أميركا وروسيا تتحاوران نووياً... وضغوط لضم الصين وفرنسا وبريطانيا

شبح سباق التسلح وسط تطوير أجيال جديدة ومساعٍ لإخفاء التجارب

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

أميركا وروسيا تتحاوران نووياً... وضغوط لضم الصين وفرنسا وبريطانيا

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

أبدت الولايات المتحدة وروسيا استعدادهما لإجراء محادثات بعد انتهاء صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الجديدة «نيو ستارت»، وسط إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مشاركة الصين لوضع قيود جديدة تحول دون الدخول في مرحلة خطرة من سباق التسلح النووي، مقابل دعوات روسية لم تلقَ تجاوباً لشمول فرنسا وبريطانيا في أي اتفاقية جديدة.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال» للتواصل أنه «بدلاً من تمديد معاهدة (نيو ستارت) - وهي معاهدة سيئة التفاوض من الولايات المتحدة، وتُنتَهك بشكل صارخ، فضلاً عن كل شيء آخر - ينبغي أن يعمل خبراؤنا النوويون على معاهدة جديدة ومحسّنة وحديثة تدوم طويلاً في المستقبل». ولم يشر إلى أي محادثات، ولكنه أكد أنها يجب أن تشمل الصين.

وكتب ترمب أيضاً أن «الولايات المتحدة أقوى دولة في العالم»، مضيفاً أنه أعاد «بناء جيشها بالكامل خلال ولايتي الأولى، بما في ذلك أسلحة نووية جديدة ومُحدثة». وأشار إلى كيفية تمكّنه من تعزيز الجيش، بما في ذلك عبر إضافة سفن حربية وإنشاء قوة فضائية. وقال: «منعتُ وقوع حروب نووية في أنحاء العالم بين باكستان والهند، وإيران وإسرائيل، وروسيا وأوكرانيا».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

وانتهت صلاحية معاهدة «نيو ستارت»، وهي الأخيرة للحد من التسلح النووي بين الولايات المتحدة وروسيا، في وقت تطوران فيه أجيالاً جديدة من الأسلحة، علماً أن الصين تختبر طرقاً جديدة لإيصال الرؤوس النووية. وتوقفت المحادثات الأميركية - الروسية بشأن معاهدة جديدة بسبب الحرب في أوكرانيا، بعدما كانت معاهدة «نيو ستارت» لعام 2010 حددت عدد الرؤوس الاستراتيجية التي يمكن أن تمتلكها الولايات المتحدة وروسيا بـ1550 رأساً لكل منهما، وعدد منصات الإطلاق بـ700 منصة لكل منهما.

إزالة العيوب

وعكس وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الحد من التسلح، توماس دينانو، رغبة الرئيس ترمب في أي معاهدة جديدة أمام مؤتمر الأمم المتحدة لنزع السلاح في جنيف، بأن معاهدة «نيو ستارت» تعاني «عيوباً جوهرية». وقال إن «الانتهاكات الروسية المتكررة، وتزايد المخزونات النووية العالمية، والعيوب في تصميم معاهدة (نيو ستارت) وتنفيذها... تُعطي الولايات المتحدة ضرورة ملحّة للدعوة إلى بنية جديدة تتصدى لتهديدات اليوم، لا تهديدات حقبة ولّت». وأضاف أنه «بينما نجلس هنا اليوم، فإن الترسانة النووية الصينية بأكملها بلا حدود، ولا شفافية، ولا إعلانات، ولا ضوابط». وأكد أن «الحقبة القادمة من الحد من التسلح يمكن، بل يجب، أن تستمر بتركيز واضح، لكنها ستتطلب مشاركة أكثر من روسيا وحدها على طاولة المفاوضات».

«البنتاغون»... وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)

واتهم بكين أيضاً بإجراء تجارب نووية سرية. وقال: «أستطيع أن أكشف أن حكومة الولايات المتحدة على علم بأن الصين أجرت تجارب تفجير نووية، بما في ذلك التحضير لتجارب ذات قوة تفجيرية محددة بمئات الأطنان». وزاد أن الجيش الصيني «سعى إلى إخفاء التجارب من خلال التعتيم على التفجيرات النووية؛ لأنه يدرك أن هذه التجارب تنتهك التزامات حظر التجارب النووية».

الرغبات الروسية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن منذ العام الماضي استعداده لالتزام حدود المعاهدة لمدة عام آخر إذا حذت واشنطن حذوه. لكن ترمب لم يستجب لهذه الرغبة الروسية. وأعلن مستشار الكرملين يوري أوشاكوف، الخميس، أن الرئيس بوتين ناقش انتهاء صلاحية المعاهدة مع نظيره الصيني شي جينبينغ خلال محادثاتهما الأربعاء، مؤكداً أن موسكو «ستتصرف بطريقة متوازنة ومسؤولة استناداً إلى تحليل دقيق للوضع الأمني».

وكذلك أعلنت وزارة الخارجية الروسية في بيان أنه «في ظل الظروف الراهنة، نفترض أن أطراف معاهدة (نيو ستارت) لم تعد مُلزمة بأي تعهدات أو إعلانات متماثلة في سياق المعاهدة، بما في ذلك أحكامها الأساسية، وأنها حرة تماماً في اختيار خطواتها التالية».

وفي خطوة جديدة، أعلن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أن المفاوضين الروس والأميركيين ناقشوا مسألة التسلح على هامش المحادثات الروسية - الأوكرانية الأخيرة. وقال: «هناك تفاهم، وقد جرى التطرق إليه في أبوظبي، على أن يتخذ الطرفان مواقف مسؤولة، ويدرك كلاهما ضرورة بدء المحادثات حول هذه القضية في أقرب وقت ممكن».

وعندما طُلب من بيسكوف التعليق على تقرير مناقشة اتفاق غير رسمي محتمل لالتزام حدود المعاهدة لمدة ستة أشهر على الأقل، أجاب بأنه «من الواضح أن بنودها لا يمكن تمديدها إلا بشكل رسمي. من الصعب تصور أي تمديد غير رسمي في هذا المجال»، مكرراً أن موسكو تأسف لانتهاء صلاحية المعاهدة الخميس، وهي تنظر إلى ذلك «بشكل سلبي».

رفض صيني

إلى ذلك، رفض المندوب الصيني شين جيان، علناً التجاوب مع ما تريده الولايات المتحدة لجهة انضمام بلاده إلى مفاوضات نزع السلاح، مشيراً إلى أن ترسانتها أصغر بكثير من الترسانتين الأميركية والروسية، على الرغم من النمو السريع للترسانة الصينية. وأصر أمام المؤتمر على أن «القدرات النووية الصينية لا تقترب بأي حال من الأحوال من مستوى قدرات الولايات المتحدة أو روسيا». وأضاف: «لن تشارك الصين في مفاوضات نزع السلاح النووي في هذه المرحلة».

وأصر المندوب الروسي غينادي غاتيلوف، على ضرورة أن تشمل أي محادثات نووية جديدة دولاً أخرى تمتلك أسلحة نووية، مثل فرنسا وبريطانيا. وقال: «ستشارك روسيا في هذه العملية إذا شاركت فيها المملكة المتحدة وفرنسا، وهما حليفتان عسكريتان للولايات المتحدة في (حلف شمال الأطلسي/ الناتو)، الذي أعلن نفسه حلفاً نووياً».

غير أن الزعماء الأوروبيين ناقشوا إنشاء قوات نووية مستقلة عن الولايات المتحدة التي طالما وفرت مظلة حماية نووية أميركية للدول الأوروبية الحليفة. وتُعد اليابان وكوريا الجنوبية وتركيا من الدول الأخرى غير الحائزة للأسلحة النووية التي تُناقش تغيير المسار.

وهناك دول أخرى تمتلك أسلحة نووية معلنة، وهي الهند وباكستان وكوريا الشمالية. ويُعتقد على نطاق واسع أن لدى إسرائيل أيضاً ترسانة نووية ضخمة.


مقالات ذات صلة

محمد بن زايد يبحث مع ترمب تطورات المنطقة

الخليج محمد بن زايد يطلع على آخر التطورات الدفاعية خلال زيارة لوزارة الدفاع الإماراتية (وام)

محمد بن زايد يبحث مع ترمب تطورات المنطقة

بحث الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، التطورات التي تشهدها المنطقة وتداعياتها على الأمن والسلم الإقليمي والدولي.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب) p-circle

ترمب: أي مرشد تختاره إيران «لن يبقى طويلاً» دون موافقتي

قال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأحد، إنّ أي مرشد تختاره إيران خلفاً لعلي خامنئي، الذي قُتل ببداية الهجوم الأميركي الإسرائيلي على طهران، «لن يبقى طويلاً»...

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي السبت (أ.ف.ب)

ترمب يشعل معركة الانتخابات مع الكونغرس

في خطوة تكشف عن تصعيد التوترات مع الكونغرس، أعلن الرئيس ترمب رفضه توقيع أي مشاريع قوانين حتى يقر مجلس الشيوخ قانون «حماية أهلية الناخبين الأميركيين».

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد خط أنابيب «دروغبا» النفطي بين المجر وروسيا (رويترز)

مسؤولون في إدارة ترمب يدافعون عن قرار رفع بعض العقوبات عن النفط الروسي

دافع مسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، يوم الأحد، عن قرار رفع بعض العقوبات المفروضة على النفط الروسي مؤقتاً، وتوقعوا ألا تستمر الزيادة الحادة في…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الأميركي دونالد ترمب في بريطانيا يوم 18 سبتمبر 2025 (رويترز)

حرب إيران تهزّ «العلاقة الخاصة» بين لندن وواشنطن

تسبّبت الحرب بإيران في توتّر العلاقة بين الحليفين الأميركي والبريطاني، رغم سماح لندن للطائرات الأميركية باستخدام قواعدها لـ«أغراض دفاعية».

نجلاء حبريري (لندن)

ترمب يشعل معركة الانتخابات مع الكونغرس

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي السبت (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي السبت (أ.ف.ب)
TT

ترمب يشعل معركة الانتخابات مع الكونغرس

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي السبت (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي السبت (أ.ف.ب)

في خطوة تكشف عن تصعيد التوترات السياسية قبيل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، أعلن الرئيس دونالد ترمب رفضه التوقيع على أي مشاريع قوانين أخرى حتى يقرّ مجلس الشيوخ قانون «حماية أهلية الناخبين الأميركيين»، المعروف اختصاراً باسم «إنقاذ أميركا» (SAVE Act)، الذي يعتقد الديمقراطيون أنه سيحرم بعض الناخبين من حقّهم في التصويت. وقال ترمب، عبر منصة «تروث سوشيال» يوم الأحد: «يجب إقرار قانون (إنقاذ أميركا) فوراً، وأن يكون في مقدمة الأولويات. لن أوقع على أي قوانين أخرى حتى يتم إقرار هذا القانون». وأضاف: «فلنعمل على إقراره بالكامل، يجب إبراز بطاقة هوية الناخب وإثبات الجنسية، لا يُقبل التصويت عبر البريد إلا للعسكريين أو (الذين يعانون) المرض أو الإعاقة أو السفر. لا مشاركة للرجال في الرياضات النسائية، لا للأطفال المتحولين جنسياً، لا تفشلوا!». ويعكس هذا الإعلان استراتيجية ترمب المتشددة لإعادة تشكيل قواعد الانتخابات الفيدرالية، وسط مخاوف من أن يؤدي إلى تعطيل عمل الكونغرس وتعميق الانقسام الحزبي مع اقتراب الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وأثار هذا الموقف الصارم من ترمب تساؤلات عما إذا كان يسعى لحماية النزاهة الانتخابية أم لتعزيز نفوذ حزبه الجمهوري.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى رئيس مجلس النواب مايك جونسون في البيت الأبيض في 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

ما هو قانون SAVE Act؟

ويُعدّ قانون SAVE Act، الذي أقرّه مجلس النواب بأغلبية ضئيلة (218 مقابل 213 صوتاً) في فبراير (شباط) الماضي، محاولة جمهورية لتعزيز الإجراءات الأمنية في عملية التصويت، حيث يفرض القانون على الناخبين تقديم وثائق تثبت الجنسية الأميركية، مثل جواز السفر أو شهادة الميلاد، عند التسجيل في قوائم الناخبين، كما يشترط بطاقة هوية تحمل صورة شخصية للتصويت الحضوري، ونسخة معتمدة منها للتصويت عبر البريد، مع استثناءات محدودة للعسكريين، والمرضى، والمعاقين، أو المسافرين. ويفرض القانون عقوبات جنائية على مسؤولي الانتخابات الذين يسجلون أي شخص دون الوثائق المطلوبة. ويرى الجمهوريون، بقيادة رئيس مجلس النواب مايك جونسون، أن هذه الإجراءات ضرورية لمنع التصويت غير القانوني، مشيرين إلى أنها متطلبات طبيعية في أمور مثل القيادة أو فتح حساب بنكي. ويقول جونسون: «لماذا يكون التصويت مختلفاً؟».

زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز خلال مؤتمر صحافي في الكابيتول في 4 مارس 2026 (أ.ب)

الديمقراطيون يعترضون

وينتقد الديمقراطيون القانون بشدة، معتبرين أنه أداة لقمع التصويت. ويقول زعيم الأقلية في مجلس النواب، حكيم جيفريز، إنها محاولة لتثبيط إقبال الناخبين، خاصة الفئات المهمشة التي قد تواجه صعوبة في الحصول على الوثائق. ويؤكد الديمقراطيون أن تصويت غير المواطنين نادر وغير قانوني بالفعل، مشيرين إلى أن تحقيقات سابقة تفند ادعاءات ترمب حول تزوير انتخابات 2020. ويثير القانون أيضاً مخاوف دستورية من تأميم الانتخابات، بما يتعارض مع تفويض الولايات في إدارة الانتخابات، وهو ما قد يؤدي إلى تحديات قضائية. ومع سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ بأغلبية ضئيلة، يواجه القانون عقبة كبيرة: عدم توفر 60 صوتاً لتجاوز المماطلة (filibuster). وهنا يبرز دور ترمب في الضغط على زعيم الأغلبية جون ثون، عبر حثّه على استخدام «المماطلة الكلامية» لإجبار الديمقراطيين على الاستمرار في الكلام حتى يستسلموا، ما يسمح بتمرير القانون بـ51 صوتاً فقط. ويكشف هذا التوتر الداخلي عن انقسام في الصفّ الجمهوري، حيث يخشى بعض الأعضاء من ردّ فعل عكسي في الانتخابات، خاصة بعد انتصارات ديمقراطية في الانتخابات الفرعية الأخيرة. ويقول محللون إن تهديد ترمب يبدو كخطوة تكتيكية انتخابية لتعبئة قاعدته الشعبية، التي ما زالت تؤمن بـ«سرقة» انتخابات 2020، لكن رفضه التوقيع قد يؤدي إلى شلل حكومي، إذ يصبح أي قانون نافذاً تلقائياً بعد 10 أيام دون توقيع إذا كان الكونغرس منعقداً. ويعكس هذا الصراع استقطاباً انتخابياً متزايداً، فإذا نجح ترمب في الضغط على الكونغرس لتمرير قانون SAVE Act، فقد يقلل ذلك من إقبال الناخبين في المناطق الديمقراطية، ما يعزز فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بأغلبيتهم في مجلس النواب. لكن على الجانب الآخر، يمكن أن يحفز الديمقراطيين على شنّ حملات تعبوية، مستغلين الادعاء بأنه «قمع للتصويت» لجذب الناخبين الشباب والأقليات.


هل ينجح ترمب في كتابة نهاية الحرب على إيران؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً يوم 7 مارس 2026 في احتفال بولاية فلوريدا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً يوم 7 مارس 2026 في احتفال بولاية فلوريدا (أ.ب)
TT

هل ينجح ترمب في كتابة نهاية الحرب على إيران؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً يوم 7 مارس 2026 في احتفال بولاية فلوريدا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً يوم 7 مارس 2026 في احتفال بولاية فلوريدا (أ.ب)

مع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثاني، بدا واضحاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يكتفي بإدارة حملة عسكرية، بل يعيد تعريف نهايتها سياسياً في الوقت الفعلي.

ففي غضون أيام قليلة انتقل الخطاب الأميركي من هدفٍ أقرب إلى «شلّ البرنامج النووي والصاروخي» إلى مطلب أكثر اتساعاً وهو «الاستسلام غير المشروط»، بل التلميح إلى دور أميركي في اختيار قيادة إيرانية «مقبولة». وفي أحدث تصعيد، قال ترمب صباح يوم السبت إن إيران «ستتعرّض لضربة قوية للغاية»، ولوّح بتوسيع بنك الأهداف ليشمل مناطق ومجموعات لم تكن مطروحة سابقاً، بعد خطاب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي اعتذر فيه لدول الجوار، لكنه رفض الاستسلام.

ومع رفعه السقف من «تغيير سلوك النظام» إلى «الاستسلام»، هل ينجح ترمب في كتابة نهاية الحرب قبل أن تتشكل وقائعها السياسية؟ فهو يريد نصراً واضح الصورة، سريع الأثر، وقابلاً للتسويق داخلياً. لكن ما تحقق حتى الآن لا يوحي بذلك، وإذا لم ينتج الضغط الجوي استسلاماً أو تصدعاً داخلياً حاسماً، فسيجد ترمب نفسه أمام خيارين كلاهما مكلف: إما خفض الأهداف وقبول تسوية أقل من شعاراته، أو المضي نحو تصعيد بري يهدد بتحويل الحرب من حملة ردع خاطفة إلى مستنقع إقليمي.

هذه النقلة ليست مجرد تشديد لفظي، فهي تعني عملياً أن البيت الأبيض لم يعد يتحدث فقط عن تغيير سلوك إيران، بل عن فرض صيغة خضوع تُنهي قدرتها على المقاومة أو تعيد تركيب السلطة فيها. وقد زاد هذا الغموض حين حاول بعض مساعدي ترمب تخفيف وقع العبارة، عادّين أن «الاستسلام» قد يعني ببساطة وصول إيران إلى مرحلة لا تعود فيها قادرة على تهديد الولايات المتحدة، وليس بالضرورة الإعلان الرسمي من طهران.

كما أن ترمب نفسه قال إن الحرب تنتهي عندما تصبح إيران غير قادرة على القتال، ما يجعل تعريف النصر فضفاضاً ومفتوحاً على التمديد.

وهنا تحديداً يظهر جوهر المشكلة، إذ كلما اتسعت الأهداف السياسية تراجعت قدرة القوة الجوية وحدها على تحقيقها. فالقصف يمكنه تدمير قواعد ومنصات ومخازن، لكنه لا ينتج تلقائياً سلطة بديلة، ولا يضمن استسلام نخبة حاكمة ترى في الصمود جزءاً من شرعيتها.

ارتباك أم غموض متعمد؟

طائرة أميركية مقاتلة تستعد للإقلاع فوق متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» 3 مارس 2026 (رويترز)

الانتقادات داخل واشنطن لا تتعلق فقط بارتفاع المخاطر، بل أيضاً بتبدّل التبريرات الأميركية للحرب. فوفق تقارير صحافية متقاطعة، كانت هناك شهور من التحضير العسكري للضربة، لكنّ نقاشاً محدوداً حول «اليوم التالي»، أي مَن يحكم إيران إذا انهارت القمة؟ ومن يملأ الفراغ؟ وهل المطلوب إسقاط النظام كله أم فقط تحطيم قدراته العسكرية؟

ووفق صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، فإن جزءاً من هذا الغموض متعمد لإبقاء خيارات ترمب مرنة وقابلة للتعديل حسب التطورات الميدانية والسياسية. لكن ما يراه البيت الأبيض مرونة، يراه منتقدون افتقاراً إلى عملية صنع قرار مستقرة وخطة سياسية مكتملة.

هذا الارتباك ظهر في التناقض بين الرئيس ترمب وبعض كبار مسؤوليه. فبينما عاد ترمب مراراً إلى الحديث عن اختيار قائد جديد لإيران، شدّد وزيرا الخارجية والحرب في أكثر من مناسبة على أن الهدف هو تدمير القدرات النووية والصاروخية لإيران ومنع تسليح أذرعها في المنطقة، مع نفي الانزلاق إلى «بناء أمة» على طريقة العراق وأفغانستان.

لكن المشكلة أن ترمب نفسه واصل رفع السقف، ما جعل الحلفاء والكونغرس وحتى بعض المسؤولين الأميركيين غير متأكدين ما إذا كانت أميركا تسعى إلى حملة عقابية محدودة، أم مشروع لتفكيك النظام في طهران؟

ومن هذه الزاوية، قد يكون تبدّل الأهداف بالفعل متعمداً تكتيكياً، إذ يستخدم ترمب الغموض لزيادة الضغط النفسي على القيادة الإيرانية، وإبقاء أبواب التصعيد مفتوحة، وتجنّب حصر نفسه في هدف واحد يمكن قياس فشله بسهولة. لكن هذا الأسلوب له ثمن واضح، وهو إرباك الرسائل الاستراتيجية، وتضييق المخارج الدبلوماسية، ورفع احتمال الانجرار إلى أهداف لا يمكن بلوغها من القصف الجوي وحده.

الحملة الجوية وتغيير النظام

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارة سابقة لأحد مراكز الإنتاج العسكري في طهران (د.ب.أ)

ورغم كثافة الضربات واتساع مسرح العمليات، جاءت إحدى أهم الإشارات المضادة من داخل الدولة الأميركية نفسها. فقد خلص تقرير استخباري سري أعده مجلس الاستخبارات الوطني قبل اندلاع الحرب بأيام، إلى أنه حتى حملة عسكرية واسعة النطاق مرجّح ألا تُسقط النظام الإيراني.

التقدير يقول إن المؤسستين العسكرية والدينية في إيران تملكان آليات تضمن استمرارية السلطة حتى بعد تصفية القائد الأعلى وكبار أركان النظام، وأن فرص وصول معارضة مشتتة إلى الحكم تبقى «غير مرجحة».

أهمية هذا التقييم أنه يضرب الفرضية التي يلوّح بها ترمب بأن الضربات المكثفة، مع قتل الرؤوس، يمكن أن تفتح الباب سريعاً أمام بديل «من الداخل». وحتى الآن لا توجد مؤشرات قوية على انتفاضة شعبية حاسمة أو على انشقاقات واسعة داخل الأجهزة العسكرية والأمنية. بل إن خطاب بزشكيان الاعتذاري تجاه دول الجوار، بالتوازي مع استمرار الضربات الإيرانية، عكس أيضاً صورة سلطة مرتبكة لكنها لم تنهر بعد، وربما سلطة يزداد فيها وزن الأجهزة الصلبة على حساب القيادة السياسية الرسمية.

فالحملة الجوية حققت دون شك إنجازات عملياتية، مثل تراجع كثافة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وتوسع حرية الحركة الأميركية والإسرائيلية في الأجواء، واستهداف منصات ومخازن وقطع بحرية. لكن إخفاقاتها أو حدودها برزت في أن المسيّرات الإيرانية الرخيصة واصلت اختراق بعض الدفاعات وإيقاع خسائر، بما في ذلك الهجوم الذي قتل ستة جنود أميركيين في الكويت، فضلاً عن الهجمات الأخرى في عدد من دول المنطقة، مما يثبت أن إضعاف إيران عسكرياً، حتى الآن على الأقل، لم يجردها بالكامل من القدرة على الإيذاء.

بل إن الولايات المتحدة وجدت نفسها تطلب خبرة أوكرانيا في مواجهة طائرات «شاهد»، في اعتراف غير مباشر بأن التفوق الجوي التقليدي لا يكفي وحده لمعالجة حرب الاستنزاف بالمسيّرات الرخيصة.

من الجو إلى البر

طائرة تجسس أميركية تهبط بقاعدة «أكروتيري» البريطانية في جزيرة قبرص (أ.ب)

عسكرياً، تتحرك واشنطن نحو زيادة الضغط لا تخفيضه، مع الأنباء التي تحدثت عن توجه حاملة طائرات ثالثة هي «جورج بوش» مع مجموعتها إلى المنطقة بعدما أنهت تدريبها التأهيلي. لكن السؤال الأثقل هو: هل يكفي ذلك، أم أن منطق الحرب سيدفع نحو تدخل بري محدود؟

المؤشرات الحالية لا تقول إن قراراً قد اتُخذ في هذا الشأن، لكنها تقول أيضاً إن الباب لم يُغلق. فقد أُلغي تدريب رئيسي لقيادة من «الفرقة 82» المحمولة جواً، ما غذى تكهنات داخل البنتاغون بشأن إمكان استخدامها إذا اتسعت الحملة. كما تجنب البيت الأبيض استبعاد وجود جنود على الأرض، فيما تحدثت تحليلات عن أهداف مبكرة محتملة لأي تدخل بري، مثل جزيرة خرج بصفتها شريان تصدير النفط الإيراني.

غير أن هذا السيناريو قد يحوّل الحرب من حملة ردع خاطفة إلى مستنقع إقليمي. فالتدخل البري، حتى لو كان محدوداً، سيعني حماية قوات ومواقع، وإدارة إمداد، وتحمل خسائر أكبر، في وقت لا يحظى فيه هذا الخيار بتأييد شعبي يُذكر داخل الولايات المتحدة.

كما سيصطدم بمشكلة الحلفاء: فهناك دعم لوجيستي وسياسي متفاوت، لكن لا توجد حتى الآن مظلة تحالف واسعة شبيهة بحروب أميركية سابقة، فيما تظهر الحرب نفسها ضغطاً على مخزونات الذخائر الاعتراضية والدقيقة.


ترمب يلمح إلى احتمال نشر قوات برية في إيران

ترمب متحدثاً إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
TT

ترمب يلمح إلى احتمال نشر قوات برية في إيران

ترمب متحدثاً إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)

تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، عن احتمال نشر قوات برية في إيران مستقبلاً لمراقبة مخزونات اليورانيوم المخصب في البلاد.

وقال ترمب عندما سُئل عن هذا الاحتمال خلال محادثة مع الصحافيين في الطائرة الرئاسية: «قد نفعل ذلك في وقت ما. سيكون ذلك رائعاً».

وأضاف: «هذا شيء يمكننا القيام به لاحقا. لكن ليس الآن».

ومن أجل تبرير الهجوم على إيران، أكّد البيت الأبيض، من بين أمور أخرى، أن الجمهورية الإسلامية جمعت مخزونات كبيرة من اليورانيوم المخصب لدرجة أنها كانت قريبة جداً من أن تكون قادرة على صنع قنبلة ذرية.

وأكد ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الذي أجرى مفاوضات غير مباشرة مع طهران، قبل أيام قليلة على قناة «فوكس نيوز»، أن إيران لديها «حوالى 460 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة» وأن «هذه المادة المخصبة بنسبة 60 في المائة يمكن رفعها إلى 90 في المائة، وهو المستوى اللازم لصنع قنبلة، في غضون أسبوع تقريبا، أو عشرة أيام».

وكان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي أشار في 3 مارس (آذار) إلى أنه «لا يوجد دليل على أن إيران تصنع قنبلة نووية، لكن مخزونها الكبير من اليورانيوم المخصب بدرجة قريبة من تلك اللازمة لصنعها ورفضها منح المفتشين حق الوصول الكامل إليه يمثل مصدر قلق بالغ».

X