الأُبَيِّض... عاصمة الصمغ العربي هل هي الهدف التالي لـ«قوات الدعم السريع»؟

السودان على مشارف موجة ثالثة من الحرب أشد ضراوة

TT

الأُبَيِّض... عاصمة الصمغ العربي هل هي الهدف التالي لـ«قوات الدعم السريع»؟

نازحون سودانيون فرّوا من الفاشر بعد سقوط المدينة في أيدي «قوات الدعم السريع» يستريحون بالقرب من بلدة طويلة بمنطقة دارفور غرب السودان في 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون فرّوا من الفاشر بعد سقوط المدينة في أيدي «قوات الدعم السريع» يستريحون بالقرب من بلدة طويلة بمنطقة دارفور غرب السودان في 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

بسقوط مدينة الفاشر في شمال دارفور، غرب السودان، الأحد الماضي، تكون «قوات الدعم السريع» قد استحوذت على معظم الإقليم بولاياته الخمس، ما عدا أجزاء صغيرة من الأراضي، في أقصى الشمال الغربي، ينتشر فيها الجيش السوداني و«القوة المشتركة» المتحالفة معه، بعد انسحابهما من الفاشر، ورقعة محدودة تتمركز فيها قوات «حركة تحرير السودان»، بقيادة عبد الواحد النور، في محيط جبل مرة غرب دارفور، لكن حتى هذه المناطق تعدها «الدعم السريع» خاضعة لنفوذها، باعتبارها القوة العسكرية الكبرى في الإقليم.

وعلى ضوء هذه التطورات الميدانية المتسارعة، والتي وُصفت بأنها تمثل نقطة تحول في مسار الحرب الدائرة بين الجيش و«الدعم السريع»، تغيرت خريطة السيطرة في دارفور وكردفان لصالح الأخيرة، وتنبئ تلك المؤشرات إلى أن المشهد في السودان يبقى مفتوحاً على كل الاحتمالات، بما في ذلك موجة من القتال أشد ضراوة وفظاعة، ظهرت ملامحها في الفاشر أخيراً.

هذا التموضع العسكري الجديد لـ«قوات الدعم السريع» في شمال دارفور، يهدد بنقل الحرب إلى ولايات في عمق شمال ووسط البلاد خاضعة لسيطرة الجيش، منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عامين ونصف العام، وسبق أن كشف كبار القادة في «الدعم السريع» عن أن تلك المناطق في قائمة بنك أهدافهم العسكرية.

هل الأُبَيِّض في خطر؟

في الأيام الماضية تقدمت «قوات الدعم السريع» في شمال كردفان وسط البلاد، واستولت على مدينة بارا الاستراتيجية، التي تبعد نحو 40 كيلومتراً شمال عاصمة الولاية الأُبَيِّض، وتمددت انتصاراتها لتشمل منطقتَي «أم دم حاج أحمد» و«الزريبة» (على الشمال الغربي للأُبيِّض)، وبدأت في مناوشات لإسقاط مدينتَي الرهد (جنوب الأُبَيِّض) وأم روابة (شرق الأُبَيِّض)، لتطويق مدينة الأُبيّض من الجهات الأربع قبل اقتحامها.

في الوقت الراهن، تُعد مدينة الأُبيّض المقر الرئيسي لغرفة التحكم والسيطرة لقيادة الأعمال القتالية واللوجستية للجيش السوداني، وتقع جغرافياً في وسط البلاد تقريباً، ويتخذ منها الجيش مركزاً متقدماً وقاعدة عسكرية لشن هجماته على «الدعم السريع» في شمال وغرب ولاية كردفان، التي كانت تمثل المعبر البري الوحيد لاستعادة الفاشر قبل سقوطها.

حال سقوط الأُبيّض التي تبعد نحو 600 كيلومتر عن العاصمة الخرطوم، وفق ما تظهر الخطط المكشوفة لـ«الدعم السريع»، يصبح الطريق مفتوحاً أمام قواتها للتقدم نحو مدينة أم درمان، ثاني كبرى مدن العاصمة السودانية، والسيطرة عليها مرة ثانية، وهو هدف صرح به قادة «الدعم السريع» مراراً وتكراراً، وبنيتهم تنفيذ اجتياح كامل البلاد.

وتعد الأُبَيِّض من أهم وأكبر مدن السودان؛ إذ تشتهر بأكبر سوق للمحاصيل النقدية في السودان، وبها أكبر بورصة للصمغ العربي في العالم. وتعد ملتقى طرق مهمة، ومركزاً تجارياً وزراعياً بارزاً. كما يمر عبرها خط أنابيب النفط الممتد من الجنوب نحو الشرق إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر. وقد اتخذتها بعثة الأمم المتحدة في السودان مقراً لقاعدتها اللوجستية. وتُعرف الأُبَيِّض لدى السودانيين بلقب «عروس الرمال».

المهمة الصعبة

ومع إرهاصات توغل «الدعم السريع» وحشدها قوات كبيرة في شمال كردفان، رصدت تقارير حديثة لمنظمة الهجرة الدولية موجات نزوح المواطنين بالآلاف من مدينتَي بارا و«أم دم حاج أحمد»، متوجهين إلى الخرطوم وولاية النيل، هرباً من الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها من قبل «قوات الدعم السريع»، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن مدينة الأُبيّض تشهد أيضاً حركة نزوح ملحوظة، تحسباً لتكرار سيناريو انسحاب الجيش من الفاشر.

نازحون سودانيون يتجمعون بعد فرارهم من مدينة الفاشر في بلدة طويلة بالسودان (رويترز)

ولكن هل ستكون المهمة سهلة في كردفان؟ يقول اللواء المتقاعد كمال إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»: «لا توجد معركة سهلة قطعاً»، مشيراً في هذا الصدد إلى القتال العنيف الذي دار في مدينة الفاشر، وحصارها لأكثر من عام ونصف العام، قبل أن يحدث الانهيار الكامل والقتل والموت والدمار الكبير الذي لحق بالمدينة.

وأضاف: «ستكون معركة الأُبيّض كارثة أكبر مما حدث في الفاشر، إذا حدثت». وقال إسماعيل: «لا يوجد منتصر في الحرب، حتى لو سقطت مدينة الأُبيّض في يد (قوات الدعم السريع)، لا يعني هذا نهاية المعارك، وإنما بداية لمعارك كبيرة، تنتقل من منطقة لأخرى، وتهدد بتشظّي السودان».

وتابع: «آن الأوان لوقف الحرب والعدائيات في كل مناطق القتال، وأن يتوجه الطرفان لوضع السلاح، والانخراط في مبادرة آلية (الرباعية الدولية) لاستعادة الأمن والاستقرار في البلاد».

ونقلت صحيفة «سودان تربيون» المستقلة عن مصادر عسكرية، أن قيادة هيئة أركان الجيش السوداني أرسلت مجموعة من كبار القادة العسكريين إلى غرفة العمليات المركزية في مدينة الأُبيّض، في حين يبدو أنه تغيير جديد في خطة إدارة الحرب.

ولا يزال الجيش السوداني يسيطر على كامل ولاية الخرطوم بمدنها الثلاث (الخرطوم، والخرطوم بحري، وأم درمان)، والولايات الشمالية ونهر النيل في الشمال، وولايات الإقليم الشرقي الثلاث، وفي الوسط يسيطر على ولاية الجزيرة، بالإضافة إلى ولايات النيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

ولم يتبقَّ للجيش في ولاية غرب كردفان سوى «الفرقة 22 مشاة» في مدينة بابنوسة، وتقع تحت حصار شديد من «قوات الدعم السريع» لأكثر من عامين متتاليين، ونزح جميع سكان المدينة إلى المناطق المجاورة.

مخاوف دولية

وبث اكتساح «قوات الدعم السريع» للفاشر مخاوف إقليمية ودولية من تقسيم السودان إلى إقليمين بحكومتين تتنازعان الشرعية في بلد واحد، على غرار ما حدث في ليبيا. هذه المخاوف عبّر عنها كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، في مقابلة نُشرت بـ«الشرق الأوسط»، محذراً من تداعيات الإقدام على هذه الخطوة على كل المنطقة، ولم يخفِ امتداد تأثيرها إلى الأمن المائي في البحر الأحمر، الذي عدّه خطاً أحمر لمصالح بلاده.

هذا السيناريو لم يكن مستبعداً حدوثه، من ضمن سيناريوهات أخرى بديلة كان يُتوقع أن يفرزها تطاول أمد النزاع المسلح في السودان، لكن في أعقاب التطورات العسكرية الأخيرة بسقوط الفاشر، يبدو أن هذا السيناريو أقرب إلى التحقيق على الأرض أكثر من أي وقت مضى، على الرغم من رفض المجتمع الدولي بالإجماع لوجود سلطة موازية في السودان.

قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) في خطابه الأخير، عقب استيلاء قواته على الفاشر، قال بشأن الحديث عن أن «تحرير الفاشر» بداية لانقسام السودان، إنه «رواية خرجت من غرف جهاز استخبارات الجيش السوداني»، مشيراً إلى أن الفاشر يمكن أن تُعد نقطة تحول استراتيجية لوحدة السودان «سلماً أو حرباً»، مردفاً: «من يتحدثون عن التقسيم لا يقرأون المشهد بشكل صحيح، لن نقبل أي نقاش عن تفتيت وحدة السودان».

وقال ضابط في الجيش السوداني متقاعد برتبة رفيعة، إن الفاشر مدينة استراتيجية وشديدة الأهمية من ناحية «الجيوبوليتيك العسكرية»؛ لذا تحاول «الدعم السريع» صرف الأنظار بنقل المواجهات إلى كردفان، وهو ما يحدث حالياً، والشروع في تنفيذ مخططاتها العسكرية الأخرى. وأضاف الضابط الذي فضّل عدم ذكر هويته، أن «سقوط الفاشر لا يعني أن المعركة حُسمت بشكل نهائي لصالح (الدعم السريع). من المؤكد أن للجيش خططه العسكرية التكتيكية والاستراتيجية لخوض معارك طويلة في كردفان، وقطعاً لا تستثني هذه الخطط استعادة ولايات دارفور».

وأوضح أن الحرب «كرّ وفرّ»، وأن «خسارة مدينة أو استعادتها واردة في الحرب، وقد تتغير الأوضاع على الأرض في أي وقت لصالح أحد الأطراف».

وكان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، صرح عقب انسحاب قواته من الفاشر بأن القوات المسلحة قادرة على «قلب الطاولة»، وتحقيق النصر على «الدعم السريع» في كل البلاد.

ومع استبعاد أن تنتهي الحرب عبر الحسم العسكري لأحد طرفَي النزاع، وهو موقف مجمع عليه دولياً، بسبب طبيعة الحرب المتشابكة والتدخلات الخارجية، يعود سيناريو «حارِب وفاوِض» إلى واجهة المشهد، وهو أن يسعى كل طرف إلى أن يُحدث تغييراً في موازين القوى على الأرض بشكل جذري، يدفع باتجاه وقف الحرب عبر طاولة المفاوضات.


مقالات ذات صلة

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

شمال افريقيا حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

يعاني كثير من السودانيين صعوبات بالغة في الحصول على الخبز بعد أن أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) التي توفر الوجبات لآلاف الأسر في الخرطوم، إلى التوقّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب نقص الدعم من المنظمات والخيِّرين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)

تصعيد دبلوماسي إثيوبي ضد السودان يشعل توترات «القرن الأفريقي»

أجج قرار إثيوبي بإغلاق قنصلية سودانية في مدينة أصوصا الحدودية، حسب تأكيدات مصادر سودانية، التوتر مع دول الجوار.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

اجتماع رباعي مصري - سوداني جديد احتضنته القاهرة برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة )

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
TT

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

تروي السودانية سوسن محمود في العاصمة السودانية، حيث أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود، أنها باتت توفر مجموع راتبها وراتب زوجها الشهري فقط لشراء الخبز. وتقول سوسن (44 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الوضع أصبح لا يحتمل. لقد خفضنا كمية الخبز التي نتناولها، وأصبحنا نأكله في وجبة واحدة فقط»، مضيفة: «علينا توفير 900 ألف جنيه شهرياً (88 دولاراً) لشرائه. وهذا تقريباً راتبي وراتب زوجي».

مواطن من أم درمان في رحلته اليومية مع طفليه للحصول على الماء (رويترز)

* مخاوف من انتشار المجاعة

تضاعف سعر رغيف الخبز في العاصمة السودانية من 250 إلى 500 جنيه (من 0,25 سنت من الدولار إلى 0,50 سنت)، خلال الأسبوع الماضي، في ارتفاع غير مسبوق. وباتت عائلات سودانية كثيرة لا تتحمّل تكلفته، فيما تتصاعد التحذيرات الدولية من احتمال انتشار المجاعة في أنحاء البلد، الذي يعاني 20 مليوناً من سكانه من انعدام حاد في الأمن الغذائي. من جهتها، تقول عبير محمد بعد أن اشترت خبزاً من أحد المخابز القليلة، التي لا تزال تعمل في الخرطوم: «في السابق كنّا نأكل الخبز في جميع وجبات اليوم، الآن لا يمكننا ذلك». ويستورد السودان معظم احتياجاته من القمح، الذي يتأثر سعره سريعاً بتدهور العملة المحلية. وخلال الشهر الماضي، سجّلت العملة السودانية تراجعاً بنسبة 25 في المائة أمام الدولار، في انخفاض قياسي ليصل سعر العملة الخضراء إلى أكثر من 10500 جنيه سوداني في ذروة ارتفاعه، قبل أن يستقرّ عند 10200 جنيه الأربعاء. علماً بأن الدولار كان يساوي 500 جنيه قبل الحرب.

يعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة (رويترز)

* غياب الطحين

داخل مخبز يملكه محمد الفاتح في الخرطوم، يخلط العمال الطحين مع الماء والخميرة لتشكيل عجينة سميكة، يقسمونها إلى أقراص مستديرة، ثم يدخلونها الفرن باستخدام ألواح خشبية طويلة، وتتحوّل العجينة في دقائق إلى خبز تقليدي يشكّل جزءاً أساسياً من وجبات السودانيين. يقول الفاتح: «أغلقت مخابز كثيرة لأنه لا يوجد طحين في السوق». ويضيف: «يمكن أن تنتظر ليوم أو يومين كاملين في مركز توزيع (الطحين)، ثم تعود بخفي حُنين». في حي الأزهري بجنوب العاصمة، يجد متوكل أحمد بابكر صعوبة في تشغيل مخبزه، بعد أن تضاعف سعر الطحين، «بالإضافة إلى قطع الكهرباء، ولذلك أصبحنا مضطرين لشراء الوقود للمولد». يقول بابكر: «أغلب الظن سأغلق المخبز. نبيع رغيف الخبز بـ500 جنيه، وهذا أقلّ من تكلفته، لكن لا يمكنني رفع السعر بسبب أوضاع الناس». وتعاني العاصمة الخرطوم ومناطق شرق السودان من انقطاع واسع للتيار، بعد هجمات بمسيّرات استهدفت محطات الكهرباء نهاية الشهر الماضي، وأخرجتها عن العمل.

طفل سوداني يعاني من سوء تغذية حادة داخل أحد المخيمات المخصصة للاجئين السودانيين (رويترز)

وفي أنحاء الخرطوم، عاد السودانيون للاصطفاف خارج المطابخ العامة (التكايا) انتظاراً للوجبات المجانية، بعد أن توقف الكثير منها عن العمل، بعد سيطرة الجيش على العاصمة وإخراج «قوات الدعم السريع» منها في مارس(آذار) 2025. وحذّرت غرفة طوارئ أمبدة في أم درمان بالخرطوم، التي تنسّق عمل التكايا في المنطقة، من اتساع «دائرة الاحتياج لتطول آلاف الأسر والنازحين»، كما حذّرت من «شحّ في المواد الغذائية وغلاء الأسعار، ما يجعل الحصول على وجبة يومية واحدة حُلماً». وبلغت معدّلات الفقر في السودان 80 في المائة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فيما أعلنت الحكومة أنها تستهدف خفض التضخم إلى ما دون 60 في المائة مع نهاية 2026، بعد أن بلغ 99 في المائة العام الماضي.

* «لا وقود»

خارج الخرطوم، يصل جزء كبير من إمدادات القمح على شكل مساعدات إغاثية، غير أن نقص الوقود وارتفاع أسعاره، إضافة إلى قطع الطرق جراء المعارك، يحول دون وصول المساعدات. وقسّمت الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 البلاد إلى مناطق نفوذ، إذ يسيطر الجيش على الخرطوم ومدن وسط السودان وشرقه، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على كامل إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب. ويعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة، حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة، حذّرت أيضاً من إمكانية توسّعها إلى ثمانية مدن بحلول عام 2027. وأسهم انخفاض قيمة العملة في تراجع قدرة الخرطوم على شراء الوقود، التي تستورد معظم احتياجاتها منه. يقول الموظف الحكومي ياسر محمد إنه أمضى يومه واقفاً في طابور في الخرطوم من أجل شراء الوقود من دون طائل. مضيفاً: «أقف منذ السادسة صباحاً خارج المحطة، وقد حانت الرابعة ولم أحصل على بنزين، وقد تغيبت عن العمل اليوم».

بلغت معدّلات الفقر في السودان 80 % وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء (رويترز)

وحذّر بيان وزاري وقّع عليه وزراء خارجية أوروبيون وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الأسبوع الماضي من أن أكثر من 19 مليون شخص (أي 41 في المائة من السكان) في السودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بما في ذلك خمسة ملايين يواجهون مستويات طارئة».

في إحدى أسواق أم درمان، حيث بدت حركة البيع والشراء متباطئة، يقول الموردي عوض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بينما يشتري احتياجاته: «انخفضت القيمة الغذائية للوجبة». ويضيف: «سعر الكيلوغرام من اللحم بات يتراوح بين 50 و70 ألف جنيه (5 إلى 7 دولارات)، وإن كان في استطاعتك في السابق شراء كيلوغرامين من اللحم، فسوف تشتري اليوم 125 غراماً فقط».


إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
TT

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين، بسبب اتهام كل طرف للآخر بدعم خصومه.

ويتهم السودان إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية، في حين تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم المتمردين في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.

وأثارت الاتهامات المتبادلة، التي ينفيها الطرفان، مخاوف من تداخل الحرب في البلدين، ما ‌قد يؤدي إلى ‌اتساع رقعة الصراع في القرن ​الأفريقي.

وقالت ‌الحكومة ⁠السودانية، ​يوم الأحد، ⁠إنها قدمت شكوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، متهمةً إياها بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها في إطلاق طائرات مسيّرة ملغومة لاستهداف البنية التحتية المدنية في السودان.

ولم يرد ⁠المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي ‌على طلب من «رويترز» ‌للتعليق.

وقال المسؤول الإثيوبي الكبير إن ​بلاده أمرت 6 ‌من موظفي القنصلية السودانية في بلدة أصوصا الحدودية ‌بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة، دون أن يذكر سبب هذا القرار. وطلب المسؤول عدم نشر اسمه نظراً لحساسية الأمر.

وتنفي أديس أبابا مساعدة «قوات الدعم ‌السريع» في السودان.

وكشفت بيانات الأمم المتحدة أن الحرب الأهلية في السودان ⁠أدّت إلى ⁠نزوح أكثر من 14 مليون شخص، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ اندلاعها في أبريل (نيسان) 2023.

واتهمت إثيوبيا كلاً من السودان ومصر وإريتريا بدعم متمردي تيغراي، الذين شنّوا هجوماً على القوات الحكومية في سبتمبر (أيلول). ونفت الدول الثلاث هذه الاتهامات.

وقال أمجد فريد، مستشار «مجلس السيادة الانتقالي» السوداني للشؤون السياسية والخارجية، إن الحكومة السودانية ملتزمة بحقها ​في الدفاع عن أراضيها، ​لكنها تبذل كل جهد ممكن لتجنب اندلاع حرب مفتوحة مع إثيوبيا.


هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
TT

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي، يعود النفط إلى واجهة النقاش، بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها، في ظل مقترح فرنسي بـ«حظر تصديره» أثار اعتراضات مسؤولين وخبراء ليبيين.

وتعتمد ليبيا على النفط كمورد رئيسي في الإنفاق، عبر تغطية نحو 82 في المائة من الإنفاق العام، بينما يبلغ الإنتاج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق الأرقام المتداولة، في بلد دأب على الاعتماد على هذا المورد الحيوي، منذ تصدير أول شحنة من ميناء البريقة قبل 65 عاماً.

يعود النفط إلى واجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها (المؤسسة الوطنية للنفط)

وطرح «معهد البحوث من أجل التنمية الفرنسي» أخيراً فكرة الرهان على «ورقة النفط» في تمويل الدولة. ويفترض هذا الطرح أن «تعطيل المورد الرئيسي لمدة شهر سيدفع القوى الليبية المتنافسة إلى مراجعة حساباتها، وسيجبر الأفرقاء الليبيين على الجلوس معاً لحل خلافاتهم، بما يعني أن الضغط الاقتصادي قد يدفع الأطراف إلى التفاوض، بعدما تتقلص الموارد المتاحة».

لكن مقترح حظر تصدير النفط أثار تساؤلات حول الجهة التي ستتحمل تكلفة الحظر، ومدى القدرة على توظيفه كورقة ضغط لدفع القوى المتنافسة إلى تسوية سياسية.

ورفض وزير النفط الليبي السابق محمد عون استخدام الصادرات النفطية كأداة للضغط السياسي، معتبراً أن الحظر «لن يحقق الغاية المعلنة منه، بل سيفاقم معاناة المواطنين، الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وصعوبة الأوضاع المعيشية». ورأى أن «معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى أسبابها السياسية والاقتصادية، بدلاً من تعطيل المورد الرئيسي للدولة».

وزير النفط الليبي السابق محمد عون (الوزارة)

وأوضح عون لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة الليبية تتجاوز الخلافات المحلية إلى تدخل قوى إقليمية ودولية في شؤون البلاد»، مستشهداً بما كشفته تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن الفساد الاقتصادي. وانتقد صمت دول كبرى عن التجاوزات، عازياً ذلك إلى تشابك مصالحها مع أطراف ليبية نافذة.

من جهته، لا يرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي أن المبادرات الدولية «كافية وحدها لحل الأزمة؛ فالبعثة الأممية واجتماعات برلين وفرت آليات متعددة لإدارة الصراع، لكنها لم تنجح في إنهاء الانقسام». ويعتقد أن «أي تحرك جديد لن يحقق اختراقاً دون تغيير أسلوب التعامل مع جذور الأزمة، وفي مقدمتها الفساد وضعف الرقابة».

وسبق أن خلص فريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، في تقريره النهائي الصادر في مارس (آذار) 2026، إلى أن «جهات مرتبطة بجماعات مسلحة وسّعت نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة الوطنية للنفط، عبر العنف والتدخل في صنع القرار والضغط الاقتصادي».

وهنا تحذر مديرة إدارة التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، من أن وقف الصادرات قد يدفع إلى مزيد من تهريب النفط، وبيعه خارج المنظومة الرسمية، بما يفاقم الخسائر ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها. ويحمل هذا الاحتمال خطراً إضافياً يتمثل في تعميق انتقال جزء من النشاط النفطي إلى مسارات يصعب إخضاعها للرقابة الرسمية، بحسب البشتي.

رفض وزير النفط الليبي السابق استخدام صادرات النفط أداةً للضغط السياسي بحجة أن القرار سيفاقم معاناة المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

وسبق أن رصد تقرير خبراء الأممي تهريب الوقود داخلياً عبر تحويل شحنات مخصصة للاستهلاك المحلي والكهرباء إلى مسارات غير مشروعة، وخارجياً عبر تصدير نحو مليون طن من المشتقات النفطية من موانئ ليبية، بينها 578 ألف طن من الديزل.

وبحسب البشتي، فإن «فرض الحظر سيضر بالمواطنين أكثر من الأطراف المتصارعة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن تداعياته «قد تكون أشد وطأة مما شهدته دول، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، بالنظر إلى الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعانيه ليبيا».

ويكتسب النقاش حول المقترح الفرنسي أهمية بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يمثل السوق الرئيسية للنفط الخام الليبي بين الجهات المستوردة، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التي أوردتها وكالة «إيكوفين».

وبالتوازي مع رفض فرض حظر على صادرات النفط، تبرز بدائل أخرى لمعالجة الاختلالات القائمة، إذ يرى عون «ضرورة مكافحة الفساد، وإبعاد المتورطين فيه عن مواقع النفوذ»، وحذر من أن «استمرار الصراع على الثروة يفتح المجال أمام مزيد من النهب، وسوء إدارة الموارد العامة».

ومن وجهة نظره، لا يمكن تحويل النفط إلى مدخل لتسوية سياسية، من دون معالجة آليات استغلال عائداته.

أما البشتي فإنها ترى «ضرورة إصلاح القطاع النفطي الليبي، وإعادة هيكلته على أسس مهنية، بدلاً من حظر تصديره، بل وإبعاده عن التجاذبات السياسية وتدخل أصحاب النفوذ، مع إسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، وضمان استقلال القرارات الفنية والإدارية عن المحاصصة وموازين القوى المتنافسة»، مبرزة أن هذه الحلول «لن تأتي بها السلطات القائمة في شرق البلاد وغربها، بل تحتاج ربما إلى إرادة وتحرك من شخصيات وطنية حقيقية للحل، بعيداً عن الوجوه المتصدرة للمشهد الليبي».