الأُبَيِّض... عاصمة الصمغ العربي هل هي الهدف التالي لـ«قوات الدعم السريع»؟

السودان على مشارف موجة ثالثة من الحرب أشد ضراوة

TT

الأُبَيِّض... عاصمة الصمغ العربي هل هي الهدف التالي لـ«قوات الدعم السريع»؟

نازحون سودانيون فرّوا من الفاشر بعد سقوط المدينة في أيدي «قوات الدعم السريع» يستريحون بالقرب من بلدة طويلة بمنطقة دارفور غرب السودان في 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون فرّوا من الفاشر بعد سقوط المدينة في أيدي «قوات الدعم السريع» يستريحون بالقرب من بلدة طويلة بمنطقة دارفور غرب السودان في 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

بسقوط مدينة الفاشر في شمال دارفور، غرب السودان، الأحد الماضي، تكون «قوات الدعم السريع» قد استحوذت على معظم الإقليم بولاياته الخمس، ما عدا أجزاء صغيرة من الأراضي، في أقصى الشمال الغربي، ينتشر فيها الجيش السوداني و«القوة المشتركة» المتحالفة معه، بعد انسحابهما من الفاشر، ورقعة محدودة تتمركز فيها قوات «حركة تحرير السودان»، بقيادة عبد الواحد النور، في محيط جبل مرة غرب دارفور، لكن حتى هذه المناطق تعدها «الدعم السريع» خاضعة لنفوذها، باعتبارها القوة العسكرية الكبرى في الإقليم.

وعلى ضوء هذه التطورات الميدانية المتسارعة، والتي وُصفت بأنها تمثل نقطة تحول في مسار الحرب الدائرة بين الجيش و«الدعم السريع»، تغيرت خريطة السيطرة في دارفور وكردفان لصالح الأخيرة، وتنبئ تلك المؤشرات إلى أن المشهد في السودان يبقى مفتوحاً على كل الاحتمالات، بما في ذلك موجة من القتال أشد ضراوة وفظاعة، ظهرت ملامحها في الفاشر أخيراً.

هذا التموضع العسكري الجديد لـ«قوات الدعم السريع» في شمال دارفور، يهدد بنقل الحرب إلى ولايات في عمق شمال ووسط البلاد خاضعة لسيطرة الجيش، منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عامين ونصف العام، وسبق أن كشف كبار القادة في «الدعم السريع» عن أن تلك المناطق في قائمة بنك أهدافهم العسكرية.

هل الأُبَيِّض في خطر؟

في الأيام الماضية تقدمت «قوات الدعم السريع» في شمال كردفان وسط البلاد، واستولت على مدينة بارا الاستراتيجية، التي تبعد نحو 40 كيلومتراً شمال عاصمة الولاية الأُبَيِّض، وتمددت انتصاراتها لتشمل منطقتَي «أم دم حاج أحمد» و«الزريبة» (على الشمال الغربي للأُبيِّض)، وبدأت في مناوشات لإسقاط مدينتَي الرهد (جنوب الأُبَيِّض) وأم روابة (شرق الأُبَيِّض)، لتطويق مدينة الأُبيّض من الجهات الأربع قبل اقتحامها.

في الوقت الراهن، تُعد مدينة الأُبيّض المقر الرئيسي لغرفة التحكم والسيطرة لقيادة الأعمال القتالية واللوجستية للجيش السوداني، وتقع جغرافياً في وسط البلاد تقريباً، ويتخذ منها الجيش مركزاً متقدماً وقاعدة عسكرية لشن هجماته على «الدعم السريع» في شمال وغرب ولاية كردفان، التي كانت تمثل المعبر البري الوحيد لاستعادة الفاشر قبل سقوطها.

حال سقوط الأُبيّض التي تبعد نحو 600 كيلومتر عن العاصمة الخرطوم، وفق ما تظهر الخطط المكشوفة لـ«الدعم السريع»، يصبح الطريق مفتوحاً أمام قواتها للتقدم نحو مدينة أم درمان، ثاني كبرى مدن العاصمة السودانية، والسيطرة عليها مرة ثانية، وهو هدف صرح به قادة «الدعم السريع» مراراً وتكراراً، وبنيتهم تنفيذ اجتياح كامل البلاد.

وتعد الأُبَيِّض من أهم وأكبر مدن السودان؛ إذ تشتهر بأكبر سوق للمحاصيل النقدية في السودان، وبها أكبر بورصة للصمغ العربي في العالم. وتعد ملتقى طرق مهمة، ومركزاً تجارياً وزراعياً بارزاً. كما يمر عبرها خط أنابيب النفط الممتد من الجنوب نحو الشرق إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر. وقد اتخذتها بعثة الأمم المتحدة في السودان مقراً لقاعدتها اللوجستية. وتُعرف الأُبَيِّض لدى السودانيين بلقب «عروس الرمال».

المهمة الصعبة

ومع إرهاصات توغل «الدعم السريع» وحشدها قوات كبيرة في شمال كردفان، رصدت تقارير حديثة لمنظمة الهجرة الدولية موجات نزوح المواطنين بالآلاف من مدينتَي بارا و«أم دم حاج أحمد»، متوجهين إلى الخرطوم وولاية النيل، هرباً من الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها من قبل «قوات الدعم السريع»، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن مدينة الأُبيّض تشهد أيضاً حركة نزوح ملحوظة، تحسباً لتكرار سيناريو انسحاب الجيش من الفاشر.

نازحون سودانيون يتجمعون بعد فرارهم من مدينة الفاشر في بلدة طويلة بالسودان (رويترز)

ولكن هل ستكون المهمة سهلة في كردفان؟ يقول اللواء المتقاعد كمال إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»: «لا توجد معركة سهلة قطعاً»، مشيراً في هذا الصدد إلى القتال العنيف الذي دار في مدينة الفاشر، وحصارها لأكثر من عام ونصف العام، قبل أن يحدث الانهيار الكامل والقتل والموت والدمار الكبير الذي لحق بالمدينة.

وأضاف: «ستكون معركة الأُبيّض كارثة أكبر مما حدث في الفاشر، إذا حدثت». وقال إسماعيل: «لا يوجد منتصر في الحرب، حتى لو سقطت مدينة الأُبيّض في يد (قوات الدعم السريع)، لا يعني هذا نهاية المعارك، وإنما بداية لمعارك كبيرة، تنتقل من منطقة لأخرى، وتهدد بتشظّي السودان».

وتابع: «آن الأوان لوقف الحرب والعدائيات في كل مناطق القتال، وأن يتوجه الطرفان لوضع السلاح، والانخراط في مبادرة آلية (الرباعية الدولية) لاستعادة الأمن والاستقرار في البلاد».

ونقلت صحيفة «سودان تربيون» المستقلة عن مصادر عسكرية، أن قيادة هيئة أركان الجيش السوداني أرسلت مجموعة من كبار القادة العسكريين إلى غرفة العمليات المركزية في مدينة الأُبيّض، في حين يبدو أنه تغيير جديد في خطة إدارة الحرب.

ولا يزال الجيش السوداني يسيطر على كامل ولاية الخرطوم بمدنها الثلاث (الخرطوم، والخرطوم بحري، وأم درمان)، والولايات الشمالية ونهر النيل في الشمال، وولايات الإقليم الشرقي الثلاث، وفي الوسط يسيطر على ولاية الجزيرة، بالإضافة إلى ولايات النيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

ولم يتبقَّ للجيش في ولاية غرب كردفان سوى «الفرقة 22 مشاة» في مدينة بابنوسة، وتقع تحت حصار شديد من «قوات الدعم السريع» لأكثر من عامين متتاليين، ونزح جميع سكان المدينة إلى المناطق المجاورة.

مخاوف دولية

وبث اكتساح «قوات الدعم السريع» للفاشر مخاوف إقليمية ودولية من تقسيم السودان إلى إقليمين بحكومتين تتنازعان الشرعية في بلد واحد، على غرار ما حدث في ليبيا. هذه المخاوف عبّر عنها كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، في مقابلة نُشرت بـ«الشرق الأوسط»، محذراً من تداعيات الإقدام على هذه الخطوة على كل المنطقة، ولم يخفِ امتداد تأثيرها إلى الأمن المائي في البحر الأحمر، الذي عدّه خطاً أحمر لمصالح بلاده.

هذا السيناريو لم يكن مستبعداً حدوثه، من ضمن سيناريوهات أخرى بديلة كان يُتوقع أن يفرزها تطاول أمد النزاع المسلح في السودان، لكن في أعقاب التطورات العسكرية الأخيرة بسقوط الفاشر، يبدو أن هذا السيناريو أقرب إلى التحقيق على الأرض أكثر من أي وقت مضى، على الرغم من رفض المجتمع الدولي بالإجماع لوجود سلطة موازية في السودان.

قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) في خطابه الأخير، عقب استيلاء قواته على الفاشر، قال بشأن الحديث عن أن «تحرير الفاشر» بداية لانقسام السودان، إنه «رواية خرجت من غرف جهاز استخبارات الجيش السوداني»، مشيراً إلى أن الفاشر يمكن أن تُعد نقطة تحول استراتيجية لوحدة السودان «سلماً أو حرباً»، مردفاً: «من يتحدثون عن التقسيم لا يقرأون المشهد بشكل صحيح، لن نقبل أي نقاش عن تفتيت وحدة السودان».

وقال ضابط في الجيش السوداني متقاعد برتبة رفيعة، إن الفاشر مدينة استراتيجية وشديدة الأهمية من ناحية «الجيوبوليتيك العسكرية»؛ لذا تحاول «الدعم السريع» صرف الأنظار بنقل المواجهات إلى كردفان، وهو ما يحدث حالياً، والشروع في تنفيذ مخططاتها العسكرية الأخرى. وأضاف الضابط الذي فضّل عدم ذكر هويته، أن «سقوط الفاشر لا يعني أن المعركة حُسمت بشكل نهائي لصالح (الدعم السريع). من المؤكد أن للجيش خططه العسكرية التكتيكية والاستراتيجية لخوض معارك طويلة في كردفان، وقطعاً لا تستثني هذه الخطط استعادة ولايات دارفور».

وأوضح أن الحرب «كرّ وفرّ»، وأن «خسارة مدينة أو استعادتها واردة في الحرب، وقد تتغير الأوضاع على الأرض في أي وقت لصالح أحد الأطراف».

وكان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، صرح عقب انسحاب قواته من الفاشر بأن القوات المسلحة قادرة على «قلب الطاولة»، وتحقيق النصر على «الدعم السريع» في كل البلاد.

ومع استبعاد أن تنتهي الحرب عبر الحسم العسكري لأحد طرفَي النزاع، وهو موقف مجمع عليه دولياً، بسبب طبيعة الحرب المتشابكة والتدخلات الخارجية، يعود سيناريو «حارِب وفاوِض» إلى واجهة المشهد، وهو أن يسعى كل طرف إلى أن يُحدث تغييراً في موازين القوى على الأرض بشكل جذري، يدفع باتجاه وقف الحرب عبر طاولة المفاوضات.


مقالات ذات صلة

أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

شمال افريقيا أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)

أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

أثار رفض أهالي منطقة في شمال السودان لاستقبال نازحين جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث عبّر كثيرون عن رفضهم بشدة لهذا الموقف الذي وصفوه بالمتطرف.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا لقطة من فناء «دار الفتيات فاقدات السند» بأم درمان (الشرق الأوسط)

«فتيات بلا سند»... مشكلة فاقمتها الحرب في السودان

تفاقمت الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وتأثرت بها بشدة الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة واحتياجاً، ووقع التأثير بضراوة على الفتيات «فاقدات السند».

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد «الدعم السريع» يستقبل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في نيروبي (الدعم السريع)

حميدتي يُبلغ مبعوث الأمم المتحدة استعداده للتعاون لوقف الحرب السودانية

شدد قائد «الدعم السريع» على «أهمية إجراء تحقيق شفاف وعادل بشأن الانتهاكات التي تعرَّض لها السودانيون، وعلى رأسها استخدام السلاح الكيميائي».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة سابقة تجمع البرهان مع مساعديه ورئيس هيئة الأركان (الجيش السوداني)

البرهان يعيد تشكيل قيادة الجيش السوداني... ومؤشرات إلى تغيير في هيكلية السلطة

عززت القرارات التي اتخذها القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، بإعفاء قادة كبار وإعادة تعيينهم مساعدين له، تكهنات عن تغيير وشيك في السلطة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا البرهان في ميدان الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش يوم الاثنين (مجلس السيادة)

السودانيون يحيون ذكرى السادس من أبريل... والإطاحة بنميري والبشير

يحتفل السودانيون عادة بيوم 6 أبريل، ففيه عام 1985 أطاحوا في ثورة شعبية بجعفر نميري، وفي 6 أبريل 2019 بدأ اعتصامهم الذي أطاح بالبشير في 11 أبريل 2019.

أحمد يونس (كمبالا)

تيسيراً على المسافرين... «بطاقات الجوازات الورقية» تغادر مطار القاهرة

وزير الطيران المدني المصري خلال جولة تفقدية بمطار القاهرة الدولي الشهر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)
وزير الطيران المدني المصري خلال جولة تفقدية بمطار القاهرة الدولي الشهر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)
TT

تيسيراً على المسافرين... «بطاقات الجوازات الورقية» تغادر مطار القاهرة

وزير الطيران المدني المصري خلال جولة تفقدية بمطار القاهرة الدولي الشهر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)
وزير الطيران المدني المصري خلال جولة تفقدية بمطار القاهرة الدولي الشهر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)

في خطوة تنهي عقوداً من التعاملات الورقية التقليدية، وضمن استراتيجية الدولة المصرية للتحول الرقمي، تغادر «بطاقات الجوازات الورقية» مطار القاهرة الدولي بهدف «التيسير على المسافرين وتحقيق انسيابية أكبر في حركة الركاب، ورفع كفاءة التشغيل وفق أحدث المعايير الدولية».

وقالت وزارة الطيران المدني إنه في إطار توجهات الدولة نحو التحول الرقمي وتيسير الإجراءات الحكومية بما يعزز من مرونة وسلاسة حركة السفر، تقرر اعتباراً من السبت المقبل إلغاء العمل بـ«كارت الجوازات الورقي» للركاب المصريين في السفر والوصول بجميع مباني الركاب بمطار القاهرة الدولي.

ووفق إفادة لـ«الطيران المدني»، مساء الثلاثاء، فإنه من المقرر تعميم تطبيق هذه المنظومة تدريجياً في باقي المطارات المصرية خلال المرحلة المقبلة.

وتصدرت مطارات القاهرة والغردقة وشرم الشيخ ومرسى علم قائمة المطارات الأكثر استقبالاً للسائحين خلال عام 2025، بما يعكس التنوع الجغرافي للمقاصد السياحية المصرية وقُدرتها على جذب شرائح مختلفة من السائحين من أسواق متعددة.

وأكد وزير الطيران المدني سامح الحفني أن إلغاء العمل بـ«كارت الجوازات الورقي» إجراء يعكس توجهاً حكومياً واضحاً نحو تحسين الخدمات المقدمة للمسافرين، وتعزيز كفاءة الأداء داخل المطار، بما يواكب التطورات العالمية في صناعة النقل الجوي.

وسبق أن قال وزير الطيران المدني المصري، في يناير (كانون الثاني) الماضي، إن الهدف من إلغاء بطاقة الجوازات الورقية «تقليل الوقت الذي يقضيه المسافر في المطار».

وتشمل الإجراءات الجديدة «استخدام قاعدة بيانات إلكترونية بديلة، ما يتيح مراجعة المعلومات مسبقاً لتسهيل دخول المسافرين عند وصولهم». وأشار وزير الطيران المدني في وقت سابق إلى أن التسهيلات تشمل توفير خدمات النقل داخل المطار، بالإضافة إلى زيادة أعداد البنوك لتسهيل إصدار التأشيرات الإلكترونية والفورية عند الوصول.

الخبير السياحي، رئيس «شعبة السياحة والطيران» بالغرفة التجارية الأسبق في مصر، عماري عبد العظيم، يرى أن قرار إلغاء «بطاقات الجوازات الورقية» في المطارات المصرية يُعد خطوة محورية مهمة. ويقول إن «هذه الخطوة تهدف إلى تيسير الإجراءات في مطار القاهرة الدولي، وسوف تسهم في تقليل فترة انتظار الركاب، وتنهي الطوابير التي كانت موجودة أمام مسؤولي الجوازات».

لقطة من داخل مطار القاهرة الدولي في ديسمبر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)

ويضيف عبد العظيم لـ«الشرق الأوسط»: «جميع البيانات موجودة في الجوازات، والمنظومة الإلكترونية سوف تُسهل الإجراءات، لأن كارت الجوازات الورقي كانت قيمته في الحصول على بيانات المسافر فقط».

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وهي تطمح إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

وبحسب مراقبين، فإن الاعتماد على المنظومة الإلكترونية بدلاً من النماذج الورقية التقليدية يمثل عاملاً حاسماً في تحسين تجربة السائح منذ اللحظة الأولى لدخوله مصر.

وأوضح المراقبون أن القرار سيعزز الانطباع الإيجابي عن المطارات المصرية لدى شركات الطيران ومنظمي الرحلات الدولية، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية القوية.

ونفت الحكومة المصرية في أكثر من مناسبة «بيع المطارات»، مؤكدة أنه سيتم إسناد إدارتها وتشغيلها للقطاع الخاص. وقالت في سبتمبر (أيلول) الماضي إنه «سيتم طرح 11 مطاراً للقطاع الخاص ليتولى إدارتها وتشغيلها، ضمن خطة حكومية للتوسع في تخصيص إدارة المنافذ الجوية».

مسافرون مصريون داخل مطار القاهرة في فبراير الماضي (ميناء القاهرة الجوي)

ويوجد في مصر 23 مطاراً تستهدف الحكومة زيادة طاقاتها الاستيعابية من 66.2 مليون راكب سنوياً إلى 109.2 مليون بحلول 2030، وفق البيانات الرسمية.

وأكدت وزارة الطيران المدني، مساء الثلاثاء، أن إلغاء «كارت الجوازات الورقي» خطوة تأتي أيضاً تأكيداً على مواصلة جهود تطوير منظومة السفر، بما يسهم في تقليل زمن إنهاء الإجراءات وتحقيق انسيابية أكبر في حركة الركاب، ورفع كفاءة التشغيل وفق أحدث المعايير الدولية.

وبحسب إفادة لمجلس الوزراء المصري، مساء الثلاثاء، فإن مطار القاهرة الدولي واصل تحقيق معدلات نمو إيجابية في حركة السفر خلال الربع الأول من عام 2026، سواء في أعداد الركاب أو الرحلات الجوية، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

وأشارت البيانات إلى ارتفاع الرحلات الجوية بنسبة 10 في المائة لتصل إلى 59.4 ألف رحلة مقارنة بـ54 ألف رحلة، فيما سجل عدد الركاب زيادة بنسبة 9.5 في المائة ليصل إلى 8.1 مليون راكب مقارنة بـ7.4 مليون راكب.


المصريون يأملون في انحسار تداعيات الحرب الإيرانية مع بدء الهدنة

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
TT

المصريون يأملون في انحسار تداعيات الحرب الإيرانية مع بدء الهدنة

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

بعد أسابيع من معاناته من تداعيات الحرب الإيرانية، التي بدأت برفع أسعار المحروقات ثم قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة، يأمل المصري إبراهيم زايد (47 عاماً) أن تحمل الهدنة بدايةً لانحسار هذه الآثار، بعدما تراجع دخله إلى النصف.

يملك زايد محلاً لصيانة وتركيب شبكات البث الهوائي (الدِّش) في إحدى قرى محافظة القليوبية شمالي القاهرة، وتأثر دخله بشدة نتيجة القرارات الحكومية الأخيرة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن قرار الإغلاق يُطبق في ذروة فترة عمله.

وأضاف: «الآن أعمل 4 ساعات بدلاً من 8، وتوقفت عن التعاون مع بعض الفنيين لقلة العمل والدخل»، مشيراً إلى أنه لن يستطيع الصمود في ظل هذه الظروف، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار، وتساءل: «هل ستتحسن الأوضاع ونعود للأوقات الطبيعية بعد الهدنة؟».

وتوصلت الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، صباح الأربعاء، إلى هدنة لمدة أسبوعين، يُفتح خلالهما مضيق هرمز، وتُجرى مفاوضات مباشرة في إسلام آباد بدايةً من الجمعة، لوقف الحرب.

وشهد عديد من المؤشرات الاقتصادية تحسناً مع بدء سريان الهدنة، فتراجع سعر برميل النفط عالمياً بنحو 16 في المائة، ليباع بنحو 93 دولاراً بعدما كان قد جاوز 110 دولارات، كما انخفض الدولار في السوق المصرية إلى نحو 53 جنيهاً مصرياً بعدما تجاوز 54 جنيهاً.

ورغم استبشار المصريين بقرار الهدنة، فإنهم انقسموا إلى فريقين؛ الأول متفائل إزاء تحقيق الحكومة وعدها السابق بتحسن الأوضاع بعد وقف الحرب، على اعتبار أن إجراءاتها كانت استثنائية لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، والفريق الآخر لا يتوقع انخفاضاً، ويرى أن وقف الحرب يعني عدم الانزلاق لمزيد من التدهور وليس تحسناً سريعاً ملحوظاً.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

كانت الحكومة المصرية قد قررت بعد 10 أيام فقط من اندلاع الحرب، رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وانعكس ذلك على أسعار بقية السلع والخدمات.

تلافي الآثار... يحتاج إلى وقت

تدعم سارة محمود، التي تعمل في مجال خدمة العملاء وتسكن في منطقة دار السلام بجنوب العاصمة، رأي الفريق الثاني، وقالت: «الأسعار حين ترتفع لا تنخفض مهما تغير الظرف الذي أدى إلى ارتفاعها بالأساس، خصوصاً السلع المعمرة».

وتجد سارة صعوبة في استكمال شراء لوازم إتمام زيجتها في ظل ارتفاع الأسعار وإغلاق المحال مبكراً والذي يعوق جولاتها للشراء بعد انتهاء عملها.

كانت الحكومة قد قررت تبكير إغلاق المحال التجارية بدايةً من 28 مارس (آذار) الماضي، ولمدة شهر، ليصبح في التاسعة مساءً يومياً وفي العاشرة يومي الخميس والجمعة، وذلك لترشيد استهلاك الكهرباء. وربطت تجديد القرار باستمرار الحرب أو وقفها.

وعلى العكس من سارة، ما زال لدى زايد، وهو أب لأربعة أبناء، بصيص من أمل في تحسن الأوضاع، وطالب بالعودة عن قرار تبكير إغلاق المحال فوراً نظراً «لتأثيره الكبير على الناس» على حد قوله. وبخصوص الأسعار، قال: «قبل الحرب كنت أشتري أسطوانة الغاز بسعر 240 جنيهاً، أما الآن فقد قفز سعرها إلى 350 جنيهاً».

سوق اليوم الواحد (وزارة التموين والتجارة الداخلية المصرية)

وتستبعد أستاذة علم الاقتصاد في جامعة القاهرة، شيرين الشواربي، أن تشهد مصر تراجعاً سريعاً في القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة بسبب الحرب الإيرانية، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حدوث الضرر لا يحتاج إلى وقت طويل، عكس تلافي آثاره، فإنه يحتاج إلى وقت».

وأضافت: «الحكومة لن تتسرع في العودة عن قراراتها وتجعل الناس تأمل في عودة الأوضاع لسابق عهدها قبل الحرب، بينما المفاوضات ما زالت جارية، ولم يحدث وقف للحرب بل تعليق لها».

واستطردت: «حتى لو توقفت الحرب، فآثارها ستمتد، خصوصاً في ظل نمط تكرار الأزمات والضربات الاقتصادية عالمياً».

القدرة على امتصاص الصدمات

وتلقي الحكومة المصرية باللوم على الأزمات الخارجية في التأثير على اقتصادها، بدايةً من الحرب الروسية - الأوكرانية التي تسببت في أزمة عالمية بالقمح، ثم جائحة كورونا، ثم حرب غزة التي تسببت في خسارة مصر نحو 10 مليارات دولار نتيجة تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر وانخفاض إيرادات قناة السويس، ثم الحرب الإيرانية الأخيرة.

وتعلق د. شيرين قائلةً: «في ظل عالم تتكرر فيه الحروب والأزمات، هناك اقتصاديات قوية تمتص الصدمات، وأخرى تتأثر بها؛ لذا يجب على الحكومة العمل على بناء اقتصاد قوي لا يتأثر بكل أزمة عالمية».

واتسمت لغة حكومة مصر ورئيسها بتأكيد إدراك وتقدير معاناة المواطنين في ظل آثار الحرب والقرارات التي اتخذتها اضطراراً. وتمثل أحدث هذه القرارات في زيادة أسعار الكهرباء على الفئات العليا والمحال التجارية بنسب تراوحت بين 16 و20 في المائة، وتجنب زيادتها في الشرائح الأقل التي تندرج فيها النسبة الكبرى من المواطنين.

Your Premium trial has ended


ليبيون يُطالبون بـ«تحقيق دولي» في عقود النفط وسط «شبهات فساد»

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)
TT

ليبيون يُطالبون بـ«تحقيق دولي» في عقود النفط وسط «شبهات فساد»

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)

لا تزال تداعيات تقرير أممي حول شبهات فساد في التعاقدات النفطية تُلقي بظلالها على المشهد السياسي الليبي، في ظل مطالب سياسيين في «كتلة التوافق الوطني» بالمجلس الأعلى للدولة، الأربعاء، بفتح تحقيق دولي، بالتنسيق مع السلطات القضائية الليبية، حول عقود قطاع الطاقة وما شابها من شبهات فساد.

وفي خطاب موجَّه إلى الأمين العام للأمم المتحدة، لقي اهتماماً إعلامياً واسعاً، دعت «كتلة التوافق الوطني»، التي تضم 61 عضواً من أصل 140 بالمجلس، إلى «تفعيل الآليات الدولية الخاصة بتتبع واسترداد الأموال المنهوبة»، إلى جانب «تقديم دعم فني واستشاري لمكتب النائب العام والجهات الرقابية، بما يُعزز قدرتها على مباشرة التحقيقات، وملاحقة المتورطين محلياً ودولياً».

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

كما شدد الساسة الليبيون على «ضرورة الإسراع بنشر التقرير النهائي لفريق خبراء الأمم المتحدة بشأن ليبيا، وتمكين الرأي العام من الاطلاع على مضامينه»، وذهبوا إلى أن «ما ورد في مسودته يعكس تفشياً غير مسبوق لشبهات الفساد في قطاع الطاقة، بما يُهدد مقدرات الدولة واستقرار مؤسساتها».

وتزامناً مع تداول رسالة «كتلة التوافق الوطني»، استقبل رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، عدداً من أعضاء المجلس الأعلى للدولة، الأربعاء، تصدّرت أجندته «متابعة عمل اللجنة الرئاسية المعنية بمراجعة وتدقيق عقود النفط والكهرباء، المُشكّلة منذ أغسطس (آب) الماضي، في ضوء ما أثير من شبهات، تستدعي المعالجة القانونية والرقابية»، وفق بيان الرئاسي.

وتزامنت هذه التحركات مع استمرار الجدل حول مسودة تقرير مسرّب لفريق خبراء الأمم المتحدة، أشار إلى وقائع فساد طالت مسؤولين وقيادات عسكرية، وزعماء تشكيلات مسلحة، على خلفية ملف شركة «أركنو» النفطية الخاصة التي يُشتبه في تحويلها نحو 3 مليارات دولار إلى حسابات خارج ليبيا بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وكان رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، عبد الحميد الدبيبة، قد وجّه أخيراً بإنهاء ما وصفه بـ«اتفاقية التطوير» مع الشركة، فيما خاطب رئيس المجلس الرئاسي في رسالة إلى المؤسسة الوطنية للنفط بعدم إبرام أي اتفاقيات تقاسم إنتاج في الحقول القائمة، إلى حين مراجعة الجوانب القانونية والفنية والاقتصادية ذات الصلة.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية (الوحدة)

وفي الملف الاقتصادي أيضاً، اقترحت نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، والمنسقة المقيمة، أولريكا رتشاردسون: «إعادة استثمار إيرادات وثروات ليبيا بشكل مثمر في قطاعات التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية»، وتحدّثت خلال نقاش عبر الإنترنت عن المسار الاقتصادي للحوار المُهيكل عن ضرورة اتباع «نهج أكثر توازناً وشفافية لإعادة استثمار الإيرادات في جميع أنحاء البلاد».

والحوار المهيكل، المنعقد حالياً في العاصمة الليبية طرابلس، هو أحد بنود خريطة طريق عرضتها مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في أغسطس الماضي، وقد أقرها أعضاؤه.

هانا تيتيه (غيتي)

وتزامن الحديث عن الملف الاقتصادي مع تصعيد أمني لافت في منطقة الساحل الغربي (غرب)، إثر هجوم مسلح في مدينة العجيلات، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، الثلاثاء، وسط حالة من التوتر والتحشيد بين تشكيلات محلية.

وذكرت مصادر أن الهجوم استهدف منزلاً في منطقة جنان عطية، ما أدى إلى مقتل شابين وإصابة ثالث، في واقعة تُضاف إلى سلسلة من الجرائم التي شهدتها المدينة منذ مطلع العام.

وفي ظل غياب موقف رسمي واضح، تتصاعد مطالب الأهالي في العجيلات وصبراتة والجميل بعودة الأجهزة الأمنية النظامية، ونزع سلاح التشكيلات المسلحة، في حين أعرب أعيان صبراتة عن رفضهم إقامة مقر أمني لإحدى الكتائب داخل المدينة، على خلفية اتهامات بسوابق جنائية لعناصرها.

ويُعزى التدهور الأمني في الساحل الغربي إلى تراكمات ما بعد 2011، وفي مقدمتها تنافس المجموعات المسلحة على النفوذ والموارد، وضعف مؤسسات الدولة، رغم محاولات متقطعة للحد من التهريب، عبر عمليات أمنية وغارات جوية، حسب محللين.