الأُبَيِّض... عاصمة الصمغ العربي هل هي الهدف التالي لـ«قوات الدعم السريع»؟

السودان على مشارف موجة ثالثة من الحرب أشد ضراوة

TT

الأُبَيِّض... عاصمة الصمغ العربي هل هي الهدف التالي لـ«قوات الدعم السريع»؟

نازحون سودانيون فرّوا من الفاشر بعد سقوط المدينة في أيدي «قوات الدعم السريع» يستريحون بالقرب من بلدة طويلة بمنطقة دارفور غرب السودان في 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون فرّوا من الفاشر بعد سقوط المدينة في أيدي «قوات الدعم السريع» يستريحون بالقرب من بلدة طويلة بمنطقة دارفور غرب السودان في 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

بسقوط مدينة الفاشر في شمال دارفور، غرب السودان، الأحد الماضي، تكون «قوات الدعم السريع» قد استحوذت على معظم الإقليم بولاياته الخمس، ما عدا أجزاء صغيرة من الأراضي، في أقصى الشمال الغربي، ينتشر فيها الجيش السوداني و«القوة المشتركة» المتحالفة معه، بعد انسحابهما من الفاشر، ورقعة محدودة تتمركز فيها قوات «حركة تحرير السودان»، بقيادة عبد الواحد النور، في محيط جبل مرة غرب دارفور، لكن حتى هذه المناطق تعدها «الدعم السريع» خاضعة لنفوذها، باعتبارها القوة العسكرية الكبرى في الإقليم.

وعلى ضوء هذه التطورات الميدانية المتسارعة، والتي وُصفت بأنها تمثل نقطة تحول في مسار الحرب الدائرة بين الجيش و«الدعم السريع»، تغيرت خريطة السيطرة في دارفور وكردفان لصالح الأخيرة، وتنبئ تلك المؤشرات إلى أن المشهد في السودان يبقى مفتوحاً على كل الاحتمالات، بما في ذلك موجة من القتال أشد ضراوة وفظاعة، ظهرت ملامحها في الفاشر أخيراً.

هذا التموضع العسكري الجديد لـ«قوات الدعم السريع» في شمال دارفور، يهدد بنقل الحرب إلى ولايات في عمق شمال ووسط البلاد خاضعة لسيطرة الجيش، منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عامين ونصف العام، وسبق أن كشف كبار القادة في «الدعم السريع» عن أن تلك المناطق في قائمة بنك أهدافهم العسكرية.

هل الأُبَيِّض في خطر؟

في الأيام الماضية تقدمت «قوات الدعم السريع» في شمال كردفان وسط البلاد، واستولت على مدينة بارا الاستراتيجية، التي تبعد نحو 40 كيلومتراً شمال عاصمة الولاية الأُبَيِّض، وتمددت انتصاراتها لتشمل منطقتَي «أم دم حاج أحمد» و«الزريبة» (على الشمال الغربي للأُبيِّض)، وبدأت في مناوشات لإسقاط مدينتَي الرهد (جنوب الأُبَيِّض) وأم روابة (شرق الأُبَيِّض)، لتطويق مدينة الأُبيّض من الجهات الأربع قبل اقتحامها.

في الوقت الراهن، تُعد مدينة الأُبيّض المقر الرئيسي لغرفة التحكم والسيطرة لقيادة الأعمال القتالية واللوجستية للجيش السوداني، وتقع جغرافياً في وسط البلاد تقريباً، ويتخذ منها الجيش مركزاً متقدماً وقاعدة عسكرية لشن هجماته على «الدعم السريع» في شمال وغرب ولاية كردفان، التي كانت تمثل المعبر البري الوحيد لاستعادة الفاشر قبل سقوطها.

حال سقوط الأُبيّض التي تبعد نحو 600 كيلومتر عن العاصمة الخرطوم، وفق ما تظهر الخطط المكشوفة لـ«الدعم السريع»، يصبح الطريق مفتوحاً أمام قواتها للتقدم نحو مدينة أم درمان، ثاني كبرى مدن العاصمة السودانية، والسيطرة عليها مرة ثانية، وهو هدف صرح به قادة «الدعم السريع» مراراً وتكراراً، وبنيتهم تنفيذ اجتياح كامل البلاد.

وتعد الأُبَيِّض من أهم وأكبر مدن السودان؛ إذ تشتهر بأكبر سوق للمحاصيل النقدية في السودان، وبها أكبر بورصة للصمغ العربي في العالم. وتعد ملتقى طرق مهمة، ومركزاً تجارياً وزراعياً بارزاً. كما يمر عبرها خط أنابيب النفط الممتد من الجنوب نحو الشرق إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر. وقد اتخذتها بعثة الأمم المتحدة في السودان مقراً لقاعدتها اللوجستية. وتُعرف الأُبَيِّض لدى السودانيين بلقب «عروس الرمال».

المهمة الصعبة

ومع إرهاصات توغل «الدعم السريع» وحشدها قوات كبيرة في شمال كردفان، رصدت تقارير حديثة لمنظمة الهجرة الدولية موجات نزوح المواطنين بالآلاف من مدينتَي بارا و«أم دم حاج أحمد»، متوجهين إلى الخرطوم وولاية النيل، هرباً من الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها من قبل «قوات الدعم السريع»، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن مدينة الأُبيّض تشهد أيضاً حركة نزوح ملحوظة، تحسباً لتكرار سيناريو انسحاب الجيش من الفاشر.

نازحون سودانيون يتجمعون بعد فرارهم من مدينة الفاشر في بلدة طويلة بالسودان (رويترز)

ولكن هل ستكون المهمة سهلة في كردفان؟ يقول اللواء المتقاعد كمال إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»: «لا توجد معركة سهلة قطعاً»، مشيراً في هذا الصدد إلى القتال العنيف الذي دار في مدينة الفاشر، وحصارها لأكثر من عام ونصف العام، قبل أن يحدث الانهيار الكامل والقتل والموت والدمار الكبير الذي لحق بالمدينة.

وأضاف: «ستكون معركة الأُبيّض كارثة أكبر مما حدث في الفاشر، إذا حدثت». وقال إسماعيل: «لا يوجد منتصر في الحرب، حتى لو سقطت مدينة الأُبيّض في يد (قوات الدعم السريع)، لا يعني هذا نهاية المعارك، وإنما بداية لمعارك كبيرة، تنتقل من منطقة لأخرى، وتهدد بتشظّي السودان».

وتابع: «آن الأوان لوقف الحرب والعدائيات في كل مناطق القتال، وأن يتوجه الطرفان لوضع السلاح، والانخراط في مبادرة آلية (الرباعية الدولية) لاستعادة الأمن والاستقرار في البلاد».

ونقلت صحيفة «سودان تربيون» المستقلة عن مصادر عسكرية، أن قيادة هيئة أركان الجيش السوداني أرسلت مجموعة من كبار القادة العسكريين إلى غرفة العمليات المركزية في مدينة الأُبيّض، في حين يبدو أنه تغيير جديد في خطة إدارة الحرب.

ولا يزال الجيش السوداني يسيطر على كامل ولاية الخرطوم بمدنها الثلاث (الخرطوم، والخرطوم بحري، وأم درمان)، والولايات الشمالية ونهر النيل في الشمال، وولايات الإقليم الشرقي الثلاث، وفي الوسط يسيطر على ولاية الجزيرة، بالإضافة إلى ولايات النيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

ولم يتبقَّ للجيش في ولاية غرب كردفان سوى «الفرقة 22 مشاة» في مدينة بابنوسة، وتقع تحت حصار شديد من «قوات الدعم السريع» لأكثر من عامين متتاليين، ونزح جميع سكان المدينة إلى المناطق المجاورة.

مخاوف دولية

وبث اكتساح «قوات الدعم السريع» للفاشر مخاوف إقليمية ودولية من تقسيم السودان إلى إقليمين بحكومتين تتنازعان الشرعية في بلد واحد، على غرار ما حدث في ليبيا. هذه المخاوف عبّر عنها كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، في مقابلة نُشرت بـ«الشرق الأوسط»، محذراً من تداعيات الإقدام على هذه الخطوة على كل المنطقة، ولم يخفِ امتداد تأثيرها إلى الأمن المائي في البحر الأحمر، الذي عدّه خطاً أحمر لمصالح بلاده.

هذا السيناريو لم يكن مستبعداً حدوثه، من ضمن سيناريوهات أخرى بديلة كان يُتوقع أن يفرزها تطاول أمد النزاع المسلح في السودان، لكن في أعقاب التطورات العسكرية الأخيرة بسقوط الفاشر، يبدو أن هذا السيناريو أقرب إلى التحقيق على الأرض أكثر من أي وقت مضى، على الرغم من رفض المجتمع الدولي بالإجماع لوجود سلطة موازية في السودان.

قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) في خطابه الأخير، عقب استيلاء قواته على الفاشر، قال بشأن الحديث عن أن «تحرير الفاشر» بداية لانقسام السودان، إنه «رواية خرجت من غرف جهاز استخبارات الجيش السوداني»، مشيراً إلى أن الفاشر يمكن أن تُعد نقطة تحول استراتيجية لوحدة السودان «سلماً أو حرباً»، مردفاً: «من يتحدثون عن التقسيم لا يقرأون المشهد بشكل صحيح، لن نقبل أي نقاش عن تفتيت وحدة السودان».

وقال ضابط في الجيش السوداني متقاعد برتبة رفيعة، إن الفاشر مدينة استراتيجية وشديدة الأهمية من ناحية «الجيوبوليتيك العسكرية»؛ لذا تحاول «الدعم السريع» صرف الأنظار بنقل المواجهات إلى كردفان، وهو ما يحدث حالياً، والشروع في تنفيذ مخططاتها العسكرية الأخرى. وأضاف الضابط الذي فضّل عدم ذكر هويته، أن «سقوط الفاشر لا يعني أن المعركة حُسمت بشكل نهائي لصالح (الدعم السريع). من المؤكد أن للجيش خططه العسكرية التكتيكية والاستراتيجية لخوض معارك طويلة في كردفان، وقطعاً لا تستثني هذه الخطط استعادة ولايات دارفور».

وأوضح أن الحرب «كرّ وفرّ»، وأن «خسارة مدينة أو استعادتها واردة في الحرب، وقد تتغير الأوضاع على الأرض في أي وقت لصالح أحد الأطراف».

وكان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، صرح عقب انسحاب قواته من الفاشر بأن القوات المسلحة قادرة على «قلب الطاولة»، وتحقيق النصر على «الدعم السريع» في كل البلاد.

ومع استبعاد أن تنتهي الحرب عبر الحسم العسكري لأحد طرفَي النزاع، وهو موقف مجمع عليه دولياً، بسبب طبيعة الحرب المتشابكة والتدخلات الخارجية، يعود سيناريو «حارِب وفاوِض» إلى واجهة المشهد، وهو أن يسعى كل طرف إلى أن يُحدث تغييراً في موازين القوى على الأرض بشكل جذري، يدفع باتجاه وقف الحرب عبر طاولة المفاوضات.


مقالات ذات صلة

النيل ينحسر... والسودان يواجه اختبار المياه

المشرق العربي انحسار مياه النيل تسبب في خروج كثير من محطات المياه عن الخدمة (موقع ولاية الخرطوم على «فيسبوك»)

النيل ينحسر... والسودان يواجه اختبار المياه

تحول انخفاض منسوب مياه النيل في السودان إلى أزمة أدت إلى خروج محطات مياه الشرب عن الخدمة وأثارت مخاوف من امتدادها للموسم الزراعي.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا معاناة وجوع يرتسمان في محيا سودانية بمخيم الحمانية للنازحين جنوب كردفان 7 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

الفقر يحاصر 83 % من السودانيين قبل الحرب

أظهر مسح الفقر المتعدد الأبعاد عن عام 2023، أصدره الجهاز المركزي للإحصاء الحكومي، أن 82.8 % من السودانيين كانوا يعانون من الفقر المتعدد الأبعاد.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا البرهان أعلن قبل أيام إطلاق حوار سياسي شامل وسط توقعات بأنه لم يمانع مشاركة قوى موالية له في اجتماعات أديس أبابا (فيسبوك)

البرهان يطلق مشاورات الحوار الوطني الداخلي السوداني

بحث رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان مع «الكتلة الديمقراطية» إطلاق حوار سياسي داخلي... فيما احتضنت نيروبي اجتماعات لقوى «صمود».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا دبابتان متضررتان أمام مبنى بنك السودان المركزي بعدما استعاد الجيش السيطرة على العاصمة في أبريل 2025 (أ.ف.ب) p-circle

السودان يرفض العقوبات الأميركية واتهامه باستخدام أسلحة كيماوية

رفضت الحكومة السودانية بشدة العقوبات التي فرضتها الإدارة الأميركية عليها، بسبب اتهامها للجيش باستخدام أسلحة كيماوية خلال الحرب.

أحمد يونس (كمبالا)
الخليج الطائرة السعودية الإغاثية حملت مساعدات إنسانية متنوعة شملت سلالاً غذائية ومواد طبية (واس)

طائرة إغاثية سعودية تصل إلى السودان

وصلت طائرة إغاثية سعودية، الاثنين، إلى «مطار الخرطوم الدولي» بالسودان، تحمل على متنها مساعدات إنسانية متنوعة تشتمل على سلال غذائية ومواد طبية تزن 10 أطنان...

«الشرق الأوسط» (الرياض)