مجلس الأمن السوداني يرحب بمبادرات السلام ويواصل التعبئة

«بارا» تنزف... جثث على الطرقات وموجات نزوح جماعية ومسيرات تضرب «الفولة»

البرهان خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني (الثلاثاء) (اعلام مجلس السيادة)
البرهان خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني (الثلاثاء) (اعلام مجلس السيادة)
TT

مجلس الأمن السوداني يرحب بمبادرات السلام ويواصل التعبئة

البرهان خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني (الثلاثاء) (اعلام مجلس السيادة)
البرهان خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني (الثلاثاء) (اعلام مجلس السيادة)

رحب مجلس الأمن والدفاع السوداني بالجهود الدولية ومبادرات «بعض الدول والأصدقاء» المبذولة لإحلال السلام، ورفع معاناة السودانيين، بما في ذلك المقترح الأميركي لوقف الحرب الدائرة في السودان، ووجَّه شكره لمستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، على جهوده من أجل السلام في السودان، لكنه أعلن في المقابل مواصلة التعبئة العامة واستنفار الشعب لمواجهة «قوات الدعم السريع».

جانب من اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني (الثلاثاء) (اعلام مجلس السيادة)

وكانت تقرير إعلامية أفادت بأن مجلس الأمن والدفاع السوداني سيدرس، الثلاثاء، مقترحاً أميركياً مسنوداً من المجموعة الرباعية، (الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات المتحدة) يقضي بتوقيع «هدنة إنسانية» لمدة 3 أشهر، تمهد لوقف الحرب في السودان. لكن وزير الدفاع الفريق حسن كبرون لم يشر في بيان صحافي أعقب الاجتماع الذي عقد برئاسة قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لمقترح الهدنة بشكل مباشر، لكنه قال إن المجلس، بحث رؤية السودان للعمل الإنساني، وسبل استعادة الأمن والسلام في البلاد.

ودعا بيان المجلس هو أعلى هيئة عسكرية وسياسية في البلاد في المقابل الشعب السوداني إلى مساندة الجيش ضد الدعم السريع «في إطار التعبئة العامة لإنهاء التمرد»، مؤكداً أن الحكومة ستقدم رؤية لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية واستعادة الأمن والسلام في جميع أنحاء البلاد.

لجنة لإعداد رؤية

وأوضح كبرون أن الاجتماع قرر تكليف لجنة لإعداد رؤية السودان للعمل الإنساني وتحقيق الأمن والسلام في السودان، وأبدى ترحيبه بـ«المبادرات الساعية لتحقيق السلام في السودان»، ووجَّه رسالة شكر لمستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس على جهود الداعمة لمسار السلام في السودان.

وبحث الاجتماع، وفقاً لما أورد وزير الدفاع، «جرائم الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي» التي ارتكبتها «ميليشيا الدعم السريع الإرهابية» في مدينة الفاشر، بحسب الوزير.

كبير مستشاري الرئيس ترمب للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

ويأتي اجتماع المجلس بعد تصريحات حديثة أدلى بها مستشار الرئيس الأميركي، للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، لصحافيين سودانيين في العاصمة المصرية القاهرة يوم الاثنين، أكد فيها أن كلاً من الجيش و«الدعم السريع» «رحبا بهدنة إنسانية»، وأنهما يناقشان التفاصيل الفنية واللوجيستية التي تسبق التوقيع النهائي على الهدنة.

وأجرى بولس سلسلة اجتماعات في القاهرة خلال الأيام الأخيرة، بهدف وضع اللمسات الأخيرة على مقترح الهدنة الإنسانية الذي قُدّم منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، برعاية «المجموعة الرباعية»، التي تضم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة، بهدف التوصل لهدنة في الحرب الدائرة في السودان تتراوح بين 3 إلى 9 أشهر، تعقبها مفاوضات سلام.

مذكرة لقيادات سودانية

وفي ظل جدل «الهدنة الإنسانية»، دفع نحو 200 شخصية قيادية مدنية سودانية بمذكرة حملت اسم «بارقة أمل... في دعم جهود الرباعية لسلام السودان»، لدول الرباعية، دعت فيها لتكثيف الضغوط على طرفي الحرب، من أجل تفاوض يوقف الحرب، وينهي القتال المستمر منذ أبريل (نيسان) 2023.

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أ.ف.ب)

وقال موقِّعو المذكرة في بيان إنهم سلموا المذكرة لوزراء خارجية الرباعية، مع نسخة للأمين العام للأمم المتحدة ومفوض الاتحاد الأفريقي، طالبتهما فيها بتبنِّي خريطة طريق الرباعية واعتمادها من مجلسي الأمن الدولي والسلم والأمن الأفريقي، بما يسمح باتخاذ قرارات ملزمة لحماية المدنيين. ورأى الموقِّعون جهود الرباعية الدولية «بارقة أمل لإطفاء حريق البلاد»، وحثوا طرفي القتال لقبول فوري لوقف العدائيات، وإلى التوقيع غير المشروط لـ«هدنة إنسانية» تمهد لسلام سياسي شامل يعيد للسودان وحدته واستقراره.

«بارا» تنزف

وفي سياق العمليات الحربية، تواصلت حملات النزوح القصرية، من مدن ولاية شمال كردفان (غرب السودان)، ومنها «بارا» و«الأُبيِّض»، في اتجاه مدن بالولاية الشمالية، هرباً من عمليات التنكيل التي تقوم بها عناصر من «قوات الدعم السريع»، وسط حديث بتكدس عشرات الجثث في بارا، حيث يمنع المقاتلون ذوي الضحايا من الاقتراب منها.

شمال كردفان محط الأنظار

ولقي عدد من الأشخاص مصرعهم، وأصيب آخرون بقصف جوي نفذته طائرة مسيَّرة يرجح أنها تابعة للجيش السوداني، استهدفت أحياءً سكنية في مدينة «الفولة» حاضرة ولاية غرب كردفان، وأكدت مصادر موالية للجيش تنفيذ ضربات جوية دقيقة على مواقع تابعة للدعم السريع، أفضت لمقتل قادة كبار.

وأعلنت «شبكة أطباء السودان»، الثلاثاء، أن عشرات الجثث مكدسة داخل المنازل في مدينة بارا بولاية شمال كردفان بوسط البلاد، مشيرة إلى أن «الدعم السريع» تمنع ذوي الضحايا من الاقتراب منها. وقالت الشبكة، في بيان، إنها تتابع بقلق ما يجري في مدينة بارا من جرائم مروعة ترتكبها «الدعم السريع» بحق المدنيين العزل، في مشهد يلخص أبشع صور الانتهاك الإنساني والقتل الممنهج.

وأشارت إلى أن التقارير الميدانية تفيد بأن «عشرات الجثث مكدسة داخل المنازل بعد أن منعت (الدعم السريع) ذوي الضحايا من دفنهم، ليبقى الموتى محاصرين في بيوتهم، والأحياء محاطين بالرعب والجوع والعطش»، لافتة إلى تزايد أعداد المفقودين يومياً، مع انقطاع كامل للاتصالات وانعدام أي وجود طبي أو إنساني فاعل في المدينة.

جانب من الدمار الذي ألحقته في وقت سابق مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض بإقليم كردفان (متداولة)

وأضافت أنه «في ظل هذا الجحيم، تتواصل موجات النزوح الجماعي من بارا في ظروف بالغة القسوة، حيث يفر المدنيون سيراً على الأقدام نحو المجهول، دون غذاء أو دواء أو مأوى، بينما تنهار الخدمات الصحية تماماً، وتنتشر الأمراض وسوء التغذية بين الأطفال والنساء وكبار السن».

وأكدت «شبكة أطباء السودان» أن «ما يحدث في بارا جريمة ضد الإنسانية بكل المقاييس، واستمرار الصمت الدولي تجاهها يمثل تواطؤاً مخزياً». وطالبت الشبكة الأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية والطبية، والمجتمع الدولي كافة، بالتحرك الفوري والجاد لوقف هذه الانتهاكات، وفتح ممرات آمنة للمدنيين، من دفن موتاها بكرامة.

وفي هذه الأثناء، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو إلى وقف فوري للعنف في السودان، محذراً من تدهور الوضع، بينما حض طرفي النزاع إلى التفاوض. وقال غوتيريش على هامش القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في الدوحة: «ضعوا حداً لكابوس العنف هذا الآن»، مضيفاً: «أدعو القوات المسلحة السودانية و(قوات الدعم السريع) للعمل مع مبعوثي الشخصي إلى السودان، (رمطان لعمامرة) للتوصل إلى تسوية تفاوضية... أقبِلوا على طاولة المفاوضات».

وأضاف أن الأمم المتحدة تلقت «تقارير موثوقاً بها عن عمليات إعدام واسعة النطاق وهجمات عشوائية على المدنيين والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات، فضلاً عن حالات عنف قائمة على النوع الاجتماعي والعرق».

مسيرات تستهدف «الفولة»

في سياق ثانٍ، نقلت مصادر محلية أن مسيرة استهدفت أحياءً سكنية بمدينة «الفولة» عاصمة ولاية غرب كردفان، أدى الاستهداف لمقتل عدد من المواطنين، وإصابة آخرين بجراح متفاوتة، وإلى تدمير منازل ومحلات تجارية، لكن الجيش لم يعلق على الخبر رسمياً بعد. وحملت جهات مناوئة للجيش المسؤولية عن القصف، ووصفته بأنه «جريمة حرب»، وبثوا مقاطع فيديو وصوراً لأشخاص قالوا إنهم الضحايا.

بيد أن مؤيديه ذكروا أن «سلاح الجو» نفذ ضربات دقيقة، الأحد، على مواقع تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في منطقة «أبو زبد» القريبة، وزعموا أنها أفضت إلى مقتل قادة بارزين في «الدعم السريع»، ودمرت مركبات قتالية.

من جهة أخرى، زعمت «قوات الدعم السريع»، أنها أسقطت طائرة عسكرية من طراز «إليوشن» روسية الصنع، تابعة للجيش في سماء مدينة «بابنوسة» بولاية غرب كردفان، صباح الثلاثاء، ومصرع طاقهما، دون صدور ردود فعل رسمية من الجيش.

وتحاصر «قوات الدعم السريع» الفرقة 22 التابعة للجيش في مدينة بابنوسة، وتقطع عنها الإمداد منذ أكثر من عام، ونقلت مصادر عسكرية، الأيام الماضية، عن تنفيذ الجيش لعمليات إسقاط جوي للجنود المحاصرين خلال الأيام الماضية، وآخرها ما حدث يوم الثلاثاء.

وعادة ما يستخدم الجيش السوداني طائرات النقل الجوي من طراز «إليوشن» و«أنتنوف» في عمليات الإسقاط الجوي، وإلقاء البراميل المتفجرة على خصومه، ووثقت تقارير صحافية سابقة أن «الدعم السريع» أسقطت عدداً منها؛ ما أضعف قدرتها على توصيل المؤن لجنودها المحاصرين في عدد من المناطق.


مقالات ذات صلة

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

شمال افريقيا حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

يعاني كثير من السودانيين صعوبات بالغة في الحصول على الخبز بعد أن أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) التي توفر الوجبات لآلاف الأسر في الخرطوم، إلى التوقّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب نقص الدعم من المنظمات والخيِّرين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا الأمين العام للجامعة العربية مستقبلاً وزير خارجية السودان الثلاثاء (الجامعة)

السودان يطالب الجامعة العربية بالتحقيق في «هجمات الجوار»

طالب السودان جامعة الدول العربية، الثلاثاء، بالمشارَكة في الإشراف على تحقيق دولي في هجمات تنطلق من دول بالجوار.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا مبنى متضرر جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أ.ف.ب)

تجدد المعارك البرية في النيل الأزرق وكردفان

تجددت المعارك البرية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في النيل الأزرق وكردفان، وأعلن تحالف «تأسيس» سيطرته على قاعدة «سالي» الاستراتيجية.

أحمد يونس (كمبالا)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
TT

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

تروي السودانية سوسن محمود في العاصمة السودانية، حيث أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود، أنها باتت توفر مجموع راتبها وراتب زوجها الشهري فقط لشراء الخبز. وتقول سوسن (44 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الوضع أصبح لا يحتمل. لقد خفضنا كمية الخبز التي نتناولها، وأصبحنا نأكله في وجبة واحدة فقط»، مضيفة: «علينا توفير 900 ألف جنيه شهرياً (88 دولاراً) لشرائه. وهذا تقريباً راتبي وراتب زوجي».

مواطن من أم درمان في رحلته اليومية مع طفليه للحصول على الماء (رويترز)

* مخاوف من انتشار المجاعة

تضاعف سعر رغيف الخبز في العاصمة السودانية من 250 إلى 500 جنيه (من 0,25 سنت من الدولار إلى 0,50 سنت)، خلال الأسبوع الماضي، في ارتفاع غير مسبوق. وباتت عائلات سودانية كثيرة لا تتحمّل تكلفته، فيما تتصاعد التحذيرات الدولية من احتمال انتشار المجاعة في أنحاء البلد، الذي يعاني 20 مليوناً من سكانه من انعدام حاد في الأمن الغذائي. من جهتها، تقول عبير محمد بعد أن اشترت خبزاً من أحد المخابز القليلة، التي لا تزال تعمل في الخرطوم: «في السابق كنّا نأكل الخبز في جميع وجبات اليوم، الآن لا يمكننا ذلك». ويستورد السودان معظم احتياجاته من القمح، الذي يتأثر سعره سريعاً بتدهور العملة المحلية. وخلال الشهر الماضي، سجّلت العملة السودانية تراجعاً بنسبة 25 في المائة أمام الدولار، في انخفاض قياسي ليصل سعر العملة الخضراء إلى أكثر من 10500 جنيه سوداني في ذروة ارتفاعه، قبل أن يستقرّ عند 10200 جنيه الأربعاء. علماً بأن الدولار كان يساوي 500 جنيه قبل الحرب.

يعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة (رويترز)

* غياب الطحين

داخل مخبز يملكه محمد الفاتح في الخرطوم، يخلط العمال الطحين مع الماء والخميرة لتشكيل عجينة سميكة، يقسمونها إلى أقراص مستديرة، ثم يدخلونها الفرن باستخدام ألواح خشبية طويلة، وتتحوّل العجينة في دقائق إلى خبز تقليدي يشكّل جزءاً أساسياً من وجبات السودانيين. يقول الفاتح: «أغلقت مخابز كثيرة لأنه لا يوجد طحين في السوق». ويضيف: «يمكن أن تنتظر ليوم أو يومين كاملين في مركز توزيع (الطحين)، ثم تعود بخفي حُنين». في حي الأزهري بجنوب العاصمة، يجد متوكل أحمد بابكر صعوبة في تشغيل مخبزه، بعد أن تضاعف سعر الطحين، «بالإضافة إلى قطع الكهرباء، ولذلك أصبحنا مضطرين لشراء الوقود للمولد». يقول بابكر: «أغلب الظن سأغلق المخبز. نبيع رغيف الخبز بـ500 جنيه، وهذا أقلّ من تكلفته، لكن لا يمكنني رفع السعر بسبب أوضاع الناس». وتعاني العاصمة الخرطوم ومناطق شرق السودان من انقطاع واسع للتيار، بعد هجمات بمسيّرات استهدفت محطات الكهرباء نهاية الشهر الماضي، وأخرجتها عن العمل.

طفل سوداني يعاني من سوء تغذية حادة داخل أحد المخيمات المخصصة للاجئين السودانيين (رويترز)

وفي أنحاء الخرطوم، عاد السودانيون للاصطفاف خارج المطابخ العامة (التكايا) انتظاراً للوجبات المجانية، بعد أن توقف الكثير منها عن العمل، بعد سيطرة الجيش على العاصمة وإخراج «قوات الدعم السريع» منها في مارس(آذار) 2025. وحذّرت غرفة طوارئ أمبدة في أم درمان بالخرطوم، التي تنسّق عمل التكايا في المنطقة، من اتساع «دائرة الاحتياج لتطول آلاف الأسر والنازحين»، كما حذّرت من «شحّ في المواد الغذائية وغلاء الأسعار، ما يجعل الحصول على وجبة يومية واحدة حُلماً». وبلغت معدّلات الفقر في السودان 80 في المائة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فيما أعلنت الحكومة أنها تستهدف خفض التضخم إلى ما دون 60 في المائة مع نهاية 2026، بعد أن بلغ 99 في المائة العام الماضي.

* «لا وقود»

خارج الخرطوم، يصل جزء كبير من إمدادات القمح على شكل مساعدات إغاثية، غير أن نقص الوقود وارتفاع أسعاره، إضافة إلى قطع الطرق جراء المعارك، يحول دون وصول المساعدات. وقسّمت الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 البلاد إلى مناطق نفوذ، إذ يسيطر الجيش على الخرطوم ومدن وسط السودان وشرقه، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على كامل إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب. ويعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة، حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة، حذّرت أيضاً من إمكانية توسّعها إلى ثمانية مدن بحلول عام 2027. وأسهم انخفاض قيمة العملة في تراجع قدرة الخرطوم على شراء الوقود، التي تستورد معظم احتياجاتها منه. يقول الموظف الحكومي ياسر محمد إنه أمضى يومه واقفاً في طابور في الخرطوم من أجل شراء الوقود من دون طائل. مضيفاً: «أقف منذ السادسة صباحاً خارج المحطة، وقد حانت الرابعة ولم أحصل على بنزين، وقد تغيبت عن العمل اليوم».

بلغت معدّلات الفقر في السودان 80 % وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء (رويترز)

وحذّر بيان وزاري وقّع عليه وزراء خارجية أوروبيون وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الأسبوع الماضي من أن أكثر من 19 مليون شخص (أي 41 في المائة من السكان) في السودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بما في ذلك خمسة ملايين يواجهون مستويات طارئة».

في إحدى أسواق أم درمان، حيث بدت حركة البيع والشراء متباطئة، يقول الموردي عوض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بينما يشتري احتياجاته: «انخفضت القيمة الغذائية للوجبة». ويضيف: «سعر الكيلوغرام من اللحم بات يتراوح بين 50 و70 ألف جنيه (5 إلى 7 دولارات)، وإن كان في استطاعتك في السابق شراء كيلوغرامين من اللحم، فسوف تشتري اليوم 125 غراماً فقط».


إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
TT

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين، بسبب اتهام كل طرف للآخر بدعم خصومه.

ويتهم السودان إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية، في حين تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم المتمردين في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.

وأثارت الاتهامات المتبادلة، التي ينفيها الطرفان، مخاوف من تداخل الحرب في البلدين، ما ‌قد يؤدي إلى ‌اتساع رقعة الصراع في القرن ​الأفريقي.

وقالت ‌الحكومة ⁠السودانية، ​يوم الأحد، ⁠إنها قدمت شكوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، متهمةً إياها بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها في إطلاق طائرات مسيّرة ملغومة لاستهداف البنية التحتية المدنية في السودان.

ولم يرد ⁠المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي ‌على طلب من «رويترز» ‌للتعليق.

وقال المسؤول الإثيوبي الكبير إن ​بلاده أمرت 6 ‌من موظفي القنصلية السودانية في بلدة أصوصا الحدودية ‌بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة، دون أن يذكر سبب هذا القرار. وطلب المسؤول عدم نشر اسمه نظراً لحساسية الأمر.

وتنفي أديس أبابا مساعدة «قوات الدعم ‌السريع» في السودان.

وكشفت بيانات الأمم المتحدة أن الحرب الأهلية في السودان ⁠أدّت إلى ⁠نزوح أكثر من 14 مليون شخص، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ اندلاعها في أبريل (نيسان) 2023.

واتهمت إثيوبيا كلاً من السودان ومصر وإريتريا بدعم متمردي تيغراي، الذين شنّوا هجوماً على القوات الحكومية في سبتمبر (أيلول). ونفت الدول الثلاث هذه الاتهامات.

وقال أمجد فريد، مستشار «مجلس السيادة الانتقالي» السوداني للشؤون السياسية والخارجية، إن الحكومة السودانية ملتزمة بحقها ​في الدفاع عن أراضيها، ​لكنها تبذل كل جهد ممكن لتجنب اندلاع حرب مفتوحة مع إثيوبيا.


هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
TT

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي، يعود النفط إلى واجهة النقاش، بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها، في ظل مقترح فرنسي بـ«حظر تصديره» أثار اعتراضات مسؤولين وخبراء ليبيين.

وتعتمد ليبيا على النفط كمورد رئيسي في الإنفاق، عبر تغطية نحو 82 في المائة من الإنفاق العام، بينما يبلغ الإنتاج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق الأرقام المتداولة، في بلد دأب على الاعتماد على هذا المورد الحيوي، منذ تصدير أول شحنة من ميناء البريقة قبل 65 عاماً.

يعود النفط إلى واجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها (المؤسسة الوطنية للنفط)

وطرح «معهد البحوث من أجل التنمية الفرنسي» أخيراً فكرة الرهان على «ورقة النفط» في تمويل الدولة. ويفترض هذا الطرح أن «تعطيل المورد الرئيسي لمدة شهر سيدفع القوى الليبية المتنافسة إلى مراجعة حساباتها، وسيجبر الأفرقاء الليبيين على الجلوس معاً لحل خلافاتهم، بما يعني أن الضغط الاقتصادي قد يدفع الأطراف إلى التفاوض، بعدما تتقلص الموارد المتاحة».

لكن مقترح حظر تصدير النفط أثار تساؤلات حول الجهة التي ستتحمل تكلفة الحظر، ومدى القدرة على توظيفه كورقة ضغط لدفع القوى المتنافسة إلى تسوية سياسية.

ورفض وزير النفط الليبي السابق محمد عون استخدام الصادرات النفطية كأداة للضغط السياسي، معتبراً أن الحظر «لن يحقق الغاية المعلنة منه، بل سيفاقم معاناة المواطنين، الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وصعوبة الأوضاع المعيشية». ورأى أن «معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى أسبابها السياسية والاقتصادية، بدلاً من تعطيل المورد الرئيسي للدولة».

وزير النفط الليبي السابق محمد عون (الوزارة)

وأوضح عون لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة الليبية تتجاوز الخلافات المحلية إلى تدخل قوى إقليمية ودولية في شؤون البلاد»، مستشهداً بما كشفته تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن الفساد الاقتصادي. وانتقد صمت دول كبرى عن التجاوزات، عازياً ذلك إلى تشابك مصالحها مع أطراف ليبية نافذة.

من جهته، لا يرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي أن المبادرات الدولية «كافية وحدها لحل الأزمة؛ فالبعثة الأممية واجتماعات برلين وفرت آليات متعددة لإدارة الصراع، لكنها لم تنجح في إنهاء الانقسام». ويعتقد أن «أي تحرك جديد لن يحقق اختراقاً دون تغيير أسلوب التعامل مع جذور الأزمة، وفي مقدمتها الفساد وضعف الرقابة».

وسبق أن خلص فريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، في تقريره النهائي الصادر في مارس (آذار) 2026، إلى أن «جهات مرتبطة بجماعات مسلحة وسّعت نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة الوطنية للنفط، عبر العنف والتدخل في صنع القرار والضغط الاقتصادي».

وهنا تحذر مديرة إدارة التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، من أن وقف الصادرات قد يدفع إلى مزيد من تهريب النفط، وبيعه خارج المنظومة الرسمية، بما يفاقم الخسائر ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها. ويحمل هذا الاحتمال خطراً إضافياً يتمثل في تعميق انتقال جزء من النشاط النفطي إلى مسارات يصعب إخضاعها للرقابة الرسمية، بحسب البشتي.

رفض وزير النفط الليبي السابق استخدام صادرات النفط أداةً للضغط السياسي بحجة أن القرار سيفاقم معاناة المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

وسبق أن رصد تقرير خبراء الأممي تهريب الوقود داخلياً عبر تحويل شحنات مخصصة للاستهلاك المحلي والكهرباء إلى مسارات غير مشروعة، وخارجياً عبر تصدير نحو مليون طن من المشتقات النفطية من موانئ ليبية، بينها 578 ألف طن من الديزل.

وبحسب البشتي، فإن «فرض الحظر سيضر بالمواطنين أكثر من الأطراف المتصارعة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن تداعياته «قد تكون أشد وطأة مما شهدته دول، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، بالنظر إلى الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعانيه ليبيا».

ويكتسب النقاش حول المقترح الفرنسي أهمية بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يمثل السوق الرئيسية للنفط الخام الليبي بين الجهات المستوردة، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التي أوردتها وكالة «إيكوفين».

وبالتوازي مع رفض فرض حظر على صادرات النفط، تبرز بدائل أخرى لمعالجة الاختلالات القائمة، إذ يرى عون «ضرورة مكافحة الفساد، وإبعاد المتورطين فيه عن مواقع النفوذ»، وحذر من أن «استمرار الصراع على الثروة يفتح المجال أمام مزيد من النهب، وسوء إدارة الموارد العامة».

ومن وجهة نظره، لا يمكن تحويل النفط إلى مدخل لتسوية سياسية، من دون معالجة آليات استغلال عائداته.

أما البشتي فإنها ترى «ضرورة إصلاح القطاع النفطي الليبي، وإعادة هيكلته على أسس مهنية، بدلاً من حظر تصديره، بل وإبعاده عن التجاذبات السياسية وتدخل أصحاب النفوذ، مع إسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، وضمان استقلال القرارات الفنية والإدارية عن المحاصصة وموازين القوى المتنافسة»، مبرزة أن هذه الحلول «لن تأتي بها السلطات القائمة في شرق البلاد وغربها، بل تحتاج ربما إلى إرادة وتحرك من شخصيات وطنية حقيقية للحل، بعيداً عن الوجوه المتصدرة للمشهد الليبي».