الأُبَيِّض... عاصمة الصمغ العربي هل هي الهدف التالي لـ«قوات الدعم السريع»؟

السودان على مشارف موجة ثالثة من الحرب أشد ضراوة

TT

الأُبَيِّض... عاصمة الصمغ العربي هل هي الهدف التالي لـ«قوات الدعم السريع»؟

نازحون سودانيون فرّوا من الفاشر بعد سقوط المدينة في أيدي «قوات الدعم السريع» يستريحون بالقرب من بلدة طويلة بمنطقة دارفور غرب السودان في 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون فرّوا من الفاشر بعد سقوط المدينة في أيدي «قوات الدعم السريع» يستريحون بالقرب من بلدة طويلة بمنطقة دارفور غرب السودان في 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

بسقوط مدينة الفاشر في شمال دارفور، غرب السودان، الأحد الماضي، تكون «قوات الدعم السريع» قد استحوذت على معظم الإقليم بولاياته الخمس، ما عدا أجزاء صغيرة من الأراضي، في أقصى الشمال الغربي، ينتشر فيها الجيش السوداني و«القوة المشتركة» المتحالفة معه، بعد انسحابهما من الفاشر، ورقعة محدودة تتمركز فيها قوات «حركة تحرير السودان»، بقيادة عبد الواحد النور، في محيط جبل مرة غرب دارفور، لكن حتى هذه المناطق تعدها «الدعم السريع» خاضعة لنفوذها، باعتبارها القوة العسكرية الكبرى في الإقليم.

وعلى ضوء هذه التطورات الميدانية المتسارعة، والتي وُصفت بأنها تمثل نقطة تحول في مسار الحرب الدائرة بين الجيش و«الدعم السريع»، تغيرت خريطة السيطرة في دارفور وكردفان لصالح الأخيرة، وتنبئ تلك المؤشرات إلى أن المشهد في السودان يبقى مفتوحاً على كل الاحتمالات، بما في ذلك موجة من القتال أشد ضراوة وفظاعة، ظهرت ملامحها في الفاشر أخيراً.

هذا التموضع العسكري الجديد لـ«قوات الدعم السريع» في شمال دارفور، يهدد بنقل الحرب إلى ولايات في عمق شمال ووسط البلاد خاضعة لسيطرة الجيش، منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عامين ونصف العام، وسبق أن كشف كبار القادة في «الدعم السريع» عن أن تلك المناطق في قائمة بنك أهدافهم العسكرية.

هل الأُبَيِّض في خطر؟

في الأيام الماضية تقدمت «قوات الدعم السريع» في شمال كردفان وسط البلاد، واستولت على مدينة بارا الاستراتيجية، التي تبعد نحو 40 كيلومتراً شمال عاصمة الولاية الأُبَيِّض، وتمددت انتصاراتها لتشمل منطقتَي «أم دم حاج أحمد» و«الزريبة» (على الشمال الغربي للأُبيِّض)، وبدأت في مناوشات لإسقاط مدينتَي الرهد (جنوب الأُبَيِّض) وأم روابة (شرق الأُبَيِّض)، لتطويق مدينة الأُبيّض من الجهات الأربع قبل اقتحامها.

في الوقت الراهن، تُعد مدينة الأُبيّض المقر الرئيسي لغرفة التحكم والسيطرة لقيادة الأعمال القتالية واللوجستية للجيش السوداني، وتقع جغرافياً في وسط البلاد تقريباً، ويتخذ منها الجيش مركزاً متقدماً وقاعدة عسكرية لشن هجماته على «الدعم السريع» في شمال وغرب ولاية كردفان، التي كانت تمثل المعبر البري الوحيد لاستعادة الفاشر قبل سقوطها.

حال سقوط الأُبيّض التي تبعد نحو 600 كيلومتر عن العاصمة الخرطوم، وفق ما تظهر الخطط المكشوفة لـ«الدعم السريع»، يصبح الطريق مفتوحاً أمام قواتها للتقدم نحو مدينة أم درمان، ثاني كبرى مدن العاصمة السودانية، والسيطرة عليها مرة ثانية، وهو هدف صرح به قادة «الدعم السريع» مراراً وتكراراً، وبنيتهم تنفيذ اجتياح كامل البلاد.

وتعد الأُبَيِّض من أهم وأكبر مدن السودان؛ إذ تشتهر بأكبر سوق للمحاصيل النقدية في السودان، وبها أكبر بورصة للصمغ العربي في العالم. وتعد ملتقى طرق مهمة، ومركزاً تجارياً وزراعياً بارزاً. كما يمر عبرها خط أنابيب النفط الممتد من الجنوب نحو الشرق إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر. وقد اتخذتها بعثة الأمم المتحدة في السودان مقراً لقاعدتها اللوجستية. وتُعرف الأُبَيِّض لدى السودانيين بلقب «عروس الرمال».

المهمة الصعبة

ومع إرهاصات توغل «الدعم السريع» وحشدها قوات كبيرة في شمال كردفان، رصدت تقارير حديثة لمنظمة الهجرة الدولية موجات نزوح المواطنين بالآلاف من مدينتَي بارا و«أم دم حاج أحمد»، متوجهين إلى الخرطوم وولاية النيل، هرباً من الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها من قبل «قوات الدعم السريع»، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن مدينة الأُبيّض تشهد أيضاً حركة نزوح ملحوظة، تحسباً لتكرار سيناريو انسحاب الجيش من الفاشر.

نازحون سودانيون يتجمعون بعد فرارهم من مدينة الفاشر في بلدة طويلة بالسودان (رويترز)

ولكن هل ستكون المهمة سهلة في كردفان؟ يقول اللواء المتقاعد كمال إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»: «لا توجد معركة سهلة قطعاً»، مشيراً في هذا الصدد إلى القتال العنيف الذي دار في مدينة الفاشر، وحصارها لأكثر من عام ونصف العام، قبل أن يحدث الانهيار الكامل والقتل والموت والدمار الكبير الذي لحق بالمدينة.

وأضاف: «ستكون معركة الأُبيّض كارثة أكبر مما حدث في الفاشر، إذا حدثت». وقال إسماعيل: «لا يوجد منتصر في الحرب، حتى لو سقطت مدينة الأُبيّض في يد (قوات الدعم السريع)، لا يعني هذا نهاية المعارك، وإنما بداية لمعارك كبيرة، تنتقل من منطقة لأخرى، وتهدد بتشظّي السودان».

وتابع: «آن الأوان لوقف الحرب والعدائيات في كل مناطق القتال، وأن يتوجه الطرفان لوضع السلاح، والانخراط في مبادرة آلية (الرباعية الدولية) لاستعادة الأمن والاستقرار في البلاد».

ونقلت صحيفة «سودان تربيون» المستقلة عن مصادر عسكرية، أن قيادة هيئة أركان الجيش السوداني أرسلت مجموعة من كبار القادة العسكريين إلى غرفة العمليات المركزية في مدينة الأُبيّض، في حين يبدو أنه تغيير جديد في خطة إدارة الحرب.

ولا يزال الجيش السوداني يسيطر على كامل ولاية الخرطوم بمدنها الثلاث (الخرطوم، والخرطوم بحري، وأم درمان)، والولايات الشمالية ونهر النيل في الشمال، وولايات الإقليم الشرقي الثلاث، وفي الوسط يسيطر على ولاية الجزيرة، بالإضافة إلى ولايات النيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

ولم يتبقَّ للجيش في ولاية غرب كردفان سوى «الفرقة 22 مشاة» في مدينة بابنوسة، وتقع تحت حصار شديد من «قوات الدعم السريع» لأكثر من عامين متتاليين، ونزح جميع سكان المدينة إلى المناطق المجاورة.

مخاوف دولية

وبث اكتساح «قوات الدعم السريع» للفاشر مخاوف إقليمية ودولية من تقسيم السودان إلى إقليمين بحكومتين تتنازعان الشرعية في بلد واحد، على غرار ما حدث في ليبيا. هذه المخاوف عبّر عنها كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، في مقابلة نُشرت بـ«الشرق الأوسط»، محذراً من تداعيات الإقدام على هذه الخطوة على كل المنطقة، ولم يخفِ امتداد تأثيرها إلى الأمن المائي في البحر الأحمر، الذي عدّه خطاً أحمر لمصالح بلاده.

هذا السيناريو لم يكن مستبعداً حدوثه، من ضمن سيناريوهات أخرى بديلة كان يُتوقع أن يفرزها تطاول أمد النزاع المسلح في السودان، لكن في أعقاب التطورات العسكرية الأخيرة بسقوط الفاشر، يبدو أن هذا السيناريو أقرب إلى التحقيق على الأرض أكثر من أي وقت مضى، على الرغم من رفض المجتمع الدولي بالإجماع لوجود سلطة موازية في السودان.

قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) في خطابه الأخير، عقب استيلاء قواته على الفاشر، قال بشأن الحديث عن أن «تحرير الفاشر» بداية لانقسام السودان، إنه «رواية خرجت من غرف جهاز استخبارات الجيش السوداني»، مشيراً إلى أن الفاشر يمكن أن تُعد نقطة تحول استراتيجية لوحدة السودان «سلماً أو حرباً»، مردفاً: «من يتحدثون عن التقسيم لا يقرأون المشهد بشكل صحيح، لن نقبل أي نقاش عن تفتيت وحدة السودان».

وقال ضابط في الجيش السوداني متقاعد برتبة رفيعة، إن الفاشر مدينة استراتيجية وشديدة الأهمية من ناحية «الجيوبوليتيك العسكرية»؛ لذا تحاول «الدعم السريع» صرف الأنظار بنقل المواجهات إلى كردفان، وهو ما يحدث حالياً، والشروع في تنفيذ مخططاتها العسكرية الأخرى. وأضاف الضابط الذي فضّل عدم ذكر هويته، أن «سقوط الفاشر لا يعني أن المعركة حُسمت بشكل نهائي لصالح (الدعم السريع). من المؤكد أن للجيش خططه العسكرية التكتيكية والاستراتيجية لخوض معارك طويلة في كردفان، وقطعاً لا تستثني هذه الخطط استعادة ولايات دارفور».

وأوضح أن الحرب «كرّ وفرّ»، وأن «خسارة مدينة أو استعادتها واردة في الحرب، وقد تتغير الأوضاع على الأرض في أي وقت لصالح أحد الأطراف».

وكان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، صرح عقب انسحاب قواته من الفاشر بأن القوات المسلحة قادرة على «قلب الطاولة»، وتحقيق النصر على «الدعم السريع» في كل البلاد.

ومع استبعاد أن تنتهي الحرب عبر الحسم العسكري لأحد طرفَي النزاع، وهو موقف مجمع عليه دولياً، بسبب طبيعة الحرب المتشابكة والتدخلات الخارجية، يعود سيناريو «حارِب وفاوِض» إلى واجهة المشهد، وهو أن يسعى كل طرف إلى أن يُحدث تغييراً في موازين القوى على الأرض بشكل جذري، يدفع باتجاه وقف الحرب عبر طاولة المفاوضات.


مقالات ذات صلة

«مسيّرات» طرفي النزاع تحصد عشرات السودانيين

شمال افريقيا لقطة من فيديو متداول لآثار المعارك في الدلنج السبت

«مسيّرات» طرفي النزاع تحصد عشرات السودانيين

قتلت «مسيّرات» تابعة لطرفَي النزال في السودان؛ الجيش و«قوات الدعم السريع»، عشرات المواطنين وجرحت آخرين، خلال عمليات عسكرية استهدفت مناطق سيطرة كل منهما.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

خاص الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

بعد سنوات من النزاع المُسلح الذي خلّف دماراً كبيراً بالسودان، لم يتأثر به سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم، بل امتد التأثير إلى البيئة بشكل مخيف.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
تحليل إخباري حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)

تحليل إخباري بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

لاذت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان، بصمت مطبق إزاء قرار الولايات المتحدة تصنيفها «منظمة إرهابية»... فما الأسباب وما الحلول؟

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

استنكرت وزارة الخارجية السودانية تصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش المسؤولية عن جريمة قصف مستشفى «الضعين» بدارفور واتهمته بالانحياز لـ«الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في السودان جراء ضربات بمسيّرات

قُتل 28 مدنياً جرّاء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

الجزائر تودع جنرال المرحلة الانتقالية

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجزائر تودع جنرال المرحلة الانتقالية

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

يشيَّع الرئيس الجزائري الأسبق، اليامين زروال، الذي توفي ليل السبت - الأحد عن عمر ناهز 84 سنة، إلى مثواه الأخير في مسقط رأسه مدينة باتنة (400 كيلومتر شرق العاصمة)، وهو الذي سيّر البلاد في أحلك ظرف مرّت به في تاريخها.

وارتبط اسم زروال، بالنسبة إلى الإسلاميين، بالمشاركة في تكريس «الانقلاب على الشرعية»، عندما حرم الجيش «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» من الوصول إلى السلطة مطلع تسعينات القرن الماضي.

وكان زروال استقال من الجيش في عام 1989، قبل أن يعود وزيراً للدفاع عام 1993، ثم في 30 يناير (كانون الثاني) 1994 أصبح رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد طيلة المرحلة الانتقالية، ثم أول رئيس يُنتخب في استحقاق تعددي عام 1995، وبقي حتى 1998 حيث خلفه الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

ونعت الرئاسة الجزائرية زروال، بينما أقرّ رئيس البلاد عبد المجيد تبّون حداداً وطنياً 3 أيام.


مصر: توقيف عناصر من «حسم» متهمين بـ«التخطيط لاغتيال السيسي»

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
TT

مصر: توقيف عناصر من «حسم» متهمين بـ«التخطيط لاغتيال السيسي»

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

أعلنت وزارة الداخلية المصرية توقيف عناصر من حركة «حسم» الإرهابية، التابعة لتنظيم «الإخوان» الذي تصنفه مصر إرهابياً، بتهمة «التخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف الإضرار بمقدرات الدولة، ومحاولة اغتيال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي».

وقالت «الداخلية»، في إفادة، الأحد، إنها «ألقت القبض على القيادي (الإخواني) الإرهابي، محمود محمد عبد الونيس ضمن إجراءات ملاحقة عناصر (حركة حسم)». وأضافت أن ذلك جاء «ضمن إجراءات ملاحقة عناصر حركة (حسم) المتورطة في أعمال تستهدف الإضرار بالدولة، ومن بينها الدفع بعضوين بالحركة هما أحمد محمد عبد الرازق، وإيهاب عبد اللطيف محمد لتنفيذ عمليات تستهدف المنشآت الأمنية والاقتصادية واستهداف الطائرة الرئاسية، قبل مداهمات الأجهزة الأمنية المصرية في 7 يوليو (تموز) الماضي، لوكر خاص بعناصر الحركة، أدى إلى مقتل عنصرين منها».

وأشارت «الداخلية» الأحد، إلى أن الإرهابي علي محمود عبد الونيس، محكوم بالسجن المؤبد في عدة قضايا إرهابية، أبرزها القضية رقم 120 لعام 2022، الخاصة بـ«محاولة استهداف الطائرة الرئاسية»، و«اغتيال الشهيد المقدم ماجد عبد الرازق».

مقر تنظيم «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

وجاء بيان وزارة الداخلية مصحوباً باعترافات من العنصر «الإخواني»، عن العمليات الإرهابية التي خطط لها، وباقي العناصر المنتمية لحركة «حسم».

واعترف عبد الونيس بمشاركته في ارتكاب عديد من العمليات الإرهابية، منها «استهداف كمين العجيزي بمحافظة المنوفية، وتفجير عبوة ناسفة أمام مركز تدريب أفراد الشرطة بمدينة طنطا، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من أفراد الشرطة، واغتيال العميد عادل رجائي أمام منزله بمدينة العبور».

كما تحدث عن تسلله خلال عام 2016 لإحدى الدول المجاورة بناءً على تكليف من القيادي «الإخواني» الهارب يحيى موسى (مؤسس «حركة حسم»)، وتواصله مع قيادات تنظيم «المرابطون» الذي أسسه هشام عشماوي (تم إعدامه)، وتدشين معسكر بإحدى دول الجوار لتدريب عناصر «حسم» على استخدام الصواريخ المضادة للطائرات والأسلحة الثقيلة والمتفجرات.

كما كشف عبد الونيس عن قيامه وقيادات حركة «حسم» الهاربين بالخارج، وهم يحيى موسى، ومحمد رفيق إبراهيم مناع، وعلاء علي علي السماحي، ومحمد عبد الحفيظ عبد الله عبد الحفيظ، خلال عام 2019، بـ«التخطيط لتنفيذ عدد من العمليات الإرهابية بالبلاد، ودفعهم عناصر الحركة المدربين لتجهيز عدد من السيارات المفخخة، التي انفجرت إحداها أمام (معهد الأورام) في وسط القاهرة»، إلى جانب «قيامهم خلال عام 2025 بالدفع بكل من الإرهابيين محمود شحتة علي الجد، ومصطفى أحمد محمد عبد الوهاب، الموجودين بالخارج بالعودة للبلاد لتنفيذ عمليات عدائية، إلا أنهما لم يتمكنا من ذلك نتيجة رصدهما وضبطهما بمعرفة الأجهزة الأمنية».

جانب من محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» في مصر (أ.ف.ب)

وتعود آخِر العمليات المنسوبة لحركة «حسم» إلى عام 2019، حين اتهمتها السلطات المصرية بـ«التورط في تفجير سيارة بمحيط (معهد الأورام) في القاهرة، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، وإصابة العشرات». كما نُسب إليها «محاولة استهداف مفتي مصر الأسبق، علي جمعة، والنائب العام المساعد، إلى جانب اغتيال رئيس مباحث طامية بمحافظة الفيوم في 2016، وهو العام الذي شهد إعلان الحركة عن نفسها رسمياً».

ويرى خبير مكافحة الإرهاب الدولي، حاتم صابر، أن إعلان «الداخلية المصرية» عن توقيف عناصر من «حسم» يشير إلى «استمرار (الإخوان) في استهداف الداخل المصري بعمليات إرهابية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تنظيم «الإخوان» ما زال يستهدف الداخل المصري رغم التحديات الإقليمية المتصاعدة.

ويقبع معظم قيادات «الإخوان»، وفي مقدمتهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا «عنف وقتل» وقعت بمصر بعد رحيل «الإخوان» عن السلطة في عام 2013، فيما تقيم عناصر أخرى خارج البلاد.

وأشار صابر إلى أن العمليات الإرهابية المعلن عنها في اعترافات الإرهابي المضبوط، ومن بينها استهداف الطائرة الرئاسية «تعكس أن أجهزة استخباراتية (لم يسمّها) تدعم التنظيم»، وقال إن «التخطيط لمثل هذه العمليات يتجاوز قدرات أي تنظيم أو حركة»، لافتاً إلى أن «الغاية الأساسية من هذه العمليات هو الإضرار بقدرات الدولة المصرية السياسية والاقتصادية».

وأكدت وزارة الداخلية المصرية، الأحد، «استمرارها في التصدي بكل حزم لمخططات تنظيم (الإخوان) والداعمين له، التي تستهدف المساس بأمن واستقرار البلاد».


استياء وتحايل مع بدء تطبيق الغلق المبكر للمحال في مصر

شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)
شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)
TT

استياء وتحايل مع بدء تطبيق الغلق المبكر للمحال في مصر

شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)
شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)

قصد السبعيني محمود رمضان وزوجته، مساء السبت، متجراً لشراء مصوغات ذهبية في منطقة العمرانية (جنوب القاهرة)، وبينما كانا يختاران القطعة المنشودة، أمر صاحب المتجر عاملاً عنده أن «يغلق الأنوار في الخارج، ويقف أمام الباب لتنبيهه حال وصول مفتش من الحي»، وكان ذلك بعد الساعة التاسعة مساءً، أي بعد دخول القرار الحكومي بـ«إغلاق المحال التجارية» حيز التنفيذ.

وكانت الحكومة قررت في إطار خطتها لترشيد استهلاك الطاقة، في ظل الحرب الإيرانية، غلق المحال التجارية والمولات والمقاهي في التاسعة مساءً يومياً ،عدا الخميس والجمعة في العاشرة مساءً، وسط حالة استياء من قبل البعض باعتبار القرار «يربك حياتهم».

واستثنى القرار الحكومي محال المواد الغذائية والصيدليات والمطاعم المصنفة بوصفها منشآت سياحية، مع السماح باستمرار خدمة التوصيل على مدار 24 ساعة. ورغم ذلك لم تخفف الاستثناءات الرسمية الاستياء والتحايل على القرار مع بدء تطبيقه، خصوصاً من بعض المحال والمقاهي في المناطق الشعبية.

يقول رمضان لـ«الشرق الأوسط»، وهو موظف حكومي متقاعد: «خرجنا من محل الذهب، وهو في شارع واسع (شبه رئيسي) وجدنا الشارع مظلماً بشكل شبه تام، والمحال مفتوحة بعدما أغلقت أنوارها... ذهبنا وشربنا عصير والمحل مظلم». ويضيف أن الحال في شارعه الجانبي حيث منزله، كانت مختلفة تماماً حيث «المحال مفتوحة».

«الشرق الأوسط» رصدت خلال جولة ميدانية في منطقة الهرم بمحافظة الجيزة، تبايناً بشأن تطبيق القرار، حيث يتحايل البعض عليه بغلق الأنوار مع استمرار العمل على نور كشافات الهاتف. وأرجع أحدهم ذلك، وكان يبيع المثلجات، إلى أن الغلق سيسبب لهم خسائر مادية كبيرة.

محال تجارية في الجيزة أغلقت أبوابها في تمام الساعة التاسعة مساء السبت (محافظة الجيزة)

ويسري القرار الحكومي لمدة شهر ما لم يتم تمديده، غير أن الاستياء الشعبي صاحبه منذ اليوم الأول، واجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي التعليقات الرافضة للقرار والمتخوفة من انتشار الجريمة في الشوارع. وتداول نشطاء صوراً لوسط القاهرة في حالة ظلام تام، وأشاروا إلى أن الأجواء تذكّر بـ«جائحة كورونا» عام 2020.

وشدد محافظ الجيزة، أحمد الأنصاري، خلال جولة ميدانية في شوارع مناطق المريوطية وفيصل والسودان وعرابي وجامعة الدول العربية، على ضرورة التزام جميع المحال والمطاعم والورش والكافيهات والأنشطة الحرفية بالمواعيد المحددة لغلق المحال التجارية، حتى لا تُطبَّق العقوبات المقررة قانوناً على المخالفين، موجهاً بتكثيف الحملات الميدانية لضبط المخالفات.

وتتراوح عقوبة مخالفة القرار بين غرامة بقيمة تتراوح بين 20 ألف جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) و50 ألف جنيه، والحبس حال تكرار المخالفة، وفق القانون رقم 154 لسنة 2029.

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «القرار الحكومي يبدو على الورق منضبطاً ومباشراً، لكنه في الواقع يفتح باباً واسعاً لفهم تعقيدات الحياة اليومية في المدينة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أنه رصد خلال جولة ليلية بشارع فيصل، الواجهات مغلقة والأنوار خافتة، لكن خلف بعض الأبواب المعدنية نصف المغلقة، كانت الحركة مستمرة بهدوء، ويفسر: «يفتح أحد العاملين باباً جانبياً لزبون يعرف المكان، فيما يجلس آخرون في الداخل يتابعون مباراة أو يحتسون الشاي في إضاءة محدودة»، وعلق أن «النشاط لم يتوقف؛ بل غيّر شكله فقط، في ظل ما يسببه القرار من خسائر لبعض الفئات، والتي لا تستطيع تحملها في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة».

ظلام يخيم على أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير غلق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

وفي منطقة حدائق المعادي بالقاهرة، طلت الثلاثينية رحاب عبد المنعم من شرفة منزلها في شارع رئيسي لتجده غارقاً في «صمت مقبض»، على حد وصفها، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»، أنها حين اتصلت بوالدتها التي تبعد عنها نحو كيلومتر وتسكن في شارع ضيق، أخبرتها باستمرار الأنشطة عندها بشكل شبه طبيعي. وأعربت رحاب عن استيائها من القرار، قائلة: «لن نستطيع النزول إلى الشارع في هذا الوقت، فقد أصبح مخيفاً».

وهنا يشير محمود إلى أن أول أيام تطبيق القرار، مساء السبت، يعدّ انعكاساً لكيفَ يتكيف الاقتصاد غير الرسمي مع القرارات التنظيمية؛ إذ «يتحول الامتثال إلى شكل ظاهري، بينما يستمر النشاط فعلياً بطرق ملتوية، وفي الوقت نفسه يتحمل عمال اليومية العبء الأكبر، ويفقدون ساعات العمل الأكثر ربحاً، ما يدفعهم إما للقبول بدخل أقل، أو المخاطرة بالعمل خارج الإطار الرسمي».

وفي منطقة العصافرة بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر)، تكررت المشاهد نفسها؛ حيث أغلقت المحال أبوابها، وحلّ الظلام في الشوارع الرئيسية، في مقابل زحام واستمرار لحركة البيع والشراء بشكل أكبر من المعتاد في إحدى الأسواق بالشوارع الجانبية، وفق الثلاثينية دينا مصطفى، التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها قصدت محل عطارة لشراء زجاجة زيت بعد موعد الغلق، وفوجئت بالزحام الشديد وشراء كميات كبيرة من البعض، تحسباً لوضع أسوأ بعد قرار غلق المحال.

محال تجارية تتحايل على قرار «الإغلاق المبكر» في محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم، وسط توقعات بزيادتها في مارس (آذار) الحالي، متأثرة بتداعيات الحرب الإيرانية، وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

ولا يستبعد الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، أن تضطر الحكومة لاتخاذ إجراءات أخرى لترشيد استهلاك الطاقة في حال استمرار الحرب، وتفاقم أزمة الطاقة عالمياً؛ مثل «تخفيف الأحمال» أو ما هو أسوأ، على حد وصفه.

وناشد النحاس في حديث لـ«الشرق الأوسط»، المواطنين، الالتزام بالقرارات، واتخاذ إجراءات ترشيدية في المنازل لتوفير الطاقة قدر المستطاع.

الأمر نفسه أكده الخبير الاقتصادي، خالد الشافعي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «القرار الحكومي حتى إن شهد اعتراضات ورفض واستياء؛ لكن يجب الالتزام به».