«أوليفر» رؤية غنائية مصرية لرائعة تشارلز ديكنز

تقدمها فرقة «فابريكا» المسرحية... ويلعب بطولتها موهوبون صغار

جانب من العرض المسرحي (فرقة فابريكا)
جانب من العرض المسرحي (فرقة فابريكا)
TT

«أوليفر» رؤية غنائية مصرية لرائعة تشارلز ديكنز

جانب من العرض المسرحي (فرقة فابريكا)
جانب من العرض المسرحي (فرقة فابريكا)

رغم العمق الدرامي والأخلاقي لرواية «أوليفر تويست» لتشارلز ديكنز أحد أهم الروائيين الإنجليز في العصر الفيكتوري، فإنه تم إعادة اكتشافها وتقديمها برؤية غنائية مصرية بسيطة للمرة الأولى، في خطوة جريئة تهدف إلى تقريب العمل العالمي من وجدان المتلقي العربي، خصوصاً الأطفال والشباب.

ويقف وراء هذا الإنتاج فريق فني تقوده الدكتورة نيفين علوبة في كل تفاصيل العمل إلى جانب المخرجة سمر جلال، وكاتبي العرض بسنت أيمن وسراج محمود، ومصممة الاستعراضات ليلى أشرف.

لم يكن خيار تقديم «أوليفر» باللهجة المصرية من قبل فرقة «فابريكا» للمسرح الموسيقي بعيداً عن رؤيتها الأوسع، بل يأتي تتويجاً لمسيرة د. نيفين علوبة التي كُرّمت بوسام الفنون والآداب الفرنسي برتبة «فارس» من وزارة الثقافة الفرنسية تقديراً لإسهاماتها البارزة في إثراء المشهد الموسيقي.

تؤمن علوبة التي أسست فرقة «فابريكا» عام 2013 بأن المجتمع «متعطش للفن»، حسب وصفها، وقد تجلى هذا الإيمان في مشاريعها السابقة التي سعت من خلالها إلى جعل الفن الرفيع متاحاً للجميع مثل تقديمها مسرحية «البؤساء» وأوبريت «الليلة الكبيرة» الشهير.

ويمثل عرض «أوليفر» امتداداً لهذه الفلسفة، حيثُ يهدف إلى تقديم عمل فني يخلق إبهاراً بصرياً وسمعياً وقيمة فكرية وثقافية، في وقت يشهد ندرة في الأعمال المسرحية الموجهة للعائلة والطفل، حسب ما تقوله علوبة لـ«الشرق الأوسط».

د. نيفين علوبة (فرقة فابريكا)

تعكس عملية «تمصير» المسرحية إدراكاً عميقاً من قائدة المشروع لأهمية جسر الهوة بين الأدب العالمي والجمهور المصري، مما يسمح بنقل التجربة الإنسانية المتمثلة في رواية ديكنز إلى إطار محلي يعود لخمسينات القرن الماضي مع الحفاظ على الجوهر النقدي للرواية حسب تعبير سمر جلال مخرجة المسرحية.

ويرى الكاتب الصحافي المصري محمد الشبه أن «ما تقوم به علوبة هو دور مهم واستثنائي ومكمل وموازٍ لما تقوم به وزارة الثقافة». ويضيف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «الدكتورة علوبة كالمدرسة تخرج أجيالاً رائعة ومميزة في الموسيقي والغناء، وهناك اهتمام بالمسرح الغنائي في كل العالم وعلي الدولة المصرية الاهتمام بهذا الأمر».

تدور القصة حول «أوليفر» الذي يولد في إصلاحية، وتتوفى والدته عند ولادته، ليبدأ حياته في فقر شديد ويتعرض لسوء معاملة، ثم يطرد من دار الأيتام، ويلتقي بـ«فاجين» زعيم عصابة من النشالين، يُجبر أوليفر على الانضمام إلى العصابة، لكنه يحاول الحفاظ على براءته رغم الظروف القاسية، يُقبض على أوليفر متهماً بالسرقة، لكنه يثبت براءته ويُعرض عليه الرعاية من قبل رجل طيب يُدعى مستر براونلو، ويبدأ أوليفر في اكتشاف أسرار عائلته التي تكشف عن أن لديه أصولاً نبيلة.

هذا العمق الدرامي والأخلاقي لرواية ديكنز جعله خياراً رائعاً للمسرح الغنائي، حيثُ تتيح المسرحية من خلال الموسيقى والغناء والرقص، تقديم الجانب الإنساني للقصة وتبسيط مفاهيمها المعقدة للصغار.

العرض المسرحي يقدم قصة كلاسيكية في قالب غنائي (فرقة فابريكا)

ووفق علوبة، فإن «الفكرة بدأت بتدريب الأطفال من سن 7 سنوات على الغناء والعزف والوقوف على المسرح، فمسرحية (أوليفر) لتشارلز ديكنز بطلها الرئيسي حسين حواس الذي لا يتجاوز عمره 8 سنوات ومعه لمار محمد بجانب أدوار الشباب كرستينا محب وسراج محمود وبسنت أيمن وبسمة فرح، وكلهم تدربوا في الفرقة».

يبرز الدور المجتمعي للمسرحية، إذ يُشكل العرض منصة تدريبية عملية للمواهب الشابة المتدربة بالفرقة، التي تُعدّ مدرسة للإبداع تخرج منها العشرات من المغنين والعازفين المميزين، وقد سافر بعضهم للخارج ليعمل في كبرى المؤسسات الفنية.

الملصق الدعائي للعرض المسرحي (فرقة فابريكا)

وتؤكد علوبة أن «تمويل الفرقة شخصي، وقد كونت هذه الفرقة حباً في الفن والموسيقي والغناء الأوبرالي»: «هذا الالتزام الشخصي ينبع من قناعة عميقة لديها بأهمية توفير كيان يساعد المواهب المصرية الواعدة على التعلم».

يمثل عرض «أوليفر» الذي يعرض لمدة ثلاثة أيام على مسرح «أركان» بمدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة) أكثر من مجرد عمل مسرحي، فهو يعد بمنزلة «دليل يؤكد على إمكانية تقديم فن غنائي راقٍ ومتاح في آن واحد، وجهد تعليمي يزرع بذور الجيل القادم من الفنانين، ومبادرة شخصية تثبت أن العزيمة قادرة على خلق واقع جديد، وفق الشبة.

ويرى الشبة أن النجاح الذي حققته الدكتورة نيفين علوبة وفرقتها مع عروض سابقة مثل «ميرامار» و«السقا مات» يبعث الأمل في استمرار وتوسع هذا النموذج، خصوصاً إذا توفر الدعم المؤسسي اللازم.


مقالات ذات صلة

ماريا الدويهي: أتوق إلى السينما وأحلم بدور مسرحي جريء

يوميات الشرق مع زميلتها جوليا قصار خلال تسلمها جائزة «مونو» لأفضل ممثلة مسرحية (ماريا الدويهي)

ماريا الدويهي: أتوق إلى السينما وأحلم بدور مسرحي جريء

تستعد الممثلة والكاتبة والمخرجة والأستاذة الجامعية ماريا الدويهي لعمل مسرحي جديد مع المخرج والكاتب يحيى جابر، سيكون امتداداً لمسرحية «القرنة البيضا».

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق العرض الألماني «Children of today» (إدارة المهرجان)

«القاهرة للمسرح التجريبي» يراهن على الحرية في تناول القضايا الإنسانية

يشارك في الدورة الجديدة 16 عرضاً تمثل 14 دولة، ضمن برنامج يجمع بين المسرح الدرامي والرقص المعاصر والمسرح الحركي والبصري ومسرح الدمى والعروض متعددة الوسائط

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أمير اليماني يحصد جائزة أفصل مخرج (إدارة المهرجان)

أمير اليماني: «متولي وشفيقة» يُعيد محاكمة بطل الحكاية الشعبية

عدّ أمير اليماني الدورة الـ19 من أصعب دورات «المهرجان القومي للمسرح»، لقوة العروض المتنافسة في المسابقة.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق «الملك لير» في موسمه الجديد يصل إلى 200 ليلة عرض (وزارة الثقافة المصرية)

«الملك لير» يكشف الستار عن إيرادات قياسية بالمسرح المصري

كشف العرض المسرحي «الملك لير» عن إيرادات قياسية في المسرح المصري، بعد إعلان «البيت الفني للمسرح» أن إيرادات العرض تجاوزت 6 ملايين جنيه.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق نال «جائزة لجنة التحكيم للشباب» ضمن «جوائز المونو للمسرح» (سامر حنا)

سامر حنا: «جائزة المونو» ستُغيّر تاريخ المسرح في لبنان

يرى سامر حنا أنه منذ عام 2019، تاريخ تخرّجه في أكاديمية الفنون، شَعَرَ أكثر من مرة بالإحباط والخذلان...

فيفيان حداد (بيروت)

«ذيل الحصان»... نبات عاش قبل الديناصورات ونجا من الانقراض

لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
TT

«ذيل الحصان»... نبات عاش قبل الديناصورات ونجا من الانقراض

لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)

اسمه «ذيل الحصان»، وهو نبات قد يصمد أمام كلّ شيء. للوهلة الأولى، يبدو مثل فرشاة لتنظيف المرحاض، لكنه أقدم من الديناصورات. ولا يستطيع المرء مقاومة تمرير يده على شعيراته إلى جانب الطريق، حتى لو رمقه المارّة بنظرات مستغربة.

تروي «الغارديان» الحكاية، وتقول إنَّه على جانبي الطريق الريفي يمتدّ بساط من الخضرة الناعمة، كأنَّ المشهد اقتُطع من غابة استوائية؛ خضرة يانعة وسط طبيعة أكلها الجفاف، فصبغها بالبني والأصفر.

يبدو نبات ذيل الحصان الحقلي ناعماً ومنتفشاً، لكن ما إن تلمسه حتى تكتشف خشونته وصلابته. ويمكن استخدام سيقانه مثل فرشاة فعّالة لتنظيف المرحاض؛ فشعيراته غنية بالسيليكون الكاشط، مما يمنحها ملمساً خشناً أشبه بورق الصنفرة. ولعلّ هذا ما يفسر أحد أسمائه الشائعة، «فرشاة الجلي»، إذ كان يُستخدَم قديماً لتنظيف الخشب وتلميع المعادن.

وإذا تعاملتَ معه برفق، فيمكنك فصل ساقه المجوفة ذات العقد عند إحدى وصلاتها، ثم إعادة تركيبها بسهولة، مثل الأنابيب التي كان الأطفال يستخدمونها لبناء الأشكال، فتعود إلى موضعها بانسجام يبعث على الرضا.

ويعود وجود نبات «ذيل الحصان» على الأرض إلى ما قبل ظهور الديناصورات بوقت طويل. وكانت هذه النباتات، التي لا تزهر، عملاقةً في ذلك الزمن، إذ تجاوز ارتفاعها 20 متراً، ويُرجَّح أنَّها كانت من بين النباتات التي تغذَّت عليها الديناصورات آكلة النباتات.

كلّما ضاقت به الأرض وجد تحتها طريقاً آخر (بكسلز)

ولعل بقاءها منذ عصور ما قبل التاريخ ونجاتها من موجات انقراض جماعي خير دليل على قدرتها الاستثنائية على التَّكيُّف والصمود. وهي صفات جعلت منها نباتاً عشبياً شديد النجاح، وإن كان غازياً في بعض المناطق.

وتُفسّر قدرتها على الازدهار رغم شحّ الأمطار في شرق إنجلترا بامتداد جذورها تحت الأرض؛ إذ تمتلك شبكةً واسعةً من الجذامير يمكن أن تتعمّق أمتاراً، بل تمتدّ تحت الطرق أو أساسات المباني. ولهذا يصعب التخلّص منها؛ فهي تنتشر سريعاً عبر الأبواغ، وتمضي في الانتشار خفية تحت سطح الأرض.

ولحُسن الحظ، لا يبدو أنّ هذه الرقعة الصغيرة، في قلب منطقة نائية، تُسبّب أيّ ضرر. فنباتات «ذيل الحصان» لا تؤذي الأشجار، بل يوفر غطاؤها الكثيف مأوى لكائنات لافقارية، من بينها السوس ويرقات ذباب المنشار وأنواع عدّة من العناكب. وأكثر من ذلك، هذا النبات يمكن استخدامه للعناية بالشَّعر ومنحه لمعاناً، بفضل ما يحتويه من سيليكون.


سباق يخوت يتحوّل إلى مهمّة إنقاذ بومة في عرض البحر

في مكان لا شجرة فيه صار سطح القارب غصناً أخيراً (رويترز)
في مكان لا شجرة فيه صار سطح القارب غصناً أخيراً (رويترز)
TT

سباق يخوت يتحوّل إلى مهمّة إنقاذ بومة في عرض البحر

في مكان لا شجرة فيه صار سطح القارب غصناً أخيراً (رويترز)
في مكان لا شجرة فيه صار سطح القارب غصناً أخيراً (رويترز)

وجد طاقم إبحار تابع للجيش البريطاني، كان يشارك في أحد أصعب سباقات اليخوت، نفسه أمام مهمّة مُفاجِئة لإنقاذ الحياة البرّية على بُعد 70 ميلاً بحرياً من الشاطئ، بعدما حاولت بومة حظيرة منهكة الانضمام إلى الطاقم.

ووفق «رويترز»، أثار وصول البومة إلى متن اليخت «فوجيتسو بريتيش سولجر»، خلال سباق «آر أوه آر سي» حول بريطانيا وآيرلندا، الذي يُقام احتفالاً بالذكرى الـ50 لانطلاقه، عملية تنسيق معقّدة بين البحارة العسكريين وعدد من هيئات إنقاذ الحياة البرّية، في وقت واصل فيه الطاقم الإبحار نحو خط النهاية في كاوز.

وقال القبطان ويل نايلور لمسؤولي السباق: «لدينا عضو إضافي في الطاقم خلال الجزء الأخير من السباق. إنها بومة حظيرة منهكة نعمل على استعادة عافيتها»، مضيفاً بنبرة ساخرة، في إشارة إلى قلق الطاقم من إنهاء السباق بعدد أفراده الأصلي: «سيتعيّن على شخص ما أن يمشي فوق لوح السفينة!».

ولم يكن صعود البومة إلى القارب سلساً على الإطلاق؛ فبعدما أخفقت في الهبوط فوق رأس أحد أفراد الطاقم، وسقطت من السارية إلى البحر 3 مرات، انهارت أخيراً على سطح القارب، حيث أمسك بها البحّارة وثبّتوها بمنشفة.

وقال الرقيب مارك بيتر بريدج، من الكتيبة الثانية في فوج المظليين: «اعتقدنا أننا فقدناها، لكنها واصلت الكفاح للعودة إلى القارب».

وأطلق أفراد الطاقم على ضيفتهم اسم «ليتل ريج»، قبل أن يكتشفوا أن اسمها يجب أن يتغيّر إلى «ليتل ريجينا».

وشاركت في عملية الإنقاذ «مؤسّسة بومة الحظيرة»، ومنظمة «إنقاذ الحياة البحرية والحياة البرّية»، وقارب «كايستر إندبندنت لايفبوت» للإنقاذ، الذي تولّى تسلُّم البومة تمهيداً لنقلها إلى مركز متخصّص في رعاية الحياة البرّية. وفي المقابل، واصل طاقم جمعية الإبحار التابعة للجيش رحلته حول بريطانيا وآيرلندا، البالغ طولها 1805 أميال بحرية.

وكان يخت «بيس» من طراز «فولفو 70»، المملوك لجوني فينسنت، قد تفوق في وقت سابق على «بالاناد 4»، وفق التوقيت المصحّح، ليحصد الجائزة الكبرى للانتصار الإجمالي في تصنيف «آي آر سي» في السباق، الأربعاء، بعدما أحرز في وقت سابق من الأسبوع لقب أسرع قارب أحادي الهيكل.

وانطلق السباق من السرب الملكي لليخوت في كاوز، في 9 أغسطس (آب) الحالي، بمشاركة 33 قارباً و182 فرداً من أفراد الطواقم، يمثّلون 22 دولة.


منتظر صالح يرسم وجوهاً لذاكرة عربية غابت عنها الصور

ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)
ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)
TT

منتظر صالح يرسم وجوهاً لذاكرة عربية غابت عنها الصور

ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)
ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)

بدأ العراقي منتظر صالح مشروعه عام 2022 بعدما لاحظ خلال بحثه على الإنترنت أنّ كثيراً من العلماء والشعراء العرب والمسلمين الذين تركوا أثراً في التاريخ لا يملكون حضوراً بصرياً يوازي حضورهم الفكري. بعضهم يظهر في رسوم متكرّرة، ومبسطة، وبعض الصور المُتداولة لا تنسجم مع الأوصاف التي حفظتها كُتب التراث والتراجم. هكذا انطلق «برنامج إحياء التراث الثقافي»، الذي يعمل من خلاله صالح -وهو صيدلاني، وكاتب، وفنان- على رسم شخصيات من الطب، والشِّعر، والفلك، والعلوم، من بينها المتنبّي، والفرزدق، والبيروني، والخوارزمي. وقد نُشِر عدد من أعماله على منصة «ويكي آرت»، فيما اعتُمدت لوحتاه للمتنبّي والفرزدق صورتَيْن لهما على صفحات «ويكيبيديا». ويواصل العمل على المجموعة التي يعتزم استكمالها ونشرها مطلع 2027.

يرسم ما تركه التاريخ بلا صورة (منتظر صالح)

يقول صالح لـ«الشرق الأوسط» إنّ الدافع الأول كان ما رآه من «فقر في الذاكرة البصرية العربية على الإنترنت»، خصوصاً حين يتعلَّق الأمر بأسماء أسهمت في التاريخ الإنساني، وبقيت صورها أسيرة تصوّرات نمطية، أو بعيدة عن الأوصاف المُتوارَثة عنها. لذلك أراد أن يمنح الأجيال الجديدة فرصة لرؤية هذه الشخصيات على هيئة أناس عاشوا وتركوا أثراً، لا أسماء محفوظة في الكتب.

بشار بن برد... أغمض الرسم عينيه وأبقى أثر الحياة (منتظر صالح)

لكن كيف يمكن رسم وجه لم تُحفَظ له صورة حقيقية؟ يبدأ صالح من كتب التراجم، والمصادر التي تتضمَّن أوصافاً جسدية، ثم ينتقل إلى ما تركته الشخصية من شِعر، أو علم، أو مواقف. ويوضح أنّ «الكلمات التي يتركها الإنسان تُسهم في تكوين صورته في أذهاننا»، لذلك لا يفصل مثلاً شِعر المتنبّي عن الطريقة التي يتخيَّل بها نظرته، وملامحه، ولا قصيدة الفرزدق «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته» عن الهيبة والكبرياء اللذين يحاول التقاطهما في وجهه.

وفي حالات أخرى، تصبح التفاصيل الجسدية الموثَّقة نقطة انطلاق مباشرة. عند رَسْم الشاعر بشار بن برد استند إلى كونه أعمى، وإلى إصابته بالجدري، فرسمه مُغمَض العينين، وأظهر آثار المرض بخطوط دقيقة، محاولاً نقل ما عاشه من دون مبالغة.

ولا يكفيه الوصف الجسدي، إذ يقول إنه يبحث عمّا يُسمّيه «الجوهر النفسي» للشخصية، محاولاً التقاط حدّة طباع الفرزدق في نظرته، وصرامة الباحث في عينَي البيروني، وآثار السهر والإرهاق على وجه ابن سينا. بالنسبة إليه تصبح هذه التفاصيل وسيلة لإظهار شيء من شخصية صاحب الوجه، وتجاربه.

وكان المتنبّي أصعب الشخصيات التي عمل عليها. يشرح صالح أنّ الصعوبة ارتبطت بـ«ثقل الشخصية، وتناقضاتها»، أكثر من ارتباطها بالمعلومات المتوافرة عنها. كان عليه أن يجد ملامح تستوعب صاحب «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي»، من دون اختزاله في الغرور. ويقول إنّ الجمع بين كبريائه ورقَّة شِعره وطموحه وعمقه جعل رسم نظرة العين وتفاصيل الوجه عملاً استغرق منه وقتاً طويلاً.

المتنبّي... ملامح لكبرياء لم تسعه القصيدة (منتظر صالح)

اللوحة الواحدة قد تتطلَّب شهراً من البحث، والرسم، وهو ما يدفع صالح إلى التمييز بين تجربته والصور التي ينتجها الذكاء الاصطناعي خلال ثوانٍ. لا ينكر سرعة هذه الأدوات، وقدراتها، لكنه يرى أنّ ما تفتقد إليه هو التجربة الإنسانية التي تسبق الصورة. ويقول إنّ «اليد البشرية تُخطئ، وتمحو، وتُعيد المحاولة، وتعيش مع الشخصية خلال العمل عليها»، وهذا الوقت يدخل في تكوين معنى اللوحة، ولا يقتصر على كونه مرحلة في إنتاجها.

واعتماد بعض أعماله على «ويكيبيديا» غيَّر أيضاً موقع المشروع بالنسبة إليه. يقول إنّ ذلك منحه شعوراً بالسلام، والطمأنينة، بعدما انتقلت اللوحات من اجتهاد فنّي فردي إلى مرجع بصري مُتاح للآخرين: «أسعدني أن يجد طالب في مكان ما من العالم وجهاً يحمل ملامح عربية قريبة من المصادر التي قرأها».

جلال الدين الرومي... وجه يبحث عن المعنى خلف المرئي (منتظر صالح)

ولا يقتصر نشاط صالح على هذا المشروع، فهو يمارس الصيدلة السريرية، ويُبرمج تطبيقات للرعاية الطبّية، من بينها تطبيق لحساب جرعات الأطفال، كما صمَّم خطاً عربياً تقليدياً أُحادي المسار مخصَّصاً لآلات النحت، والطباعة ثلاثية الأبعاد، إلى جانب جداريات خشبية هندسية، وألَّف كتاباً تفاعلياً عن فنّ الوهم البصري.

ويرى في هذا التنقُّل محاولة لاستعادة فكرة «الإنسان الموسوعي». فالصيدلة تمنحه الدقّة العلمية، والعمل على الخطوط يفتح أمامه العلاقة بين الهندسة والتراث، فيما تقوده الكتابة إلى أسئلة الإدراك والبصر. ويختصر فكرته قائلاً: «المعرفة لا تنقسم في ذهني إلى جُزُر منفصلة. العلوم والفنون طرق مختلفة لمحاولة فَهْم العالم».