«سقوط الفاشر»... هل يعيد تشكيل السودان؟

بين الثأر والسلام... مستقبل البلاد في «كف عفريت» مسلح بالمسيّرات


النيران تلتهم سوقاً في الفاشر أكبر مدن إقليم دارفور نتيجة المعارك (أ.ف.ب)
النيران تلتهم سوقاً في الفاشر أكبر مدن إقليم دارفور نتيجة المعارك (أ.ف.ب)
TT

«سقوط الفاشر»... هل يعيد تشكيل السودان؟


النيران تلتهم سوقاً في الفاشر أكبر مدن إقليم دارفور نتيجة المعارك (أ.ف.ب)
النيران تلتهم سوقاً في الفاشر أكبر مدن إقليم دارفور نتيجة المعارك (أ.ف.ب)

لا يمكن النظر إلى «سقوط» مدينة الفاشر بيد «قوات الدعم السريع»، كأنه مجرد حدث «عسكري عابر» فقط، يُصنَّف ضمن عمليات «الكر والفر» بين طرفَي القتال في السودان، لكنه في نظر كثير من المحللين «انعطافة حادة» في الحرب بين الطرفين.

ولا تعدّ الفاشر مجرد عاصمة لولاية شمال دارفور، أو مركز ثقل الإقليم كله، بل تتعدى ذلك، لأهميتها التاريخية، وربما يعدّ «صمودها» الذي استمرّ أكثر من عام ونصف العام بوجه حصار «قوات الدعم السريع»، دليلاً لأهميتها القصوى بالنسبة للسودان ولطرفَي النزاع، ورمزاً لطبيعة الحرب المستمرة منذ أكثر من 18 شهراً، وتعبيراً عن فشل «الدولة المركزية». لقد فتح سقوط المدينة بوابات لأسئلة عدة ومعقّدة، تتعلق بوحدة البلاد، وإعادة توزيع موازين القوى، واحتمالات ولادة نظام جديد، ترسمه الخطابات الموالية للطرفين، التي تفوح من بعضها رائحة الانتصار، ورائحة الهزيمة من الآخر. فخريطة السودان الجديدة، بحسب تصريحات الطرفين، تحدِّدها فوهات البنادق.

تقول الصحافية المتابعة لتطور «أهوال الحرب»، شمائل النور، بحسب صفحتها على منصة «فيسبوك»، إن سيطرة «قوات الدعم السريع» على الفاشر، وبالتالي «كامل إقليم دارفور» تتيح لها موقفاً تفاوضياً أقوى، «يراعي ميزان القوة الجديد على الأرض». وتحذِّر من دخول البلاد في حرب استنزاف طويلة، ومن تقسيم للبلاد على غرار «السيناريو الليبي».

وتقول: «قد يُفتَح الباب لتطبيق السيناريو الليبي، أو إدخال السودان في حرب استنزاف طويلة المدى، إذا تمسّك الطرفان بالحل العسكري».

ويتشابه ما ذهبت إليه شمائل النور، مع ما ذهبت إليه الباحثة المصرية د. أماني الطويل، في مقال نشرته على موقع «مصر 360»، حيث عدّت سقوط الفاشر «تحولاً حاسماً في الحرب السودانية». وقالت إنه لا يقتصر على رمزية الفاشر أو موقعها الجغرافي، بل «يعبِّر عن تغيُّر عميق في موازين القوى»، وتضيف: «الفاشر لم تعد مجرد مدينة، بل تعد مؤشراً على تفكك الدولة المركزية وتحول السودان إلى أقاليم متنازعة».

صورة للأقمار الاصطناعية لجثث في شوارع مدينة الفاشر (أ.ب)

دفاع وهجوم

في خطابه الجماهيري، يوم الاثنين الماضي، أي بعد 3 أيام من سقوط المدينة، عمل قائد الجيش رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، على رسم صورة لقواته بأنها «درع للدولة وممثلة الشعب» بقوله: «هذه محطة من محطات العمليات العسكرية، التي فُرضت علينا كشعب سوداني، وسننتصر لأننا نقاتل من أجل الوطن».

وقال إن قواته انسحبت من المدينة «تجنباً للدمار، والقتل الممنهج للمدنيين». وشدَّد على عدم انتهاء المعركة، «بل هي مرحلة من الحرب، ستُحسم لصالح الشعب السوداني». وجدَّد البرهان وصفه القديم لـ«قوات الدعم السريع» بأنها «ميليشيا مرتزقة»، واتهمها بارتكاب «جرائم على مرأى العالم»، وتوعَّد بـ«القصاص وتطهير الأرض من الدنس».

وحملت لغة البرهان «نبرة دينية - عسكرية»، استدعى فيها قيم الفداء والصبر، لكنها بحسب المحللين تتضمَّن اعترافاً ضمنياً بـ«خلل ميداني» أدى لعجز الجيش عن حماية آخر معاقله في غرب البلاد.

لقد بدا خطاب البرهان دفاعياً وتعبوياً معاً، استند إلى استثارة عواطف «المظلومية، والوحدة الوطنية، والثأر»، وذلك من أجل استعادة روح الصمود، وثقة القواعد الموالية له.

حميدتي والبحث عن الشرعية

وبحثاً عن الشرعية، حاول محمد حمدان دقلو «حميدتي» في خطابه، الأربعاء، عقب سقوط الفاشر، أن يحمل خطابه «لغة المنتصر الواثق»، الذي يحدِّد الأجندة بقوله: «تحرير الفاشر ليس انقساماً للسودان، بل تحول نحو وحدته»، قاطعاً بأن قواته «لا تسعى للسلطة، بل للسلام، وأن مرحلة الحرب انتهت لتبدأ مرحلة السلم».

وركز حميدتي على إظهار قواته بوصفها قوة منضبطة ومؤسسة، وتلتزم بأخلاق الحرب في مواجهة الاتهامات التي وُجِّهت لها بارتكاب فظائع بعد الاستيلاء على المدينة: بقوله: «ممنوع قتل الأسرى، ممنوع الاعتداء على المدنيين... أي جندي يتجاوز سيُحاسب فوراً».

ودعا المنظمات الإنسانية لإغاثة المواطنين، الذين دعاهم للعودة لمساكنهم بعد إزالة الألغام، وتحت تأمين «الشرطة الفيدرالية». ومستعلياً على خصمه، وصف حميدتي ضباط الجيش الذين تدرَّبوا في الكلية العسكرية بأنهم «أبناء كلية العنصرية والكيزان»، وحمَّل الحركة الإسلامية المسؤولية عن إشعال الحرب، ضمن سردية تتأرجح بين البحث عن الشرعية، والخلاص من نظام الإسلاميين.

وأعاد حميدتي تقديم نفسه بوصفه قائدَ دولة وليس قائد قوات متمردة، وتحدَّث عن الحكومة الموازية، الموالية له، حكومة «تحالف تأسيس» التي تتخذ من مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور مقراً لها، وإلى سعيها لتأسيس «جيش جديد ودولة مدنية ديمقراطية» بوصف حكومته مشروعاً بديلاً لتلك الحكومة التي يترأسها البرهان، وتتخذ من بورتسودان الساحلية عاصمة مؤقتة.

«حَيَّ على الجهاد»

على الضفة الأخرى من نهر الحرب الموار، حاول علي أحمد كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية، الانتقال بالمعركة من معركة سياسية إلى معركة دينية. ففي خطاب بثَّته منصات الحركة بعد سقوط الفاشر، خاطب كرتي مَن أسماهم «الشهداء الذين صمدوا في الفاشر وبارا»، ودعا إلى «الثأر» ممن أسماهم «الميليشيات السفاكة، ودولة الشر وداعميها»، مؤكداً أن الحركة الإسلامية التي يترأسها «ستظل سداً منيعاً خلف القوات المسلحة».

صورة التقطت بالقمر الاصطناعي قبل أيام لدخان يتصاعد من مدينة الفاشر السودانية (أ.ف.ب)

أعاد كرتي الحرب إلى سياقها العقائدي القديم، عادّاً الجيش «جند الكرامة، وحامي الأرض والعقيدة»، بمواجهة «متآمرين على الإسلام، إقليميين ودوليين»، وهو ما أعاد إلى ذاكرة المراقبين «لغة الجهاد السياسي» التي سادت في البلاد إبان الحرب مع جنوب السودان، والتي جيشت لها حركته تحت الشعارات الجهادية.

المحلل السياسي السوداني محمد لطيف حاول في إفادته لـ«الشرق الأوسط» النظر لمترتبات سقوط الفاشر من زاوية مختلفة، استبعد من خلالها سيناريوهات التقسيم إلى دولتين في الوقت الحالي، لكنه حذَّر من «اللبننة»، بقوله: «قوات الدعم السريع كانت الأكثر ميلاً لإنهاء الحرب، بينما ظل الجيش يعرقل أي هدنة، ما يعني أن التمسك بوحدة السودان في خطاب الجيش للاستهلاك السياسي».

لطيف حذَّر من أن يقود استمرار الحرب إلى تحويل البلاد إلى «كانتونات مسلحة، لا إلى دولتين فقط»، لأن السلاح بات مشرعاً في أيدي الجميع. وهكذا تتسع الفجوة بين موقف كرتي ورؤية لطيف، فجوة بين خطاب الدولة الدينية الذي «يقدس الحرب»، والتحليل السياسي الذي يرى في استمرار الحرب الخطر المحدق الذي يهدد بتفكك الدولة.

صورة للأقمار الاصطناعية لجثث في شوارع مدينة الفاشر (أ.ب)

السودان لن يعود

رسم الصحافي المصري الشهير إبراهيم عيسى في مقطع فيديو تناول فيه تطور الأوضاع في السودان، صورةً قاتمةً للأوضاع في السودان بعد سقوط الفاشر، بقوله: «سقوط الفاشر ليس إلا محطة في طريق تفكك السودان»، وتابع: «السودان لن يعود كما كان، لأن عوامل التمزق كلها قائمة: الإسلام السياسي، والتنوع القبلي، والاستبداد». وعدّ ما حدث ويحدث في دارفور امتداداً لسياسات «الإخوان المسلمين» الذين صنعوا الجنجويد وشرعنوا وجودهم كقوات دعم سريع. وتابع: «لا فرق بين البرهان وحميدتي إلا في موقع السلطة، فكلاهما نتاج لنظام واحد، هو النظام الإسلامي العسكري الذي دمَّر السودان».

المحامي والقيادي في «تحالف تأسيس» حاتم إلياس، قدَّم رؤيةً من داخل تحالفه، بشأن التوازنات الجديدة التي ترتبت على سيطرة «الدعم السريع» على الفاشر، بقوله: «الجيش يعاني حالة ضعف هيكلية منذ سنوات طويلة، نتيجة لتخريبه من قبل نظام الإنقاذ، الذي حوله إلى مؤسسة حزبية تابعة للحركة الإسلامية». وأضاف إلياس: «ما يحدث اليوم، قد يفتح الباب أمام سيناريو أفريقي للتغيير، كما حدث في تشاد وأوغندا وإثيوبيا، حين تصل حركة مسلحة إلى السلطة بالقوة». وحذَّر من نفاد صبر المجتمع الدولي بالقول: «المجتمع الدولي لن ينتظر البرهان، الواقع تحت أجندة الإسلاميين، طويلاً».

وتلمح إفادة إلياس إلى أن سقوط الفاشر ليس مجرد نصر عسكري في معركة ضمن حرب، بل إلى أنه يصنع مساراً أوسع، يتمثل في انهيار المؤسسة العسكرية التقليدية، وصعود «قوات الدعم السريع» بوصفها أداة انتقال سياسي، لا مجرد طرف في حرب.

صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر تجمعاً لأشخاص خارج إحدى القرى في شمال شرقي الفاشر بعد سيطرة «الدعم السريع» على المدينة (أ.ف.ب)

تداعيات عسكرية وسياسية

تقول د. أماني الطويل إن سقوط الفاشر، نقل الصراع إلى «حرب استنزاف طويلة المدى»، لم تعد السيطرة المكانية فيها هي معيار القوة. وتتابع: «يصبح السؤال عمّن يملك الأرض، أقل أهمية ممن يملك الحركة والمعلومة».

موقف د. أماني الطويل يقع قريباً من توقعات الخبير العسكري المقدم متقاعد عمر أرباب في إفادته لـ«الشرق الأوسط»، الذي يستبعد إمكانية بسط «قوات الدعم السريع» سيطرتها على كامل ولاية شمال كردفان، وقال: «من الناحية العسكرية، فإن بسط سيطرة (الدعم السريع) على كردفان وارد». لكنه رأى أن استيلاء «الدعم السريع» على عاصمة الولاية، مدينة الأبيض، سيكون مكلفاً للدعم السريع في المرحلة الحالية. وقال: «خطوط الإمداد بين ولاية النيل الأبيض وشمال كردفان، لا تزال متصلة عبر مسار مدينتي كوستي إلى الأبيض، وقطعه شرط أساسي لتقدم الدعم السريع في شمال كردفان».

كردفان في خطر

وتنبأ أرباب بشروع «الدعم السريع» بمحاصرة مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان وعاصمة الإقليم التاريخية، أو مهاجمتها بالمسيّرات والضربات الخاطفة؛ لزعزعة استقرارها، والحيلولة دون تقديمها الإسناد للقوات الأخرى، مع تكثيف الضغوط على مناطق محاصَرة أخرى في ولايتي جنوب كردفان وغرب كردفان: مدن بابنوسة، والدلنج، وكادوقلي؛ من أجل بسط السيطرة عليها تدريجياً.

وتوافَقَ أرباب مع رصفائه، بأن الحرب ستتحول إلى «حرب استنزاف طويلة»، سيكون عنوانها الأكبر «مسيّرات وضربات خاطفة»، بيد أنه استبعد توجه «قوات الدعم السريع» شرقاً لاستعادة الخرطوم، أو ولايات وسط وشمال البلاد بقوله: «عمليات التوسع شرقاً، ستكون مكلفة، لأن القوات المهاجمة ستبتعد عن خطوط الإمداد، والانتشار في مساحات واسعة سيضعفها».

أفراد من «قوات الدعم السريع» يسيرون وسط جثث أشخاص عُزّل ومركبات محترقة في أثناء هجوم بالقرب من الفاشر (رويترز)

من الناحية الأخرى، لم يستبعد أرباب استغلال الجيش لوجود قوات تابعة لـ«القوة المشتركة» في الصحراء الشمالية، في توجيه ضربات خاطفة ضد مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع»، لزيادة العبء عليها ومنعها من التحرك شرقاً أو شمالاً. ولصعوبة تحقيق أي من الطرفين لانتصار حاسم، أو هزيمة ساحقة، قال أرباب: «الطرفان يبحثان عن موقف تفاوضي أفضل». وأضاف: «سقوف الجيش التفاوضية أعلى من الدعم السريع، لذلك لا أتوقع ذهابه إلى عملية تفاوضية في هذه المرحلة»، وتابع: «الجيش رفض التفاوض في واقع ميداني أفضل من هذا، لذلك لا يُتوقع أن يدخل في تفاوض في ظل الوضع الذي ترتب على سقوط الفاشر».

التدخلات الخارجية

واستبعد الخبير العسكري حدوث تدخل خارجي مباشر لصالح الطرفين، بقوله: «لا يتوقع حدوث تدخل عسكري خارجي مباشر، بل سيكون هناك دعم لوجيستي أو سياسي، والاجتماعات التي تدور في دول الجوار هذه الأيام تشير لذلك».

لكن أرباب يرى فيما أسماه «تقاطع تحالفات الجيش مع بعضها بعضاً»، عائقاً لدعمه، بقوله: «قد يكون دعم بعض التحالفات، خصماً على تحالفات أخرى، ما يقلل الدعم المتوقع للجيش، بل يفتح ذلك الباب لأطراف أخرى لدعم الطرف الآخر، فيتعقَّد المشهد بصورة أكبر».

وهكذا يبدو أن هناك «وطناً يتشظى»، بين أيدي الذين يرون في سقوط الفاشر نهاية للدولة القديمة وبناء دولة جديدة على أنقاضها، والذين يرون أن استمرار الحرب يملك شرعية ماضوية وعقدية. لكن ما يجمعهم جميعاً أن الحرب لم تعد حرباً بين جيش وميليشيا، بل صارت حرباً بين رؤيتين متقاطعتين، أدى حدث سقوط الفاشر ليس فقط إلى «سقوط رمزية مدينة»، بل إلى حرب «الكل ضد الكل، وحوَّلها لمجرد معركة بلا نهاية قريبة».


مقالات ذات صلة

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

شمال افريقيا البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

بحث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، الجهود الرامية لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا «الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

أعلنت «قوات الدعم السريع» في ولاية النيل الأزرق السيطرة على محلية الكرمك الاستراتيجية قرب الحدود مع إثيوبيا.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون في تشاد (رويترز - أرشيفية)

تشاد تنقل لاجئين سودانيين بشكل طارئ من منطقة حدودية

قال مسؤول في وكالة معنية بشؤون اللاجئين في تشاد لوكالة «رويترز» للأنباء، الاثنين، إن بلاده بدأت نقل لاجئين بشكل طارئ من منطقة محاذية لحدودها مع السودان.

«الشرق الأوسط» (نجامينا)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات فررن من العنف في إقليم دارفور السوداني يُحضِّرن وجبة الإفطار بجوار ملاجئهن المؤقتة قرب الحدود بين السودان وتشاد في كوفرون التشادية يوم 11 مايو 2023 (رويترز)

مقتل 15 شخصاً بقصف على مدينة لقاوة في السودان

قُتل 15 شخصاً على الأقل في قصف على مدينة لقاوة بولاية غرب كردفان، جنوب السودان، الاثنين، حسبما أفاد مصدر طبي «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا توزيع مساعدات غذائية من برنامج الغذاء العالمي في ضواحي أم درمان بالخرطوم يوم 11 مارس الحالي (أ.ف.ب)

قوات «تأسيس» تسيطر على بلدة وتتقدم نحو مدينة الكرمك

تواصل قوات تحالف «تأسيس»، بقيادة «قوات الدعم السريع»، تقدمها بوتيرة سريعة وتقترب من تطويق مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.