مصر و«حرب غزة»… موازنة تعقيدات الداخل والخارج

عملت على منع التهجير إلى سيناء وتصفية القضية

شخص يحمل العلمين المصري والفلسطيني على شاحنة تحمل مساعدات إنسانية بالقرب من معبر رفح (رويترز)
شخص يحمل العلمين المصري والفلسطيني على شاحنة تحمل مساعدات إنسانية بالقرب من معبر رفح (رويترز)
TT

مصر و«حرب غزة»… موازنة تعقيدات الداخل والخارج

شخص يحمل العلمين المصري والفلسطيني على شاحنة تحمل مساعدات إنسانية بالقرب من معبر رفح (رويترز)
شخص يحمل العلمين المصري والفلسطيني على شاحنة تحمل مساعدات إنسانية بالقرب من معبر رفح (رويترز)

مع استمرار حرب غزة لعام ثانٍ، وجدت مصر نفسها أمام معضلة شديدة التعقيد؛ بين الحفاظ على ثوابتها الراسخة برفض تهجير الفلسطينيين، والتعاطي مع تداعيات الحرب، وما سببته من تفاقم لأزمات سياسية واقتصادية و«توتر» في العلاقات مع إسرائيل القابعة على حدودها الشرقية.

وبينما كان قطاع غزة يعيش على وقع القصف المتصاعد، واصلت القاهرة تحركاتها السياسية والدبلوماسية، مستهدفة منع ما تعتبره «خطراً وجودياً»، وهو تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وتصفية القضية.

فلسطينيون في سوق أقيمت في الهواء الطلق قرب أنقاض المباني التي دمرتها الضربات الإسرائيلية وسط هدنة مؤقتة في مخيم النصيرات بقطاع غزة في 30 نوفمبر 2023 (رويترز)

في مطلع العام الثاني للحرب، ألقت القاهرة بثقلها إلى جانب قطر والولايات المتحدة في محاولة لفرض هدنة متدرجة، وبالفعل نجحت الوساطة خلال يناير (كانون الثاني) في انتزاع وقف مؤقت لإطلاق النار، لم يدم سوى أسابيع قليلة، إذ سرعان ما قررت إسرائيل استئناف عملياتها العسكرية مع نهاية مارس (آذار) الماضي، لتعود المفاوضات إلى نقطة الصفر.

بالنسبة إلى ريكاردو فابياني، مدير برنامج شمال أفريقيا في «مجموعة الأزمات الدولية»، فإن المعضلات التي وُضعت فيها مصر بسبب «حرب غزة» «ازدادت تعقيداً» في العام الثاني، مشيراً إلى «استمرار الأزمة الاقتصادية وتداعياتها، تزامناً مع استمرار خطر التهجير». ويقول في مقابلة مع «الشرق الأوسط»: «لا يبدو أن هناك حلاً سهلاً في الأفق».

صورة جوية التقطتها طائرة مسيّرة تظهر حجم الدمار الذي خلّفه الهجوم الإسرائيلي على بيت لاهيا شمال قطاع غزة خلال الحرب بين إسرائيل و«حماس»... الصورة ملتقطة خلال الهدنة في 17 فبراير 2025 (أ.ب)

تعقيد داخلي

تتجاوز تداعيات المشهد في غزة الشأن الخارجي لتؤثر في المشهد السياسي الداخلي، حيث «لن يتسامح المصريون مع أي تنازل في هذه القضية، ما يضيف عبئاً على الحكومة يفرض عليها إظهار قدرتها على منع التهجير، وحل الصراع»، وفق فابياني.

زاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب من تعقيد الأزمة، حين دعا مصر والأردن إلى استقبال لاجئين فلسطينيين، مطلقاً في الوقت نفسه مقترحه تحويل غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط». كان ذلك نقطة فاصلة دفعت القاهرة إلى إعادة تأكيد مواقفها الحاسمة عبر تصريحات علنية، وتحركات دبلوماسية، وعقدت قمة عربية طارئة تبنت خطة لإعمار غزة دون تهجير، وأطلقت اتصالات مكوكية لحشد الدعم لخطتها.

ويرى ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس»، وهي مؤسسة فكرية بريطانية، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الحكومة المصرية أدارت الأزمة بدبلوماسية تقليدية، وبأقل قدر ممكن من الصخب».

أثار الرفض المصري لمقترحات ترمب تكهنات بوجود توتر في العلاقات مع الولايات المتحدة، لا سيما مع حديث إعلامي عن إلغاء زيارة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى واشنطن رغم أن الجانبين لم يعلنا رسمياً عن تلك الزيارة. وزادت حدة التكهنات مع ما كتبه ترمب على منصته الاجتماعية «تروث سوشيال» في أبريل (نيسان) الماضي أنه «يجب السماح للسفن الأميركية، العسكرية والتجارية على السواء، بالمرور بحُرّية عبر قناتيْ بنما والسويس».

أضيف إلى ذلك عدم مشاركة مصر في العملية العسكرية الأميركية ضد «جماعة الحوثي» في اليمن رغم اعترافها بتأثرها اقتصادياً بهجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، حيث «فقدت قناة السويس 9 مليارات دولار من عائداتها»، حسب تصريحات للرئيس المصري.

ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)

وهنا يقول باتر إن «مصر حاولت تجنب التورط في نزاع مباشر مع ترمب، لكنها عملت مع مبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف في جهود الوساطة لوقف الحرب، وحافظت على علاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة، لا سيما مناورات (النجم الساطع) الأخيرة، وإعلان وزارة الدفاع الأميركية في يوليو (تموز) الماضي الموافقة على صفقة محتملة لبيع أنظمة دفاع جوي متقدمة إلى مصر بقيمة تقارب 4.67 مليار دولار».

خطط اليوم التالي

تمسكت القاهرة بموقفها وطرحت خطة لليوم التالي في قطاع غزة، وبدأت تدريب قوات الأمن الفلسطينية لمساعدتها على تولي الأمن في القطاع بعد وقف الحرب، كما أعلنت عزمها استضافة مؤتمر لتمويل إعادة الإعمار حال وضع أفق لنهاية الحرب.

في الوقت الذي تصاعدت فيه حملات للهجوم على مصر وسفاراتها في الخارج بدعوى «مشاركتها في حصار سكان غزة»، فإن القاهرة حرصت على نفي هذه الاتهامات، وأكد الرئيس السيسي أن حصار سفارات بلاده «نابع من جهل البعض، ومن لؤم ومكر من أهل الشر».

ترافقت تلك الحملات مع مناوشات إعلامية إسرائيلية واتهامات لمصر بحشد قوات في سيناء، وانتهاك معاهدة السلام، وهي مزاعم نفتها القاهرة رسمياً، مؤكدة أن «وجود القوات في سيناء يتم بالتنسيق مع أطراف معاهدة السلام».

تصاعدت حدة التوتر بين مصر وإسرائيل، وسط حديث إعلامي عن «احتمال تطور الأمر لنزاع عسكري»، لا سيما مع تحذيرات رسمية مصرية ضد كل من يحاول الاقتراب من الحدود.

جنود من الجيش المصري عند معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة (د.ب.أ)

ويشكك الباحث في «تشاتام هاوس» في إمكانية تصعيد التوترات إلى «حرب بين القاهرة وإسرائيل». وهو ما يؤكده فابياني بقوله: «لا ترغب القاهرة في التخلي عن معاهدة السلام باعتبارها حجر الزاوية في سياستها الخارجية، وفي الوقت نفسه لا يمكنها أن تقبل بإجراءات وممارسات إسرائيل الأحادية ما يدفعها لانتقادها علناً إلى حد التهديد بتقويض السلام، في محاولة صعبة لتحقيق التوازن».

تعلن مصر بين الحين والآخر تمسكها بخيار السلام، وهو ما أكده السيسي مراراً، لكنه قال في لقاء مع طلبة الكلية العسكرية أخيراً: «أنا مسؤول عن المصريين وأمنهم وسلامتهم وألا أتخذ مواقف وإجراءات تؤدي إلى إلحاق الأذى بالدولة إلا إذا فرض الأمر على الدولة».

تحتاج مصر إلى «وقف إطلاق نار يُفضي إلى إعادة إعمار غزة»، وفق فابياني الذي يرى أنه «بوقف الحرب يمكن درء التهديد الأمني لسيناء، وبدء تعافي الاقتصاد». ويقول: «إذا لم تتوقف الحرب واستمر الدفع التدريجي نحو تهجير الفلسطينيين فإن مصر ستواجه أزمة سياسية واقتصادية لا يمكن التنبؤ بتداعياتها في الوقت الراهن».

من هذا المنطلق تدعم مصر أي جهود لوقف إطلاق النار، ورحبت أخيراً بخطة ترمب لوقف الحرب، وأكدت مع دول عربية وإسلامية التزامها العمل مع واشنطن لإنهاء الحرب، وإعادة الإعمار، ومنع التهجير، وتكريس مسار للسلام العادل على أساس حل الدولتين.


مقالات ذات صلة

هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

تحليل إخباري أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)

هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

في «حماس» ثمة اعتقاد بأن انتقاد هجوم 7 أكتوبر هو «حالة فردية» ولا يمثل إجماعاً داخلها، ما يفتح سؤالاً حول ما إذا كانت الحركة أجرت أي مراجعات أو تقبل بأي معارضة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية صورة مجمعة لرسالة منسوبة لقائد «حماس» الراحل يحيى السنوار نشرها مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي

«لنُخرج صوراً مرعبة»... إسرائيل تنشر رسالة منسوبة للسنوار عن تحضيرات 7 أكتوبر

نشر مركز تراث الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في تل أبيب، الاثنين، رسالة ادعى أنها كُتبت بخط قائد «حماس» الراحل، يحيى السنوار.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص لافتة على طريق «مطار بيروت الدولي» تروج للسياحة في لبنان (أ.ب)

خاص لبنان بعد 7 أكتوبر... موازين قوى جديدة لترميم العلاقة مع العالم

يكاد يُجمع الدبلوماسيون الدوليون في لبنان على أن تغييراً كبيراً حصل فيه منذ 7 أكتوبر 2023.

نذير رضا (بيروت)
خاص لوحة دعائية مستوحاة من الأساطير الفارسية تُصوّر رجلاً يصارع تنيناً بألوان العَلم الأميركي وقد كُتب عليها «أنشد اسم إيران التي تقتل الأعداء» وذلك في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران (إ.ب.أ) p-circle 03:39

خاص هجوم 7 أكتوبر: الشرارة التي هزَّت معادلات الردع الإيرانية

مثّل هجوم السابع من أكتوبر نقطة تحول فارقة في مشهد الأمن الإقليمي فلم تقتصر تداعياته على الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بل امتدت لتطال جوهر معادلات الردع الإيراني.

عادل السالمي (لندن)
خاص عناصر من سلاح الجو الأردني يسقطون رزم المساعدات من طائرة نقل فوق غزة (رويترز)

خاص بين الإغاثة والدبلوماسية... الأردن يطوي عامين من القفز فوق الجمر

منذ بداية الحرب، سعى الأردن لتقديم جهود الإغاثة الإنسانية العاجلة والضرورية للمدنيين في غزة، وصعَّد لهجته الدبلوماسية، محذراً من المساس بالوضع في الضفة والقدس.

محمد الرواشدة (عمَّان)

الجوع يتفاقم بمناطق الحوثيين... والموانئ تخسر 1.4 مليار دولار

انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)
انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)
TT

الجوع يتفاقم بمناطق الحوثيين... والموانئ تخسر 1.4 مليار دولار

انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)
انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)

حذر تقرير مشترك من «برنامج الأغذية العالمي» و«منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)» من توابع تفاقم أزمة الأمن الغذائي في اليمن خلال مايو (أيار) الماضي، مع تسجيل مؤشرات أعلى حدة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية؛ نتيجة تراجع دخول السكان وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إلى جانب تقلص النشاط الإنساني وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت قدرت فيه خسائر موانئ البحر الأحمر الخاضعة لسيطرة الجماعة بنحو 1.4 مليار دولار.

وأفاد التقرير بأن 62 في المائة من الأسر اليمنية واجهت صعوبات في تلبية احتياجاتها الغذائية خلال مايو الماضي، مقارنة بـ59 في المائة خلال أبريل (نيسان) الذي سبقه، فيما ارتفع معدل «الحرمان الغذائي الشديد» إلى 36 مقابل 31 في المائة خلال الشهر السابق، في استمرار لمسار التدهور لثاني شهر على التوالي.

وأوضح التقرير أن نحو 10 في المائة من الأسر بمناطق سيطرة الحوثيين اضطرت إلى قضاء يوم كامل وليلة كاملة من دون طعام بسبب نقص الغذاء، مقابل 8 في المائة من الأسر بالمناطق الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

ورغم أن نسبة الاستهلاك الغذائي غير الكافي بلغت 27 في المائة بمناطق سيطرة الحوثيين مقابل 36 في المائة بمناطق الحكومة، فإن التقرير حذر بأن استمرار الضغوط الاقتصادية، وتراجع النشاط الإنساني، قد يدفعان بمستويات الجوع في مناطق سيطرة الجماعة إلى مستويات أشد خطورة خلال الأشهر المقبلة.

«برنامج الأغذية العالمي» خفض عدد المستفيدين إلى 1.7 مليون يمني (إعلام محلي)

وأرجع التقرير تفاقم الأزمة في مناطق الحوثيين إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية بنسبة وصلت إلى 13 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، متأثرة بزيادة الأسعار العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، في وقت أكد فيه 70 في المائة من السكان في تلك المناطق تراجع دخولهم الشهرية.

وأشار إلى أن هذا التراجع في الدخول، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، أدّيا إلى تآكل القوة الشرائية للأسر اليمنية، ودفع بكثير منها إلى تبني وسائل تكيّف قاسية، شملت تقليص عدد الوجبات اليومية، وخفض الحصص الغذائية، وتقليل استهلاك البالغين الطعام لمصلحة الأطفال.

وأكد التقرير أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع أسعار الغذاء، بل باتت تعكس ضغوطاً اقتصادية أوسع تشمل استنزاف احتياطي النقد الأجنبي، وأزمة السيولة، والعقوبات، ونقل البنوك من صنعاء إلى عدن، وتباطؤ النشاط الاقتصادي.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من المساعدات المنقذة للحياة (إعلام محلي)

وأضاف أن تدهور قدرات موانئ البحر الأحمر الخاضعة للحوثيين أدى إلى خسائر قدرت بنحو 1.4 مليار دولار، في حين كثفت سلطات الجماعة حملات الجباية ومصادرة الأصول، الأمر الذي زاد من تآكل مصادر دخل السكان وتقويض سبل معيشتهم.

كما نبه التقرير إلى أن تداعيات إغلاق مضيق هرمز زادت من تعقيد أزمة الوقود في اليمن، مع انخفاض الإمدادات وارتفاع تكاليف الاستيراد، بصورة عدّها أكبر اضطراباً من أزمة البحر الأحمر خلال العام الماضي، لما لها من تأثير مباشر على أسعار الوقود والخدمات الأساسية.

الملايين مهددون

توقع التقرير الأممي أن يواجه من لا يقلون عن 5.4 مليون شخص في المناطق الخاضعة للحكومة مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال الفترة من يونيو الماضي وحتى سبتمبر (أيلول) المقبل؛ نتيجة تزامن موسم الشح مع الفيضانات، إلى جانب استمرار تراجع الاستجابة الإنسانية.

ورأى أن تقليص برامج المساعدات الغذائية الواسعة منذ عام 2024 أسهم في تسريع تدهور الأوضاع، لا سيما في مناطق الحكومة، حيث ارتفعت نسبة الاستهلاك الغذائي غير الكافي إلى 36 مقابل 27 في المائة بمناطق الحوثيين، فيما زاد معدل «الحرمان الغذائي الشديد» بنحو الضعف في المناطق الحكومية خلال الفترة نفسها.

ميناء الحديدة تعرض لأضرار كبيرة وتراجعت قدراته التشغيلية (إعلام محلي)

وأكد معدو التقرير أن أزمة الأمن الغذائي في اليمن لا تعود إلى نقص الغذاء في الأسواق، وإنما إلى ضعف القدرة الشرائية للأسر، مشيرين إلى أن نحو 75 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، ويضطر كثير منهم إلى اتباع استراتيجيات تكيّف قاسية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

ولفت التقرير إلى أن استقرار سعر صرف الريال اليمني نسبياً في مناطق الحكومة لم يمنع بروز ضغوط إضافية على تكلفة المعيشة، بعد رفع سعر الدولار الجمركي من 750 إلى 1550 ريالاً، إلى جانب فرض رسم جمركي بنسبة 20 في المائة على واردات الوقود، مع تحذيرات من انعكاس ذلك على أسعار دقيق القمح والسلع الأساسية.

وأشار إلى أن واردات الوقود عبر الموانئ الخاضعة للحكومة اليمنية تراجعت خلال الأشهر الـ5 الأولى من العام الحالي بنسبة 73 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وبنسبة 60 في المائة مقارنة بالموانئ الواقعة تحت سيطرة الحوثيين؛ مما أدى إلى تكرار نفاد الوقود من محطات التعبئة، وانقطاعات كهرباء تراوحت بين 18 و20 ساعة يومياً في بعض المديريات، بينما تجاوز الطلب على الوقود بنحو 3 أضعاف الكميات المتاحة.

تحسن محدود

في المقابل، أظهر «برنامج المساعدة الغذائية الطارئة المستهدفة»، الذي ينفذه «برنامج الأغذية العالمي» في المناطق الخاضعة للحكومة، نتائج إيجابية في الحد من مستويات الحرمان الغذائي بين المستفيدين، رغم تقليص نطاقه بسبب نقص التمويل.

وأوضح التقرير أن «البرنامج» بدأ مرحلته الأولى في منتصف فبراير (شباط) الماضي، بعد خفض عدد المستفيدين من 3.4 مليون شخص إلى 1.7 مليون فقط نتيجة شح التمويل.

وأظهرت بيانات المتابعة انخفاض نسبة «الحرمان الغذائي الشديد» بين المستفيدين من 46 إلى متوسط 25 في المائة خلال مايو الماضي، كما تراجعت نسبة الاستهلاك الغذائي غير الكافي من 75 إلى 52 في المائة، بتحسن بلغ 23 نقطة مئوية.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء إلى التسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

كما سجلت مؤشرات التنوع الغذائي تحسناً؛ إذ انخفضت نسبة المستفيدين الذين يستهلكون 4 مجموعات غذائية أو أقل أسبوعياً من 72 إلى 56 في المائة، بينما ارتفع استهلاك الأغذية الغنية بالبروتين بنحو 18 نقطة مئوية، بعد إدراج البقوليات ضمن الحصص الغذائية.

وخلص التقرير الأممي إلى أن الحفاظ على هذه المكاسب يتطلب توفير تمويل إضافي؛ لتوسيع برامج المساعدات الغذائية، ودعم برامج التغذية وسبل العيش، والمياه، والصرف الصحي، والتحويلات النقدية؛ لمنع اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي في المناطق الأعلى هشاشة.


إيرادات الحوثيين الضخمة دون موازنات أو شفافية مالية

مسلحون من أنصار الحوثيين خلال تجمع في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون من أنصار الحوثيين خلال تجمع في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

إيرادات الحوثيين الضخمة دون موازنات أو شفافية مالية

مسلحون من أنصار الحوثيين خلال تجمع في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون من أنصار الحوثيين خلال تجمع في صنعاء (إ.ب.أ)

على امتداد أكثر من عشر سنوات من الانقلاب الحوثي، تمكنت الجماعة من بناء منظومة مالية موازية، أتاحت لها إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها وتأمين موارد مستمرة لتمويل أنشطتها العسكرية والإدارية، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع المعيشية للسكان مع استمرار توقف رواتب معظم موظفي الدولة، وتراجع الخدمات العامة.

وفي حين تغيب الموازنات الرسمية والبيانات المالية، تزداد تساؤلات الاقتصاديين والباحثين حول حجم الإيرادات التي تجنيها الجماعة وكيفية إنفاقها.

ولا تنشر الجماعة الحوثية، التي تدير المؤسسات في مناطق سيطرتها، موازنات عامة أو حسابات ختامية، كما لا تقدم بيانات تفصيلية عن الإيرادات أو أوجه الصرف، وهو ما يجعل أي تقديرات تعتمد على دراسات اقتصادية وتقارير أممية وتحليلات خبراء يمنيين ودوليين، وسط اتفاق واسع على أن غياب الإفصاح المالي يحول دون الوصول إلى أرقام دقيقة.

وتعتمد الجماعة منذ انقلابها وإشعال الحرب على شبكة واسعة ومتنوعة من مصادر التمويل، تضم الضرائب العامة، والجمارك، والزكاة، ورسوم المشتقات النفطية، وعائدات قطاع الاتصالات، ورسوم إصدار الوثائق الرسمية، إلى جانب الإيرادات المتحصلة من الموانئ الواقعة تحت سيطرتها، وفي مقدمها ميناء الحديدة.

بوابة البنك المركزي اليمني في صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن الجماعة استحدثت خلال سنوات الحرب رسوماً وإتاوات إضافية على الأنشطة التجارية، وفرضت رسوماً على نقل البضائع بين المحافظات الواقعة تحت سيطرتها، فضلاً عن مساهمات إلزامية تُحصّل من الشركات والمؤسسات التجارية تحت أسماء متعددة، مثل دعم المناسبات أو ما يعرف بـ«المجهود الحربي».

ويرى خبراء اقتصاديون أن تعدد هذه الموارد منح الجماعة قدرة على تعويض أي تراجع في بعض مصادر الدخل التقليدية، خصوصاً مع استمرار حركة الاستيراد عبر موانئ البحر الأحمر، وهو ما حافظ على تدفق الإيرادات رغم الظروف الاقتصادية المعقدة.

ورغم غياب الأرقام الرسمية، فإن تقديرات فريق الخبراء الأمميين التابع للجنة العقوبات في مجلس الأمني تضع حجم الإيرادات السنوية للجماعة عند أكثر من 13 مليار دولار، مع اختلاف التقديرات تبعاً لحجم الواردات وأسعار الوقود ونشاط التجارة ومستويات الرسوم المفروضة سنوياً.

ويحذر مختصون من التعامل مع هذه الأرقام بوصفها حقائق نهائية، مؤكدين أن غياب البيانات المالية المنشورة يجعل التحقق من الإيرادات الفعلية أمراً بالغ الصعوبة.

إنفاق خارج الرقابة

بشأن أوجه الإنفاق، يعتقد باحثون في الاقتصاد اليمني أن الجزء الأكبر من الموارد يذهب إلى تمويل النفقات العسكرية والأمنية، بما يشمل شراء المعدات، ودعم الجبهات، وصرف مخصصات للمقاتلين، وتمويل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

ويضيف الباحثون أن جزءاً آخر من الأموال يُستخدم في دعم الأنشطة التعبوية والإعلامية والفعاليات الجماهيرية، إضافة إلى تمويل برامج اجتماعية تستهدف الموالين للجماعة عبر ما يسمى «هيئة الزكاة» وغيرها من المؤسسات المستحدثة، من دون نشر بيانات مالية توضح حجم هذه النفقات أو آليات توزيعها.

وفي المقابل، تستمر معاناة موظفي الدولة في مناطق سيطرة الحوثيين من انقطاع الرواتب منذ سنوات، إلى جانب تراجع الخدمات الأساسية، وهو ما يعزز التساؤلات بشأن أولويات الإنفاق.

إلى جانب خفض التمويل أعاقت ممارسات الحوثيين العمل الإنساني (إكس)

ويقول «أمين»، وهو اسم مستعار لموظف حكومي في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»: «منذ سنوات لم تعد الرواتب تُصرف بانتظام، بينما تستمر عمليات التحصيل من مختلف القطاعات، والمواطن يتساءل أين تذهب كل هذه الموارد».

ويرى اقتصاديون أن أبرز سمات الإدارة المالية في مناطق سيطرة الحوثيين تتمثل في وجود اقتصاد موازٍ لا يخضع لآليات الرقابة التقليدية، من خلال هيئات وصناديق مستحدثة تتولى جمع الرسوم والإيرادات بصورة منفصلة عن أي موازنة عامة معلنة.

ويقول خبير اقتصادي في صنعاء، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «غياب الموازنة العامة والإفصاح المالي يجعل من المستحيل معرفة الحجم الحقيقي للإيرادات، وما نعرفه هو أن تعدد مصادر الجباية خلق اقتصاداً موازياً خارج الأطر التقليدية للرقابة والمحاسبة».

وأضاف أن الجمارك والضرائب والزكاة ورسوم الوقود والاتصالات أصبحت تمثل أبرز مصادر الإيرادات، إلا أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الأموال، وإنما في غياب الشفافية بشأن كيفية إنفاقها.

انعكاسات مباشرة

تشير تقارير ودراسات اقتصادية إلى أن الإيرادات الجمركية والرسوم الداخلية من أهم مصادر التمويل، مع توسع شبكة نقاط الجباية داخل مناطق سيطرة الجماعة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على النشاط التجاري والأسعار.

ويقول عدد من تجار الجملة إنهم يدفعون رسوماً في أكثر من نقطة جباية مستحدثة، الأمر الذي يرفع تكاليف نقل البضائع مع كل إجراء جديد، مؤكدين أن هذه الزيادات لا يتحملها التاجر وحده، وإنما تنتقل في نهاية المطاف إلى المستهلك عبر ارتفاع أسعار السلع.

ملايين اليمنيين تتهددهم المجاعة فيما يهرب الحوثيون نحو التصعيد (إكس)

ويقول مالك شركة استيراد في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «أصبح التاجر يحسب تكلفة الرسوم والإجراءات قبل أن يحسب تكلفة البضاعة نفسها»، مضيفاً أن استمرار فرض الرسوم والإتاوات على القطاع الخاص أدى إلى زيادة تكاليف الاستيراد، وهو ما انعكس على أسعار السلع الأساسية وزاد من الأعباء المعيشية في بلد يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ويرى باحثون أن اقتصاد الحرب لا يعتمد على مورد واحد، بل على شبكة واسعة من الضرائب والرسوم والإيرادات غير التقليدية، وهو ما يجعل تقدير الدخل الحقيقي للجماعة بالغ الصعوبة في ظل غياب البيانات الرسمية.

ويؤكد أحد الباحثين في اقتصاد النزاعات أن هذا النمط يتوافق مع ما تناولته تقارير أممية ودراسات سابقة بشأن تعدد مصادر الإيرادات في مناطق سيطرة الحوثيين وغياب الإفصاح المالي، مشيراً إلى أن أي تقديرات متاحة تبقى قابلة للمراجعة مع ظهور بيانات أكثر اكتمالاً.


الزنداني: الحوثيون أفشلوا السلام وجرّوا اليمن للصراعات

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
TT

الزنداني: الحوثيون أفشلوا السلام وجرّوا اليمن للصراعات

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)

حمّل رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني، الجماعة الحوثية مسؤولية تعثر جهود السلام، واتهمها بإفشال المبادرات الإقليمية والدولية، والزج باليمن في صراعات إقليمية، داعياً السكان في مناطق سيطرة الجماعة إلى عدم الانجرار وراء ما وصفه بـ«الدعاية المضللة»، ومؤكداً أن الحكومة لا تزال تتمسك بخيار التسوية السياسية الشاملة.

وجاءت تصريحات الزنداني في رسالة وجهها إلى اليمنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بالتزامن مع تصاعد التوتر العسكري، إذ قال إن الجماعة اعتادت، كلما اقتربت فرص السلام، على تصعيد الموقف العسكري والسياسي، وافتعال مبررات ضد الحكومة الشرعية والتحالف العربي والمكونات السياسية والقبلية، وصولاً إلى جر البلاد إلى جولات جديدة من الصراع.

وأكد الزنداني أن الحكومة، بدعم من التحالف بقيادة السعودية، وبمساندة سلطنة عمان، انخرطت خلال السنوات الماضية في مختلف المبادرات التي رعتها الأمم المتحدة لوقف الحرب، مشيراً إلى أن الهدنة التي أُعلنت في عام 2022 كانت تمثل فرصة حقيقية للانتقال إلى عملية سياسية شاملة.

جانب من آخر اجتماع للحكومة اليمنية في عدن (سبأ)

وأضاف أن الحكومة وافقت كذلك على خريطة الطريق التي صاغها المبعوث الأممي خلال المشاورات التي جرت في عام 2023، بينما اتهم الحوثيين بالمماطلة والتراجع عن التفاهمات، قبل أن يربطوا اليمن بالأزمة الإقليمية، وهو ما تسبب - بحسب قوله - في خسائر كبيرة طالت البنية التحتية والمنشآت الحيوية.

ملف مطار صنعاء

في ما يتعلق بملف مطار صنعاء، قال الزنداني إن الحكومة لم تمنع تشغيل الرحلات الجوية، موضحاً أن المطار ظل مفتوحاً خلال مدة الهدنة، كما استمرت الرحلات عبر شركة الخطوط الجوية اليمنية إلى الأردن، إلى جانب استمرار دخول السلع والمشتقات النفطية عبر ميناء الحديدة.

واتهم الحوثيين باحتجاز 4 طائرات تابعة لشركة الخطوط الجوية اليمنية منذ عام 2024، وبعرقلة المقترحات الحكومية الرامية إلى استئناف الرحلات من صنعاء عبر شراء أو استئجار طائرات جديدة، أو التعاقد مع شركات طيران أخرى، معتبراً أن الجماعة أصرت على التدخل في إدارة الشركة وإيراداتها، وهو ما قال إنه يهدد مستقبل الناقل الوطني.

كما أشار إلى أن الحكومة اقترحت الإفراج عن أكثر من 120 مليون دولار من أموال الشركة المحتجزة في صنعاء لتمويل شراء أو استئجار الطائرات، إلا أن الحوثيين - بحسب روايته - رفضوا تلك المقترحات.

انتقادات لسلوك الجماعة

اتهم الزنداني الحوثيين بتصعيد الضغوط على السكان في مناطق سيطرتهم، من خلال فرض الجبايات والإتاوات ورفع الأعباء المعيشية، إلى جانب استهداف المعارضين واعتقالهم، والإساءة إلى الأعراف القبلية، ومهاجمة شيوخ القبائل وتفجير منازلهم.

كما اتهم الجماعة بتقييد عمل المنظمات الإنسانية والأممية، واحتجاز عدد من موظفيها، الأمر الذي انعكس سلباً على الوضع الإنساني، وأدى إلى تراجع أنشطة الإغاثة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وجدد رئيس الوزراء اليمني تأكيد تمسك الحكومة بخيار السلام، داعياً الحوثيين إلى العودة إلى طاولة الحوار والانخراط في عملية سياسية تضمن مشاركة جميع المكونات اليمنية على قدم المساواة، بعيداً عن استخدام القوة أو فرض الأمر الواقع.

كما شدد على أن استمرار التصعيد العسكري أو الإقدام على أي هجمات جديدة لن يكون مقبولاً، مؤكداً أن الحكومة ستتعامل بحزم مع أي اعتداء يستهدف الأمن والاستقرار، بما يضمن حماية اليمن وأمن المنطقة، معتبراً أن إنهاء الحرب لا يزال ممكناً إذا غلّبت الجماعة الحوثية خيار الحوار على خيار التصعيد.