«شظايا الانتماء»... خيوطُ التئام الجرح اللبناني

هيثم شروف في «مايا سبايس» يرسم خرائط الذاكرة ويُعيد نَسْج الهوية

الألم يتحوّل مساحاتٍ تأمّليةً في الانتماء والتجذُّر (الشرق الأوسط)
الألم يتحوّل مساحاتٍ تأمّليةً في الانتماء والتجذُّر (الشرق الأوسط)
TT

«شظايا الانتماء»... خيوطُ التئام الجرح اللبناني

الألم يتحوّل مساحاتٍ تأمّليةً في الانتماء والتجذُّر (الشرق الأوسط)
الألم يتحوّل مساحاتٍ تأمّليةً في الانتماء والتجذُّر (الشرق الأوسط)

تتدلّى الخيوط وتتقاطع الألوان في مشهد بصري يحتضنه غاليري «مايا سبايس» البيروتي؛ يؤكّد أنّ الهوية ليست كتلة صلبة، وإنما نسيج يتكوَّن من آلاف الخيوط الصغيرة...

في معرضه «شظايا الانتماء»، يُقدّم الفنان اللبناني هيثم شروف أعمالاً أشبه بخرائط غير مُكتملة، تتكوَّن من قصاصات وصور وخيوط مشدودة، لتصوغ أمامنا أسئلة عمّا يعنيه أن ننتمي.

هيثم شروف يقدّم قراءة بصرية في معنى الهوية عبر خيوط الحرير (الشرق الأوسط)

كلّ لوحة تبدو كأنها ولادةٌ من تمزُّق؛ كيانٌ مشدود بين التفكُّك والوحدة، بين الفردي والجماعي، والذاكرة المُبعثرة والرغبة في بناء معنى جديد. شروف يُحوِّل مادته الفنّية (الخيوط والقصاصات) إلى استعارة عن محاولاتنا نحن البشر ربط ما انقطع، وترميم فجوات تركتها الحروب والهجرة والاقتلاع.

وإذا كان الانتماء في السياق العربي غالباً ما يتأرجح بين الانغلاق والانكسار، فإنّ الحنين إلى الجذور لا ينجو من قلق فقدانها. أعمال هيثم شروف تتقاطع مع هذه الأسئلة الكبرى، لتُقدّم، إضافة إلى عَكْس تمزُّق الأفراد في مواجهة واقع متغيّر، صورةَ مجتمعات بأكملها تبحث عن توازنها المفقود. كأنّ كلّ خيط في اللوحات يشدّ إلى سؤال عن الذاكرة بكونها ملاذاً أم عبئاً يُثقل القدرة على المضيّ.

لوحة تروي حكاية الإنسان المعلّق بين الأرض والمنفى (الشرق الأوسط)

هكذا يضع المعرض المُتلقّي أمام واقع عربي مُعاصر مُثقَل بالتشرذم والاقتلاع. فيُذكّر شروف بأنّ الفنّ قد يكون محاولة لجعل الفوضى أكبر قابلية للتأمُّل، وأعلى صدقاً في التعبير عن وجع الانتماء.

وفي نهاية الجولة داخل «شظايا الانتماء»، يُغادر الزائر مُحاطاً بالأسئلة أكثر مما يُحمَّل بإجابات. فالخيوط المشدودة لا تُحكِم إغلاقها، والقصاصات المُبعثرة لا تكتمل صورتها النهائية. كأنّ هيثم شروف يتعمَّد إبقاء الانتماء مفتوحاً على الاحتمالات. هنا، يُحاكي فنّه الواقع العربي، حيث تتصارع الرغبة في التمسُّك بالجذور، مع الحاجة إلى التحرُّر منها، وحيث الانتماء ليس امتيازاً ثابتاً. وربما تكمُن قوة المعرض في أنه يترك لكلّ مُشاهد خيطه الخاص، ليشدّه إلى ماضيه أو ليفلت به نحو مستقبل لم يُكتَب.

في حوار مع «الشرق الأوسط»، يتأمّل هيثم شروف سؤال «الانتماء» من زاوية تتجاوز الجغرافيا، فيقول: «فكرة الانتماء توحي بارتباط الأرض واللغة والهوية. لكننا في لبنان، وسط هذا المشهد السياسي والاقتصادي المُربك، أُصبنا بنوع من التشتُّت. وُلد شرخٌ بيننا وبين أرضنا، فاضطررنا إلى مطاردة أحلامنا في أماكن أخرى. رحنا نبحث عن أمل جديد في مكان غريب، لكننا نمنحه فرصة لنبدأ من جديد. هذه هي علاقتي بالانتماء».

لوحات تستعيد الجرح اللبناني بلغة الخيوط (الشرق الأوسط)

نتابع الحوار متناولَيْن استخدامه الخيوط بوصفها مادة أساسية في أعماله. نسأله عمّا إذا كانت استعارة عن محاولتنا نحن البشر إعادة وصل ما تفتَّت من ذواتنا وهوياتنا. يُجيب: «فكرة الخيوط تنبع من مفهوم النَّسج بكونه وسيلة شفاء وجودي ووطني وروحي ونفسي وعاطفي. فالعمل الفنّي يقترح أنّ الألم والجرح قد يتحوّلان إلى أمل ونور وبدايات جديدة. استوحيتُ الفكرة من الجرح الذي يحتاج إلى خياطة كي يلتئم. وتماماً مثل أجسادنا، نحن لا نزال في طور التشافي؛ منذ الحرب الأهلية حتى اليوم. الخيط بالنسبة إليّ مادة أساسية لنَسْج هويتنا من جديد، ولربطها مجدّداً بالأرض».

تبدو اللوحات لأول وهلة تراكيب بصرية مجرّدة، غير أنها في العمق شبكة من العلاقات بين الفرد والجماعة. يُوضح: «في اللوحة تراكيب وأشكال وألوان وخيوط ونقاط التقاء، وهذا يُشبه العلاقات الإنسانية. فكلّ عنصر بصري هو كيان فردي، بينما تُشكّل مجموعة الخيوط فكرة الجماعة التي تتجسَّد أيضاً في التكرار. في اللوحة إيقاعٌ وتداخُل، كما في الحياة، إذ لا وجود للفرد إلا ضمن شبكة أوسع من الآخرين، ولا معنى للجماعة إن لم تُبنَ على صوت فردي».

تتقاطع الخيوط والألوان في بحث عن الهوية (الشرق الأوسط)

أما قصاصات الصور والألوان المُتناثرة في أعماله، فتبدو كأنها ذاكرة جماعية مُعلَّقة. نسأله إن كان يرى نفسه يحفظ تاريخاً خفيّاً من خلال هذه الأجزاء الصغيرة، فيُجيب مؤكداً: «أستخدمُ خيط الحرير في أعمالي محاولاً ربط لبنان ما بعد الحكم العثماني والانتداب الفرنسي بلبنان الحديث. كان قطاع الحرير يُشكّل نحو 40 في المائة من الاقتصاد اللبناني من خلال التصدير. وإنْ أردنا فَهْم حاضرنا المُعقّد، فعلينا العودة إلى الماضي. الماضي لا يغيب عن أعمالي، فيتسرَّب في خيوطها».

ونلمح طاقة متوتّرة بين شدّ الخيوط في اللوحة، والتوازن الدقيق والانفجار الكامن، تعكس صراعاً داخلياً شخصياً يمتدّ ليأخذ بُعداً إنسانياً عاماً. فالتجارب تُعلّم هيثم شروف أنّ ما هو مُشرق لا يولد إلا من صُلب القسوة والعثرات، ومن خلال شدّ الخيط، عبّر عن هذا الصراع بين النور والعتمة. يقول: «بعض الأعمال تتفجَّر من الأرض، كأنّ هذه الأرض تُقتلع من مكانها. إنه تمثيلٌ للصراع الوجودي والنفسي الجماعي؛ وهو قدر منطقتنا».

الخيوط المشدودة والقصاصات المبعثرة ترسم مشهداً يختصر علاقة اللبناني بأرضه (الشرق الأوسط)

ويدلُّ التأمُّل في لوحاته على أنّ القطبة مساحة جمالية، والتمزّق والألم جزء من الجمال الكلّي. لوحاته تلتئم بالأمل، وتنهض على الرجاء، وتدعو إلى التجذُّر في الأرض رغم الخراب. وحين نُلقي نظرة أخيرة عليها، نراها أشبه بخريطة غير مُكتملة تعكس مسارات البشر وأماكنهم المفقودة، وتُلمح في الوقت نفسه إلى محاولة بناء عالم بديل، من دون أن يعني ذلك التخلّي عن الأصل. خلاصة فنّ شروف: «مهما غادرنا، مثل الطائر في لوحاتي، مصيرنا العودة إلى هذه الأرض».


مقالات ذات صلة

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

يوميات الشرق للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

تُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لكلّ وجه جيران لم يخترهم (الشرق الأوسط)

عدنان شرارة يعبَثُ بما استقرَّ في الذاكرة

يتبدّل أثر المشهد كلّما طال النظر إليه، فيفقد ما نراه وما نتذكره شيئاً من ثباته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية في جدة حيث تقام فعاليات بينالي الفنون الإسلامية (مؤسسة بينالي الدرعية)

استعداداً لدورته الثالثة... بينالي الفنون الإسلامية يعلن عن القيّمين الفنيين الرئيسيين

أعلنت مؤسسة بينالي الدرعية عن القائمة الكاملة لفريق القيّمين الفنيّين الرئيسيين للدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، المقرّر افتتاحها في نوفمبر 2027.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)

فنانة تايوانية تستدعي حكايات «ألف ليلة وليلة» في معرض قاهري

البساط الطائر، المصباح السحري، المارد الخارج من القمقم، مشاهد تبدو مألوفة من حكايات «ألف ليلة وليلة» تتجاور مع صور أخرى لأسماك ودلافين تطير في السماء.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يقام «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر (واس)

«معرض الرياض الدولي للكتاب» يستقبل جمهوره في ديسمبر المقبل

يستعد «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» لاستقبال جمهوره خلال شهر ديسمبر المقبل، بمشاركة دور نشر ووكالات محلية وعالمية، في حين تحل «سوريا» ضيفَ الشرف هذا العام.

عمر البدوي (الرياض)

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.


سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.