المسيّرات الإسرائيلية المتواصلة تقلق حياة اللبنانيين

إنهاك عصبي وطنين يذكر بـ«خطر مؤجل»

عامل إسرائيلي يتفقد مسيرة من طراز «هيرمز 900» عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
عامل إسرائيلي يتفقد مسيرة من طراز «هيرمز 900» عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

المسيّرات الإسرائيلية المتواصلة تقلق حياة اللبنانيين

عامل إسرائيلي يتفقد مسيرة من طراز «هيرمز 900» عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
عامل إسرائيلي يتفقد مسيرة من طراز «هيرمز 900» عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

يعيش لبنان منذ الاثنين على وقع تحليق متواصل للمسيرات الإسرائيلية، تمدّد إلى سماء بعبدا (شرق العاصمة) حيث مقر القصر الرئاسي، وشمل وسط بيروت، ومحيط السراي الحكومي، وبلغ أطراف الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، ناشراً موجاتٍ من القلق والتشنّج في الأجواء.

وأثار تحليق المسيرات على علو منخفض، موجة استياء من الإزعاج المتواصل، إذ ينتج تحليقها، طنيناً عالياً، وصار جزءاً من الصوت الضجيج اليومي في شوارع بيروت. ويرى كثيرون أن هذا الخرق المتمادي، هو جزء من حرب بلا نار، تُبقي السكان في حالة تأهب عصبي دائم، وتحوّل النوم إلى رفاهية مؤجلة.

طائرة مسيرة إسرائيلية تحلق فوق جنوب لبنان الأسبوع الماضي (متداول)

سماء مستباحة

يقول أحد سكان بيروت لـ«الشرق الأوسط»: «الطائرة صارت مثل المولّد الكهربائي، صوتها يرافقنا في النهار والليل، لكنّ الفرق أنّ المولّد يجلب لك الراحة، بينما الطائرة تذكّرك بالخطر والمراقبة والقلق الدائم».

حتى في المقاهي والأحياء الداخلية، صار اللبنانيون يتبادلون الخبر: «هل لا تزال فوقنا؟»، قبل أن يواصلوا يومهم وكأن شيئاً لم يكن. هذا التطبيع مع الضجيج، هو بالضبط ما يسميه الخبراء «مرحلة الإنهاك النفسي»، حين يصبح القلق جزءاً من الإيقاع العام.

في الجنوب، لا يختلف المشهد كثيراً. الأصوات نفسها تتكرّر، لكنّ القلق في المنطقة أكثر حدّة. يقول أحد أبناء إقليم التفاح لـ«الشرق الأوسط»: «السماء لا تهدأ أبداً. حتى في الليالي التي لا تشهد قصفاً، يبقى التحليق المستمر كأنه إنذار دائم. نميّز اليوم أنواع الطائرات من صوتها، فالصغيرة سريعة، أما الكبيرة فبطيئة وتظلّ في الجوّ لساعات».

يتحدث الرجل بنبرة تعبٍ داخليّ: «نعيش مع هذا الصوت كما نعيش مع التنفّس، لا يغيب إلا ليعود، كأنه يختبر قدرتنا على الاحتمال».

ولا تقتصر الحرب النفسية على الجنوب والعاصمة. في البقاع (شرق لبنان)، يروي أحد سكان بلدة قريبة من بعلبك لـ«الشرق الأوسط» أنّ طائرة مسيّرة حلّقت فوق منزله منتصف الليل قبل أيام، وقال: «كانت شبه صامتة، لكنّها أضاءت بنور أحمر خافت فوق سطح المنزل. بقيت تتحرّك ببطء كما لو أنّها تبحث عن شيء. أطفأنا الأنوار فوراً، وراقبتها من الشرفة أكثر من ساعة. كان ضوء الطائرة ثابتاً وبارداً، لكنه يثير في داخلك خوفاً لا يُفسَّر. حتى بعد ابتعادها، بقي القلق مستيقظاً في داخلي». ويضيف: «الغرابة أن مصدر الخوف لم يكن في صوتها، بل في صمتها. كأنّ الصمت نفسه أصبح نوعاً من الإنذار».

عنصران من الجيش اللبناني ينقلان حطام مسيرة إسرائيلية سقطت فوق جنوب لبنان في 2024 (أرشيفية - رويترز)

التحليق باعتباره سلاحاً نفسياً وتقنياً

وفي وقت توجد مسيرات صامتة تُرصد في الأجواء اللبنانية خلال تحليقها، يُنظر إلى طنين المسيرات على أنه وسيلة ضغط نفسي على السكان. يرى العميد المتقاعد خليل الحلو أنّ التحليق المنخفض والمستمر للطائرات المسيّرة الإسرائيلية فوق بيروت ومدن لبنانية أخرى، «يشكّل أحد أوجه الحرب النفسية الأكثر تطوّراً في الصراع القائم»، موضحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنّ هذا التحليق، «يشكّل رسالة متكرّرة تهدف إلى ترسيخ الشعور بأنّ اللبنانيين تحت المراقبة الدائمة، وأنّ إسرائيل قادرة على الوصول إلى أي مكان وزمان».

ويقول الحلو إنّ «هذه المسيّرات، بصوتها المزعج أحياناً وبحضورها الدائم في السماء، تؤدي وظيفة مزدوجة: من جهة تبثّ القلق والخوف في نفوس الناس، ومن جهة أخرى تخلق انطباعاً بالهيمنة والسيطرة، وأنّ الأجواء اللبنانية مكشوفة بالكامل». ويضيف أنّ «إسرائيل تعي تماماً الأثر النفسي لهذه المشهدية المستمرة، فالسكان يعيشون تحت طنين الطائرات بلا انقطاع، مما يولّد توتّراً خفياً وشعوراً بالعجز أمام آلة مراقبة لا تنام».

ويشير إلى أنّ «هذه الاستراتيجية ليست جديدة، بل هي امتداد لأسلوب الحرب الذي تستخدمه إسرائيل منذ عقود، لكنّها اليوم أكثر تقدّماً بفضل التطور التكنولوجي».

جندي لبناني يقوم بحراسة مزارعين يجمعون الزيتون في بلدة العديسة الجنوبية في عمليات مشتركة مع «اليونيفيل» (إ.ب.أ)

البعد الاستخباراتي

ويرى الحلو أنّ للمسيّرات «وظيفة استخبارية دقيقة»، لافتاً إلى أنّ «المسيّرات الإسرائيلية التي تُحلّق فوق بيروت ومعظم الأراضي اللبنانية هي بمعظمها غير مسلّحة، وتُستخدم للرصد وجمع المعلومات أكثر من استخدامها للضربات المباشرة».

ويوضح أنّ «إسرائيل تمتلك منظومة متنوّعة من المسيّرات، منها قصيرة المدى تُستخدم فوق مناطق محددة، ومنها بعيدة المدى قد تصل إلى أكثر من ألف كيلومتر»، مشيراً إلى أنّ «التحليق الكثيف فوق العاصمة بيروت يتمّ عادة لأهداف رصد متقدّمة، تشمل متابعة النشاطات في الأبنية، ورصد الحركة اليومية للسيارات، وعدد الأشخاص الذين يدخلون ويخرجون من مواقع محددة».

ويشير إلى أنّ «هذه المسيّرات مزوّدة بكاميرات عالية الدقة وأجهزة تنصّت تتيح التقاط المكالمات الهاتفية وتحليلها، فيما يتولّى الذكاء الاصطناعي تصنيف البيانات ومقارنتها بالأنماط السابقة». ويضرب مثلاً قائلاً: «إذا لاحظت المنظومة أن بناية معينة تشهد حركة منتظمة لأشخاص محددين أو زيارات دورية كل مساء، تُدرج تلقائياً بأنها موقع مراقبة أمني متقدّم، ومع الوقت تتحول إلى هدف محتمَل».

ويؤكد أنّ «المنظومة الإسرائيلية باتت تعتمد على تكامل أدوات الرصد من مسيّرات وأقمار صناعية وأجهزة تنصّت أرضية وتحليل ذكي، لتشكّل شبكة مراقبة متواصلة تعمل على مدار الساعة»، معتبراً أنّ «هذا الدمج بين التكنولوجيا والحرب النفسية هو ما يجعل المواجهة اليوم أخطر وأكثر تعقيداً من أي وقت مضى».

إجهاد الجهاز العصبي

تصف المعالجة النفسية، د. ريما حداد، هذه الظاهرة بأنها «أخطر من القصف المباشر»، وتوضح أنّ «الصوت المتكرر والمفاجئ يفعّل جهاز الإنذار العصبي في الدماغ بشكل دائم، ما يؤدي إلى إفراز مستمر لهرمونات التوتر كالكورتيزول والأدرينالين، ويخلق شعوراً بالقلق المزمن».

وتضيف: «الناس لم تعد تخاف من الطائرة بذاتها، بل من فكرة أنها موجودة دائماً، وهذا ما يسمّيه علماء النفس الخوف المؤجَّل، أي الترقّب المستمر لشيء قد لا يحدث، لكنه ينهك الدماغ كما لو أنه يحدث فعلاً».


مقالات ذات صلة

سلام يغرس العلم اللبناني في زوطر ويكرّس عودة الدولة إلى الجنوب

المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام يغرس العلم اللبناني في زوطر الغربية حيث ينتشر الجيش اللبناني بعد الانسحاب الإسرائيلي (أ.ف.ب)

سلام يغرس العلم اللبناني في زوطر ويكرّس عودة الدولة إلى الجنوب

لم يكن مشهد رئيس الحكومة نواف سلام وهو يغرس العلم اللبناني في بلدة زوطر الغربية مجرد خطوة رمزية

كارولين عاكوم
المشرق العربي جنود لبنانيون على متن آليات عسكرية في مدخل بلدة زوطر الغربية التي انتشر الجيش فيها يوم الثلاثاء بعد انسحاب إسرائيلي (رويترز)

الجيش اللبناني يتقصى المخاطر بالمناطق التجريبية لتأمين عودة المدنيين

يبحث القضاء اللبناني في آلية قانونية وإجرائية تتيح للجيش إجراء تفتيش في الملكيات الخاصة من دون عوائق، بعد دخول الجيش إلى أولى المناطق التجريبية.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي الرئيسان دونالد ترمب وجوزيف عون في البيت الأبيض (أ.ب)

الرئاسة اللبنانية بعد لقاء ترمب وعون: لبنان تمسك بانسحاب إسرائيلي كامل

أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون، عقب محادثاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن لبنان شدد على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي يرفع أحد الجنود اللبنانيين العلم اللبناني على آلية مدرعة في بلدة زوطر الغربية بجنوب لبنان بالتزامن مع انتشار وحدات الجيش في المنطقة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية ضمن المرحلة الأولى من تنفيذ الخطة المدعومة أميركياً (رويترز)

نشر الجيش اللبناني في «المناطق التجريبية» رسالة متعددة الأهداف

تحمل انطلاقة المرحلة التنفيذية الأولى من انتشار الجيش في المناطق التجريبية بالتزامن مع زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لأميركا رسالة سياسية

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون عند مدخل بلدة زوطر الغربية في جنوب لبنان، بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها ضمن خطة جرى التوصل إليها بوساطة أميركية (رويترز)

إسرائيل تحافظ على سيطرة عملية بعد الانسحاب من زوطر الغربية

يبدأ جنوب لبنان اختباراً أمنياً غير مسبوق مع دخول الجيش اللبناني إلى أولى «المناطق التجريبية» التي أخلاها الجيش الإسرائيلي، في خطوة تُعد بداية تنفيذ الاتفاق.

صبحي أمهز (بيروت)