسكري، الضابط، قد يؤهل في «ساندهيرست» (الأكاديمية العسكرية البريطانية) أو في المدرسة العسكرية بباريس، لا ليحكم لكن ليدافع أو ليحارب. كذلك كثير من المدنيين يأتون من حقول بعيدة عن السياسة. بعضهم غاب عن السودان عشرات السنين، لكن الشغف بالسلطة يدفعهم إلى تولي مناصب وهم ليسوا في مستوى التحدي الذي تطرحه. فكلهم جميعاً لديهم شغف بالسلطة من دون إعداد لها، من دون برامج، من دون حتى وضع حزبي، لأنه الآن لا يوجد زعماء. لا توجد قيادات متكاملة يمكن أن تقود الوطن إلى بر الأمان.

السياسة مهنة تحتاج إلى أن يتفرغ الإنسان في اليوم الواحد 4 إلى 5 أو 6 ساعات يقرأ ويعرف ما يدور في العالم، وتحتاج إذا كنت سودانياً إلى معرفة عميقة بالسودان، وأن تكون فعلاً قد زرت أنحاءه، ولكن لا يمكن أن تأتي من لا مكان.

* هل تقصد أن الجنرالات فشلوا؟

- نعم.

* وأن المدنيين فشلوا أيضاً، وأن ما يعشيه السودان هو لقاء فشلين؟

- هو كما أشار مفكر سوداني جيد جداً، توفي رحمه الله، عبد العزيز حسين الصاوي، بقوله إذا جمعنا العلمانيين واليسار مع الإسلاميين فسنحل مشكلة السودان. مثلاً، نتأمل مشكلة مثل مشكلة الجنوب، ونظن أنها صراع سببه فقط السلطة والثروة، ولكن صراع الأجندة السياسية كذلك كان له دور كبير فيما حدث في الجنوب وفي استقلال الجنوب وخروجه عن السودان. هما فشلان لا ريب، أو فشل واحد لنخبة واحدة.

* هل تتمنى حينما تراجع نفسك لو أن الحركة الإسلامية في السودان لم تستولِ على السلطة في 1989؟

- ويمكن حتى قبل أن تستولي على السلطة، كان عندي هذا الإحساس أنها لم تنضج النضج الكافي الذي يجعلها تتولى السلطة. صحيح كنا ننظر إلى أنفسنا فنرى أن الحركة تضم قيادات مؤهلة جداً، قضت عشرات السنين في السلطة، في السياسة، بعضهم أمضى سنوات مقدرة في السلطة، عندنا كوادر تخرجت في الجامعات ونالت دراسات عليا وعاشت في الخارج، بالعشرات بالمئات. لكن الدولة، كما ذكرت أكثر من مرة، أشبه بالحائط، وكلما حاولت أن تمد يديك لتحتوي الحائط تجد أنه أكبر منك. أعتقد أننا لو تركنا الحركة الإسلامية بنخبتها بكوادرها المؤهلة تنضج على نار ديمقراطية هادئة لكانت النتيجة أفضل.

* قصة الترابي مثيرة. يدخل السجن ثم يخرج إلى السلطة. دخل السجن 5 مرات؟

- نعم، حتى في النظام الذي صنعه دخل 3 مرات.

* هل تعتقد أن الترابي هو مهندس انقلاب 1989؟

- من دون أدنى شك، نعم طبعاً.

* هل هو من صنع عمر حسن البشير؟

- لم يصنعه إنما كان ضمن خطوطه، ضمن أطره، خاصة في بداية العلاقة. كان البشير مطيعاً وكان ملتزماً بكل ما يطلب منه.

* يقال إن الترابي رآه مرة واحدة قبل الانقلاب؟

- نعم، هذه رواية الترابي ومفادها أنه التقاه يوم الأربعاء وكان موعد الانقلاب يوم الجمعة، وهذه هي التي قال فيها العبارة الشهرية: اذهب أنت إلى القصر رئيساً وسأذهب أنا إلى السجن حبيساً. لأن الانقلاب كان يقوم على خطة تمويه.

* هذه الجملة: اذهب أنت إلى القصر رئيساً وأذهب أنا إلى السجن حبيساً، هل تفسر ما حصل لاحقاً؟ هل خدع الترابي القوى السياسية ودول الجوار حول هوية الانقلاب؟

- نعم، وكان هذا هدفاً تكتيكياً ومؤكداً. وكان يقول دائماً إن العالم لا يقبل نظاماً إسلامياً، لو جاء بالديمقراطية أو جاء بانقلاب. الجوار الإقليمي لا يقبل، والعالم لا يقبل، والحرب خدعة. كان يعدّ الثورة والانقلاب حالة حرب تجوز فيها الخدعة، فخدع فعلاً دول الجوار وخدع العالم لفترة، ولكن سرعان ما اكتشفت القوى الحقيقة وراء الانقلاب.

* مرارة الخديعة كانت في مصر تحديداً لأنني أعتقد أن مصر رحبت بالنظام الجديد ولم تكن تعرف هويته؟

- نعم.

* لم تكن المخابرات المصرية قادرة على استشفاف محرك الخيوط الحقيقي الذي ذهب إلى السجن للإيحاء بأنه يعامل أسوة ببقية الأحزاب والقوى؟

- نعم.

* هل تركت هذه الحادثة بصماتها على العلاقات مع الدول المجاورة؟

- نعم إلى حد كبير، وجاءت حادثة كبرى أخطر هي حادثة حرب الخليج والموقف الذي اتخذه السودان والتصريحات التي جاءت من قادته. هو صُنف منذ ذلك الحين بأنه نظام وراءه حركة إسلامية ووراءه زعيم إسلامي معروف، ثم جاء هذا الموقف واختبروا مدى انسجام الحركة الإسلامية، التي استولت على السلطة في السودان، مع الإقليم ومع العالم فكان موقفها شاذاً ودفعت أثماناً عالية على هذا الموقف.

طبعت تقلبات علاقة البشير بالترابي مرحلة فارقة في تاريخ السودان (أ.ف.ب)

* هل شهدنا في السودان تجربة الشيخ والرئيس، أي الشيخ هو المرجع الأخير والرئيس هو في الظاهر مرجع المؤسسات، لكن القرار يقيم في مكان آخر؟

- ربما لم نشهد هذه الظاهرة في أي مكان كما شهدناها في السودان. لأنه فعلاً كان الحالة المثالية لحالة الشيخ والرئيس. صحيح أنهما كانا في آخر الأمر يلتقيان في مكتب واحد، في جهاز تنظيمي واحد، كان يسمى مكتب القائد، لكن الشيخ بما له من خبرة وبما له من معرفة وبما له من كاريزما وهو رسمياً رئيس الحركة والبشير عضو فيها، فهذا الظاهر والباطن. وهذا كان لا بد أن يؤدي إلى المفاصلة.

* باختصار، ما هذه المفاصلة؟

- المفاصلة هي اللحظة التي برزت فيها تناقضات الإسلام السياسي مع الدولة الحديثة. وقد حصلت في 12/12/1999.

* بعد العقد الأول؟

- نعم بعد نهاية العقد الأول تماماً، وفي بداية القرن الجديد.

* هل انتهى الأمر، كما ينتهي عادة، بشعور الترابي أن تلامذته قد خانوه؟

- نعم هذا كان شعوراً واضحاً جداً لدى الترابي الذي كان يعتقد أن بينهم مشروعاً دينياً، وهو على رأس هذا المشروع ولا ينبغي أن يتآمر عليه في الخفاء. هذا المشروع يريد أن يغير التاريخ، أما المؤامرة فلن تغير التاريخ. تلامذته المدنيون والمقربون تآمروا مع العسكريين وفاجأوه فيما عرف في تاريخ السودان بـ«مذكرة العشرة»، وهذه كانت بداية الشرخ والخلاف الحقيقي الذي انتهى بالمفاصلة الشاملة بعد عام.

* متى شعر البشير أن الترابي تحول عبئاً على نظامه؟

- ربما في فترة مبكرة، في 1993، عندما طالب الترابي بحل «مجلس قيادة الثورة» وأن يعود العسكريون إلى الثكنات أو يتنازلوا عن الزي العسكري. فكانت هذه أول مفارقة بين برنامج الترابي الاستراتيجي والحركة الإسلامية من جهة، وطموحات العسكريين الذين تولوا السلطة لسنوات من جهة أخرى.

* بدأت نذر الطلاق باكراً بهذا المعنى؟

- ولكن من شدة التحديات التي كانت تواجههم في الخارج ومن شدة الحصار في الداخل من المعارضة كانوا يعلمون أن توحدهم، بقاءهم معاً على هذه الصورة، هو الضامن لهذا النظام. أي خلاف، مفارقة، مفاصلة، في ذلك التاريخ المبكر، كانت ستذهب بالنظام كله، إضافة إلى أن الترابي كان يتمتع إلى ذلك الوقت بقوة هائلة في تنظيمه حتى في تنظيمه العسكري.

* هل كان جهاز الأمن يتجسس على الترابي مثلاً؟

- كانوا يتجسسون بمعنى أنهم، أو هذا الذي يقولونه، يمارسون مهنتهم، وكان هناك خلاف بيننا وبينهم أن في مكتبه لا ينبغي أن يكون هناك جهاز أمني رسمي، بل ينبغي أن يكون هناك جهاز يحرس الرئيس أو الشيخ حتى من الأجهزة، كما في الغرب. في أميركا هناك أمن خاص بالبيت الأبيض.

* ماذا يخطر في بالك عندما أقول لك اسم جعفر نميري، الرئيس السابق؟

- كان رئيساً قوياً جداً ذا كاريزما عالية، ولكنه كان ديكتاتوراً. أي كما يقول الفيتوري، أنت أيها المبجل في النهاية طاغية. كان ذا كاريزما عالية وشخصية قوية. وسوى شموليته وطغيانه، كان يستعين بالكوادر المؤهلة، أعلى المستويات في النخب كان يأتي بهم وزراء.

الترابي مع النميري

وزارات النميري لم تتكرر، لم يكن قبلها ذلك المستوى ولم يكن بعدها، حتى إن هناك قصة يحكيها رئيس الحرس الجمهوري الذي ذكر أنهم عندما زاروا واشنطن أيام الرئيس رونالد ريغان، اتصل به حاكم ولاية مينيسوتا، وقال له: الرئيس ذكر لي أن وزراء النميري أذكى من سكرتاريتي، فأنا أريد أن أرى هذه الشخصيات الذكية. وكان منهم منصور خالد، وابراهيم منعم منصور، وبدر الدين سليمان، وحسن الترابي. وهذه أسماء كبيرة بالطبع.

* وإذا قلت لك الصادق المهدي؟

- الصادق المهدي كذلك شخصية ذات كاريزما عالية جداً وذكاء وجدية شديدة، ولكنه طبعاً، ولد في بيئة فيها كثير من التقديس للقائد والتوقير له. كان عنده هذا الشعور وكأنما ولد ليكون قائداً، وإذا نظرت إلى شخصيته والبيئة حوله فستجد أن له كل الحق في أن يكون لديه هذا الشعور. لكن تحديات الدولة، تحديات السياسة كانت تقتضي كذلك عنصراً آخر في شخصيته. العنصر المتعلق باتخاذ القرار والحسم. هذا كان يمثل ضعفاً في شخصية الإمام، إذا جاز لي أن أتحدث بصراحة.

المحبوب عبد السلام مع الصادق المهدي (أرشيف المحبوب عبد السلام)

* أنا خرجت بانطباع أنه يصلح للمعارضة أكثر مما يصلح للحكم، هل هذا صحيح؟

- هو يصلح مفكراً ومحاضراً أكثر مما يصلح وزيراً أو رئيساً. هو المستوى الفكري لديه خصب جداً ومقدرته على التعبير ونقل الأفكار كذلك كبيرة، لذلك يعتريك هذا الشعور أنه رجل فكر أكثر مما هو رجل سياسة.

* امتزجت عقود من حياتك بتجربة الدكتور حسن الترابي؟

- نعم.

* على مدى 10 أعوام كنت مديراً لمكتبه؟

- نعم.

* وخارج هذا المنصب، كنت قريباً وشاركت في محطات حساسة؟

- نعم.

* حينما أقول لك حسن الترابي، ماذا يتبادر إلى ذهنك؟

- يتبادر أن هذه شخصية استطاعت أن تحدث تغييراً في التاريخ الخاص ببلدي السودان. البلد كان مؤسساً على قاعدة طائفية، هي التي كانت تمد السياسي بأسباب القوة، حتى أكبر المثقفين ليبرالية لم يكن يستطيع أن يشق طريقه من دون أن ينتمي إلى إحدى الطائفتين بأحزابهما. لكن الترابي استطاع أن يشق طريقاً بين هذين التيارين القويين («الحزب الاتحادي الديمقراطي» بزعامة محمد عثمان الميرغني و«حزب الأمة» بزعامة الصادق المهدي) إلى أن أصبح كأنما هو السيد الثالث بين هذين السيدين اللذين ورثا هذه التركة من السلطة.

المحبوب عبد السلام مع حسن الترابي (أرشيف المحبوب عبد السلام)

* كيف كانت علاقته مع النميري. رأيته وزيراً في عهد النميري ومازحته: ماذا تفعل في عهد النميري؟ فأجابني بابتسامته الشهيرة: إننا نؤسلم النظام خطوة خطوة؟

- نعم، كان هدفه من التحالف مع النميري واضحاً جداً. نظام النميري لم يكن ذا سمعة جيدة عندما انضم إليه الترابي بعد سبع سنوات من حكمه، ولكن الترابي كان مستعداً أن يضحي بأن يظل 7 سنوات في السجون حتى يؤمّن الحركة الاجتماعية لحزبه، لحركته، وكي يؤمن العمل في صفوف الطلاب والشباب والنساء والمجتمع المدني، حتى في القطاعات التقليدية في الزراعة وغيرها. كان يريد أن يؤمن هذه الحركة وأن يبقى مع النميري في قمة السلطة. لكن السياسة فيها الكثير من الحركة.

الترابي نفسه وصف العلاقة مع النميري أو مع النظام بأنها Game (لعبة)، فيها إصابات وفيها «فاول» أخطاء، ولكن على أي حال هي لعبة تمضي بقوانين. النميري كان يعتقد أنهم لن يحكموا قريباً، يحكمون بعد موته، فلا بأس. دع الحركة الاجتماعية تمضي كما هي، والترابي يعلم أن النميري يريد أن يؤمّن نظامه. كثيراً ما كان النميري يداعب الترابي بالتقارير الأمنية، يقول له: سمعنا أنكم عقدتم اجتماعاً كبيراً في منزل فلان وأخبرني عمر الطيب، مدير جهاز الأمن، بما دار في الاجتماع وكذا. فكان يعلم، مع أن الدستور كان ينص على أن هناك حزباً واحداً هو «الاتحاد الاشتراكي»، ولكن الحركة الإسلامية كانت تتمتع بهامش من الحرية أتاح لها أن تبني نفسها، وربما سنوات البناء الحقيقي هي سنوات التحالف مع النميري التي نسميها المصالحة الوطنية.

* وسجن؟

- 7 سنوات.

* كيف كان في السجن؟

- السجن كان بالنسبة له مدرسة. هو وصف السجن بأنه لم يكن يشقى بخلوة قط. كثير من الكتب التي جاء بها من فرنسا وبريطانيا وجعلها مخزنة، قرأها في السجن. يقول إنه قرأ في السجن 400 مجلد في الاقتصاد، وهذا أقل ما قرأ. وكتب نظرية جديدة في أصول الفقه، وكل المعارف النظرية نالها في السجن، إضافة إلى المعرفة العملية التي كانت قبل السجن، إذ أمضى في البرلمان نحو 3 سنوات، ثم في المعارضة كذلك، ثم اعتقل، فكان مهيئاً، خاصة أنه عاش في بريطانيا وأنجز دكتوراه دولة في فرنسا. السجن بالنسبة له كان مدرسة كبيرة جداً، واستثمره إلى أقصى ما يمكن أن يستثمر المرء سنوات الخلوة.

* هل الاحتكاك بالثقافة الأوروبية جعل الترابي مختلفاً داخل الحركة الإسلامية في السودان؟

- وفي العالم كله، وفي العالم العربي تحديداً. يمكن أن نقول إنه أحدث أكثر النسخ رقياً لحركة «الإخوان المسلمين» وأكثرها استجابة لتحديات العصر. الثقافة الغربية فعلاً أثرت، وهناك جانب آخر منه هو التخطيط. هو كان يخطط لحركته مرحلة تلو مرحلة كما وصف في كتابه. قال: كانت هناك مرحلة خمول، دعوة سرية، ثم مرحلة إعداد وبناء، ثم مرحلة تمكين. كان يبني استراتيجياته على هذه المراحل، سيمتد في هذا القطاع على هذا النحو، وسيمتد إلى القطاع الآخر على هذا النحو، ثم يمتد حتى في القوات المسلحة ثم سيستولي على السلطة، ربما سلماً وبالديمقراطية والانتخابات، وربما حرباً أو ثورة وبانقلاب. فكان يخطط لهذا كله، وهذا من أثر الثقافة الغربية.

* كان حلم الانقلاب مبكراً لدى الترابي؟

- بعد أن خرج كل الشعب ضد العساكر في 1964ساد اعتقاد أنهم لن يحاولوا مرة ثانية الاستيلاء على السلطة، وهذا كان رأي عبد الخالق محجوب نفسه أن أكتوبر درس كبير للسلطة العسكرية ولذلك لن تحاول مجدداً. ولكن في 1969، استولى النميري على السلطة.

النميري ضابطاً في القاهرة قبل توليه الرئاسة بـ15 عاماً (أ.ف.ب)

* تتحدث عن عبد الخالق محجوب. هل تكره الشيوعيين السودانيين؟

- لا، لا، لا. لا أكره الشيوعيين.

* هل تعدّ محجوب رمزاً؟

- نعم. من دون أدنى شك، الحزب الشيوعي السوداني حزب وطني حقيقي وقدم إنجازات كبيرة جداً. لكن أنا عندما تحدثت عن النخب تحدثت عن النخب الآيديولوجية. كانت علاقتهم بالاتحاد السوفياتي وبالماركسية كفكرة تعميهم عن كثير من المصالح الوطنية، إضافة إلى أنهم اتخذوا من الزملاء الآخرين في النخبة الحديثة، أي الإسلاميين، عدواً استراتيجياً. اليسار والإسلاميون في السودان كحالة توأمين سياميين، يجب أن يموت أحدهما ليبقى الآخر، يموت أحدهما ليحيا الآخر.

* أنا سمعت من الدكتور الترابي إشادة بمحمد إبراهيم نقد، سكرتير الحزب الشيوعي، وسمعت من نقد الشيء نفسه. إشادة كمحاور مختلف؟

- نعم.

* ما قصة هذه العلاقة وقد توطدت في سجن كوبر؟

- هي علاقة قديمة منذ أيام الدراسة الثانوية في حنتوب.

* ومعهم النميري، الثالث؟

- نعم، ثالثهم النميري. كانوا في المدرسة الثانوية نفسها، في الجزيرة بالسودان. ولكن صحيح، عندما دخل نقد إلى السجن وكان زميلاً للترابي بعد الانقلاب كان في مرحلة متقدمة من النضج الفكري والسياسي والروحي، وكذلك الترابي، فالتقيا بمستوى عالٍ من الخبرة والتجربة. الترابي اقترح عليهم في السجن، على الصادق وعلى نقد وعلى السيد الميرغني، أن يتنازلوا جميعاً عن السياسة ويكونوا حزباً واحداً لا يكونون هم رؤساء وأن يتركوا الأمر للأجيال الجديدة، ولكنهم كانوا يعلمون أن الانقلاب كان وراءه الترابي، فلم يقبلوا هذا المقترح.

* ماذا فعلت ثانوية حنتوب بالسودان؟ أنجبت النميري والترابي ونقد، أبرز ثلاثة لاعبين، ويمكن أن نضيف إليهم الصادق المهدي؟

- نعم، الصادق ليس من حنتوب بل من الخارج. لكن أنا ذكرت في واحدة من دراساتي أن البريطانيين الذين أنشأوا ثانوية حنتوب وعزلوها عن المجتمع أخرجوا جيلاً مولعاً بالمنافسات. تعرف في السودان، نتراتب في الفصول المدرسية، الأول فالثاني فالثالث إلى الأخير، فلهذا نولع بالمنافسة. هذا الولع بالمنصب الأول، بالتفوق، أحدث فتناً كثيرة في النخبة السودانية من تأثير التربية البريطانية وحنتوب.

* أريد أن أسألك عن التنافس بين الترابي والصادق المهدي وهما قريبان؟

- هما صاحبان. دائماً في العلاقة بينهما أتذكر بيت الشعر، الشطر الثاني من بيت شعر المعري، تشابه الأضداد. هما متشابهان جداً في الفكر، كلاهما ينطلق من مدرسة إسلامية، كلاهما يهتم بالحريات، بتحرير المرأة، بالاقتصاد الحر. هذه أفكار أساسية يتفقان فيها، وكانا طبعاً كأنهما حزب واحد، لأنه في أول العلاقة بينهما، كان الصادق متأكداً من زعامته للسودان بما يملك من جمهور لا يضاهى، وكان يظن أن الترابي وبعض المثقفين سينفعون في عملية التحديث في حزب الأمة، التي كان يهتم بها كثيراً. لذلك، كان يتوقع أن أقصى ما يمكن أن يكونه الترابي هو أن يكون وزيراً في إحدى حكوماته.

لكن الترابي كان له طموح آخر. كان يريد أن يؤسس حركة وأن يؤسس هذا التيار الثالث في السودان. ربما لو استمر التكامل بين حزب الأمة والإسلاميين، لشهد السودان تياراً كبيراً يضمن مستوى جيداً من الاستقرار.


مقالات ذات صلة

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

شمال افريقيا جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لمأساة إنسانية تتسع يوماً بعد يوم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا قلق من تأثر حركة التجارة بين مصر والسودان بعد مقتل سائقين مصريين (أ.ف.ب)

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان تطمينات بشأن أوضاع المصريين المقيمين بالسودان

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا البرهان متحدثاً لأهالي مدينة حلفا (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:33

البرهان يفتح باب العودة ويستبعد حمدوك وتحالف «قحت»

رحّب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بعودة السودانيين الراغبين في السلام، والحوار، لكنه استبعد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وقوى «قحت».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز). p-circle

عشرات القتلى بقصف سوق في أبيي... وجوبا تحتج لدى الخرطوم

استدعت وزارة خارجية جنوب السودان سفير السودان لدى جوبا احتجاجاً على هجوم بطائرات مسيَّرة استهدف سوقاً بمنطقة أبيي المتنازعة بين البلدين ومقتل العشرات.

أحمد يونس (كمبالا)

اجتماع جنيف: لا حل عسكرياً في السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
TT

اجتماع جنيف: لا حل عسكرياً في السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)

أكد اجتماع دولي في جنيف أنه لا يوجد «حل عسكري للأزمة السودانية»، داعياً الجيش و«قوات الدعم السريع» إلى هدنة إنسانية عاجلة تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، والانخراط في مسار سياسي شامل ذي مصداقية، مع وقف التدخلات الخارجية التي تؤجج نيران الحرب.

وشدد المشاركون، ممثلو 22 دولة ومنظمات إقليمية ودولية، على حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، ورفض إنشاء حكومات موازية، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته ومؤسساته، محذرين من تفاقم الكارثة الإنسانية ومخاطر امتداد الصراع إلى دول الجوار.

وأكد نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، أن جهود المملكة لوقف الحرب وصون وحدة السودان تستند إلى «إعلان جدة» للالتزام بحماية المدنيين، الموقع في مايو (أيار) 2023، واتفاق وقف إطلاق النار قصير الأمد. وأكد أيضاً دعم الرياض المبادرات الإقليمية والدولية، بما فيها «المجموعة الخماسية»، للتوصل إلى حل سياسي يحفظ سيادة السودان ووحدة أراضيه، ويحقق السلام والاستقرار.


الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
TT

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان وأسواقه ومساجده مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لوجع إنساني يتسع يوماً بعد آخر، في بلد تشير تقديرات رسمية إلى أن الفقر يطول نحو 73 في المائة من سكانه داخل البلاد وخارجها.

وخلف كل يد ممدودة حكاية فَقْد ونزوح وعجز عن توفير لقمة العيش؛ فعامل حرمته الإصابة من القدرة على العمل، وأب أثقل النزوح كاهله، وأم فقدت زوجها لتجد نفسها وحيدة في مواجهة أعباء إعالة أطفالها...ومع تآكل مصادر الدخل وارتفاع تكاليف الغذاء والعلاج والتعليم، يجد هؤلاء أنفسهم أمام خيار قاسٍ: طلب العون من الآخرين، أو ترك أسرهم تواجه الجوع والحرمان.

وهكذا، لم تعد الحرب تسرق البيوت ومصادر الرزق فحسب، بل تدفع مزيداً من السودانيين إلى حافة العوز، حيث تصبح الكرامة الإنسانية نفسها موضع اختبار يومي.تتسع رقعة الفقر في السودان على نحو غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023.

ففي يونيو (حزيران) الماضي، أعلن وزير الموارد البشرية، معتصم أحمد صالح، أن نسبة الفقر بلغت نحو 73 في المائة بين السودانيين داخل البلاد وخارجها، واصفاً النسبة بأنها «صادمة»، وتعكس حجم التدهور الذي خلّفه الصراع المستمر.

وفي السياق نفسه، حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير صدر في أبريل الماضي، من أن استمرار الصراع قد يرفع نسبة الفقر المدقع إلى 60 في المائة من السكان بحلول عام 2030، بما يعادل نحو 36 مليون شخص.

إصابة تسلب عاملاً مصدر رزقه

حركة المتسوقين تناقصت بشكل ملحوظ في الأسواق الشعبية (الشرق الأوسط)

يروي حسين عبد الله لـ«الشرق الأوسط» جانباً من المعاناة التي دفعته إلى التسول بعدما فقد مصدر رزقه بسبب الحرب؛ فقد أدت إصابته بشظايا إلى بتر إحدى يديه، ما حرمه من مواصلة العمل في البناء، الذي كان يوفر له دخلاً يومياً يعين به أسرته.

ومع تضاؤل خياراته وعجزه عن تلبية احتياجات عائلته، وجد نفسه مضطراً إلى مد يده للمارة في السوق، بعدما كان يتمتع بقدر أكبر من الاستقرار المعيشي قبل إصابته.

أما صلاح التيجاني، فقد قادته رحلات النزوح المتكررة بين الولايات والمدن التي هي أكثر أمناً إلى مواجهة أعباء معيشية تفوق قدرته على الاحتمال. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن تأمين الغذاء والسكن أصبح تحدياً يومياً لأسرته، في ظل غياب مورد مالي يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية.

ويضيف أن هذه الظروف اضطرته إلى التسول لتوفير الطعام وتكاليف العلاج والدراسة، في محاولة لتجنيب أفراد أسرته مزيداً من المعاناة.

أرامل في مواجهة العوز

القدرة الشرائية تراجعت بسرعة كبيرة في سنوات الحرب (الشرق الأوسط)

تواجه فاطمة عبد الكريم واقعاً أشد قسوة بعد أن فقدت زوجها خلال الحرب، لتجد نفسها وحيدة في تحمل مسؤولية إعالة أطفالها، من دون مصدر دخل ثابت يلبي احتياجاتهم الأساسية.

وتقول إنها اضطرت إلى التسول لتوفير متطلبات الحياة اليومية، رغم محاولاتها المتكررة الحصول على مساعدة من الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية، لكنها لم تجد ما يعينها على تجاوز محنتها.

وتضيف فاطمة لـ«الشرق الأوسط»، بصوت يمتزج فيه التعب بالأمل، أنها باتت تتجول في الأسواق بحثاً عما يسد رمق أطفالها ويوفر ثمن العلاج، مشيرة إلى أنها تعاني حالياً من الملاريا، ولا تملك سوى ما تجمعه من طلب المساعدة لتغطية تكاليف علاجها.

ولا تخفي فاطمة رغبتها في الخروج من دائرة التسول، التي تقول إنها تتعرض خلالها للمضايقات والاستغلال. وتحلم بالحصول على دعم يمكّنها من إقامة مشروع صغير يوفر لها دخلاً ثابتاً، ويساعدها على إعالة أطفالها بعيداً عن مشقة السؤال، بما يحفظ كرامتها ويمنح أسرتها فرصة لحياة أكثر أماناً واستقراراً.

ومن جهته، يقول عبد اللطيف الحسن، وهو من ذوي الإعاقة الحركية ويتنقل على كرسي متحرك، إن تداعيات الحرب والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة دفعاه إلى طلب المساعدة في الشوارع والمساجد لتأمين احتياجات أسرته اليومية، بما في ذلك متطلبات زوجته وأبنائه الذين يواصلون دراستهم.

ويؤكد أن الحرب فاقمت الضغوط المعيشية على الأسر السودانية، لا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يواجهون تحديات مضاعفة في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف الحياة، ما يجعل تأمين أبسط متطلبات المعيشة معركة يومية.

من التسول إلى بيع الشاي

وتروي فتحية عبد الله، وهي امرأة مطلقة، جانباً من معاناة النزوح والتشرد؛ إذ دفعتها قسوة الظروف إلى التجول في الشوارع ومد يدها للآخرين سعياً إلى توفير لقمة العيش لأطفالها.

لكن وطأة هذه المعاناة دفعتها إلى البحث عن بديل، فقررت العمل في بيع الشاي بإحدى أسواق أم درمان، أملاً في تأمين مصدر رزق يعينها على مواجهة أعباء الحياة.وتقول فتحية لـ«الشرق الأوسط»: «أحياناً لا أجد ثمن وجبة الفطور، فأكتفي بسندويتش طعمية أتناوله في الصباح، وأظل من دون طعام حتى أعود إلى منزلي مساءً».

وتكشف شهادتها جانباً من الضغوط اليومية التي تواجهها الأسر التي فقدت مصادر دخلها؛ إذ لا يقتصر العوز على العجز عن توفير الاحتياجات الأساسية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من وجبة الطعام إلى تكاليف التعليم والعلاج.

الظاهرة انعكاس للانهيار الاقتصادي

جزارة في سوق أم درمان بالعاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

وشددت الباحثة الاجتماعية رندا حسين على ضرورة تعامل المجتمع مع ظاهرة التسول بقدر كبير من التعاطف والمسؤولية، بعيداً عن الإهانة أو التمييز أو افتراض أن جميع المتسولين ينتمون إلى الفئة نفسها.

وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن بعض هؤلاء فقدوا أعمالهم ومنازلهم وشبكات الأمان الاجتماعي، وأصبحوا عاجزين عن توفير أبسط متطلبات الحياة.

وأضافت أن اتساع الظاهرة في زمن الحرب لا يمثل مجرد مشهد لأيدٍ ممدودة في الشوارع، بل يعكس واقع أسر فقدت مصادر رزقها، وأطفال باتوا مهددين بالحرمان من التعليم، وأشخاص دفعتهم الحاجة إلى التخلي عن استقلالهم المعيشي.

وتشير هذه المعطيات إلى أن التعامل مع الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على الحد من انتشارها في الشوارع، بل يتطلب أيضاً معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى التسول، وتوفير بدائل تتيح لهم استعادة قدرتهم على كسب العيش.

تحركات حكومية لمواجهة الظاهرة

وفي ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة بشأن أعداد المتسولين والمشردين، وجّهت وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم بإجراء حصر شامل للمشردين، وتصنيفهم وتحديث بياناتهم، بالتوازي مع تشكيل لجان فنية مصغرة لوضع منهجية متكاملة لمكافحة ظاهرة التسول، وإعداد تصور عملي للتعامل معها ومعالجة أسبابها.

وشدد وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، على ضرورة إطلاق حملات واسعة لمكافحة الظاهرة، قائلاً إنها «لم تعد مجرد تحدٍّ اجتماعي، بل أصبحت ملفاً أمنياً يهدد سلامة مواطني الولاية، ما يتطلب التعامل معها بحزم».

ويضع هذا التوجه السلطات أمام تحدي الموازنة بين تنظيم المجال العام والاستجابة للاحتياجات الإنسانية للفئات التي دفعتها الحرب إلى التسول، خصوصاً في ظل تراجع فرص العمل واتساع دائرة الفقر والنزوح.

الاعتماد على الذات

أصبح حديث الناس الدائم هو الغلاء وارتفاع الأسعار (الشرق الأوسط)

في نهاية المطاف، لا تقف مأساة هؤلاء عند الأيدي التي امتدت طلباً للمساعدة، بل تتجاوزها إلى الحياة التي كانوا يعيشونها قبل أن تنتزع الحرب منهم القدرة على الاعتماد على أنفسهم.

فخلف كل يد ممدودة أب يخشى العودة إلى أطفاله خالي الوفاض، وأم تحاول إخفاء عجزها عن توفير احتياجات صغارها، ورجل أثقلته الإصابة فلم يعد قادراً على ممارسة عمله، وآخرون دفعتهم قسوة النزوح وغلاء المعيشة إلى طرق أبواب لم يعتادوا الوقوف أمامها.

وفي بلد أنهكت الحرب اقتصاده ومجتمعه، لا تبدو هذه الحكايات مجرد حالات فردية من العوز، بل وجوهاً لأزمة إنسانية تتسع، وتضع آلاف الأسر أمام معركة يومية من أجل البقاء؛ إذ لم تعد لقمة العيش وحدها هي التحدي، بل الحفاظ على الكرامة والأمل في حياة أكثر أمناً واستقراراً.


«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
TT

«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)

عاد مصرف ليبيا المركزي إلى واجهة الصراع على قيادة المؤسسات السيادية في ليبيا، بعدما قبلت هيئة رئاسة مجلس النواب استقالة المحافظ ناجي عيسى، وقررت تكليف عضو بمجلس إدارة المصرف بتسيير مهامه مؤقتاً، في خطوة رفضها المجلس الأعلى للدولة، وأثارت اعتراض المصرف نفسه.

وتأتي هذه الخطوة غداة اقتحام مسلحين مقر ديوان المحاسبة في طرابلس، أكبر جهاز رقابي في ليبيا، في محاولة لتمكين مسؤول من تولي منصب وكيل الديوان، بما يعيد استقلال المؤسسات السيادية والرقابية إلى واجهة الانقسام الليبي، ويثير تساؤلات حول قدرتها على مقاومة ضغوط صراعات التعيينات والقيادة.

ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي المقبول استقالته من البرلمان (صفحة المركزي)

وعلى الرغم من مرور نحو عامين على أزمة الإطاحة بالمحافظ السابق الصديق الكبير، عادت الخلافات بشأن قيادة المصرف إلى الواجهة، مع إعلان هيئة رئاسة مجلس النواب، الخميس، قبول استقالة عيسى مبدئياً، وإحالة الأمر إلى المجلس في جلسته المقبلة لاتخاذ القرار النهائي وفقاً للتشريعات النافذة، إلى جانب تكليف فوزي مصباح أبو خزام، عضو مجلس الإدارة، بتسيير مهام المحافظ.

وفي مؤشر على بدء تنفيذ القرار، تداولت وسائل إعلام محلية محضر تسليم وتسلم مهام المحافظ، قالت إنه وُقّع من لجنة تضم أعضاء في مجلسي النواب والأعلى للدولة. وأظهرت تسجيلات مصورة وصول أبو خزام إلى مقر المصرف، وسط استمرار الخلاف بشأن قانونية الإجراء.

غير أن إدارة المصرف المركزي، التي قُبلت استقالتها، أبدت اعتراضاً صريحاً على ما جرى، وأعربت في بيان نشرته عبر الصفحة الرسمية للمصرف على «فيسبوك»، عن «بالغ استنكارها» لدخول قوة وأطراف أخرى إلى المقر، وانتهاك حرمة مكتب المحافظ في غيابه.

وعدّت الإدارة التابعة لناجي عيسى الواقعة تجاوزاً للأصول المؤسسية والإدارية، وإخلالاً بواجب احترام مقاره وصون حرمتها، محمّلاً الجهات التي شاركت فيها أو أسهمت فيها مسؤولية تداعياتها، وفي مقدمتها وزارة الدفاع، بالنظر إلى مسؤوليتها عن حماية المقر وتأمينه.

وفي تصعيد للموقف، أكدت الإدارة التابعة لناجي عيسى عدم تحمله المسؤولية عن الإجراءات، أو التصرفات التي ترتبت على دخول المقر، متمسكاً بحقه في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية مقاره ومكاتبه ووثائقه، ومساءلة المسؤولين عن الواقعة.

رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي خلال لقاء مع رئيس مجلس التخطيط الوطني في بنغازي الخميس (مجلس النواب)

وعلى المسار السياسي، أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه الإجراء، الذي اتخذته هيئة رئاسة مجلس النواب، إذ وجّه النائب الأول لرئيس المجلس، ناجي مختار علي، مراسلة رسمية إلى المحافظ، أكد فيها الاعتراض على قبول الاستقالة، وتكليف أحد أعضاء مجلس الإدارة بتسيير مهامه مؤقتاً.

وتعود بداية الأزمة الحالية إلى أغسطس (آب) الماضي، عندما أعلن عيسى استقالته من منصبه، من دون الكشف عن أسبابها، مكتفياً بالإشارة، في رسالة وجّهها إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة، إلى «حساسية» تلك الأسباب، غير أن مصادر مقربة من المحافظ (المقبول استقالته) ربطت عدوله عن الاستقالة بتسريع تنفيذ اتفاق الإنفاق الموحد، ووقف زيادات الرواتب غير المتناسبة مع الإيرادات، وإقرار إجراءات للحد من تهريب السلع والمحروقات وحماية الاحتياطيات، وهي ملفات ترتبط مباشرة باستقرار المالية العامة وإدارة الموارد.

ومن وجهة نظر اقتصادية، رأى علي الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، أن قبول الاستقالة مبدئياً كان ينبغي أن يعقبه استدعاء المحافظ، والاستماع إلى الأسباب التي دفعته إلى تقديمها، بدلاً من اتخاذ قرار متسرع قبل تحديد طبيعة الأزمة.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وحذّر الشريف من أن استمرار الأسباب، التي دفعت عيسى إلى الاستقالة، سيُبقي تداعياتها قائمة، حتى لو جرى تغيير أكثر من محافظ، مشيراً إلى أن معالجة الأزمة تتطلب التعامل مع مسبباتها، لا الاكتفاء بتغيير المسؤول عن إدارة المصرف.

ويأتي تجدد الخلاف في سياق انقسام سياسي ومؤسسي مستمر منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، مع وجود سلطات متنافسة في شرق البلاد وغربها، وتكرار النزاعات بشأن إدارة المؤسسات العامة وتعيين قياداتها، وسط تعثر جهود توحيد مؤسسات الدولة.

وجاء تعيين عيسى عام 2024 ثمرة لاتفاق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، في محاولة لإنهاء أزمة السيطرة على المصرف المركزي، التي انتهت بإطاحة المحافظ السابق الصديق الكبير، بعد تصاعد الخلاف بشأن صلاحيات التعيين وإدارة المؤسسة النقدية.

وتفجرت الأزمة آنذاك بعدما قرر المجلس الرئاسي تغيير الكبير، وتعيين محافظ جديد، في خطوة رفضها مجلس النواب، قبل أن يتصاعد النزاع إلى إغلاق حقول نفطية وتعطل الإنتاج، وصولاً إلى اتفاق برعاية أممية لاختيار قيادة جديدة للمصرف.

وغير بعيد عن الصراع على قيادة المؤسسات السيادية، استمر توقف العمل في ديوان المحاسبة في طرابلس، الخميس، بعدما حاول مسلحون تمكين مسؤول من تولي منصب وكيل الديوان، وفق وصف المؤسسة الرقابية، التي أعلنت تعليق العمل عقب الواقعة إلى حين توافر الظروف المناسبة والآمنة لمباشرة مهامه الرقابية

واتسعت دائرة الإدانات الدولية لاقتحام مقر ديوان المحاسبة، إذ أدانت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا و27 بعثة دبلوماسية، الخميس، هذا التصرف، داعية إلى إنهاء الوجود المسلح ومغادرة المقر دون تأخير، وتسوية الخلافات بشأن التعيينات القيادية عبر الإجراءات القانونية والمؤسسية.

وسبق الموقف الأوروبي، الأربعاء، تعبير الولايات المتحدة عن قلقها إزاء وجود قوات مسلحة داخل مقر ديوان المحاسبة، مؤكدة أن استقلال المؤسسات الليبية «أمر بالغ الأهمية»، وأنه ينبغي أن تتمكن من أداء مهامها بعيداً عن الترهيب والتهديدات الجسدية.

وتعيد التطورات الأخيرة ملف حماية المؤسسات السيادية والرقابية إلى صدارة المشهد الليبي، مع تزامن النزاع على قيادة المصرف المركزي، والخلاف على المناصب داخل ديوان المحاسبة، بما يضع قدرة التفاهمات السياسية على تحييد هذه المؤسسات عن صراعات النفوذ أمام اختبار جديد.