المسيّرات الإسرائيلية المتواصلة تقلق حياة اللبنانيين

إنهاك عصبي وطنين يذكر بـ«خطر مؤجل»

عامل إسرائيلي يتفقد مسيرة من طراز «هيرمز 900» عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
عامل إسرائيلي يتفقد مسيرة من طراز «هيرمز 900» عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

المسيّرات الإسرائيلية المتواصلة تقلق حياة اللبنانيين

عامل إسرائيلي يتفقد مسيرة من طراز «هيرمز 900» عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
عامل إسرائيلي يتفقد مسيرة من طراز «هيرمز 900» عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

يعيش لبنان منذ الاثنين على وقع تحليق متواصل للمسيرات الإسرائيلية، تمدّد إلى سماء بعبدا (شرق العاصمة) حيث مقر القصر الرئاسي، وشمل وسط بيروت، ومحيط السراي الحكومي، وبلغ أطراف الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، ناشراً موجاتٍ من القلق والتشنّج في الأجواء.

وأثار تحليق المسيرات على علو منخفض، موجة استياء من الإزعاج المتواصل، إذ ينتج تحليقها، طنيناً عالياً، وصار جزءاً من الصوت الضجيج اليومي في شوارع بيروت. ويرى كثيرون أن هذا الخرق المتمادي، هو جزء من حرب بلا نار، تُبقي السكان في حالة تأهب عصبي دائم، وتحوّل النوم إلى رفاهية مؤجلة.

طائرة مسيرة إسرائيلية تحلق فوق جنوب لبنان الأسبوع الماضي (متداول)

سماء مستباحة

يقول أحد سكان بيروت لـ«الشرق الأوسط»: «الطائرة صارت مثل المولّد الكهربائي، صوتها يرافقنا في النهار والليل، لكنّ الفرق أنّ المولّد يجلب لك الراحة، بينما الطائرة تذكّرك بالخطر والمراقبة والقلق الدائم».

حتى في المقاهي والأحياء الداخلية، صار اللبنانيون يتبادلون الخبر: «هل لا تزال فوقنا؟»، قبل أن يواصلوا يومهم وكأن شيئاً لم يكن. هذا التطبيع مع الضجيج، هو بالضبط ما يسميه الخبراء «مرحلة الإنهاك النفسي»، حين يصبح القلق جزءاً من الإيقاع العام.

في الجنوب، لا يختلف المشهد كثيراً. الأصوات نفسها تتكرّر، لكنّ القلق في المنطقة أكثر حدّة. يقول أحد أبناء إقليم التفاح لـ«الشرق الأوسط»: «السماء لا تهدأ أبداً. حتى في الليالي التي لا تشهد قصفاً، يبقى التحليق المستمر كأنه إنذار دائم. نميّز اليوم أنواع الطائرات من صوتها، فالصغيرة سريعة، أما الكبيرة فبطيئة وتظلّ في الجوّ لساعات».

يتحدث الرجل بنبرة تعبٍ داخليّ: «نعيش مع هذا الصوت كما نعيش مع التنفّس، لا يغيب إلا ليعود، كأنه يختبر قدرتنا على الاحتمال».

ولا تقتصر الحرب النفسية على الجنوب والعاصمة. في البقاع (شرق لبنان)، يروي أحد سكان بلدة قريبة من بعلبك لـ«الشرق الأوسط» أنّ طائرة مسيّرة حلّقت فوق منزله منتصف الليل قبل أيام، وقال: «كانت شبه صامتة، لكنّها أضاءت بنور أحمر خافت فوق سطح المنزل. بقيت تتحرّك ببطء كما لو أنّها تبحث عن شيء. أطفأنا الأنوار فوراً، وراقبتها من الشرفة أكثر من ساعة. كان ضوء الطائرة ثابتاً وبارداً، لكنه يثير في داخلك خوفاً لا يُفسَّر. حتى بعد ابتعادها، بقي القلق مستيقظاً في داخلي». ويضيف: «الغرابة أن مصدر الخوف لم يكن في صوتها، بل في صمتها. كأنّ الصمت نفسه أصبح نوعاً من الإنذار».

عنصران من الجيش اللبناني ينقلان حطام مسيرة إسرائيلية سقطت فوق جنوب لبنان في 2024 (أرشيفية - رويترز)

التحليق باعتباره سلاحاً نفسياً وتقنياً

وفي وقت توجد مسيرات صامتة تُرصد في الأجواء اللبنانية خلال تحليقها، يُنظر إلى طنين المسيرات على أنه وسيلة ضغط نفسي على السكان. يرى العميد المتقاعد خليل الحلو أنّ التحليق المنخفض والمستمر للطائرات المسيّرة الإسرائيلية فوق بيروت ومدن لبنانية أخرى، «يشكّل أحد أوجه الحرب النفسية الأكثر تطوّراً في الصراع القائم»، موضحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنّ هذا التحليق، «يشكّل رسالة متكرّرة تهدف إلى ترسيخ الشعور بأنّ اللبنانيين تحت المراقبة الدائمة، وأنّ إسرائيل قادرة على الوصول إلى أي مكان وزمان».

ويقول الحلو إنّ «هذه المسيّرات، بصوتها المزعج أحياناً وبحضورها الدائم في السماء، تؤدي وظيفة مزدوجة: من جهة تبثّ القلق والخوف في نفوس الناس، ومن جهة أخرى تخلق انطباعاً بالهيمنة والسيطرة، وأنّ الأجواء اللبنانية مكشوفة بالكامل». ويضيف أنّ «إسرائيل تعي تماماً الأثر النفسي لهذه المشهدية المستمرة، فالسكان يعيشون تحت طنين الطائرات بلا انقطاع، مما يولّد توتّراً خفياً وشعوراً بالعجز أمام آلة مراقبة لا تنام».

ويشير إلى أنّ «هذه الاستراتيجية ليست جديدة، بل هي امتداد لأسلوب الحرب الذي تستخدمه إسرائيل منذ عقود، لكنّها اليوم أكثر تقدّماً بفضل التطور التكنولوجي».

جندي لبناني يقوم بحراسة مزارعين يجمعون الزيتون في بلدة العديسة الجنوبية في عمليات مشتركة مع «اليونيفيل» (إ.ب.أ)

البعد الاستخباراتي

ويرى الحلو أنّ للمسيّرات «وظيفة استخبارية دقيقة»، لافتاً إلى أنّ «المسيّرات الإسرائيلية التي تُحلّق فوق بيروت ومعظم الأراضي اللبنانية هي بمعظمها غير مسلّحة، وتُستخدم للرصد وجمع المعلومات أكثر من استخدامها للضربات المباشرة».

ويوضح أنّ «إسرائيل تمتلك منظومة متنوّعة من المسيّرات، منها قصيرة المدى تُستخدم فوق مناطق محددة، ومنها بعيدة المدى قد تصل إلى أكثر من ألف كيلومتر»، مشيراً إلى أنّ «التحليق الكثيف فوق العاصمة بيروت يتمّ عادة لأهداف رصد متقدّمة، تشمل متابعة النشاطات في الأبنية، ورصد الحركة اليومية للسيارات، وعدد الأشخاص الذين يدخلون ويخرجون من مواقع محددة».

ويشير إلى أنّ «هذه المسيّرات مزوّدة بكاميرات عالية الدقة وأجهزة تنصّت تتيح التقاط المكالمات الهاتفية وتحليلها، فيما يتولّى الذكاء الاصطناعي تصنيف البيانات ومقارنتها بالأنماط السابقة». ويضرب مثلاً قائلاً: «إذا لاحظت المنظومة أن بناية معينة تشهد حركة منتظمة لأشخاص محددين أو زيارات دورية كل مساء، تُدرج تلقائياً بأنها موقع مراقبة أمني متقدّم، ومع الوقت تتحول إلى هدف محتمَل».

ويؤكد أنّ «المنظومة الإسرائيلية باتت تعتمد على تكامل أدوات الرصد من مسيّرات وأقمار صناعية وأجهزة تنصّت أرضية وتحليل ذكي، لتشكّل شبكة مراقبة متواصلة تعمل على مدار الساعة»، معتبراً أنّ «هذا الدمج بين التكنولوجيا والحرب النفسية هو ما يجعل المواجهة اليوم أخطر وأكثر تعقيداً من أي وقت مضى».

إجهاد الجهاز العصبي

تصف المعالجة النفسية، د. ريما حداد، هذه الظاهرة بأنها «أخطر من القصف المباشر»، وتوضح أنّ «الصوت المتكرر والمفاجئ يفعّل جهاز الإنذار العصبي في الدماغ بشكل دائم، ما يؤدي إلى إفراز مستمر لهرمونات التوتر كالكورتيزول والأدرينالين، ويخلق شعوراً بالقلق المزمن».

وتضيف: «الناس لم تعد تخاف من الطائرة بذاتها، بل من فكرة أنها موجودة دائماً، وهذا ما يسمّيه علماء النفس الخوف المؤجَّل، أي الترقّب المستمر لشيء قد لا يحدث، لكنه ينهك الدماغ كما لو أنه يحدث فعلاً».


مقالات ذات صلة

لبنان يتهم إسرائيل برش مبيد للأعشاب فوق قرى حدودية

المشرق العربي عناصر الدفاع المدني يكافحون النيران في موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى في قرية عين قانا جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

لبنان يتهم إسرائيل برش مبيد للأعشاب فوق قرى حدودية

اتهم لبنان اليوم الأربعاء إسرائيل برش مادة كيميائية مبيدة للأعشاب في المنطقة الحدودية في جنوب البلاد التي لا تزال شبه خالية من السكان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبِلاً وفد رؤساء بلديات القرى الحدودية الجنوبية (الرئاسة اللبنانية)

عون: لبنان لم يتبلّغ اقتراحاً لمنطقة خالية من السكان عند الحدود الجنوبية

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن إعادة إعمار القرى والبلدات الجنوبية المتضررة وعودة أهلها إليها تتصدر أولوياته، إلى جانب دعم الجيش اللبناني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً قائد الجيش العماد رودولف هيكل قبيل مغادرته إلى واشنطن (الرئاسة اللبنانية)

تحليل إخباري لجنة وقف النار بين لبنان وإسرائيل... باقية والمشاركة الفرنسية عسكرية

حسم بيان للسفارة الأميركية في بيروت الجدل اللبناني حول مصير لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، بعد كثير من التكهنات حولها إثر تأخر اجتماعاتها…

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية يوسف رجّي (الرئاسة اللبنانية)

شكوى لبنانية إلى مجلس الأمن: 2036 خرقاً إسرائيلياً خلال 3 أشهر

رفعت وزارة الخارجية اللبنانية شكوى رسمية إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، على خلفية استمرار الاعتداءات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سكان محليون يهربون إلى الشارع لحظة استهداف إسرائيلي لبلدة قناريت بجنوب لبنان يوم 21 يناير (أ.ب)

إسرائيل تستأنف استهداف «محاور التهريب» على الحدود اللبنانية - السورية

أعادت هذه الاستهدافات تسليط الضوء على واقع الحدود الشرقية في الحسابات العسكرية الإسرائيلية، وعلى إشكاليات المعابر وغياب الاستقرار السكاني في هذه المنطقة.

صبحي أمهز (بيروت)

الواقع الصحي والإنساني ينهار في قطاع غزة رغم وقف إطلاق النار

نازحون يتدافعون لملء أوعية بلاستيكية بالماء من منشأة لتكرير الماء في خان يونس السبت (أ.ف.ب)
نازحون يتدافعون لملء أوعية بلاستيكية بالماء من منشأة لتكرير الماء في خان يونس السبت (أ.ف.ب)
TT

الواقع الصحي والإنساني ينهار في قطاع غزة رغم وقف إطلاق النار

نازحون يتدافعون لملء أوعية بلاستيكية بالماء من منشأة لتكرير الماء في خان يونس السبت (أ.ف.ب)
نازحون يتدافعون لملء أوعية بلاستيكية بالماء من منشأة لتكرير الماء في خان يونس السبت (أ.ف.ب)

لا تزال الأوضاع الإنسانية، والصحية تسيطر على ظروف وواقع حياة سكان قطاع غزة، رغم وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وسط خروقات، وتضييقات إسرائيلية متواصلة.

ولا تتوقف الجهات الحكومية في قطاع غزة، وكذلك المنظمات الإنسانية، والأممية، عن التحذير من واقع الحياة الصعب الذي يواجهه السكان.

وقالت وزارة الصحة بغزة إن ما تبقى من مستشفيات عاملة في قطاع غزة، والتي تُصارع من أجل استمرار تقديم الخدمة، أصبحت مجرد محطات انتظار قسرية لآلاف المرضى والجرحى الذين يواجهون مصيراً مجهولاً.

فلسطيني يملأ دلاء بالماء من منشأة لتكرير الماء في خان يونس السبت (أ.ف.ب)

وأضافت الوزارة في بيان لها أن ما تركته «الإبادة الصحية» من تأثيرات كارثية جعل من استمرار تقديم الرعاية الصحية معجزة يومية، وتحدياً كبيراً أمام جهود التعافي، واستعادة العديد من الخدمات التخصصية، لافتة إلى أن «الأرصدة الصفرية من الأدوية والمستهلكات الطبية جعلت من أبسط المسكنات ترفاً لا يملكه من يواجهون الموت كل دقيقة»، مشيرةً إلى أن 46 في المائة من قائمة الأدوية الأساسية رصيدها صفر، و66 في المائة من المستهلكات الطبية رصيدها صفر، وكذلك 84 في المائة من المواد المخبرية وبنوك الدم.

وبينت أن خدمات السرطان، وأمراض الدم، والجراحة، والعمليات، والعناية المركزة، والرعاية الأولية في مقدمة الخدمات المتضررة بالأزمة، مشيرةً إلى أن ما يصل إلى مستشفيات القطاع من أدوية كميات محدودة لا يمكنها تلبية الاحتياج الفعلي لاستمرار تقديم الخدمة الصحية، مضيفةً: «إن إنقاذ الوضع الصحي في مستشفيات غزة لا يمكن أن يكون مع الحلول الإسعافية المؤقتة التي تُراكم التأثيرات الخطيرة»، مجددةً مناشدتها العاجلة والفورية إلى كافة الجهات المعنية بالتدخل لتعزيز الأرصدة الدوائية.

سيارات إسعاف مصرية مصطفة بانتظار السماح لها بالدخول من معبر رفح إلى قطاع غزة 4 فبراير 2026 (رويترز)

وحذرت الوزارة في الأيام الأخيرة من استمرار القيود الإسرائيلية على حركة المرضى عبر معبر رفح البري، مشيرةً إلى أنه منذ فتح المعبر يوم الاثنين الماضي، وحتى مساء الخميس تم إجلاء 36 مريضاً فقط، مبينةً أنه يومياً هناك حالات وفاة في صفوف المرضى والجرحى نتيجة تعطل خروجهم للعلاج.

وأغلق معبر رفح البري أمام حركة المسافرين في كلا الاتجاهين يومي الجمعة والسبت، على أن يعاد فتحه صباح الأحد جزئياً بنفس الآلية المتبعة خلال الأيام الماضية.

وفي السياق، أصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) بياناً صادماً حول تدهور الأوضاع الإنسانية في كل من قطاع غزة، والسودان، محذرةً من أن الوضع لا يزال بالغ الهشاشة، ومميتاً للآلاف من الأطفال.

وأكدت المنظمة أن أطفال غزة لا يزالون يرزحون تحت وطأة الغارات الجوية، ويعانون من الانهيار الشامل في منظومات الصحة، والمياه، والتعليم، مما يجعل البقاء على قيد الحياة تحدياً يومياً، مضيفةً: «تعكس هذه التقارير حجم الفشل الدولي في حماية الفئات الأكثر ضعفاً في مناطق النزاع، حيث يجتمع القصف، والجوع، والأوبئة لتشكيل بيئة طاردة للحياة».

فلسطينيات قرب منشأة لتكرير الماء في خان يونس السبت (أ.ف.ب)

وجددت «اليونيسف» دعوتها لوقف الأعمال العدائية، وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات المنقذة للحياة قبل فوات الأوان في تلك المناطق المنكوبة.

تطورات ميدانية

ميدانياً، قتل فلسطيني في حي الشجاعية شرق مدينة غزة بعد أن تعرض لإطلاق نار من قبل قناص إسرائيلي يتمركز على تبة مرتفعة تكشف الحي بأكمله الذي تحتل إسرائيل أكثر من 80 في المائة منه.

وتعرضت عدة مناطق من القطاع لقصف مدفعي، وعمليات نسف مكثفة على جانبي الخط الأصفر، من بينها مناطق غرب رفح، حيث يتبقى آخر مبانٍ في حي تل السلطان بالمدينة.


عدن تستقبل رمضان بخدمات مستقرة وتطبيع شامل للحياة

تحسن ملحوظ في خدمات الكهرباء بعدن قبل حلول رمضان (إعلام محلي)
تحسن ملحوظ في خدمات الكهرباء بعدن قبل حلول رمضان (إعلام محلي)
TT

عدن تستقبل رمضان بخدمات مستقرة وتطبيع شامل للحياة

تحسن ملحوظ في خدمات الكهرباء بعدن قبل حلول رمضان (إعلام محلي)
تحسن ملحوظ في خدمات الكهرباء بعدن قبل حلول رمضان (إعلام محلي)

تستقبل مدينة عدن، العاصمة المؤقتة لليمن، شهر رمضان المبارك، هذا العام، في أجواء مختلفة كلياً عمّا اعتاده سكانها خلال السنوات الماضية، في ظل تحسن ملحوظ في مستوى الخدمات الأساسية، على رأسها الكهرباء، وتقدّم ملموس في مسار تطبيع الحياة وخروج المعسكرات من الأحياء السكنية.

انعكس كل ذلك بشكل مباشر على الحالة العامة للسكان، وعزّز منسوب التفاؤل بقرب عودة الحكومة الجديدة ومجلس القيادة الرئاسي لممارسة مهامهم من داخل المدينة، بعد سنوات من الانقسام والتعطّل المؤسسي.

يأتي هذا التحول في وقت شهد فيه قطاع الكهرباء انتعاشاً غير مسبوق منذ أكثر من عقد، بفعل الدعم السعودي الذي أسهم في تشغيل جميع محطات توليد الكهرباء، ورفع ساعات التشغيل إلى مستويات قياسية لم يشهدها السكان منذ عام 2013، بعد أن كانت المدينة ترزح لسنوات طويلة تحت وطأة انقطاعات يومية تصل إلى 18 ساعة، وهو ما كان يحرم الأهالي من أبسط مظاهر الفرح بشهر رمضان، الذي تتبدل فيه أنماط الحياة، وتهدأ الحركة نهاراً لتنشط مساءً.

الدعم السعودي ساهم في تحسين تشغيل مطار عدن الدولي (إعلام حكومي)

وطوال الأعوام السابقة، ارتبط شهر رمضان في عدن بمعاناة مضاعفة، نتيجة الانقطاعات الطويلة للكهرباء، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الخدمات، ما كان يحوّل الشهر الفضيل إلى موسم للأرق والتذمر بدل كونه شهراً للسكينة والطمأنينة.

إلا أن المشهد هذا العام يبدو مختلفاً، مع استقرار ملحوظ في التيار الكهربائي، وتحسن في خدمات المياه، وانتظام صرف مرتبات موظفي الدولة، الأمر الذي انعكس إيجاباً على الحركة التجارية، وأسهم في تخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل المواطنين.

ووفقاً لسكان المدينة، فإن الدعم السعودي لعب دوراً محورياً في هذا التحسن، من خلال الإشراف على تحسين الخدمات، وضمان استدامة تشغيل محطات الكهرباء، إلى جانب الإسهام في صرف المرتبات، بما أعاد قدراً من الثقة لدى الشارع، ورسّخ شعوراً عاماً بأن عدن بدأت تستعيد عافيتها تدريجياً.

تطبيع الحياة

بالتوازي مع التحسن الخدمي، تشهد عدن خطوات متقدمة في مسار تطبيع الحياة، من خلال استكمال عملية دمج وهيكلة الوحدات الأمنية، وإخراج قوات الجيش والمعسكرات من داخل الأحياء السكنية، في إطار خطة تشرف عليها قيادة تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية.

ومع انقضاء المرحلة الثانية من هذه العملية، تستعد الجهات المعنية للدخول في المرحلة الثالثة والأخيرة، ما يُعدّ تطوراً بالغ الأهمية على صعيد تعزيز الأمن والاستقرار، وإعادة الطابع المدني للمدينة.

وفي هذا السياق، تواصل السلطة المحلية متابعة أداء المكاتب التنفيذية، وتعزيز مستوى الخدمات، وتحسين الإيرادات، بما يواكب متطلبات المرحلة، ويهيئ المدينة لاستقبال شهر رمضان في أجواء أكثر استقراراً. وعقدت الهيئة الاستشارية لمحافظ عدن اجتماعاً استثنائياً خُصص لمناقشة جملة من المقترحات المتعلقة بالاستعداد للشهر الفضيل، تمهيداً لرفعها إلى قيادة السلطة المحلية.

من المرتقب بدء المرحلة الثالثة من إخراج المعسكرات من مدينة عدن (إعلام حكومي)

وناقش الاجتماع، وفق إعلام المحافظة، آليات تعزيز الجوانب الأمنية، وتنظيم الأسواق، وضبط حركة السير خلال أيام وليالي رمضان، إلى جانب مقترحات تهدف إلى تخفيف الأعباء المعيشية عن السكان، من بينها تبنّي مشاريع ومبادرات خيرية وإنسانية، في مقدمتها إقامة الموائد الرمضانية، لما لها من أثر مباشر في دعم الفقراء والأسر المتعففة.

تعزيز الاستقرار

في إطار الجهود الرامية إلى تنشيط الحركة الاقتصادية، سبق أن عقد محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، لقاءً مع رئيس الغرفة التجارية والصناعية، أبو بكر باعبيد، جرى خلاله بحث القضايا ذات الأولوية التي تتطلب تدخلات ومعالجات عاجلة، في مقدمتها تفعيل دور الغرفة التجارية، ومنحها مساحة أوسع للمشاركة في رسم السياسات الاقتصادية المحلية.

كما ناقش الجانبان فكرة إنشاء صندوق استثماري للتجار في العاصمة المؤقتة، بالتنسيق مع المنظمات الدولية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بهدف دعم المشاريع التنموية، وتحفيز رأس المال الوطني، وخلق فرص عمل جديدة، بما يسهم في استعادة عدن لدورها التاريخي كعاصمة اقتصادية وتجارية.

أجواء رمضانية في مدينة عدن القديمة قبل حلول الشهر الفضيل (إعلام محلي)

وأكد المحافظ أن عدن بطبيعتها وتكوينها مدينة اقتصادية وتجارية رائدة، وينبغي أن تستعيد موقعها كقاطرة للتنمية، مشدداً على أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة وتطويرها، وبناء شراكة حقيقية ومستدامة بين السلطة المحلية والقطاع الخاص، بما يحقق التنمية الشاملة ويعزز الاستقرار الاقتصادي.

وأشار شيخ، وفق إعلام المحافظة، إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب تكامل الجهود والعمل بروح الفريق الواحد، تحت شعار: «عدن أولاً... وعدن دائماً».

وفي سياق متصل، أشاد رئيس الغرفة التجارية والصناعية بالجهود التي تبذلها قيادة السلطة المحلية، مؤكداً استعداد القطاع الخاص للتعاون الكامل والمساهمة في دعم مسارات التنمية والاستثمار في المدينة.

بناء القدرات

وضمن توجهات السلطة المحلية لخلق شراكة واسعة مع مختلف قطاعات المجتمع، ناقش محافظ عدن، في لقاء آخر، مع مجلس إدارة صندوق تنمية المهارات، سير عمل الصندوق، والتحديات التي تواجهه، والمقترحات الكفيلة بتعزيز دوره في تنمية مهارات الشباب وتأهيلهم لسوق العمل.

لقاءات السلطة المحلية لتعزيز الشراكة المجتمعية (إعلام حكومي)

وأكد المحافظ حرص السلطة المحلية على تذليل الصعوبات التي تعوق عمل الصندوق، مشدداً على أهمية إعداد خطة عمل واضحة بسقف زمني محدد، وإعطاء قطاع التدريب والتأهيل أولوية قصوى، مع العمل على مضاعفة أعداد المستفيدين من البرامج التدريبية إلى خمسة أضعاف خلال الفترة المقبلة، وتنفيذ دورات نوعية تلبي احتياجات سوق العمل، بما يؤسس لشراكة فاعلة مع المنظمات الداعمة والجهات المانحة.


سلام يجول على القرى الحدودية جنوب لبنان: نعمل على توفير شروط التعافي

جانب من جولة نواف سلام على جنوب لبنان (حساب رئاسة مجلس الوزراء على «إكس»)
جانب من جولة نواف سلام على جنوب لبنان (حساب رئاسة مجلس الوزراء على «إكس»)
TT

سلام يجول على القرى الحدودية جنوب لبنان: نعمل على توفير شروط التعافي

جانب من جولة نواف سلام على جنوب لبنان (حساب رئاسة مجلس الوزراء على «إكس»)
جانب من جولة نواف سلام على جنوب لبنان (حساب رئاسة مجلس الوزراء على «إكس»)

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، اليوم (السبت)، عن العمل على إعادة إعمار البنى التحتية واستمرار الإغاثة وتوفير شروط التعافي في جنوب لبنان.

وقال سلام، خلال جولة اليوم في جنوب لبنان: «سوف نعمل على إعادة إعمار البنى التحتية والأملاك العامة، أي إعادة تأهيل المدارس والمستشفيات والمباني الحكومية وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والطرق».

وأشار إلى أنّ حضور الدولة في الجنوب اليوم يحمل رسالة واضحة؛ مفادها أنّ بسط سلطة الدولة لا يقتصر على انتشار الجيش اللبناني وسيطرته على الأرض، رغم التقدير الكبير لدوره، بل يتعدّاه ليشمل تحمّل المسؤولية تجاه الناس واحتياجاتهم الحياتية؛ من مدارس ومراكز صحية وبنى تحتية وخدمات أساسية، بما يضمن حياة كريمة للمواطنين.

وأشار إلى تأمين 250 مليون دولار بوصفها قروضاً ميسرة من البنك الدولي، و75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية، لافتاً إلى أن التنفيذ سيتم عبر مجلس الإنماء والإعمار بالتعاون مع الوزارات المختصة ضمن آليات رقابة ومتابعة واضحة.

وعن تعويضات الأضرار، أعلن سلام أن «الحكومة أقرت منهجية واضحة تقوم على أولويات الأبنية المتصدعة والأبنية المتضررة جزئياً والأبنية المتضررة بالكامل. والهدف أن نتمكن من إعادة أكبر عدد من الناس إلى بيوتهم».

وفي يارين، قال سلام: «أعلم أن الاعتداءات (الإسرائيلية) ما زالت مستمرة، وأن كثيراً من الناس يعيشون قلقاً يومياً، لكنني أعرف أمراً أكبر: أعرف الجنوبيين بكل انتماءاتهم، وأعرف تمسكهم بأرضهم. إن صمودكم هو الأولوية، والدولة ستكون إلى جانبكم لتبقوا في أرضكم وتستمروا فيها».