«باكينغهام»... القصر المنبوذ من العائلة المالكة البريطانية منذ فيكتوريا حتى ويليام

تأهيله ينتهي في 2027 بعد أن ظهرت فيه الفئران وتداعت حجارته

أعمال ترميم قصر باكينغهام متواصلة منذ 2017 (موقع القصر)
أعمال ترميم قصر باكينغهام متواصلة منذ 2017 (موقع القصر)
TT

«باكينغهام»... القصر المنبوذ من العائلة المالكة البريطانية منذ فيكتوريا حتى ويليام

أعمال ترميم قصر باكينغهام متواصلة منذ 2017 (موقع القصر)
أعمال ترميم قصر باكينغهام متواصلة منذ 2017 (موقع القصر)

انتقل الأمير ويليام وزوجته كيت ميدلتون وعائلتهما إلى «منزلهما الأبديّ». هذه هي التسمية التي أطلقها الثنائي الملكي البريطاني على مقرّ إقامتهما الجديد في «فورست لودج»، على مقربة من حديقة وندسور الكبرى والتي تبعد 34 كيلومتراً عن وسط لندن. ووفق صحيفة «تلغراف» البريطانية، فإنّ ويليام وكيت قد انتقلا قبل أيام، خلال عطلة منتصف الفصل الدراسي لأولادهما.

من جانبهما، يستقر الملك تشارلز وزوجته كاميلا في «كلارنس هاوس» منذ عام 2003، ولا تراودهما إطلاقاً فكرة السكَن في قصر باكينغهام.

لا يقيم الملك تشارلز في «باكينغهام» بل في «كلارنس هاوس» (رويترز)

تلك التحفة المعمارية التي يزورها 50 ألف سائح سنوياً غير محبوبة من العائلة البريطانية المالكة. والنفور من القصر التاريخي ليس حديث العهد ولا يقتصر على الجيل الجديد من ورثة العرش، بل يعود إلى قرونٍ مضت.

الملكة التائهة في «باكينغهام»

منذ 1837، يُعَدّ قصر باكينغهام مقرّ الإقامة الرسمي لملكات إنجلترا وملوكها، غير أنه يعاني منذ سنوات من الفراغ، إذ يقتصر سكّانه على عدد محدود من العمّال والموظفين. ليس سبب ذلك أعمال إعادة الترميم التي انطلقت عام 2017، بل لأن أصحاب القصر لا يرتاحون فيه.

قاعة العرش في «باكينغهام» وهو مقر الإقامة الرسمي لملوك إنجلترا (موقع القصر)

يُحكى أن الملكة ماري، زوجة الملك جورج الخامس، تاهت مرةً 3 ساعات بينما كانت تستكشف زوايا القصر وأروقته وغرفه الـ775. ووفق كتاب «داخل قصر باكينغهام» لأندرو مورتون، فإن أفراداً من العائلة المالكة يشبّهون الإقامة فيه بالعيش في «فندق عملاق، أو فوق مجموعة من المتاجر، أو كما التخييم في متحف».

أولى الملكات القاطنات في «باكينغهام» والكارهات له، هي الملكة فيكتوريا التي دخلته عام 1837. تذكر المؤرخة سالي سميث في كتاب «إليزابيث الملكة» أن «فيكتوريا كانت تمقت مداخن القصر ونظام التهوية الضعيف فيه وروائح الطعام المتعفن المنبعثة من مطابخه، كما أنها كانت تنفر من الهواء الرطب في أجوائه ومن جموع الناس العابرة تحته في لندن». وخلال السنوات الأخيرة من حُكمها، نادراً ما كانت تأتي فيكتوريا إلى القصر، مما دفع أحد المواطنين إلى تعليق لافتة على البوّابة الرئيسية كتب عليها «برَسم البيع».

يحتوي قصر باكينغهام على 775 غرفة (رويترز)

«رائحة عفن تلاحقني»

يستبعد المؤرخ وكاتب سيرة العائلة البريطانية المالكة روبرت لايسي، في حديث مع صحيفة «تلغراف»، أن يكون أيٌ من ورثة عرش إنجلترا قد أحبّ القصر أو تآلفَ معه. ويضيف أنه وفق اليوميات التي كان يدوّنها الملوك، فإنهم لطالما نظروا إلى «باكينغهام» كمكتب للعمل وكمساحة للاستقبالات والاحتفالات الرسمية، وليس أكثر. لم ينتقلوا للإقامة فيه سوى من باب الواجب.

ذهب الملك إدوارد السابع إلى حدّ تشبيهه بالقبر. أما حفيده الملك إدوارد الثامن فكتب في وصف «باكينغهام»: «هذا المبنى الضخم، بغرفه الفخمة وممراته التي لا تنتهي أبداً ممتلئاً برائحة عفن غريبة لا تزال تلاحقني كلما عبرتُ بواباته. لم أكن سعيداً هناك على الإطلاق». ووفق المؤرخة إدنا هيلي فإن إدوارد الثامن لطالما اشتكى خلال عهده من الظلام المخيّم على القصر.

رغم فخامته فإن ملوك إنجلترا لم يتآلفوا مع «باكينغهام» (موقع القصر)

غريب على حافة سرير الملكة

عقب تنازل إدوارد عن العرش عام 1936، تولّى شقيقه جورج السادس المهام الملكيّة. انتقل الملك الجديد برفقة عائلته إلى قصر باكينغهام وأطلق عليه فوراً تسمية «الثلّاجة». لكن في عيون ابنتَيه الأميرتَين الصغيرتَين إليزابيث ومارغريت، كان القصر بمثابة جزيرةٍ ساحرة، زاخرة بأماكن اللعب والاستكشاف.

إلا أن مرور السنوات بدّل وجهة النظر تلك، فعندما صارت الأميرة الصغيرة إليزابيث ملكة واجهت هي الأخرى صراعاتها الخاصة مع «باكينغهام». الصدام الأول مع المكان تسبب فيه زوجها الأمير فيليب الذي نبذ القصر. وفي محاولة منها لتبديل رأيه، خصّت الملكة إليزابيث زوجها بجناح الملوك، وفق الكاتب هوغو فيكرز المتخصص في شؤون العائلة البريطانية المالكة.

خصت الملكة إليزابيث زوجها الأمير فيليب بجناح الملوك لتقنعه بالبقاء في «باكينغهام» (رويترز)

المشكلة الأفظع التي واجهتها الملكة إليزابيث في قصر باكينغهام، كانت اقتحام رجل غرفة نومها عند السادسة صباحاً من أحد أيام صيف 1982. مايكل فاغان، الذي كان قد سبق أن تسلّل إلى القصر قبل أشهر، استغلّ إهمال الفريق الأمني، لتستيقظ الملكة وتجده جالساً على حافة سريرها. إلا أن تلك الحادثة لم تبدّل شيئاً في يوميات الملكة ولم تدفعها إلى مغادرة القصر، بل جمعت حولها أولادها وأحفادها ومكثت فيه أطول مدّة مقارنةً مع أسلافها.

الأميرة ديانا في مطابخ «باكينغهام»

توصَف الفترة الممتدة ما بين 1980 و2005 بالأكثر حيويةً في تاريخ قصر باكينغهام. بلغ عدد قاطنيه الـ300 ما بين أفراد العائلة والموظفين. كانت لكلٍ من أبناء إليزابيث وأحفادها غرفته، ويذكر المؤرّخون كيف أن الأميرة ديانا لطالما حطّمت قواعد البروتوكول بنزولها الدائم إلى المطابخ والثرثرة مع العاملين هناك.

كانت الفترة الممتدة ما بين 1980 و2005 الأكثر حيوية في «باكينغهام» (أ.ب)

لكن منذ عام 2010، بدأ يتّضح أن قصر باكينغهام ما عاد صالحاً للسكَن المريح ولا حتى للاستقبالات الرسمية. ففي 2011، وخلال زيارته الرسمية إلى المملكة المتحدة، صادف الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما فأراً داخل القصر. وقد لاحظ الفريق المرافق له أن مادة الأسبست المسرطنة كانت قد تكثفت في أرجاء القصر بفعل مرور الزمن، كما أن السطول وُضعت بكثرة بسبب تسرب المياه.

في تلك الفترة كذلك، كانت الحجارة بدأت بالسقوط من سقف القصر، وقد نجا رأس الأميرة آن، ابنة الملكة، من أحدها بالصدفة.

عقب سلسلة من الحوادث المشابهة، وبعد أن بدأ أبناء الملكة وأولادهم يغادرون القصر واحداً تلو الآخر، اتُخذ عام 2017 قرار ترميم «باكينغهام»، ومن المفترض أن تُختتم الورشة الواسعة النطاق في 2027.

منذ 2010 بدأت ملامح التداعي تظهر في قصر باكينغهام (موقع القصر)

رغم انطلاق أعمال الترميم، مكثت الملكة إليزابيث في القصر حتى 2020. بعد ذلك وبالتزامن مع جائحة «كورونا»، انتقلت إلى وندسور، وهو من القصور الملكيّة الأحبّ إلى قلبها.

مع انتهاء أعمال الترميم بعد سنتَين، من المستبعد أن يعود قصر باكينغهام إلى سابق عهده ويشكّل مقر إقامة الملوك. ووفق صحيفة «تلغراف»، تشير الترجيحات إلى أن القصر قد يتحوّل إلى متحف أو على الأقل سوف يحذو حذو بالمورال، أي أن إقامة أفراد الأسرة الملكية فيه ستقتصر على أشهر معدودة خلال العام، على أن تفتح أبوابه بقية السنة أمام السياح والزوار.


مقالات ذات صلة

اعتقال والد ميغان ماركل في أميركا بسبب صور اعتداء جنسي على أطفال

الولايات المتحدة​ دوقة ساسكس ميغان ماركل (أ.ف.ب)

اعتقال والد ميغان ماركل في أميركا بسبب صور اعتداء جنسي على أطفال

ألقت قوات إنفاذ القانون الأميركية القبض على توماس ماركل، والد زوجة الأمير هاري، ميغان ماركل، في فلوريدا، بسبب حيازته لصور اعتداء جنسي على أطفال.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
أوروبا ملك بريطانيا تشارلز يظهر بالقرب من أعلام أنتيغوا وبربودا خلال زيارة إلى القاعدة البحرية التاريخية نيلسونز دوكيارد (رويترز)

الملك تشارلز يؤكد تصميمه على إصلاح أخطاء الماضي بعد وصمة «العبودية»

أخبر الملك تشارلز ملك بريطانيا قادة الكومنولث اليوم (الثلاثاء) بأن فهمه الأعمق ​لفظائع العبودية يجعله أكثر تصميماً على إصلاح أخطاء الماضي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل يظهران في نوتنغهام بعد عودتهما إلى بريطانيا (أ.ب) p-circle

نهاية رحلة البحث... هاري وميغان ينتقلان إلى منزلهما الجديد في بريطانيا

كشفت تقارير صحافية حديثة أن الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل انتقلا إلى منزل جديد، في منطقة كوتسوولدز البريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم ملك بريطانيا تشارلز الثالث والملكة كاميلا التي تحمل مظلة خلال العرض السنوي لذكرى استقلال أنتيغوا وبربودا في ملعب السير فيفيان ريتشاردز بسانت جونز في أنتيغوا وبربودا يوم 1 نوفمبر 2026 (رويترز)

بالصور: أمطار الكاريبي تباغت الملك تشارلز... والمظلة مع كاميلا

فوجئ الملك تشارلز بأمطار غزيرة في أنتيغوا وبربودا، فأبدى إحباطه بينما مضت كاميلا بالمظلة الوحيدة، قبل أن يحصل على أخرى ويمزح بشأن ابتلال بدلته.

«الشرق الأوسط» (سان جورج)
يوميات الشرق ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)

الملك تشارلز يتمسّك بنهجه العائلي رغم تراجع شعبيته

يبدي ملك بريطانيا، تشارلز الثالث، ثقةً تامةً في أسلوب إدارته للملف العائلي، رغم الأوقات المضطربة التي تشهدها العائلة المالكة.

«الشرق الأوسط» (لندن )

بريطانيا تطلق قمراً صناعياً جديداً للمراقبة العسكرية إلى الفضاء

تم إرسال القمر الصناعي «تيتانيا» على متن صاروخ قابل لإعادة الاستخدام تابع لشركة «سبيس إكس» (رويترز)
تم إرسال القمر الصناعي «تيتانيا» على متن صاروخ قابل لإعادة الاستخدام تابع لشركة «سبيس إكس» (رويترز)
TT

بريطانيا تطلق قمراً صناعياً جديداً للمراقبة العسكرية إلى الفضاء

تم إرسال القمر الصناعي «تيتانيا» على متن صاروخ قابل لإعادة الاستخدام تابع لشركة «سبيس إكس» (رويترز)
تم إرسال القمر الصناعي «تيتانيا» على متن صاروخ قابل لإعادة الاستخدام تابع لشركة «سبيس إكس» (رويترز)

أعلنت وزارة الدفاع البريطانية إطلاق قمر صناعي جديد للمراقبة العسكرية إلى الفضاء، يحمل اسم «تيتانيا».

وسيساعد قمر الاستطلاع، الذي وُصف بأنه «عينان جديدتان» في مدار حول الأرض، القوات المسلحة البريطانية على رصد الأنشطة العسكرية على سطح الأرض.

وتم إرسال القمر الصناعي، الذي يبلغ وزنه 100 كيلوغرام ويقارب حجمه حجم الغسالة، إلى الفضاء في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على متن صاروخ قابل لإعادة الاستخدام تابع لشركة «سبيس إكس»، انطلق من ولاية كاليفورنيا. ويأتي إطلاقه بعد إطلاق قمر صناعي مماثل يحمل اسم «تايكي» قبل عامين.

وسيشكل القمران معًا جزءًا من مجموعة من الأقمار الصناعية العسكرية البريطانية، التي تطورها شركات داخل المملكة المتحدة، وتتولى قيادة الفضاء البريطانية تشغيلها.

كما أعلنت وزارة الدفاع أنها تختبر أجهزة استشعار أرضية متطورة جديدة لمراقبة الفضاء من ثلاثة مواقع حول العالم، وذلك في إطار مشروع أطلقت عليه اسم «إناروس».

وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ (أ.ف.ب)

ونقلت وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا) عن وزير الدفاع، ويس ستريتينغ، قوله: «لقد بدأ العصر الفضائي الجديد. الفضاء يشكّل أساسًا لكل شيء، بدءًا من التنبؤات الجوية والمعاملات المالية، وصولًا إلى أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية واتصالات الهواتف المحمولة، كما أنه عنصر بالغ الأهمية لأمننا القومي وعملياتنا العسكرية».

وأضاف أن «وجود القمر تيتانيا الآن في مداره، إلى جانب تعزيز مشروع إناروس لقدراتنا على مراقبة أقمارنا الصناعية، يعني أننا أصبحنا قادرين على رصد التهديدات في وقت مبكر، وجعل المملكة المتحدة أكثر أمنًا».


أمين بن رشيد: «لمن يجرؤ» يبحث عن استعادة الحرية عبر الحب

الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
TT

أمين بن رشيد: «لمن يجرؤ» يبحث عن استعادة الحرية عبر الحب

الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)

قال الممثل السوداني أمين بن رشيد إنه لم يرغب في تقديم شخصية «عثمان» التي يجسدها في فيلم «لمن يجرؤ»، بوصفها رجلاً ينتظر الشفقة، مؤكداً أن هشاشته أمام ظروف المنفى لا تسلبه كرامته أو قدرته على الحب والاختيار.

وأضاف بن رشيد، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن ما جذبه إلى «عثمان» هو إصراره على مواصلة الحياة رغم الخوف، ورغبته في أن يحب وأن يشعر بأنه محبوب، لافتاً إلى أن المنفى يفسر جانباً من تجربته، لكنه لا يختصر هويته؛ لأن بحث الشخصية عن الحب يرتبط أيضاً بمحاولتها استعادة حريتها، والإحساس بأنها لا تزال قادرة على الحلم، واتخاذ القرارات.

ويتناول الفيلم اللبناني «لمن يجرؤ» الذي انطلق عرضه في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، وعرض أخيراً في مهرجان «الجونة السينمائي» علاقة تنشأ في بيروت بين «سوزان»، التي تؤديها الممثلة الفلسطينية هيام عباس، وهي أرملة في الستينات من عمرها، و«عثمان» الشاب السوداني الذي يعيش بلا أوراق رسمية، وبين فارق العمر واختلاف الخلفيات، ورفض المحيطين بهما، يحاول الاثنان حماية علاقتهما، بينما يضاعف اضطراب الواقع من حولهما صعوبة البحث عن حياة مشتركة، ويضع مشاعرهما أمام اختبارات تتجاوز ما يملكانه من رغبة في البقاء معاً.

وأوضح بن رشيد أن فهم شخصية «عثمان» اقتضى تخيّل حياة تسبق ظهوره الأول على الشاشة، بما تحمله من خسارات وذكريات وأمور يحتفظ بها لنفسه مشيراً إلى أنه بحث عما تركته هذه التجارب في نظرات الشخصية وحركتها وطريقتها في الاقتراب من الآخرين، حتى يشعر المشاهد بوجود ماضٍ يؤثر فيها، من دون أن يحتاج الفيلم إلى روايته كاملاً أو تفسير كل تصرف يصدر عنها.

ولفت إلى أن وضع «عثمان» القانوني يفرض عليه شعوراً مستمراً بعدم اليقين، يمتد أثره إلى أبسط تفاصيل يومه وقدرته على تصور المستقبل، موضحاً أنه أراد إبقاء هذا القلق حاضراً في الأداء من دون إظهاره في كل لحظة، فيواصل الحب والرغبة واتخاذ القرارات، بينما يظل احتمال فقدان ما يبنيه قائماً، وهو التوتر الذي وجده أساسياً في فهم الشخصية.

وأضاف أمين بن رشيد أن تداخل الحب مع الحاجة إلى الأمان كان من الجوانب التي حرص على تركها مفتوحة داخل الشخصية؛ إذ يمكن للقاء عاطفي أن يصبح ملاذاً لإنسان يعيش عدم الاستقرار، من دون أن ينفي ذلك صدق مشاعره. موضحاً أن «عثمان» يحمل احتياجات تتجاوز علاقته بـ«سوزان».

هيام عباس وأمين بن رشيد في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن فارق العمر لم يكن نقطة الانطلاق في بناء العلاقة مع البطلة، بل تاريخ كل شخصية وما تحمله من جراح ووحدة ورغبات، وما يمكن أن تجده لدى الأخرى. مشيراً إلى أن الوصول إلى ألفة مقنعة تطلّب الإصغاء والحضور والاستعداد للمفاجأة، لقناعته بأن صدق العلاقة أمام الكاميرا ينشأ من تفاعل الممثلين وثقتهما بما يحدث بينهما في أثناء المشهد.

واستعاد بن رشيد توجيهاً من المخرجة دانيال عربيد ظل حاضراً في ذهنه خلال العمل، حين قالت له إنها تريد إظهار الحب، موضحاً أن هذه الرؤية أثرت في تعامله مع مشاهد القرب العاطفي دفعته إلى البحث عن الحنان وحاجة كل شخصية إلى الأخرى، والانتباه إلى النظرات ومساحات الصمت وطريقة وجود «عثمان» بجوار «سوزان»، حتى يصل إحساسهما إلى المشاهد من دون تأكيد مباشر.

وتابع أن العمل إلى جانب هيام عباس عزز لديه أهمية أن يظل الممثل منفتحاً على شريكه، مهما بلغ استعداده للمشهد، مشيراً إلى أن التحضير يمنحه فهماً للشخصية، لكنه يحتاج في أثناء التصوير إلى استقبال ما يحدث أمامه والاستجابة له، وهذه التجربة عمّقت ثقته بأداء يسمح للمشهد بالتطور.

وعن غضب «عثمان» أمام رفض الآخرين للعلاقة التي تربطه بالبطلة، أوضح بن رشيد أنه يرتبط بشعوره بأنهم يحكمون عليه قبل معرفته، فيجد نفسه موزعاً بين الدفاع عن كرامته وحماية علاقته بسوزان، لافتاً إلى أنه حاول التعبير عن هذا التوتر بدرجات مختلفة، فيظهر الغضب أحياناً، ويبقى مكبوتاً أحياناً أخرى، بينما يحاول «عثمان» ألا يمنح نظرات المحيطين به القدرة على تقرير مصير ما يجمعه بالمرأة التي يحبها.

صناع الفيلم خلال حضور عرضه العالمي الأول في برلين (إدارة مهرجان برلين)

وأكد أنه لم يكن مطالَباً بالاتفاق مع جميع قرارات الشخصية كي يؤديها، بل بفهم دوافعها وما يجعلها ممكنة بالنسبة لها، خصوصاً أن تصرفاً يبدو غامضاً من الخارج قد يصبح مفهوماً عند النظر إلى تاريخ صاحبه ومخاوفه ورغباته.

وأعرب بن رشيد عن أمله في أن يرى المشاهد في «عثمان» رجلاً يحب ويرغب ويشك في نفسه، ويحمل كبرياءه وضعفه معاً، بعيداً عن التصنيفات التي تسبق أحياناً معرفة الأفراد، مؤكداً أن ما يهمه في السينما هو قدرتها على تقريبنا من أشخاص نجهل حكاياتهم، وإتاحة التعرف إلى ما يجمعنا بهم، مع الاحتفاظ بخصوصية تجاربهم وما يميز مساراتهم.

وعن طموحاته المقبلة، قال إنه يتطلع إلى شخصيات معقدة تمر بتحولات عميقة، وتتيح له الخروج من الصورة التي قد يتوقعها الآخرون منه، معرباً عن رغبته في خوض أدوار تاريخية ونفسية، وتجارب تتطلب أداءً جسدياً مختلفاً، أو تنتمي إلى عوالم خيالية مع سعيه إلى بناء مسيرة دولية تتسع لشخصيات تتنوع أصولها وحكاياتها.


مصر تراهن على تطوير السياحة النيلية باستثمارات صينية

السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
TT

مصر تراهن على تطوير السياحة النيلية باستثمارات صينية

السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

تراهن مصر على السياحة النيلية لتعزيز قدرة هذا النمط على جذب مزيد من السائحين والاستثمارات السياحية، بعد الاتفاق مع شركة صينية متخصصة لبناء وتشغيل سفينتين سياحيتين «5 نجوم» للعمل في رحلات نيلية بين الأقصر وأسوان.

جاء ذلك ضمن لقاءات عقدها وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، مع مسؤولي ومديري شركة «Century Cruises of China»، إحدى الشركات الصينية الكبرى العاملة في مجال السياحة النهرية على مستوى العالم، التي تتمتع بحضور قوي في السوقين الصينية والأميركية، خلال المشاركة المصرية في بورصة لندن الدولية للسياحة (WTM London 2026). وبحث الوزير مع مسؤولي الشركة سبل التعاون المشترك في مجال السياحة النيلية، وتعزيز الاستثمارات والتوسع في هذا المنتج السياحي المهم. وفق بيان للوزارة.

واستعرض مسؤولو الشركة الصينية حجم أعمالها في مصر، وخططها التوسعية المستقبلية بالسوق المصرية، مشيرين إلى اعتزامها بناء وتشغيل سفينتين سياحيتين في مصر من فئة الخمس نجوم، للعمل في مجال السياحة النيلية بين مدينتي الأقصر وأسوان، على أن يتم تشغيلهما اعتباراً من عام 2028.

السياحة النيلية تزدهر في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

وأوضحوا الخطط التسويقية لإطلاق هذه السفن ومناقشة إمكانية التعاون مع الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي لتنفيذ حملات ترويجية مشتركة ومتنوعة للترويج للسفينتين والبرامج التي تنظمها الشركة لمنتجات سياحية أخرى، مثل سياحة الحوافز والمؤتمرات.

وأبدى شريف فتحي ترحيبه بالخطط الاستثمارية التي تعتزم الشركة تنفيذها في مصر، مؤكداً أن التوسع في بناء وتشغيل السفن السياحية ذات المستوى المتميز من شأنه دعم الطاقة الاستيعابية لمنتج السياحة النيلية، وتعزيز تنافسية مصر في مجال السياحة الفاخرة.

وتراهن مصر على تنوع الأنماط السياحية بها، مثل السياحة الثقافية والترفيهية والشاطئية والعلاجية والبيئية وسياحة السفاري والمؤتمرات، وتنضم السياحة النيلية لهذه الأنماط بوصفها نمطاً سياحياً قابلاً للاستثمار فيه وتعزيز مقوماته في مصر، خصوصاً في العاصمة والمدن التي تزدهر فيها السياحة الثقافية وتنتشر بها المواقع الأثرية مثل الأقصر وأسوان.

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «الاستثمار الصيني في السياحة النيلية من شأنه أن يعزز قدرة مصر على المنافسة في الأسواق السياحية، كما أن التوجه لبناء وتشغيل سفينتين بين الأقصر وأسوان باستثمارات صينية لا يؤدي لزيادة الطاقة الفندقية أو الاستيعابية للسياحة النيلية فقط، بل يمتد أثره ليشمل الاستفادة من خبرات كبيرة في السياحة النهرية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كما أن هذا التوجه يعطي تجربة سياحية تجمع بين الرفاهية والسياحة والتاريخ، وتجمع بين الإقامة الفندقية والرحلات النيلية وزيارة المواقع السياحية في الأقصر وأسوان، ويجذب شريحة من السائحين مرتفعي الإنفاق».

السياحة النيلية لها أشكال ومظاهر عدة (الشرق الأوسط)

لافتاً إلى ضرورة «دعم هذا التوجه بتحسين ودعم الخدمات والإنشاءات، مع ضرورة مشاركة الشركات في التشغيل والتنظيم».

ويؤكد أن هذا التوجه «فرصة لتحويل السياحة النيلية لتجربة سياحية عالمية على مدار العام، ويربط بين السوقين السياحيتين المصرية والصينية، ويؤدي إلى جذب الاهتمام العالمي بهذه السياحة، ما يعود بالنفع على السياحة النيلية وعلى التنمية السياحية، خصوصاً بمحافظات الصعيد».

وسبق أن أعلنت وزارة السياحة المصرية عن خطط لتنمية وتعزيز السياحة النيلية، ضمن خطتها للترويج للأنماط والمقاصد السياحية المصرية في حملات دعائية، أو عبر المعارض السياحية، وتستهدف مصر نمواً في قطاع السياحة، ليصل عدد السائحين إلى 30 مليون شخص سنوياً بحلول عام 2030.