ترمب يدرس «مقاربات جديدة»... وأوروبا تفعّل «استخباراتها» ضد موسكو

زيلينسكي رحّب باقتراح «تجميد» خطوط القتال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدرس «مقاربات جديدة»... وأوروبا تفعّل «استخباراتها» ضد موسكو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

بعد أسبوع من التوقعات الدبلوماسية العالية باحتمال حصول اختراق في الأزمة الأوكرانية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليق لقائه المرتقب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كان مقرراً عقده في بودابست، قائلاً إنه «لا يرغب في إجراء محادثات بلا جدوى». ورغم مسارعة المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إلى القول إن «التحضيرات مستمرة»، وبأن أحداً «لا يريد هدر الوقت، لا الرئيس ترمب ولا الرئيس بوتين»، فلم يصدر أي موقف أميركي يؤكد مواصلة تلك التحضيرات.

في الواقع، لم يكن إعلان ترمب مفاجئاً؛ فالتباين العلني بين الجانبين عكس مرة أخرى نمط العلاقة المتقلبة بين واشنطن وموسكو، حيث يعلن ترمب عن «اختراق محتمل»، ثم يتراجع بعد أن يصطدم بحجم الفجوة بين الجانبين الأوكراني والروسي. فالتصريحات الروسية كانت ولا تزال واضحة في أن «اتفاق السلام يجب أن يسبق وقف إطلاق النار». وهو المبدأ الذي يتيح للكرملين مواصلة القتال من دون سقف زمني واضح. ومع إحباطه المتكرر من بوتين، تطرح التساؤلات عمّا إذا كان ترمب سيغير موقفه جذرياً من هذا الصراع، وعن خياراته السياسية.

وتقول آنا بورشيفسكايا، كبيرة الباحثين في الشأن الروسي في معهد واشنطن، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إنه ليس من الواضح ما إذا كان هذا يُعدّ تحولاً حقيقياً؛ فالرئيس الروسي بوتين نفسه لم يبدُ متحمساً للقاء في بودابست سابقاً. لكن المؤكد هو أن الحرب في أوكرانيا مستمرة.

خيارات البيت الأبيض

يلتزم البيت الأبيض الصمت حيال الخطوات المقبلة بعد إلغاء القمة، لكن مساعدي ترمب يقولون إنه يدرس «مقاربة جديدة» لإدارة الملف الأوكراني، تجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي على موسكو، ومحاولة إشراك الأوروبيين في تمويل أي تسوية محتملة.

ويقول مايكل روبين، الباحث في معهد «أميركان إنتربرايز»، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن ترمب «يُحب إبقاء الجميع في حيرة. إذا كانت لديه استراتيجية، فهي ليست استراتيجيةً تتسم بالتحولات الدائمة، بل برغبةٍ مُتعمدةٍ في زعزعة ثقة الجميع، بهدف تسهيل إبرام الصفقات المستقبلية».

غير أن صحيفة «نيويورك تايمز» نقلت عن دانيال فريد، الدبلوماسي الأميركي السابق، قوله إن المشكلة الأساسية هي أن «ترمب لا يزال يتردد بين الضغط على بوتين ومهادنته. بوتين يلعب به، في كل مرة يوهمه بأنه يريد السلام، ثم ينسحب حين تقترب الأمور من التنفيذ». وفعلاً، في الوقت الذي يؤكد فيه ترمب أنه «ما زال يرى فرصة لوقف النار»، تشير تجارب الأشهر الماضية إلى أن موسكو لا تنوي تقديم تنازلات حقيقية، وأنها تفضّل انتظار تبدل المزاج الأميركي أو الأوروبي قبل الانخراط في مفاوضات جدّية.

زيلينسكي يدعم اقتراح ترمب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي التقى ترمب قبل أيام في واشنطن، وصف اقتراح الرئيس الأميركي بتجميد الحرب على خطوط القتال الحالية بأنه «حل وسط جيد»، مع إقراره في الوقت نفسه بأنه يشك في إمكانية قبول بوتين بهذا الطرح.

وقال زيلينسكي خلال زيارة إلى أوسلو، الأربعاء: «اقترح الرئيس الأميركي أن نثبت على خطوط القتال الحالية ونبدأ الحوار، وهذا مقبول من حيث المبدأ. لكنني لست متأكداً من أن بوتين سيدعمه». وبحسب مصادر أوروبية، فقد حاول ترمب خلال لقائه بزيلينسكي إقناعه بالتنازل عن أجزاء من دونباس، مقابل وقف شامل للقتال، وهو ما رفضه الأخير، قبل أن يعلن الأوروبيون في بيان مشترك أن «أوكرانيا هي الطرف الوحيد الجاد في السعي إلى السلام».

ورقة «توماهوك»

تزامن قرار واشنطن تعليق القمة مع عودة التلويح في واشنطن بإمكانية تزويد كييف بصواريخ «توماهوك» البعيدة المدى، وهو خيار أصبح جزءاً من أدوات الضغط الأميركية على موسكو.

ويقول السفير الأميركي السابق في كييف، ويليام تايلور، إن «الحديث عن احتمال تسليم توماهوك هو بحد ذاته ورقة ضغط فعالة، وبوتين يدرك ذلك جيداً». وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن الكرملين كثّف اتصالاته مع البيت الأبيض بعدما أبدت واشنطن استعداداً لمناقشة هذا الخيار، وهو ما فُسّر في الأوساط الغربية بأنه دليل على أن «الضغط يعمل».

في المقابل، واصلت روسيا عملياتها العسكرية، فيما أعلنت أوكرانيا هذا الأسبوع أنها استهدفت منشأة كيماوية رئيسية في منطقة بريانسك داخل الأراضي الروسية بصواريخ «ستورم شادو» الفرنسية - البريطانية، في إشارة إلى أن الحرب لم تدخل بعد مرحلة الجمود.

أوروبا تبحث عن «سلام واقعي»

بموازاة ذلك، كشفت وكالة «بلومبرغ» عن أن كييف وعدداً من العواصم الأوروبية، منها برلين وباريس وبروكسل، تعمل على إعداد خطة سلام من 12 بنداً لإنهاء الحرب، تقوم على تجميد خطوط القتال الحالية كأساس لوقف النار، مع ضمانات أمنية طويلة الأمد لأوكرانيا وتمويل إعادة الإعمار، ومنح كييف مساراً سريعاً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وتتضمن المسودة أيضاً آلية مراقبة دولية يشرف عليها الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة، ورفعاً تدريجياً للعقوبات على روسيا في مقابل التزامها بتنفيذ الاتفاق. لكن الدبلوماسيين الأوروبيين يعترفون بصعوبة تسويق هذه الخطة في ظل تصلب المواقف، وانعدام الثقة بين موسكو وكييف، وتردّد واشنطن في تقديم ضمانات أمنية واضحة.

زيارة طارئة لأمين عام «الناتو»

في ظل هذا الغموض، يصل الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، إلى واشنطن للقاء الرئيس ترمب في زيارة وُصفت بأنها «استثنائية وتقررت في اللحظة الأخيرة». وتأتي الزيارة بعد أيام من الانتقادات الأوروبية لسياسات ترمب المتقلبة تجاه أوكرانيا وروسيا؛ إذ بدا أن بعض العواصم الغربية تخشى أن يكون الرئيس الأميركي قد اقترب أكثر من الموقف الروسي خلال محادثاته الأخيرة مع بوتين.

ترمب وزيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض يوم 17 أكتوبر (رويترز)

ويقول دبلوماسي أوروبي في بروكسل إن روته «يسعى إلى إعادة ضبط العلاقة مع واشنطن، وإقناع ترمب بعدم تقديم تنازلات مجانية لبوتين، خصوصاً فيما يتعلق بتجميد الحرب دون اتفاق سلام حقيقي».

تنسيق استخباري أوروبي

على المستوى الأمني، تشهد أوروبا تحولاً لافتاً في بنية التعاون الاستخباري بين دولها، بعد أن علّقت إدارة ترمب مشاركة المعلومات الحساسة مع كييف في مارس (آذار) الماضي.

وذكرت صحيفة «بوليتيكو» الأميركية أن أجهزة الاستخبارات الأوروبية «تدفن عقوداً من انعدام الثقة»، وتبني شبكات تعاون جديدة ضد روسيا، وصلت إلى حد بحث إنشاء جهاز استخباري أوروبي موحد، على غرار وكالة الـ«سي آي إيه».

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أوروبي قوله إن «ترمب يستحق جائزة نوبل لأنه جعل أجهزة الاستخبارات الأوروبية تتعاون فعلاً».

اجتماع وزراء دفاع «الناتو» في بروكسل يوم 15 أكتوبر 2025 لبحث حرب أوكرانيا واختراق أجواء أوروبا (رويترز)

ويشير تقرير الصحيفة إلى أن العواصم الأوروبية الكبرى، برلين وباريس ولندن ووارسو وأمستردام، باتت تشارك بياناتها الميدانية مع أوكرانيا بشكل مباشر، من دون المرور عبر قنوات «الناتو» أو واشنطن.

هذه الديناميكية الجديدة، التي وُصفت بأنها «غير مسبوقة في تاريخ الاتحاد الأوروبي»، تكرّس من جهة تنامي نزعة الاستقلال الأمني الأوروبي، لكنها في الوقت نفسه تُظهر تراجع الثقة بالالتزام الأميركي الدائم بالدفاع عن القارة.

وتبدو أوروبا اليوم أمام معادلة مزدوجة: من جهة تخشى عودة الفوضى إلى العلاقات عبر الأطلسي إذا واصل ترمب سياساته الأحادية، ومن جهة أخرى تدرك أن بناء قدرات دفاعية واستخبارية ذاتية أصبح ضرورة استراتيجية.

وقد عبّر مسؤول أوروبي سابق في «الناتو» عن هذه المفارقة بقوله: «كلما ازداد التذبذب في واشنطن، ازدادت الحاجة إلى وحدة القرار في بروكسل». ويُتوقع أن تكون زيارة روته إلى البيت الأبيض هذا الأسبوع اختباراً حقيقياً لمستقبل العلاقة بين الحلف والأميركيين، ولما إذا كانت الولايات المتحدة ستعود إلى موقع القيادة، أم ستواصل إدارة الأزمة الأوكرانية بمنطق «الصفقات المؤقتة».

ومع غياب قمة بودابست، يجد المشهد الدولي نفسه أمام فراغ دبلوماسي خطير؛ فلا موسكو مستعدة لتقديم تنازلات، ولا واشنطن راغبة في الانخراط العسكري أو المالي العميق، فيما تحاول أوروبا أن تمسك العصا من الوسط بين دعم كييف وتجنب حرب استنزاف طويلة. لكن المؤشرات الميدانية، من هجمات كييف داخل الأراضي الروسية إلى القصف المتبادل فوق البحر الأسود، توحي بأن الحرب لا تزال بعيدة عن التجميد الفعلي، وأن «الحل الوسط» الذي تحدّث عنه ترمب قد يبقى حبراً على ورق، ما لم تتوافر إرادة دولية حقيقية لتغيير المعادلة القائمة.


مقالات ذات صلة

الهجمات الروسية الجوية تحرم آلاف المنشآت الأوكرانية من الكهرباء والتدفئة

أوروبا وزيرا الخارجية التشيكي (يسار) والأوكراني يكرّمان ذكرى الجنود الأوكرانيين في كييف يوم 9 يناير (إ.ب.أ)

الهجمات الروسية الجوية تحرم آلاف المنشآت الأوكرانية من الكهرباء والتدفئة

تواصل موسكو وكييف تبادل الهجمات الجوية؛ ما تسبّب في سقوط قتيلة في روسيا وانقطاع الكهرباء والتدفئة عن آلاف المنازل الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

موسكو: رغبة وزير الدفاع البريطاني في اختطاف بوتين «أوهام منحرفة»

قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا الأحد إن تصريحات وزير الدفاع البريطاني عن رغبته في اختطاف الرئيس فلاديمير بوتين تعد «أوهاماً منحرفة»

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمد يده لمصافحة نظيره الروسي فلاديمير بوتين في أنكوردج (ألاسكا) 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

لماذا التزم بوتين الصمت عندما أطاح ترمب برئيس فنزويلا؟

سلطت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية الضوء على موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجاه العملية العسكرية التي شنّها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب) play-circle

ترمب يدعم فرض عقوبات جديدة على روسيا

استراتيجية واشنطن: ضغط متواصل وتسوية مؤجَّلة في ظل تصعيد روسي مقلق وترمب يدعم فرض عقوبات جديدة على روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
آسيا زعيم كوريا ​الشمالية كيم جونغ أون يتفقد مصنعاً ينتج قاذفات صواريخ متنوعة في موقع لم يُكشف عنه في كوريا الشمالية (وكالة الأنباء الكورية - أ.ف.ب)

كيم يتعهد تقديم «دعم غير مشروط» لسياسات بوتين وقراراته

تعهد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون تقديم «دعم غير مشروط» لكل سياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقراراته، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الكورية المركزية.

«الشرق الأوسط» (سيول)

محادثات أطلسية «بنّاءة» بشأن غرينلاند

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والسيدة الثانية أوشا فانس خلال جولة في قاعدة بيتوفيك الفضائية التابعة للجيش الأميركي في غرينلاند 28 مارس 2025 (أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والسيدة الثانية أوشا فانس خلال جولة في قاعدة بيتوفيك الفضائية التابعة للجيش الأميركي في غرينلاند 28 مارس 2025 (أ.ب)
TT

محادثات أطلسية «بنّاءة» بشأن غرينلاند

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والسيدة الثانية أوشا فانس خلال جولة في قاعدة بيتوفيك الفضائية التابعة للجيش الأميركي في غرينلاند 28 مارس 2025 (أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والسيدة الثانية أوشا فانس خلال جولة في قاعدة بيتوفيك الفضائية التابعة للجيش الأميركي في غرينلاند 28 مارس 2025 (أ.ب)

«سواء أعجبكم ذلك أم لم يعجبكم، سنفعل شيئاً بشأن غرينلاند». بهذه العبارة جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب سعيه للسيطرة على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، مؤكداً للصحافيين، مساء الجمعة، أن الولايات المتحدة يجب أن تتحرك لمنع الصين وروسيا من السيطرة على الجزيرة، وأن امتلاكها بات ضرورة.

وبينما سارع الأوروبيون لتأكيد دعمهم للدنمارك وغرينلاند في وجه التهديدات الأميركية، يعقد حلف شمال الأطلسي (الناتو) محادثات مستمرّة حول مستقبل الجزيرة. ووصف القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكيفيتش، مناقشات الدول الأعضاء في «الناتو» بـ«البناءة»، مشدداً على الأهمية الاستراتيجية للقطب الشمالي.

أهمية استراتيجية

ورداً على سؤال عن رغبة إدارة دونالد ترمب في الاستيلاء على الجزيرة القطبية المتمتعة بحكم ذاتي والواقعة ضمن نطاق الحلف، قال غرينكيفيتش إنه داخل مجلس شمال الأطلسي «تتواصل المناقشات في بروكسل، وبحسب ما سمعت، فهي حوارات بناءة»، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية». وأضاف الجنرال الأميركي خلال مشاركته في مؤتمر مخصص لمسألة الدفاع في السويد: «هذا هو الأهم: أعضاء في الحلف تعاونوا لسنوات طويلة يتحدثون معاً، ويعملون على إيجاد حلول لهذه القضايا الشائكة».

مناورات عسكرية أوروبية مشتركة في كانغيرلوسواك بغرينلاند في 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

ورفض غرينكيفيتش التعليق على الأبعاد السياسية للمحادثات الأخيرة بشأن غرينلاند، ولفت إلى أنه رغم عدم وجود «تهديد مباشر» للحلف، فإن القطب الشمالي بات أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية. وقال إنه «كُلّما تراجع الجليد، واتسع نطاق الوصول إلى هناك، رأينا بالتأكيد روسيا والصين تعملان معاً»، مضيفاً أن «الأهمية الاستراتيجية للقطب الشمالي تزداد باستمرار». وتابع: «رأينا سفناً صينية تقوم بدوريات مع روسيا، ليس فقط على طول الساحل الشمالي لروسيا، بل أيضاً شمال ألاسكا، قرب كندا، وفي أماكن أخرى (...) وهذا ليس لأغراض سلمية، فهم لا يدرسون الفقمات والدببة القطبية». وكان غرينكيفيتش قد قال، الجمعة، إن حلف شمال الأطلسي بعيد من أن يكون في أزمة، وإنه مستعد للدفاع عن دوله الأعضاء. وسبق أن حذرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن من أن أي هجوم أميركي على أحد أعضاء الحلف سيعني «نهاية كل شيء»، بما في ذلك نظام الأمن القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

«الاستيلاء» على الجزيرة

أكّد ترمب للصحافيين نية إدارته الاستيلاء على غرينلاند، «إما بالطريقة السهلة وإما بالطريقة الصعبة، سواء رغبوا في ذلك أم لا. لأنه إذا لم نفعل، فستسيطر روسيا أو الصين على غرينلاند، ولن نسمح بأن تكون روسيا أو الصين جارتنا».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن خلال قمّة لـ«الناتو» في لاهاي يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وفي رده على سؤال بشأن وجود قاعدة «ثول» العسكرية الأميركية، والاتفاق الدفاعي القائم بين الولايات المتحدة والدنمارك منذ عام 1951 - والذي يتيح لواشنطن حرية نشر القوات وتحديث الأنظمة وبناء البنية التحتية والتحرك في غرينلاند دون قيود - أوضح ترمب أن ذلك «غير كافٍ». وأضاف: «عندما نمتلكها سندافع عنها. لا يمكنك الدفاع بعقود إيجار بالطريقة نفسها. علينا أن نمتلكها». وأكد رغبته في إبرام صفقة مع الدنمارك، قائلاً: «إما أن نفعل ذلك بالطريقة السهلة، وإما بالطريقة الصعبة، وعلى حلف (الناتو) أن يفهم ذلك».

مخاوف وتصعيد

أثارت تصريحات الرئيس الأميركي مخاوف واسعة، خصوصاً أن ترمب لم يستبعد اللجوء إلى العمل العسكري أو الإكراه الاقتصادي، رغم التحذيرات الصادرة من مشرّعين في الكونغرس الأميركي، واستياء رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، فضلاً عن قلق دول حلف شمال الأطلسي من انقسامات داخل الحلف، لا سيما أن الولايات المتحدة والدنمارك حليفتان في «الناتو»، وتربطهما اتفاقية دفاع مشترك.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه بمسؤولين تنفيذيين من قطاع النفط والغاز في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض مساء الجمعة في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)

وندّد رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون، الأحد، بـ«الخطاب التهديدي» للإدارة الأميركية تجاه غرينلاند والدنمارك، الحليف «المخلص جداً» للولايات المتحدة.

وقال كريسترسون خلال مؤتمر مخصص للدفاع السويدي إن «على الولايات المتحدة أن تشكر الدنمارك، التي كانت عبر السنوات حليفاً مخلصاً جداً». وأضاف أن «السويد، ودول الشمال، ودول البلطيق، وعدة دول أوروبية كبيرة تقف معاً إلى جانب أصدقائنا الدنماركيين»، مندداً بـ«الخطاب التهديدي للإدارة الأميركية تجاه الدنمارك وغرينلاند». وشدد على أن أي استيلاء أميركي محتمل على غرينلاند «يشكل (...) انتهاكاً للقانون الدولي، وقد يشجّع دولاً أخرى على التصرف بالطريقة نفسها تماماً»، محذراً من أن ذلك «مسار خطير». وكان وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو قد حضّ الولايات المتحدة، السبت، على «وقف الابتزاز» لضمان سيطرة مباشرة على أراضي غرينلاند.

ونقلت صحيفة «فاينانشال تايمز» نفي اثنين من كبار دبلوماسيي دول الشمال ​الأوروبي صحة ما قاله الرئيس الأميركي عن وجود سفن روسية وصينية بالقرب من غرينلاند. وقال الدبلوماسيان اللذان اطلعا على إفادات أجهزة مخابرات دول حلف شمال الأطلسي، إنه لم ‌يجر رصد أي ‌علامات على ⁠وجود ​سفن ‌أو غواصات روسية أو صينية في محيط غرينلاند في السنوات القليلة الماضية، وفق الصحيفة.

«تعاملوا بجدية»

زادت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس حدة المخاوف الأوروبية، إذ دعا حلفاءه عبر الأطلسي إلى التعامل بجدية مع تحذيرات ترمب، مؤكداً أن الرئيس «مستعد للذهاب إلى أقصى حد ممكن» لضمان المصالح الأميركية. وقال فانس إنه «من الواضح» أن الدنمارك لم تقم بعملها على أكمل وجه في تأمين غرينلاند.

وكرر فانس طرح ترمب بأن غرينلاند حاسمة للأمن القومي الأميركي والعالمي؛ لأن «البنية التحتية الكاملة للدفاع الصاروخي تعتمد جزئياً على غرينلاند». وأضاف أن كون الدنمارك حليفاً عسكرياً وفياً للولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية و«الحرب على الإرهاب» لا يعني بالضرورة أنها تؤدي ما يكفي اليوم لتأمين الجزيرة، قائلاً: «مجرد قيامك بشيء ذكي قبل 25 عاماً لا يعني أنك لا تستطيع فعل شيء غبي الآن»، مضيفاً أن ترمب «يقول بوضوح شديد: أنتم لا تقومون بعمل جيد فيما يتعلق بغرينلاند».

خيارات واشنطن

يأتي هذا التصعيد في سياق نقاشات داخل الإدارة الأميركية حول خيارات الاستحواذ على غرينلاند، بما في ذلك تقديم دفعات نقدية كبيرة لسكانها أو استخدام القوة العسكرية؛ ما يثير مخاوف من تحول الجزيرة إلى ساحة صراع جيوسياسي. ويذهب بعض المراقبين إلى أن العدّ التنازلي للتحركات الأميركية قد بدأ بالفعل، وأن العمليات العسكرية الأميركية في فنزويلا فتحت شهية ترمب لمزيد من التدخلات الخارجية.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث من القاعدة العسكرية الأميركية في بيتوفيك بغرينلاند يوم 28 مارس 2025 (أ.ف.ب)

وتدرس الإدارة الأميركية خيارات متعددة للاستحواذ على غرينلاند، الغنية بالمعادن النادرة والاستراتيجية في القطب الشمالي، تشمل الشراء والتفاوض والحل العسكري، إضافة إلى التواصل المباشر مع مسؤولي غرينلاند لإغرائهم بمزايا اقتصادية. ويأتي ذلك بالتزامن مع اجتماعات مرتقبة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع مسؤولين دنماركيين ومسؤولين من غرينلاند هذا الأسبوع.

ونقلت وكالة «رويترز» عن 4 مسؤولين أميركيين أن الإدارة تدرس خططاً لدفع مبالغ مالية كبيرة لسكان غرينلاند، البالغ عددهم نحو 57 ألف نسمة، لإقناعهم بالانفصال عن الدنمارك والانضمام إلى الولايات المتحدة. وأشار المسؤولون إلى أن المبالغ المقترحة تتراوح بين 10 آلاف و100 ألف دولار للفرد؛ ما يعني أن التكلفة الإجمالية قد لا تتجاوز 6 مليارات دولار، غير أن هذه الفكرة أثارت مخاوف من تقديمها كصفقة تجارية بحتة، فضلاً عن عَدِّها مهينة لسكان الجزيرة الذين كثيراً ما طالبوا بالاستقلال وإنهاء تبعيتهم الاقتصادية للدنمارك.


ترمب يعيد نشر رسالة تلمح لتولي روبيو حكم كوبا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعيد نشر رسالة تلمح لتولي روبيو حكم كوبا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعاد الرئيس دونالد ترمب نشر رسالة على وسائل التواصل الاجتماعي، الأحد، تلمح إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المولود لأبوين مهاجرين كوبيين، قد يصبح الرئيس المقبل لكوبا.

وأعاد ترمب نشر رسالة من منصة «تروث سوشال» للمستخدم كليف سميث، نُشرت في 8 يناير (كانون الثاني) جاء فيها أن «ماركو روبيو سيصبح رئيساً لكوبا»، مصحوبة برمز تعبيري (إيموجي) ضاحك. وعلّق ترامب على المنشور قائلاً: «يبدو هذا جيداً بالنسبة إليّ!».

والمستخدم غير معروف على نطاق واسع، ويقول في نبذته التعريفية إنه «محافظ من كاليفورنيا»، علماً بأن لديه أقل من 500 متابع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتأتي إعادة نشر ترمب للتعليق بعد أسبوع من عملية للقوات الأميركية في كاراكاس ألقت خلالها القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ونقلته إلى الولايات المتحدة.

وكان الرئيس ​ترمب قد وجّه تحذيراً للقيادة في المكسيك وكوبا وكولومبيا، ولوّح بإمكانية أن تكون أي من الدول الثلاث هي التالية على قائمة الاستهداف في واشنطن.


ترمب يُصدر أمراً تنفيذياً لمعاقبة شركات السلاح «المتعثّرة»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)
TT

ترمب يُصدر أمراً تنفيذياً لمعاقبة شركات السلاح «المتعثّرة»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)

في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية وعسكرية عميقة، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يمنح إدارته صلاحيات غير مسبوقة لمعاقبة شركات تصنيع الأسلحة التي تفشل في تسليم المعدات العسكرية بالسرعة المطلوبة.

يأتي القرار في سياق سعي ترمب لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة الأميركية والمجمع الصناعي العسكري، وفي ظلّ تصاعد التنافس العسكري العالمي، وما يمكن وصفه بسباق تسلح جديد مع قوى كبرى منافسة.

الأمر التنفيذي يستهدف ما وصفته الإدارة بـ«الشركات المتعثرة» في قطاع الدفاع، عبر حزمة إجراءات عقابية تشمل حظر عمليات إعادة شراء الأسهم، وتوزيع الأرباح على المساهمين، إذا لم تكن هذه الشركات قد استثمرت بما يكفي في توسيع طاقتها الإنتاجية أو تحديث منشآتها. كما يمنح القرار وزير الحرب بيت هيغسيث صلاحيات استثنائية لمراجعة حزم التعويضات الممنوحة لكبار التنفيذيين في شركات الدفاع، التي «تُفضّل مكافأة المساهمين على حساب الاستثمار والإنتاج».

ويُلزم الأمر التنفيذي وزير الحرب بإعداد قائمة خلال 30 يوماً بأسماء الشركات المخالفة، على أن تواجه هذه الشركات عواقب حقيقية، تشمل وضع سقوف لرواتب المديرين التنفيذيين، وحرمانها من دعم الإدارة الأميركية في صفقات بيع الأسلحة إلى الخارج. كما ينُصّ القرار على تضمين العقود العسكرية المستقبلية بنوداً تربط مكافآت المديرين التنفيذيين بحجم الإنتاج والالتزام بمواعيد التسليم.

الإحباط من التأخير والتكلفة

يعكس هذا التحرّك إحباطاً متراكماً في واشنطن من طريقة تصنيع وبيع الأسلحة؛ حيث تعاني برامج تسليح كبرى تأخيرات تمتد إلى سنوات وتجاوزات كبيرة في التكلفة.

وعبّر الرئيس ترمب صراحة عن هذا الاستياء خلال حديثه إلى مشرّعين جمهوريين الأسبوع الماضي، قائلاً: «لدينا أفضل الأسلحة في العالم، لكن الأمر يستغرق وقتاً طويلاً جداً للحصول عليها، بما في ذلك بالنسبة لحلفائنا». وأضاف في إشارة إلى صفقات مع دول صديقة: «عندما يريد الحلفاء شراء أسلحة، عليهم الانتظار 4 سنوات لطائرة، و5 سنوات لمروحية... لن نسمح باستمرار ذلك».

هذا الخطاب يعكس رؤية ترمب التي ترى أن بطء الإنتاج والتسليم لا يضُرّ فقط بالجيش الأميركي، بل يُقوّض أيضاً النفوذ الأميركي لدى الحلفاء الذين قد يتّجهون إلى مورّدين آخرين إذا طال الانتظار.

ويرغب ترمب في توسيع صلاحياته في هذا المجال لعدّة أسباب، أولاً، ينسجم القرار مع نهجه المعروف في استخدام السلطة التنفيذية لفرض تغييرات سريعة، حتى على حساب الأعراف التقليدية أو دور الكونغرس. ثانياً، يمنح هذا التوجه البيت الأبيض نفوذاً مباشراً على قرارات الشركات الكبرى التي تعتمد في جزء كبير من إيراداتها على العقود الحكومية.

كما أن القرار يعكس توجهاً اقتصادياً ينتقد ما تعدّه الإدارة إفراطاً في إعادة شراء الأسهم، ورفع أجور التنفيذيين على حساب الاستثمار طويل الأمد.

وكانت دراسة أوردتها صحيفة «نيويورك تايمز» لوزارة الدفاع عام 2023، قد أظهرت أن شركات الدفاع الأميركية الكبرى أنفقت بين عامي 2010 و2019 أموالاً أكبر على إعادة الأموال للمساهمين مقارنةً بعقود سابقة، في حين تراجع الإنفاق على البحث والتطوير وبناء المصانع.

السياسة الخارجية وسباق التسلّح

على صعيد السياسة الخارجية، يحمل القرار تداعيات واضحة، فربط دعم الإدارة الأميركية لصفقات السلاح الدولية بأداء الشركات قد يعجّل تسليم الأسلحة إلى حلفاء الولايات المتحدة، خصوصاً في مناطق تشهد توتراً متزايداً، مثل أوروبا الشرقية ومنطقة آسيا-المحيط الهادئ. هذا بدوره يُعزّز قدرة واشنطن على طمأنة حلفائها في مواجهة روسيا والصين، في ظلّ سباق تسلح متصاعد يتميز بالسرعة والتكنولوجيا المتقدمة. لكن الخطوة لا تخلو من أخطار.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن خبراء تحذيرهم من أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في سلوك الشركات، بل في عدم استقرار الطلب الحكومي نفسه، الأمر الذي يُولّد مستويات عالية من عدم اليقين. ويقترحون أن يكون الحل في عقود مُتعدّدة السنوات، مثل الاتفاق الذي أبرمته شركة «لوكهيد مارتن» لزيادة إنتاج صواريخ «باتريوت»، وليس في «إدارة دقيقة لرواتب التنفيذيين».

وأثار الأمر التنفيذي أيضاً جدلاً قانونياً، إذ إن قرارات الرواتب وإعادة شراء الأسهم تقع تقليدياً ضمن صلاحيات مجالس إدارات الشركات.

السيناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن انتقدت لجوء ترمب إلى التحرك الأحادي، داعية إلى تشريع واضح عبر الكونغرس، وقالت إن «الشعب الأميركي يستحق صناعة دفاع تضع الأمن القومي فوق أرباح (وول ستريت) ورواتب المديرين التنفيذيين»، حسب الصحيفة.

ويكشف قرار ترمب عن محاولة لإعادة ضبط ميزان القوة بين الدولة الأميركية وشركات السلاح، في لحظة دولية تتسم بتصاعد التوترات وسباق تسلح متجدد. وبينما قد يُحقق القرار تسريعاً في الإنتاج والتسليم، يبقى السؤال مفتوحاً حول تكلفته القانونية والسياسية، وتأثيره طويل الأمد على صناعة الدفاع الأميركية ودورها في النظام الدولي.