«شظايا الانتماء»... خيوطُ التئام الجرح اللبناني

هيثم شروف في «مايا سبايس» يرسم خرائط الذاكرة ويُعيد نَسْج الهوية

الألم يتحوّل مساحاتٍ تأمّليةً في الانتماء والتجذُّر (الشرق الأوسط)
الألم يتحوّل مساحاتٍ تأمّليةً في الانتماء والتجذُّر (الشرق الأوسط)
TT

«شظايا الانتماء»... خيوطُ التئام الجرح اللبناني

الألم يتحوّل مساحاتٍ تأمّليةً في الانتماء والتجذُّر (الشرق الأوسط)
الألم يتحوّل مساحاتٍ تأمّليةً في الانتماء والتجذُّر (الشرق الأوسط)

تتدلّى الخيوط وتتقاطع الألوان في مشهد بصري يحتضنه غاليري «مايا سبايس» البيروتي؛ يؤكّد أنّ الهوية ليست كتلة صلبة، وإنما نسيج يتكوَّن من آلاف الخيوط الصغيرة...

في معرضه «شظايا الانتماء»، يُقدّم الفنان اللبناني هيثم شروف أعمالاً أشبه بخرائط غير مُكتملة، تتكوَّن من قصاصات وصور وخيوط مشدودة، لتصوغ أمامنا أسئلة عمّا يعنيه أن ننتمي.

هيثم شروف يقدّم قراءة بصرية في معنى الهوية عبر خيوط الحرير (الشرق الأوسط)

كلّ لوحة تبدو كأنها ولادةٌ من تمزُّق؛ كيانٌ مشدود بين التفكُّك والوحدة، بين الفردي والجماعي، والذاكرة المُبعثرة والرغبة في بناء معنى جديد. شروف يُحوِّل مادته الفنّية (الخيوط والقصاصات) إلى استعارة عن محاولاتنا نحن البشر ربط ما انقطع، وترميم فجوات تركتها الحروب والهجرة والاقتلاع.

وإذا كان الانتماء في السياق العربي غالباً ما يتأرجح بين الانغلاق والانكسار، فإنّ الحنين إلى الجذور لا ينجو من قلق فقدانها. أعمال هيثم شروف تتقاطع مع هذه الأسئلة الكبرى، لتُقدّم، إضافة إلى عَكْس تمزُّق الأفراد في مواجهة واقع متغيّر، صورةَ مجتمعات بأكملها تبحث عن توازنها المفقود. كأنّ كلّ خيط في اللوحات يشدّ إلى سؤال عن الذاكرة بكونها ملاذاً أم عبئاً يُثقل القدرة على المضيّ.

لوحة تروي حكاية الإنسان المعلّق بين الأرض والمنفى (الشرق الأوسط)

هكذا يضع المعرض المُتلقّي أمام واقع عربي مُعاصر مُثقَل بالتشرذم والاقتلاع. فيُذكّر شروف بأنّ الفنّ قد يكون محاولة لجعل الفوضى أكبر قابلية للتأمُّل، وأعلى صدقاً في التعبير عن وجع الانتماء.

وفي نهاية الجولة داخل «شظايا الانتماء»، يُغادر الزائر مُحاطاً بالأسئلة أكثر مما يُحمَّل بإجابات. فالخيوط المشدودة لا تُحكِم إغلاقها، والقصاصات المُبعثرة لا تكتمل صورتها النهائية. كأنّ هيثم شروف يتعمَّد إبقاء الانتماء مفتوحاً على الاحتمالات. هنا، يُحاكي فنّه الواقع العربي، حيث تتصارع الرغبة في التمسُّك بالجذور، مع الحاجة إلى التحرُّر منها، وحيث الانتماء ليس امتيازاً ثابتاً. وربما تكمُن قوة المعرض في أنه يترك لكلّ مُشاهد خيطه الخاص، ليشدّه إلى ماضيه أو ليفلت به نحو مستقبل لم يُكتَب.

في حوار مع «الشرق الأوسط»، يتأمّل هيثم شروف سؤال «الانتماء» من زاوية تتجاوز الجغرافيا، فيقول: «فكرة الانتماء توحي بارتباط الأرض واللغة والهوية. لكننا في لبنان، وسط هذا المشهد السياسي والاقتصادي المُربك، أُصبنا بنوع من التشتُّت. وُلد شرخٌ بيننا وبين أرضنا، فاضطررنا إلى مطاردة أحلامنا في أماكن أخرى. رحنا نبحث عن أمل جديد في مكان غريب، لكننا نمنحه فرصة لنبدأ من جديد. هذه هي علاقتي بالانتماء».

لوحات تستعيد الجرح اللبناني بلغة الخيوط (الشرق الأوسط)

نتابع الحوار متناولَيْن استخدامه الخيوط بوصفها مادة أساسية في أعماله. نسأله عمّا إذا كانت استعارة عن محاولتنا نحن البشر إعادة وصل ما تفتَّت من ذواتنا وهوياتنا. يُجيب: «فكرة الخيوط تنبع من مفهوم النَّسج بكونه وسيلة شفاء وجودي ووطني وروحي ونفسي وعاطفي. فالعمل الفنّي يقترح أنّ الألم والجرح قد يتحوّلان إلى أمل ونور وبدايات جديدة. استوحيتُ الفكرة من الجرح الذي يحتاج إلى خياطة كي يلتئم. وتماماً مثل أجسادنا، نحن لا نزال في طور التشافي؛ منذ الحرب الأهلية حتى اليوم. الخيط بالنسبة إليّ مادة أساسية لنَسْج هويتنا من جديد، ولربطها مجدّداً بالأرض».

تبدو اللوحات لأول وهلة تراكيب بصرية مجرّدة، غير أنها في العمق شبكة من العلاقات بين الفرد والجماعة. يُوضح: «في اللوحة تراكيب وأشكال وألوان وخيوط ونقاط التقاء، وهذا يُشبه العلاقات الإنسانية. فكلّ عنصر بصري هو كيان فردي، بينما تُشكّل مجموعة الخيوط فكرة الجماعة التي تتجسَّد أيضاً في التكرار. في اللوحة إيقاعٌ وتداخُل، كما في الحياة، إذ لا وجود للفرد إلا ضمن شبكة أوسع من الآخرين، ولا معنى للجماعة إن لم تُبنَ على صوت فردي».

تتقاطع الخيوط والألوان في بحث عن الهوية (الشرق الأوسط)

أما قصاصات الصور والألوان المُتناثرة في أعماله، فتبدو كأنها ذاكرة جماعية مُعلَّقة. نسأله إن كان يرى نفسه يحفظ تاريخاً خفيّاً من خلال هذه الأجزاء الصغيرة، فيُجيب مؤكداً: «أستخدمُ خيط الحرير في أعمالي محاولاً ربط لبنان ما بعد الحكم العثماني والانتداب الفرنسي بلبنان الحديث. كان قطاع الحرير يُشكّل نحو 40 في المائة من الاقتصاد اللبناني من خلال التصدير. وإنْ أردنا فَهْم حاضرنا المُعقّد، فعلينا العودة إلى الماضي. الماضي لا يغيب عن أعمالي، فيتسرَّب في خيوطها».

ونلمح طاقة متوتّرة بين شدّ الخيوط في اللوحة، والتوازن الدقيق والانفجار الكامن، تعكس صراعاً داخلياً شخصياً يمتدّ ليأخذ بُعداً إنسانياً عاماً. فالتجارب تُعلّم هيثم شروف أنّ ما هو مُشرق لا يولد إلا من صُلب القسوة والعثرات، ومن خلال شدّ الخيط، عبّر عن هذا الصراع بين النور والعتمة. يقول: «بعض الأعمال تتفجَّر من الأرض، كأنّ هذه الأرض تُقتلع من مكانها. إنه تمثيلٌ للصراع الوجودي والنفسي الجماعي؛ وهو قدر منطقتنا».

الخيوط المشدودة والقصاصات المبعثرة ترسم مشهداً يختصر علاقة اللبناني بأرضه (الشرق الأوسط)

ويدلُّ التأمُّل في لوحاته على أنّ القطبة مساحة جمالية، والتمزّق والألم جزء من الجمال الكلّي. لوحاته تلتئم بالأمل، وتنهض على الرجاء، وتدعو إلى التجذُّر في الأرض رغم الخراب. وحين نُلقي نظرة أخيرة عليها، نراها أشبه بخريطة غير مُكتملة تعكس مسارات البشر وأماكنهم المفقودة، وتُلمح في الوقت نفسه إلى محاولة بناء عالم بديل، من دون أن يعني ذلك التخلّي عن الأصل. خلاصة فنّ شروف: «مهما غادرنا، مثل الطائر في لوحاتي، مصيرنا العودة إلى هذه الأرض».


مقالات ذات صلة

شخصيات تقف على خط تماس بين معبد قديم ومحطة مترو

يوميات الشرق هوانغ يولونغ حوّل الـ«Hoodi» إلى رمز فلسفي (الصور من موقع الفنان)

شخصيات تقف على خط تماس بين معبد قديم ومحطة مترو

هناك من المعارض ما يجعلك تشعر بأنك أمام فن مختلف. وبالأحرى أمام فن شبابيّ. هذا هو الحال مع النحات الصيني هوانغ يولونغ ومعرضه المقام في باريس حالياً.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق لا أحد يعرف متى يتحوَّل الأثر سيّداً على صانعه (مايا آرت سبيس)

ريّا متّى تُعيد كتابة سيرة القميص الأبيض

القميص كلّما كَبُر، انحسر الجسد. وكلّما تكرَّرت أشكاله وتراكمت، فَقَدَ الفرد موقعه في التكوين...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)

متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

في كلّ زاوية لوحة، وخلف كلّ لوحة حكاية سفر أو مزاد أو بحث طويل...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق يستعرض المعرض مجموعة نادرة من شواهد القبور المصنوعة من حجر البازلت الأسود البركاني (الشرق الأوسط)

معرض سعودي يستكشف أسرار الحضارات المكتوبة على الصخور

بين جبال طويق، ونقوش نجران الضاربة في التاريخ، تختزل الصخور حكاية الوجود البشري والجيولوجي على أرض الجزيرة العربية.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق وجوه الأبدية تنوعت ملامحها في المعرض (الشرق الأوسط)

«متحف الحضارة المصرية» يحتضن معرضاً تشكيلياً يتقصّى «الأبدية»

احتضن المتحف القومي للحضارة المصرية معرضاً تشكيلياً يحاول اقتناص فكرة «الأبدية» عبر لوحات لفنانين مصريين وعرب وأجانب.

محمد الكفراوي (القاهرة )