واشنطن تدعو إلى مفاوضات تشمل موسكو وبكين للحد من الأسلحة النووية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وخلفه الرئيس دونالد ترمب (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وخلفه الرئيس دونالد ترمب (رويترز)
TT

واشنطن تدعو إلى مفاوضات تشمل موسكو وبكين للحد من الأسلحة النووية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وخلفه الرئيس دونالد ترمب (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وخلفه الرئيس دونالد ترمب (رويترز)

دعت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، إلى إطلاق مفاوضات متعددة الأطراف تشمل الصين، لوضع قيود جديدة على الأسلحة النووية، وذلك غداة انتهاء مفاعيل معاهدة «نيو ستارت» للحد من الأسلحة النووية بين واشنطن وموسكو، وما يثيره ذلك من مخاوف بشأن الانتشار النووي.

ولا تستبعد موسكو إجراء مثل هذه المناقشات، لكنّها اشترطت مشاركة فرنسا والمملكة المتحدة فيها، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي، توماس دينانو، في مؤتمر نزع الأسلحة بجنيف، إنّ «سلسلة الانتهاكات الروسية وتزايد المخزونات حول العالم، والثغرات في تصميم وتطبيق (نيو ستارت)، تحتّم على الولايات المتحدة الدعوة إلى صيغة جديدة تتعامل مع تحديات اليوم، لا تلك العائدة إلى حقبة انقضت».

وأضاف: «بينما نجلس هنا، لا توجد حدود لترسانة الصين النووية بأكملها، ولا شفافية ولا إعلانات ولا ضوابط»، مضيفاً أن «الحقبة المقبلة لضبط الأسلحة يمكن ويجب أن تتواصل مع تركيز واضح، لكنها ستتطلب مشاركة أكثر من روسيا على طاولة المفاوضات».

من جانبه، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في مقالٍ يفصّل الاقتراح الأميركي بجنيف، أنّ «الحد من التسلّح لم يعُد يمكن أن يكون قضية ثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا».

وقال: «تقع المسؤولية على عاتق دول أخرى لضمان الاستقرار الاستراتيجي»، معتبراً أن الصين هي التي تتحمل المسؤولية الكبرى في هذا المجال.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، دعا، الخميس، إلى إبرام «معاهدة جديدة محسّنة ومحدّثة» مع روسيا. وأعربت واشنطن مراراً عن رغبتها في إشراك الصين في أي نقاش بشأن السلاح النووي، وهو ما استبعدته بكين.

والجمعة، جدد ممثل الصين في جنيف التأكيد على أنّ «القدرات النووية الصينية بعيدة عن مستوى قدرات الولايات المتحدة أو روسيا، لذلك، لن تشارك الصين في مفاوضات بشأن الحد من الأسلحة النووية في هذه المرحلة».

وفي موسكو، أشار الكرملين، الجمعة، إلى أنّ روسيا والولايات المتحدة اتفقتا على الحفاظ على نهج «مسؤول»، مؤكداً أنّهما مستعدتان للتفاوض بهذا الشأن.

ولكن في جنيف، اشترط السفير الروسي لدى الأمم المتحدة، غينادي غاتيلوف، مشاركة فرنسا والمملكة المتحدة.

وقال غاتيلوف إن «روسيا ستشارك مبدئياً في مسار كهذا، في حال شاركت كذلك المملكة المتحدة وفرنسا، الحليفان العسكريان للولايات المتحدة بحلف شمال الأطلسي»، وذلك خلال مؤتمر نزع السلاح المنعقد في مقر المنظمة الدولية بالمدينة السويسرية.

وخلال الجلسة نفسها، لم ترد المندوبة الفرنسية آن لازار سوري، بشكل مباشر على هذا المطلب، لكنّها أكدت أن باريس تؤيد «التطوير العاجل لتدابير ملموسة وذات مصداقية، قادرة على الحد من خطر استخدام الأسلحة النووية». وأضافت: «ينبغي أن يكون هذا هو هدف جميع الدول التي تملك أسلحة نووية».

«عفا عليها الزمن»

وتملك روسيا والولايات المتحدة معاً 80 في المائة من الرؤوس الحربية النووية في العالم، بينما تسارع الصين الخطى للحاق بهما على صعيد الترسانة.

الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما (يسار) ونظيره الروسي آنذاك ميدفيديف يوقّعان معاهدة «نيوستارت» في براغ عام 2010 (أرشيفية - رويترز)

و«نيو ستارت» هي آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية بين البلدين، وقد وُقعت في عام 2010 وحدّدت لكلّ طرف سقف 800 منصة إطلاق وقاذفة ثقيلة، و1550 رأساً نووياً استراتيجية منتشرة، مع آلية للتحقق.

ويمثّل انتهاء مفاعيل المعاهدة بداية الانتقال إلى نظام نووي أقلّ تنظيماً، لا سيّما بعد تعليق عمليات التفتيش عام 2023 عقب بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022. وأثار انتهاء مفاعيل المعاهدة قلقاً في أنحاء العالم.

وتحدث الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، عن «لحظة خطيرة بالنسبة للسلام والأمن الدوليين»، داعياً الولايات المتحدة وروسيا للإسراع في توقيع اتفاق جديد.

من جانبه، قال روبيو إنّ المعاهدة «عفا عليها الزمن»، مؤكداً أنّ الولايات المتحدة «تتفاوض من موقع قوة».

وأضاف، في مقاله المنشور على منصة «سابستاك» (Substack)، أنّه «لا ينبغي لروسيا والصين أن تتوقعاً من الولايات المتحدة أن تقف مكتوفة الأيدي، بينما تتهربان من التزاماتهما وتعملان على بناء قواتهما النووية».

وتابع: «سنحافظ على قوة ردع نووية قوية وذات مصداقية وحديثة؛ لكننا سنفعل ذلك مع استكشاف جميع السبل الممكنة للاستجابة لرغبة الرئيس الصادقة في رؤية عالم يملك عدداً أقل من هذه الأسلحة الرهيبة».

وقال: «اليوم نخطو في جنيف الخطوة الأولى نحو مستقبل يتم فيه تقليل التهديد النووي عملياً، وليس فقط على الورق، ونأمل في أن ينضم إلينا آخرون».

بدورها، حمّلت عواصم أوروبية موسكو مسؤولية انتهاء مفاعيل المعاهدة. ودعت فرنسا، الدولة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي، القوى النووية، إلى العمل على إنشاء نظام دولي للحد من التسلّح.

ومنذ الأربعاء، أعلنت روسيا أنّها «لم تعُد ملزمة» بهذه المعاهدة.

وخلال محادثة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، الأربعاء، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: «سنتصرف بحكمة ومسؤولية في هذا الموقف»، بحسب ما أفاد مستشاره الدبلوماسي يوري أوشاكوف.

إلى ذلك، دعت الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN)، روسيا والولايات المتحدة، إلى الالتزام علناً باحترام سقف المعاهدة «أثناء التفاوض على إطار جديد».


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية السعودي والمبعوث الصيني يبحثان مستجدات المنطقة

الخليج الأمير الأمير فيصل خلال استقباله المبعوث الصيني تشاي جون في الرياض (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي والمبعوث الصيني يبحثان مستجدات المنطقة

بحث الأمير الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع مبعوث الحكومة الصينية الخاص للشرق الأوسط، الأحد، آخر المستجدات الإقليمية والدولية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

تحليل إخباري الهجمات الأميركية على إيران تختبر هدنة هشة مع الصين

السؤال بالنسبة لبكين هو إلى أي مدى يمكنها الدفاع عن إيران من دون الإضرار بمصالحها الاقتصادية، أو تفاقم التوتر مع الولايات المتحدة.

ديفيد بيرسون
شؤون إقليمية لوحة إعلانية معادية لإسرائيل والولايات المتحدة على مبنى في طهران (رويترز)

الصين تدعو مواطنيها لتجنّب السفر إلى إيران

دعت الصين مواطنيها، الجمعة، إلى تجنّب السفر إلى إيران في «ازدياد كبير في المخاطر الأمنية الخارجية» في وقت تهدد الولايات المتحدة بتنفيذ ضربات.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد المستشار الألماني فريدريش ميرتس في بكين (د.ب.أ)

ميرتس: الصين تعتزم شراء 120 طائرة إضافية من «إيرباص»

خلال زيارته الرسمية الأولى للصين، كشف المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن بكين تعتزم تقديم طلبية كبيرة لشراء طائرات من شركة "إيرباص" الأوروبية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
آسيا الرئيس الصيني شي جينبينغ يتفقد قوات الجيش (رويترز)

دراسة: حملة الرئيس الصيني لتطهير الجيش تثير شكوكاً حول جاهزيته لخوض حرب

قال مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث في العاصمة الأميركية واشنطن، في دراسة، إن حملة التطهير التي يقوم بها الرئيس الصيني شي جينبينغ

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

شرطة نيويورك: عبوة ناسفة استهدفت تظاهرة مناوئة للمسلمين

 رجال شرطة في منطقة مطوقة بالقرب من مقر رئيس بلدية المدينة (إ.ب.أ)
رجال شرطة في منطقة مطوقة بالقرب من مقر رئيس بلدية المدينة (إ.ب.أ)
TT

شرطة نيويورك: عبوة ناسفة استهدفت تظاهرة مناوئة للمسلمين

 رجال شرطة في منطقة مطوقة بالقرب من مقر رئيس بلدية المدينة (إ.ب.أ)
رجال شرطة في منطقة مطوقة بالقرب من مقر رئيس بلدية المدينة (إ.ب.أ)

أعلنت شرطة نيويورك، الأحد، أن القنبلة الحارقة التي أُلقيت قرب تظاهرة معادية للمسلمين جرت أمام مقرّ رئيس بلدية المدينة، كانت عبوة ناسفة بدائية ومحلية الصنع، و«كان يمكن أن تتسبّب بإصابات خطيرة أو وفيات».

وقالت الشرطة في بيان «أجرى فريق المتفجرات التابع لشرطة نيويورك تحليلا أوليا للعبوة التي أُشعلت وأُلقيت في تظاهرة أمس، وتوصل إلى أنها ليست عبوة مزيفة أو قنبلة دخان. إنها في الواقع عبوة ناسفة يدوية الصنع».

وفتحت شرطة مكافحة الإرهاب في نيويورك تحقيقا بعدما ألقى رجل «أجهزة حارقة» قرب التظاهرة السبت.

وأعلنت قائدة شرطة نيويورك جيسيكا تيش أن ما ألقي كان يحتوي على مسامير وبراغ وفتيل.

وأشار فرع نيويورك لمكتب التحقيقات الفدرالي (اف بي آي) على «إكس» إلى أن قسم مكافحة الإرهاب يحقّق في الحادثة بالتعاون مع شرطة نيويورك.

والأحد عثر عناصر الشرطة على «جهاز مثير للشبهات» لدى تفتيش سيارة على مقربة من موقع إلقاء القنبلة الحارقة.

وأوقف المشتبه به الرئيسي أمير بلاط (18 عاما) مع شريك آخر، فضلا عن أربعة أشخاص يشتبه في صلتهم بالحادثة، وفق ما أعلنت تيش التي أشارت إلى عدم وجود مؤشر راهنا على أن للحادثة علاقة بالحرب في الشرق الأوسط.

وكان المؤثّر اليميني المتطرّف جايك لانغ المعروف بمواقفه المعادية للمسلمين دعا إلى التظاهر أمام مقرّ رئيس البلدية المسلم زهران ممداني الذي تولّى منصبه في الأول من يناير (كانون الثاني)، احتجاجا على ما وصفه بـ«الأسلمة» وللمطالبة بوقف صلاوات المسلمين في العلن في نيويورك.

وأشارت تيش إلى أنه يُعتقد أن رئيس البلدية لم يكن في مقرّه وقت التظاهرة التي جمعت 20 شخصا، بحسب الشرطة، في مقابل 125 مشاركا في تظاهرة مضادة.

وتلقّى شاب معارض للمتظاهرين من ناشط آخر على ما يبدو جهازا ملفوفا بشريط لاصق يتصاعد منه دخان، فرماه قرب شرطيين قبل أن يجتاز الحاجز الأمني.

وكان الشاب ألقى في وقت سابق جهازا مماثلا قرب متظاهرين بينهم لانغ.


ترمب يشعل معركة الانتخابات مع الكونغرس

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي السبت (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي السبت (أ.ف.ب)
TT

ترمب يشعل معركة الانتخابات مع الكونغرس

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي السبت (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي السبت (أ.ف.ب)

في خطوة تكشف عن تصعيد التوترات السياسية قبيل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، أعلن الرئيس دونالد ترمب رفضه التوقيع على أي مشاريع قوانين أخرى حتى يقرّ مجلس الشيوخ قانون «حماية أهلية الناخبين الأميركيين»، المعروف اختصاراً باسم «إنقاذ أميركا» (SAVE Act)، الذي يعتقد الديمقراطيون أنه سيحرم بعض الناخبين من حقّهم في التصويت. وقال ترمب، عبر منصة «تروث سوشيال» يوم الأحد: «يجب إقرار قانون (إنقاذ أميركا) فوراً، وأن يكون في مقدمة الأولويات. لن أوقع على أي قوانين أخرى حتى يتم إقرار هذا القانون». وأضاف: «فلنعمل على إقراره بالكامل، يجب إبراز بطاقة هوية الناخب وإثبات الجنسية، لا يُقبل التصويت عبر البريد إلا للعسكريين أو (الذين يعانون) المرض أو الإعاقة أو السفر. لا مشاركة للرجال في الرياضات النسائية، لا للأطفال المتحولين جنسياً، لا تفشلوا!». ويعكس هذا الإعلان استراتيجية ترمب المتشددة لإعادة تشكيل قواعد الانتخابات الفيدرالية، وسط مخاوف من أن يؤدي إلى تعطيل عمل الكونغرس وتعميق الانقسام الحزبي مع اقتراب الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وأثار هذا الموقف الصارم من ترمب تساؤلات عما إذا كان يسعى لحماية النزاهة الانتخابية أم لتعزيز نفوذ حزبه الجمهوري.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى رئيس مجلس النواب مايك جونسون في البيت الأبيض في 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

ما هو قانون SAVE Act؟

ويُعدّ قانون SAVE Act، الذي أقرّه مجلس النواب بأغلبية ضئيلة (218 مقابل 213 صوتاً) في فبراير (شباط) الماضي، محاولة جمهورية لتعزيز الإجراءات الأمنية في عملية التصويت، حيث يفرض القانون على الناخبين تقديم وثائق تثبت الجنسية الأميركية، مثل جواز السفر أو شهادة الميلاد، عند التسجيل في قوائم الناخبين، كما يشترط بطاقة هوية تحمل صورة شخصية للتصويت الحضوري، ونسخة معتمدة منها للتصويت عبر البريد، مع استثناءات محدودة للعسكريين، والمرضى، والمعاقين، أو المسافرين. ويفرض القانون عقوبات جنائية على مسؤولي الانتخابات الذين يسجلون أي شخص دون الوثائق المطلوبة. ويرى الجمهوريون، بقيادة رئيس مجلس النواب مايك جونسون، أن هذه الإجراءات ضرورية لمنع التصويت غير القانوني، مشيرين إلى أنها متطلبات طبيعية في أمور مثل القيادة أو فتح حساب بنكي. ويقول جونسون: «لماذا يكون التصويت مختلفاً؟».

زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز خلال مؤتمر صحافي في الكابيتول في 4 مارس 2026 (أ.ب)

الديمقراطيون يعترضون

وينتقد الديمقراطيون القانون بشدة، معتبرين أنه أداة لقمع التصويت. ويقول زعيم الأقلية في مجلس النواب، حكيم جيفريز، إنها محاولة لتثبيط إقبال الناخبين، خاصة الفئات المهمشة التي قد تواجه صعوبة في الحصول على الوثائق. ويؤكد الديمقراطيون أن تصويت غير المواطنين نادر وغير قانوني بالفعل، مشيرين إلى أن تحقيقات سابقة تفند ادعاءات ترمب حول تزوير انتخابات 2020. ويثير القانون أيضاً مخاوف دستورية من تأميم الانتخابات، بما يتعارض مع تفويض الولايات في إدارة الانتخابات، وهو ما قد يؤدي إلى تحديات قضائية. ومع سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ بأغلبية ضئيلة، يواجه القانون عقبة كبيرة: عدم توفر 60 صوتاً لتجاوز المماطلة (filibuster). وهنا يبرز دور ترمب في الضغط على زعيم الأغلبية جون ثون، عبر حثّه على استخدام «المماطلة الكلامية» لإجبار الديمقراطيين على الاستمرار في الكلام حتى يستسلموا، ما يسمح بتمرير القانون بـ51 صوتاً فقط. ويكشف هذا التوتر الداخلي عن انقسام في الصفّ الجمهوري، حيث يخشى بعض الأعضاء من ردّ فعل عكسي في الانتخابات، خاصة بعد انتصارات ديمقراطية في الانتخابات الفرعية الأخيرة. ويقول محللون إن تهديد ترمب يبدو كخطوة تكتيكية انتخابية لتعبئة قاعدته الشعبية، التي ما زالت تؤمن بـ«سرقة» انتخابات 2020، لكن رفضه التوقيع قد يؤدي إلى شلل حكومي، إذ يصبح أي قانون نافذاً تلقائياً بعد 10 أيام دون توقيع إذا كان الكونغرس منعقداً. ويعكس هذا الصراع استقطاباً انتخابياً متزايداً، فإذا نجح ترمب في الضغط على الكونغرس لتمرير قانون SAVE Act، فقد يقلل ذلك من إقبال الناخبين في المناطق الديمقراطية، ما يعزز فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بأغلبيتهم في مجلس النواب. لكن على الجانب الآخر، يمكن أن يحفز الديمقراطيين على شنّ حملات تعبوية، مستغلين الادعاء بأنه «قمع للتصويت» لجذب الناخبين الشباب والأقليات.


هل ينجح ترمب في كتابة نهاية الحرب على إيران؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً يوم 7 مارس 2026 في احتفال بولاية فلوريدا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً يوم 7 مارس 2026 في احتفال بولاية فلوريدا (أ.ب)
TT

هل ينجح ترمب في كتابة نهاية الحرب على إيران؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً يوم 7 مارس 2026 في احتفال بولاية فلوريدا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً يوم 7 مارس 2026 في احتفال بولاية فلوريدا (أ.ب)

مع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثاني، بدا واضحاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يكتفي بإدارة حملة عسكرية، بل يعيد تعريف نهايتها سياسياً في الوقت الفعلي.

ففي غضون أيام قليلة انتقل الخطاب الأميركي من هدفٍ أقرب إلى «شلّ البرنامج النووي والصاروخي» إلى مطلب أكثر اتساعاً وهو «الاستسلام غير المشروط»، بل التلميح إلى دور أميركي في اختيار قيادة إيرانية «مقبولة». وفي أحدث تصعيد، قال ترمب صباح يوم السبت إن إيران «ستتعرّض لضربة قوية للغاية»، ولوّح بتوسيع بنك الأهداف ليشمل مناطق ومجموعات لم تكن مطروحة سابقاً، بعد خطاب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي اعتذر فيه لدول الجوار، لكنه رفض الاستسلام.

ومع رفعه السقف من «تغيير سلوك النظام» إلى «الاستسلام»، هل ينجح ترمب في كتابة نهاية الحرب قبل أن تتشكل وقائعها السياسية؟ فهو يريد نصراً واضح الصورة، سريع الأثر، وقابلاً للتسويق داخلياً. لكن ما تحقق حتى الآن لا يوحي بذلك، وإذا لم ينتج الضغط الجوي استسلاماً أو تصدعاً داخلياً حاسماً، فسيجد ترمب نفسه أمام خيارين كلاهما مكلف: إما خفض الأهداف وقبول تسوية أقل من شعاراته، أو المضي نحو تصعيد بري يهدد بتحويل الحرب من حملة ردع خاطفة إلى مستنقع إقليمي.

هذه النقلة ليست مجرد تشديد لفظي، فهي تعني عملياً أن البيت الأبيض لم يعد يتحدث فقط عن تغيير سلوك إيران، بل عن فرض صيغة خضوع تُنهي قدرتها على المقاومة أو تعيد تركيب السلطة فيها. وقد زاد هذا الغموض حين حاول بعض مساعدي ترمب تخفيف وقع العبارة، عادّين أن «الاستسلام» قد يعني ببساطة وصول إيران إلى مرحلة لا تعود فيها قادرة على تهديد الولايات المتحدة، وليس بالضرورة الإعلان الرسمي من طهران.

كما أن ترمب نفسه قال إن الحرب تنتهي عندما تصبح إيران غير قادرة على القتال، ما يجعل تعريف النصر فضفاضاً ومفتوحاً على التمديد.

وهنا تحديداً يظهر جوهر المشكلة، إذ كلما اتسعت الأهداف السياسية تراجعت قدرة القوة الجوية وحدها على تحقيقها. فالقصف يمكنه تدمير قواعد ومنصات ومخازن، لكنه لا ينتج تلقائياً سلطة بديلة، ولا يضمن استسلام نخبة حاكمة ترى في الصمود جزءاً من شرعيتها.

ارتباك أم غموض متعمد؟

طائرة أميركية مقاتلة تستعد للإقلاع فوق متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» 3 مارس 2026 (رويترز)

الانتقادات داخل واشنطن لا تتعلق فقط بارتفاع المخاطر، بل أيضاً بتبدّل التبريرات الأميركية للحرب. فوفق تقارير صحافية متقاطعة، كانت هناك شهور من التحضير العسكري للضربة، لكنّ نقاشاً محدوداً حول «اليوم التالي»، أي مَن يحكم إيران إذا انهارت القمة؟ ومن يملأ الفراغ؟ وهل المطلوب إسقاط النظام كله أم فقط تحطيم قدراته العسكرية؟

ووفق صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، فإن جزءاً من هذا الغموض متعمد لإبقاء خيارات ترمب مرنة وقابلة للتعديل حسب التطورات الميدانية والسياسية. لكن ما يراه البيت الأبيض مرونة، يراه منتقدون افتقاراً إلى عملية صنع قرار مستقرة وخطة سياسية مكتملة.

هذا الارتباك ظهر في التناقض بين الرئيس ترمب وبعض كبار مسؤوليه. فبينما عاد ترمب مراراً إلى الحديث عن اختيار قائد جديد لإيران، شدّد وزيرا الخارجية والحرب في أكثر من مناسبة على أن الهدف هو تدمير القدرات النووية والصاروخية لإيران ومنع تسليح أذرعها في المنطقة، مع نفي الانزلاق إلى «بناء أمة» على طريقة العراق وأفغانستان.

لكن المشكلة أن ترمب نفسه واصل رفع السقف، ما جعل الحلفاء والكونغرس وحتى بعض المسؤولين الأميركيين غير متأكدين ما إذا كانت أميركا تسعى إلى حملة عقابية محدودة، أم مشروع لتفكيك النظام في طهران؟

ومن هذه الزاوية، قد يكون تبدّل الأهداف بالفعل متعمداً تكتيكياً، إذ يستخدم ترمب الغموض لزيادة الضغط النفسي على القيادة الإيرانية، وإبقاء أبواب التصعيد مفتوحة، وتجنّب حصر نفسه في هدف واحد يمكن قياس فشله بسهولة. لكن هذا الأسلوب له ثمن واضح، وهو إرباك الرسائل الاستراتيجية، وتضييق المخارج الدبلوماسية، ورفع احتمال الانجرار إلى أهداف لا يمكن بلوغها من القصف الجوي وحده.

الحملة الجوية وتغيير النظام

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارة سابقة لأحد مراكز الإنتاج العسكري في طهران (د.ب.أ)

ورغم كثافة الضربات واتساع مسرح العمليات، جاءت إحدى أهم الإشارات المضادة من داخل الدولة الأميركية نفسها. فقد خلص تقرير استخباري سري أعده مجلس الاستخبارات الوطني قبل اندلاع الحرب بأيام، إلى أنه حتى حملة عسكرية واسعة النطاق مرجّح ألا تُسقط النظام الإيراني.

التقدير يقول إن المؤسستين العسكرية والدينية في إيران تملكان آليات تضمن استمرارية السلطة حتى بعد تصفية القائد الأعلى وكبار أركان النظام، وأن فرص وصول معارضة مشتتة إلى الحكم تبقى «غير مرجحة».

أهمية هذا التقييم أنه يضرب الفرضية التي يلوّح بها ترمب بأن الضربات المكثفة، مع قتل الرؤوس، يمكن أن تفتح الباب سريعاً أمام بديل «من الداخل». وحتى الآن لا توجد مؤشرات قوية على انتفاضة شعبية حاسمة أو على انشقاقات واسعة داخل الأجهزة العسكرية والأمنية. بل إن خطاب بزشكيان الاعتذاري تجاه دول الجوار، بالتوازي مع استمرار الضربات الإيرانية، عكس أيضاً صورة سلطة مرتبكة لكنها لم تنهر بعد، وربما سلطة يزداد فيها وزن الأجهزة الصلبة على حساب القيادة السياسية الرسمية.

فالحملة الجوية حققت دون شك إنجازات عملياتية، مثل تراجع كثافة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وتوسع حرية الحركة الأميركية والإسرائيلية في الأجواء، واستهداف منصات ومخازن وقطع بحرية. لكن إخفاقاتها أو حدودها برزت في أن المسيّرات الإيرانية الرخيصة واصلت اختراق بعض الدفاعات وإيقاع خسائر، بما في ذلك الهجوم الذي قتل ستة جنود أميركيين في الكويت، فضلاً عن الهجمات الأخرى في عدد من دول المنطقة، مما يثبت أن إضعاف إيران عسكرياً، حتى الآن على الأقل، لم يجردها بالكامل من القدرة على الإيذاء.

بل إن الولايات المتحدة وجدت نفسها تطلب خبرة أوكرانيا في مواجهة طائرات «شاهد»، في اعتراف غير مباشر بأن التفوق الجوي التقليدي لا يكفي وحده لمعالجة حرب الاستنزاف بالمسيّرات الرخيصة.

من الجو إلى البر

طائرة تجسس أميركية تهبط بقاعدة «أكروتيري» البريطانية في جزيرة قبرص (أ.ب)

عسكرياً، تتحرك واشنطن نحو زيادة الضغط لا تخفيضه، مع الأنباء التي تحدثت عن توجه حاملة طائرات ثالثة هي «جورج بوش» مع مجموعتها إلى المنطقة بعدما أنهت تدريبها التأهيلي. لكن السؤال الأثقل هو: هل يكفي ذلك، أم أن منطق الحرب سيدفع نحو تدخل بري محدود؟

المؤشرات الحالية لا تقول إن قراراً قد اتُخذ في هذا الشأن، لكنها تقول أيضاً إن الباب لم يُغلق. فقد أُلغي تدريب رئيسي لقيادة من «الفرقة 82» المحمولة جواً، ما غذى تكهنات داخل البنتاغون بشأن إمكان استخدامها إذا اتسعت الحملة. كما تجنب البيت الأبيض استبعاد وجود جنود على الأرض، فيما تحدثت تحليلات عن أهداف مبكرة محتملة لأي تدخل بري، مثل جزيرة خرج بصفتها شريان تصدير النفط الإيراني.

غير أن هذا السيناريو قد يحوّل الحرب من حملة ردع خاطفة إلى مستنقع إقليمي. فالتدخل البري، حتى لو كان محدوداً، سيعني حماية قوات ومواقع، وإدارة إمداد، وتحمل خسائر أكبر، في وقت لا يحظى فيه هذا الخيار بتأييد شعبي يُذكر داخل الولايات المتحدة.

كما سيصطدم بمشكلة الحلفاء: فهناك دعم لوجيستي وسياسي متفاوت، لكن لا توجد حتى الآن مظلة تحالف واسعة شبيهة بحروب أميركية سابقة، فيما تظهر الحرب نفسها ضغطاً على مخزونات الذخائر الاعتراضية والدقيقة.