الأُبَيِّض... عاصمة الصمغ العربي هل هي الهدف التالي لـ«قوات الدعم السريع»؟

السودان على مشارف موجة ثالثة من الحرب أشد ضراوة

TT

الأُبَيِّض... عاصمة الصمغ العربي هل هي الهدف التالي لـ«قوات الدعم السريع»؟

نازحون سودانيون فرّوا من الفاشر بعد سقوط المدينة في أيدي «قوات الدعم السريع» يستريحون بالقرب من بلدة طويلة بمنطقة دارفور غرب السودان في 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون فرّوا من الفاشر بعد سقوط المدينة في أيدي «قوات الدعم السريع» يستريحون بالقرب من بلدة طويلة بمنطقة دارفور غرب السودان في 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

بسقوط مدينة الفاشر في شمال دارفور، غرب السودان، الأحد الماضي، تكون «قوات الدعم السريع» قد استحوذت على معظم الإقليم بولاياته الخمس، ما عدا أجزاء صغيرة من الأراضي، في أقصى الشمال الغربي، ينتشر فيها الجيش السوداني و«القوة المشتركة» المتحالفة معه، بعد انسحابهما من الفاشر، ورقعة محدودة تتمركز فيها قوات «حركة تحرير السودان»، بقيادة عبد الواحد النور، في محيط جبل مرة غرب دارفور، لكن حتى هذه المناطق تعدها «الدعم السريع» خاضعة لنفوذها، باعتبارها القوة العسكرية الكبرى في الإقليم.

وعلى ضوء هذه التطورات الميدانية المتسارعة، والتي وُصفت بأنها تمثل نقطة تحول في مسار الحرب الدائرة بين الجيش و«الدعم السريع»، تغيرت خريطة السيطرة في دارفور وكردفان لصالح الأخيرة، وتنبئ تلك المؤشرات إلى أن المشهد في السودان يبقى مفتوحاً على كل الاحتمالات، بما في ذلك موجة من القتال أشد ضراوة وفظاعة، ظهرت ملامحها في الفاشر أخيراً.

هذا التموضع العسكري الجديد لـ«قوات الدعم السريع» في شمال دارفور، يهدد بنقل الحرب إلى ولايات في عمق شمال ووسط البلاد خاضعة لسيطرة الجيش، منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عامين ونصف العام، وسبق أن كشف كبار القادة في «الدعم السريع» عن أن تلك المناطق في قائمة بنك أهدافهم العسكرية.

هل الأُبَيِّض في خطر؟

في الأيام الماضية تقدمت «قوات الدعم السريع» في شمال كردفان وسط البلاد، واستولت على مدينة بارا الاستراتيجية، التي تبعد نحو 40 كيلومتراً شمال عاصمة الولاية الأُبَيِّض، وتمددت انتصاراتها لتشمل منطقتَي «أم دم حاج أحمد» و«الزريبة» (على الشمال الغربي للأُبيِّض)، وبدأت في مناوشات لإسقاط مدينتَي الرهد (جنوب الأُبَيِّض) وأم روابة (شرق الأُبَيِّض)، لتطويق مدينة الأُبيّض من الجهات الأربع قبل اقتحامها.

في الوقت الراهن، تُعد مدينة الأُبيّض المقر الرئيسي لغرفة التحكم والسيطرة لقيادة الأعمال القتالية واللوجستية للجيش السوداني، وتقع جغرافياً في وسط البلاد تقريباً، ويتخذ منها الجيش مركزاً متقدماً وقاعدة عسكرية لشن هجماته على «الدعم السريع» في شمال وغرب ولاية كردفان، التي كانت تمثل المعبر البري الوحيد لاستعادة الفاشر قبل سقوطها.

حال سقوط الأُبيّض التي تبعد نحو 600 كيلومتر عن العاصمة الخرطوم، وفق ما تظهر الخطط المكشوفة لـ«الدعم السريع»، يصبح الطريق مفتوحاً أمام قواتها للتقدم نحو مدينة أم درمان، ثاني كبرى مدن العاصمة السودانية، والسيطرة عليها مرة ثانية، وهو هدف صرح به قادة «الدعم السريع» مراراً وتكراراً، وبنيتهم تنفيذ اجتياح كامل البلاد.

وتعد الأُبَيِّض من أهم وأكبر مدن السودان؛ إذ تشتهر بأكبر سوق للمحاصيل النقدية في السودان، وبها أكبر بورصة للصمغ العربي في العالم. وتعد ملتقى طرق مهمة، ومركزاً تجارياً وزراعياً بارزاً. كما يمر عبرها خط أنابيب النفط الممتد من الجنوب نحو الشرق إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر. وقد اتخذتها بعثة الأمم المتحدة في السودان مقراً لقاعدتها اللوجستية. وتُعرف الأُبَيِّض لدى السودانيين بلقب «عروس الرمال».

المهمة الصعبة

ومع إرهاصات توغل «الدعم السريع» وحشدها قوات كبيرة في شمال كردفان، رصدت تقارير حديثة لمنظمة الهجرة الدولية موجات نزوح المواطنين بالآلاف من مدينتَي بارا و«أم دم حاج أحمد»، متوجهين إلى الخرطوم وولاية النيل، هرباً من الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها من قبل «قوات الدعم السريع»، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن مدينة الأُبيّض تشهد أيضاً حركة نزوح ملحوظة، تحسباً لتكرار سيناريو انسحاب الجيش من الفاشر.

نازحون سودانيون يتجمعون بعد فرارهم من مدينة الفاشر في بلدة طويلة بالسودان (رويترز)

ولكن هل ستكون المهمة سهلة في كردفان؟ يقول اللواء المتقاعد كمال إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»: «لا توجد معركة سهلة قطعاً»، مشيراً في هذا الصدد إلى القتال العنيف الذي دار في مدينة الفاشر، وحصارها لأكثر من عام ونصف العام، قبل أن يحدث الانهيار الكامل والقتل والموت والدمار الكبير الذي لحق بالمدينة.

وأضاف: «ستكون معركة الأُبيّض كارثة أكبر مما حدث في الفاشر، إذا حدثت». وقال إسماعيل: «لا يوجد منتصر في الحرب، حتى لو سقطت مدينة الأُبيّض في يد (قوات الدعم السريع)، لا يعني هذا نهاية المعارك، وإنما بداية لمعارك كبيرة، تنتقل من منطقة لأخرى، وتهدد بتشظّي السودان».

وتابع: «آن الأوان لوقف الحرب والعدائيات في كل مناطق القتال، وأن يتوجه الطرفان لوضع السلاح، والانخراط في مبادرة آلية (الرباعية الدولية) لاستعادة الأمن والاستقرار في البلاد».

ونقلت صحيفة «سودان تربيون» المستقلة عن مصادر عسكرية، أن قيادة هيئة أركان الجيش السوداني أرسلت مجموعة من كبار القادة العسكريين إلى غرفة العمليات المركزية في مدينة الأُبيّض، في حين يبدو أنه تغيير جديد في خطة إدارة الحرب.

ولا يزال الجيش السوداني يسيطر على كامل ولاية الخرطوم بمدنها الثلاث (الخرطوم، والخرطوم بحري، وأم درمان)، والولايات الشمالية ونهر النيل في الشمال، وولايات الإقليم الشرقي الثلاث، وفي الوسط يسيطر على ولاية الجزيرة، بالإضافة إلى ولايات النيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

ولم يتبقَّ للجيش في ولاية غرب كردفان سوى «الفرقة 22 مشاة» في مدينة بابنوسة، وتقع تحت حصار شديد من «قوات الدعم السريع» لأكثر من عامين متتاليين، ونزح جميع سكان المدينة إلى المناطق المجاورة.

مخاوف دولية

وبث اكتساح «قوات الدعم السريع» للفاشر مخاوف إقليمية ودولية من تقسيم السودان إلى إقليمين بحكومتين تتنازعان الشرعية في بلد واحد، على غرار ما حدث في ليبيا. هذه المخاوف عبّر عنها كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، في مقابلة نُشرت بـ«الشرق الأوسط»، محذراً من تداعيات الإقدام على هذه الخطوة على كل المنطقة، ولم يخفِ امتداد تأثيرها إلى الأمن المائي في البحر الأحمر، الذي عدّه خطاً أحمر لمصالح بلاده.

هذا السيناريو لم يكن مستبعداً حدوثه، من ضمن سيناريوهات أخرى بديلة كان يُتوقع أن يفرزها تطاول أمد النزاع المسلح في السودان، لكن في أعقاب التطورات العسكرية الأخيرة بسقوط الفاشر، يبدو أن هذا السيناريو أقرب إلى التحقيق على الأرض أكثر من أي وقت مضى، على الرغم من رفض المجتمع الدولي بالإجماع لوجود سلطة موازية في السودان.

قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) في خطابه الأخير، عقب استيلاء قواته على الفاشر، قال بشأن الحديث عن أن «تحرير الفاشر» بداية لانقسام السودان، إنه «رواية خرجت من غرف جهاز استخبارات الجيش السوداني»، مشيراً إلى أن الفاشر يمكن أن تُعد نقطة تحول استراتيجية لوحدة السودان «سلماً أو حرباً»، مردفاً: «من يتحدثون عن التقسيم لا يقرأون المشهد بشكل صحيح، لن نقبل أي نقاش عن تفتيت وحدة السودان».

وقال ضابط في الجيش السوداني متقاعد برتبة رفيعة، إن الفاشر مدينة استراتيجية وشديدة الأهمية من ناحية «الجيوبوليتيك العسكرية»؛ لذا تحاول «الدعم السريع» صرف الأنظار بنقل المواجهات إلى كردفان، وهو ما يحدث حالياً، والشروع في تنفيذ مخططاتها العسكرية الأخرى. وأضاف الضابط الذي فضّل عدم ذكر هويته، أن «سقوط الفاشر لا يعني أن المعركة حُسمت بشكل نهائي لصالح (الدعم السريع). من المؤكد أن للجيش خططه العسكرية التكتيكية والاستراتيجية لخوض معارك طويلة في كردفان، وقطعاً لا تستثني هذه الخطط استعادة ولايات دارفور».

وأوضح أن الحرب «كرّ وفرّ»، وأن «خسارة مدينة أو استعادتها واردة في الحرب، وقد تتغير الأوضاع على الأرض في أي وقت لصالح أحد الأطراف».

وكان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، صرح عقب انسحاب قواته من الفاشر بأن القوات المسلحة قادرة على «قلب الطاولة»، وتحقيق النصر على «الدعم السريع» في كل البلاد.

ومع استبعاد أن تنتهي الحرب عبر الحسم العسكري لأحد طرفَي النزاع، وهو موقف مجمع عليه دولياً، بسبب طبيعة الحرب المتشابكة والتدخلات الخارجية، يعود سيناريو «حارِب وفاوِض» إلى واجهة المشهد، وهو أن يسعى كل طرف إلى أن يُحدث تغييراً في موازين القوى على الأرض بشكل جذري، يدفع باتجاه وقف الحرب عبر طاولة المفاوضات.


مقالات ذات صلة

حجاج سودانيون: مشاعر الوصول طغت على مشاق الرحلة والسفر‏

الخليج طغت دموع الفرح ومشاعر الوصول على مشاق الانتظار والسفر (الشؤون الإسلامية)

حجاج سودانيون: مشاعر الوصول طغت على مشاق الرحلة والسفر‏

في مشهدٍ يفيض بالروحانية والخشوع، رصدت «الشرق الأوسط» اللحظات الأولى لوصول دفعة الحجاج السودانيين إلى مقر إقامتهم في أحد الفنادق الكبرى بوسط مكة المكرمة.

عمر البدوي (مكة المكرمة)
العالم العربي أعمدة الدخان تتصاعد من داخل مطار الخرطوم على أثر اشتباكات سابقة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» (أرشيفية - رويترز)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيّرة قادمة من إثيوبيا

أعلن الجيش السوداني، اليوم السبت، إسقاط مسيرة معادية بولاية النيل الأزرق قادمة من إثيوبيا. وقال الجيش السوداني، في بيان صحافي اليوم، إن «القوات المسلحة…

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني الأسبق (الشرق الأوسط)

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

دعا رئيس وزراء السودان السابق، «رئيس تحالف صمود»، عبد الله حمدوك، القوى السياسية والمدنية إلى الالتفاف حول رؤية واضحة لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

تحليل إخباري حرب السودان... هل اقتربت لحظة التسوية؟

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، يبدو السودان أمام لحظة مختلفة سياسياً وإنسانياً؛ فالإنهاك العسكري والمجاعة والضغوط الدولية تدفع أطراف الصراع نحو لحظة مفصلية.

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا بنايات على نهر النيل في مصر (رويترز)

مصر تنشد تمويلاً دولياً لدعم أمنها المائي

أكد وزير الموارد المائية والري، هاني سويلم «أهمية تعزيز الشراكات الدولية والإقليمية، والاستفادة من الخبرات والتمويلات والدعم الفني المُقدَّم من شركاء التنمية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وجّهت مقديشو انتقادات حادة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، بعد إعلانه عدم الاعتراف بشرعية الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في خطوة سبقتها تحركات من مسؤول الإقليم، كان أبرزها دعم المعارضة ضد الحكومة الفيدرالية.

ذلك التمرد، بحسب ما يصف خبير في الشأن الصومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، يأتي في ظل أزمة سياسية داخلية، لكنه لن يقود لتكرار سريع ومباشر لسيناريو انفصال ولاية بونتلاند على نفس مسار إقليم «أرض الصومال»، غير أن الأزمة تأتي في إطار تدريجي وخطير حال أُغلقت كل سيناريوهات الحوار بين الحكومة ودني.

انتقادات حادة

ووجّه وزير الداخلية في الحكومة الفيدرالية الصومالية، علي يوسف علي (حوش)، انتقادات شديدة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، متهماً إياه بأنه عقبة أمام الدولة ووحدة البلاد وتنميتها.

وأوضح «حوش» عبر صفحته في «فيسبوك»، الجمعة، أن «البيان الصادر الخميس عن رئاسة بونتلاند لا يخدم شعب بونتلاند، ولا المجتمع الصومالي عموماً، بل هو جزء من سلسلة من الإنكار والتضليل التي كان دني يمارسها منذ فترة طويلة لعرقلة قيام دولة الصومال».

واتهم وزير الداخلية دني أيضاً بـ«معارضة خطط سابقة، من بينها إلغاء ديون الصومال، وإجراء انتخابات بنظام صوت واحد لكل شخص، واستغلال موارد البلاد، وبناء جيش وطني»، مضيفاً أن «رئيس بونتلاند يدعم مصالح أجنبية، ويستخدم بونتلاند لممارسة ضغوط سياسية على الحكومة الفيدرالية».

والخميس، أعلن رئيس بونتلاند في بيان أنه «لا يعترف بحسن شيخ محمود رئيساً شرعياً للصومال»، متهماً إياه بـ«إساءة استخدام صلاحيات الرئاسة بشكل غير قانوني»، ودعا إلى اجتماع عاجل لجميع الأحزاب السياسية في الصومال للاتفاق على عملية انتخابية شاملة، بحسب إعلام صومالي.

والتوتر قائم بين الحكومة الفيدرالية وولاية بونتلاند، التي أصدرت أكثر من موقف على مدار أكثر من عام مخالف لتوجهات حسن شيخ محمود، ورفضت الحوار معه، وانضم دني إلى مجلس مستقبل الصومال المعارض الذي يطالب برحيل النظام.

رئيس ولاية بونتلاند سعيد عبد الله دني (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن التصعيد الأخير بين الحكومة الفيدرالية ودني يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي، والخلاف حول الانتخابات، وتوزيع السلطة، مشيراً إلى أن تمرد بونتلاند يثير مخاوف من تكرار سيناريو «أرض الصومال»، واتساع الفجوة بين مقديشو وبونتلاند، لكن حتى اللحظة لا يزال الوضع مختلفاً.

وأوضح أن بونتلاند لم تعلن الانفصال رسمياً بعد، بل تقول إنها تدافع عن النظام الفيدرالي، وترفض ما تعتبره مركزية مفرطة من الحكومة الفيدرالية، في ظل خلافات أهمها بشأن الانتخابات المباشرة، وصلاحيات المركز والولايات، لافتاً إلى أن بونتلاند ما زالت جزءاً من المؤسسات الصومالية نظرياً، رغم تعليقها التعاون مع الحكومة الفيدرالية في عدة ملفات سابقاً. لكن الخطر الحقيقي لا يزال قائماً، ويتمثل في بناء مؤسسات أمنية وإدارية مستقلة أكثر فأكثر، وتوسع الانقسام السياسي بين الولايات والحكومة المركزية، وفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو تحالفات إقليمية متعارضة، مما يدفع نحو تخوفات من تكرار تدريجي لسيناريو «أرض الصومال»، وليس تكراراً مباشراً أو سريعاً، وفق بري.

وأعلن إقليم «أرض الصومال» الاستقلال عن جمهورية الصومال في 18 مايو (أيار) عام 1991، مستغلاً أزمات داخلية كانت تواجهها مقديشو.

مواقف تصعيدية

وتأتي الخلافات الأخيرة مع إعلان «مجلس الإنقاذ المعارض» في الصومال المدعوم من دني بدء احتجاجات أسبوعية في مقديشو اعتباراً من 4 يونيو (حزيران) المقبل، تُعقد كل خميس حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن انتخابات البلاد، المقرر دستورياً إجراؤها عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة.

وبحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية» في 16 مايو الحالي، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي، وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد في مارس الماضي (وكالة الأنباء الصومالية)

ويعتقد بري أن الحكومة الفيدرالية ليس أمامها في ظل هذه المعارضة التي تتسع إلا عدة خيارات كلها معقدة، أولها الحوار والتسوية السياسية، وهو الخيار الأقل تكلفة والأكثر واقعية، خاصة مع الضغوط الدولية الداعية للتوافق بشأن الانتخابات.

ويمكن لمقديشو أيضاً استخدام النفوذ الدولي والتمويل التنموي للحد من تمرد بونتلاند، لكن هذا الخيار قد يزيد التوتر بدلاً من حله، بحسب بري، لافتاً إلى أن الحكومة قد تسعى لبناء تحالفات داخل بونتلاند، بالتقارب مع شخصيات عشائرية ومعارضين لدني، لكن هذا يحمل مخاطر تفجير صراع داخلي داخل بونتلاند نفسها.

وعن الخيار الأمني والعسكري أضاف بري: «يعد هذا السيناريو الأخطر والأقل احتمالاً حالياً؛ لأن بونتلاند تمتلك قوات أمن قوية نسبياً، بخلاف أن البلاد تواجه تهديداً من (حركة الشباب) الإرهابية، وأي صدام مباشر قد يفتح جبهة داخلية جديدة تهدد استقرار الدولة بالكامل».

ويعتقد بري أن إسقاط دني بطريقة مشابهة لسيناريوهات بعض الولايات الأخرى ليس مستحيلاً، لكنه أكثر تعقيداً وصعوبة، ويحتاج إلى توافقات عشائرية وسياسية واسعة، وليس مجرد قرار من مقديشو.


تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
TT

تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)

أكدت المملكة العربية السعودية ومصر «ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي وتجنب مخاطر التصعيد غير المحسوب الذي يهدد أمن واستقرار الإقليم».

وتبادل وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي مع نظيره المصري، بدر عبد العاطي، السبت، الرؤى حول مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية والتطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة والمساعي الرامية للتهدئة وخفض التصعيد، وذلك في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين الشقيقين حيال مستجدات الأوضاع الإقليمية.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، السبت، شدد الوزيران على «ضرورة تكثيف العمل الدبلوماسي»، وأكدا أن «تغليب لغة الحوار واللجوء إلى مسار التفاوض يمثل الخيار الوحيد لمعالجة القضايا العالقة، وذلك لضمان حفظ أمن واستقرار دول المنطقة وشعوبها».

وكانت مصر قد أدانت بشدة محاولة استهداف أراضي السعودية باستخدام طائرات مسيّرة. وأكدت في بيان أصدرته وزارة الخارجية، الاثنين الماضي، تضامنها الكامل مع السعودية، وموقفها الثابت والداعم لها في مواجهة أي تهديدات، معربة عن دعمها للإجراءات والتدابير التي تتخذها المملكة لحماية سيادتها وصون أمن مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

وشددت القاهرة حينها على التزامها الراسخ بأمن دول الخليج، باعتباره ركيزة أساسية للأمن القومي المصري، ولأمن واستقرار المنطقة، محذرة من أن هذه الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي من شأنها زيادة تعقيد المشهد الإقليمي الراهن وعرقلة جهود التهدئة.

كما جرى اتصال هاتفي آخر بين عبد العاطي ووزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مساء الجمعة، وذلك في إطار متابعة مستجدات الأوضاع الإقليمية. وأطلع عراقجي نظيره المصري على آخر مستجدات المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بجهود الوسطاء، والجهود المبذولة للتوصل إلى تفاهمات توافقية بين الجانبين.

وذكرت «الخارجية المصرية» في إفادة، السبت، أن الوزير عبد العاطي أكد «أهمية مواصلة المسار الدبلوماسي»، مشدداً على «ضرورة التوصل إلى اختراق يسهم في خفض حدة التوتر والتصعيد في المنطقة، بما يجنب الإقليم مخاطر اتساع رقعة الصراع وانعكاساته على الأمن والاستقرار الإقليمي».

وأيضاً شدد بدر عبد العاطي ورئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال اتصال هاتفي، السبت، على أن «المنعطف الدقيق الذي تمر به المنطقة يفرض على كل الأطراف المعنية التحلي بأقصى درجات المرونة والمسؤولية». وأشارا إلى «ضرورة الأخذ في الاعتبار شواغل جميع الأطراف بوصفها ركيزة أساسية لضمان التهدئة المستدامة، والحيلولة دون انزلاق الإقليم نحو دوامة جديدة من الصراع وعدم الاستقرار».


الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
TT

الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)

في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة الاتحاد الأوروبي للملف الليبي، أعلن السفير الأوروبي لدى ليبيا، نيكولا أورلاندو، عن توافق واسع مع سلطات شرق البلاد بشأن إطلاق شراكة تنموية وأمنية جديدة، تشمل التعاون مع صندوق الإعمار، وتعزيز إدارة الحدود، والتصدي للهجرة غير النظامية.

وجاء الإعلان الأوروبي عقب سلسلة اجتماعات فنية ودبلوماسية في مدينة بنغازي، شاركت فيها بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (EUBAM)، والعملية البحرية الأوروبية «إيريني»، إلى جانب مسؤولين من المديرية العامة للهجرة والشؤون الداخلية، حيث تم التوافق على خطوات عملية، من بينها دراسة إنشاء مركز لتنسيق عمليات الإنقاذ البحري في المدينة.

وأوضح أورلاندو، في تغريدة عبر منصة «إكس»، مساء الجمعة، أن الشراكة المقترحة مع صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يرأسه بلقاسم حفتر، ستشمل مجالات متعددة، أبرزها دعم البنية التحتية، وتطوير التخطيط العمراني، وتعزيز قدرات البلديات، إضافة إلى برامج تدريب ومنح دراسية، وتحديث أداء مؤسسات الجمارك والموانئ.

كما اتفق الجانبان، بحسب البيان الأوروبي، على توسيع التعاون في ملف الهجرة وإدارة الحدود، بما يشمل دعم عمليات البحث والإنقاذ في البحر والصحراء، وتطوير آليات لمكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، إلى جانب برامج العودة الطوعية، وتوفير الحماية الإنسانية للمهاجرين واللاجئين وفق المعايير الدولية.

وأشار السفير الأوروبي إلى أن هذه التحركات تأتي في إطار تنسيق مع وكالات الأمم المتحدة المعنية، بهدف تحسين «حوكمة الهجرة»، والحد من المخاطر الإنسانية المتزايدة على طرق العبور عبر الأراضي الليبية نحو أوروبا.

في سياق متصل، أعرب أورلاندو عن تقديره للدعم والتسهيلات، التي قدمتها القيادة العامة في شرق ليبيا لتيسير عمل البعثات الفنية، مشيداً بالجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار الأمني وتحسين إدارة ملف الهجرة، بما يتوافق مع الالتزامات الدولية لليبيا.

عملية إنقاذ مهاجرين غير نظاميين على ساحل مدينة طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر الليبي)

ويرى مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، طارق لملوم، أن هذا التطور يعكس تحولاً مهماً في السياسة الأوروبية، حيث لم يعد التعامل مع الملف الليبي محكوماً فقط بمسألة الشرعية السياسية، بل بات مرتبطاً بمدى القدرة الفعلية على ضبط الحدود، والحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.

وتعيش ليبيا واقعاً سياسياً منقسماً بين حكومتين، إحداهما في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها دولياً، وأخرى في الشرق يقودها أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان، وتحظى بدعم من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

وبحسب لملوم فإن «بروكسل باتت تتعامل بشكل مباشر مع الأطراف، التي تملك النفوذ والسيطرة على الأرض، والقادرة عملياً على إدارة هذا الملف، حتى وإن لم تكن دائماً ضمن إطار الحكومة المعترف بها دولياً»، وفق منشور عبر حسابه بموقع «فيسبوك». لافتاً إلى أن تطورات المشهد في شرق ليبيا، وما ارتبط بها من توظيف لملف الهجرة ومسارات التهريب، أسهمت في فرض واقع جديد، دفع الاتحاد الأوروبي إلى توسيع دائرة تواصله وشراكاته، بما في ذلك الحضور المباشر في بنغازي.

ميدانياً، تزامن الحراك الأوروبي النشط مع إعلان السلطات في شرق ليبيا عن إنقاذ 60 مهاجراً غير نظامي قبالة السواحل الليبية، السبت، في عملية نفذتها أجهزة خفر السواحل بالتنسيق مع الهلال الأحمر الليبي، ضمن جهود الاستجابة لحالات الهجرة المتزايدة عبر البحر المتوسط.

وتؤكد منظمات إنسانية أن ليبيا لا تزال واحدة من أبرز نقاط العبور الرئيسية للمهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا منذ عام 2011، نتيجة الفوضى الأمنية والانقسام السياسي، منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي، ما أدى إلى تنامي شبكات التهريب عبر البحر والصحراء، وتزايد المخاطر الإنسانية على طول هذه المسارات.