غزة... عامانِ من الحرب دمّرا 4000 عام من التاريخ لكنّ الثقافة تخترق الركام

طفل ينتشل كتبه المدرسية من بين ركام منزله في غزة (أ.ف.ب)
طفل ينتشل كتبه المدرسية من بين ركام منزله في غزة (أ.ف.ب)
TT

غزة... عامانِ من الحرب دمّرا 4000 عام من التاريخ لكنّ الثقافة تخترق الركام

طفل ينتشل كتبه المدرسية من بين ركام منزله في غزة (أ.ف.ب)
طفل ينتشل كتبه المدرسية من بين ركام منزله في غزة (أ.ف.ب)

عمرُ غزّة 4000 عام. وعمرُ أشرس الحروب عليها عامان. عامانِ كانا كفيلَين بالقضاء على 4 ألفيّات من الحضارة.

آلة التدمير الإسرائيلية التي قطعت رؤوس الأطفال، لم تكترث لمئذنة مسجدٍ تاريخيّ ولا لقبّة كنيسةٍ أثريّة. ووفق إحصاءٍ أجرته وزارة الثقافة الفلسطينية، فإنّ أكثر من 200 موقع ذات قيمة ثقافية دُمرّ بالكامل أو تضرر جزئياً بسبب القصف الإسرائيلي. أما منظّمة «القلم الأميركي» الثقافية فقد رصدت مقتل أكثر من 150 مثقفاً فلسطينياً منذ اندلاع الحرب.

آثار على طريق الاندثار

أقدَمُ المعالم الأثريّة الدينية التي استهدفتها الغارات الجويّة، المسجد العمري وسط مدينة غزة. شُيّد في القرن السابع للميلاد فوق بقايا معبد يعود لألف عام ما قبل الميلاد. وقد تهدّم الجزء الأكبر منه، فلم تبقَ سوى المئذنة المتضرّرة لتشهد على 1300 عام من التاريخ.

في بداية الحرب استُهدف المسجد العمري الكبير في مدينة غزة (أ.ف.ب)

من بين المواقع الدينية المستهدَفة كذلك مسجد السيد هاشم، والعائد إلى حقبة المماليك، ومسجد عثمان قشقار الذي شُيّد عام 1223، وكنيسة القديس بورفيريوس المَبنيّة عام 407 والتي أعاد الصليبيّون ترميمها في القرن الحادي عشر، ودير القديس هيلاريون الذي تأسس عام 340. ورغم منح منظّمة «اليونيسكو» شارة الحماية المعززة لهذا الموقع الأثري، فإن إسرائيل استهدفته متسببةً بأضرار جسيمة فيه.

آثار الدمار في كنيسة القديس بورفيريوس التاريخية في غزة (أ.ف.ب)

في غزة التي لا يسمع عنها الرأي العام العالمي سوى أخبار الموت والمجاعة والدمار، حجارةٌ تحكي قصصاً من عمر التاريخ. بيوتٌ أثريّة كبيت السقا وبيت الغصين، وحمّامات من العصر العثماني، وأسواقٌ عريقة تعود لمئات السنين، ومتاحف كانت تؤرّخ لِما تَعاقبَ على القطاع من حضارات. حتى حي الرمال والمستشفى المعمداني اللذان يرِدان في أخبار الموت العاجلة، يُعدّان من المعالم الأثريّة. في غزة كذلك، مكتباتٌ عامة ومطابع ودُور نشر تبعثرت الحروف فيها وتمزّقت الأوراق، لأنّ إسرائيل أطلقت على التاريخ والثقافة حُكم الإعدام.

مكتبة بلديّة غزّة التي دمّرت بالكامل خلال الحرب (بلدية غزة)

سينما تحت القصف

مقابل هذا الدمار الثقافي الشامل، وُلدت من رحم المأساة أعمالٌ فنية وإنجازاتٌ أدبية وسينمائية كثيرة حملت توقيع أبناء غزة وحكاياتهم.

تلك الأفلام والكتب والأغنيات التي روَت فظاعة ما يجري على طريقتها، استطاع معظمها أن يصل إلى العالمية. وليس فيلم «صوت هند رجب» الفائز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان البندقية السينمائي الشهر الماضي، سوى نموذجٍ من تلك النجاحات.

اهتزّ العالم أسبوعاً على وقع نداءات استغاثة الطفلة هند العالقة في السيارة وسط جثث أقربائها من جهة، وفوهة الدبابة الإسرائيلية الموجّهة إليها من جهة ثانية.

الفيلم التوثيقي الذي حصد، إلى جانب الجائزة العالمية، أطوَل مدّة تصفيق في تاريخ المهرجان، ذاهبٌ إلى الأوسكار حاملاً معه جراح غزة لينافس مرةً جديدة على التصفيق والدموع والجوائز العالمية.

إنجازٌ سينمائي عالمي آخر طالع من غزة للأخوَين طرزان وعرب ناصر الفائزين بجائزة أفضل إخراج في مهرجان كان السينمائي الدولي عن فيلمهما «كان يا ما كان في غزة». صحيح أن الفيلم لا يتطرّق إلى الحرب، بل تدور أحداثه عام 2007، غير أنه شكّل صرخةً مدويّة عبّرت عن آلام الغزيين الذين أمضوا أعمارهم تحت الحصار. وقد صوّره المخرجان اللذان غادرا غزة منذ 2012، في الأردن، بعد اندلاع الحرب في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

فريق عمل فيلم «كان يا ما كان في غزة» في مهرجان كان السينمائي 2025 (الشركة المنتجة)

يبقى مشروع «من المسافة صفر» أبرز الإنجازات السينمائية الطالعة من غزة خلال سنتَي الحرب. هو عبارة عن مجموعة من الأفلام القصيرة التي جرى تصويرها تحت القصف ووسط الدمار، من قِبَل محترفي سينما وهواة على حدٍ سواء. نقلت تلك الأفلام الواقع بالعين المجرّدة وروَت حكايات الضحايا والنازحين والأطفال والمسنّين الواقفين في طوابير المياه والخبز. وثّقت الأفلام الـ22 لجحيم غزّة كما لم يفعل أي عملٍ فنيٍ آخر، ورغم المخاطر الجسيمة التي تعرّض لها صنّاع تلك الأفلام، فإنّ موادّهم وصلت إلى عروضٍ عالمية على رأسها مهرجانا تورونتو وعمّان السينمائيان الدوليان.

أوركسترا المسيّرات تعزف لأطفال غزة

أعلى من دويّ القذائف وهدير الطيران الحربي، ارتفعت نغمات من قلب غزة لتقول إن الموسيقى ما زالت ممكنة. هي حكاياتٌ اخترقت بإنسانيّتها جدار الصمت، كحكاية أحمد أبو عمشة الذي حوّل أزيز المسيّرات المتواصل إلى خلفيّة موسيقية للأغاني وجعل من أطفال خيام النزوح عازفين ومغنّين.

أستاذ الموسيقى هذا زرع آلات الغيتار، والعود، والناي، والطبلة في أيادي النازحين كباراً وصغاراً. شغلهم عن الذعر اليوميّ بدراسة النغم والإيقاع، وبإطلاق العنان لأصواتهم الجميلة.

تجارب موسيقية أخرى خرجت من خيام النزوح ومن حناجر أطفال غزة، مثل تجربة فرقة «صول» التي صبّت اهتمامها على علاج صدمات الحرب بالموسيقى.

ومن خارج الحدود ارتفعت أصوات نيابةً عن أهالي غزة، لغناء مأساتهم ومشاركتها مع البشريّة جمعاء. عندما أصدر المغنّي الفلسطيني مروان عبد الحميد المعروف بـ«سانت ليفانت» ومغنّي الراب عبد الرحمن الشنطي المعروف بـMC Abdul أغنيتهما «ديرة» مطلع 2024، تحوّل العمل إلى ظاهرة تصدّرت القوائم الموسيقية وجالت على مسامع البشر أينما حلّوا. صارت لازمة «سلّملي ع أريحا وسلّم عالديرة يا طير الطاير» أنشودة على كل لسان عربي.

الشاب الفلسطيني المقيم في الولايات المتحدة أمضى جزءاً من طفولته في منزل جدّيه في غزة. وهناك، شيّد والده فندقاً في حيّ الرمال أطلق عليه اسم «الديرة»، غير أن العدوان الإسرائيلي سوّاه بالأرض فجاءت تلك الأغنية كتحيّة إلى ذاك المكان وإلى غزة عموماً.

إنجازات أدبيّة من غزة

من قلب غزة المدمّرة طلعت كذلك تجارب أدبية حققت إنجازات عالمية. الكاتب والشاعر مصعب أبو توهة هو أول فلسطيني يفوز بجائزة بوليتزر العريقة عن توثيقه رحلة الخروج من غزة ويومياته تحت القصف وفي الاعتقال.

أبو توهة الذي استطاع الانتقال وعائلته من غزة إلى الولايات المتحدة الأميركية عبر مصر، نشر مجموعة كبيرة من المقالات في الصحافة العالمية، في طليعتها مجلة «نيويوركر». وتُمنح جائزة بوليتزر لـ23 شخصاً سنوياً عن فئات الصحافة والأدب والفنون.

مقال مصعب أبو توهة أول فلسطيني يفوز بجائزة بوليتزر عن فئة الصحافة (نيويوركر)

لا شيء سيعوّض سمير منصور عن دمار مكتبته العريقة التي كانت تحوي أكثر من 300 ألف كتاب. لكنه أصرّ على إعادة افتتاحها فوق الركام وبما تبقّى فيها من كتب. وكتحيةٍ لنضاله الثقافي المستمر رغم الغارات الإسرائيلية التي لم توفّر مكتبته، نال منصور «جائزة فولتير لحرية التعبير» عام 2024.

بقايا مكتبة سمير منصور في غزة بعد سلسلة غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)

بتول أبو عاقلين هي شاعرة ومترجمة من غزة. فازت قصيدتها «بارود» من مجموعتها الشعرية الناطقة بالعربية والإنجليزية، والتي ألّفتها تحت القصف، بالمرتبة الثالثة في مسابقة مجلّة لندن الشعريّة.

أما المؤثّرة والصحافية بليستيا العقّاد والتي واكبت المأساة ساعةً بساعة عبر حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد نشرت يومياتها ضمن كتاب «عيون غزة» وهي انضمّت إلى قائمة «بي بي سي» لأكثر 100 سيّدة مؤثرة لسنة 2024.


مقالات ذات صلة

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

المشرق العربي جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب) p-circle

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

تستعد إندونيسيا لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة، دعماً لخطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي خبراء الطب الشرعي والأطباء يفحصون رفات متوفين من سكان غزة في مستشفى الشفاء (أ.ف.ب) p-circle

«صحة غزة»: ما تبقى من مستشفيات يصارع لاستمرار تقديم الخدمة

كشفت وزارة الصحة في غزة اليوم (السبت) أن ما تبقى من مستشفيات في القطاع يصارع من أجل استمرار تقديم الخدمة، وأصبح مجرد محطات انتظار قسرية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
رياضة عالمية جوسيب غوارديولا المدير الفني لفريق مانشستر سيتي الإنجليزي (إ.ب.أ)

غوارديولا يتمسك بمواقفه السياسية: لماذا لا أعبر عما أشعر به؟

دافع جوسيب غوارديولا، المدير الفني لفريق مانشستر سيتي الإنجليزي لكرة القدم، عن موقفه في التحدث علناً بشأن الصراعات العالمية.

«الشرق الأوسط» (مانشستر)
شؤون إقليمية صورة لعميلَي «الموساد» المزعومين وهما التركي من أصل فلسطيني فيصل كريم أوغلو (يميناً) والتركي محمد بوداك دريا (الداخلية التركية)

تركيا تعتقل عميلَين لـ«الموساد»... أحدهما من أصل فلسطيني

ألقت المخابرات التركية القبض على شخصين أحدهما فلسطيني كانا يعملان لمصلحة «الموساد» الإسرائيلي، في عملية مشتركة مع شعبة مكافحة الإرهاب ونيابة إسطنبول.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
TT

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي» الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق، وأبلغ الوفد رئيس الحكومة نواف سلام بملاحظاته على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف واسترداد الودائع.

وتتزامن الزيارة مع مناقشة اللجان البرلمانية لمشروع قانون «الفجوة المالية» واسترداد الودائع العالقة في المصارف منذ 2019، وهو مشروع قانون أقرته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب لدراسته. كما تأتي الجولة عقب إقرار قانون الموازنة العامة للعام الحالي.

لقاء مثمر

وبحث الوفد في بيروت، الخطوات التي تؤدي إلى اتفاق مع صندوق النقد، سبق أن تعثر إبرامه في ربيع عام 2022. واستقبل رئيس الحكومة نواف سلام الوفد برئاسة إرنستو راميريز ريغو.

وأكد سلام أن اللقاء «كان إيجابياً ومثمراً، حيث تم البحث في ملاحظات الصندوق على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف، إضافةً إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع». وأشارت رئاسة الحكومة اللبنانية في بيان إلى أن البحث «تناول الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق».

كذلك، زار الوفد رئيس مجلس النواب نبيه بري.

ويتابع وفد الصندوق الخطوات التشريعية لقانون «الفجوة المالية» الذي يرى مسؤولون ماليون لبنانيون أن ثغرات قانونية وإجرائية في المشروع الحكومي، «تتنافى مع توصيات الصندوق»، ولا سيما ما يخص تطوير خطة «قيد الخسائر وتوزيعها، واستعادة قوة القطاع المصرفي بما يتناغم مع المعايير الدولية واعتبارات حماية صغار المودعين واستدامة القدرة على تحمل الدين العام».


قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
TT

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول القطاعات الإنتاجية اللبنانية والصادرات إلى الدول العربية وقطاع النقل البري، فضلاً عن انعكاسات سلبية على تكلفة التبادل التجاري، والقطاعات الإنتاجية في البلدين، لا سيّما الزراعة والصناعات الغذائية.

كانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا أصدرت الأحد قراراً جديداً ينظّم حركة الشحن عبر المنافذ البرية والمرافئ البحرية، متضمناً قيوداً على دخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية، ويقضي بإلزامها بتفريغ حمولتها داخل الساحات الجمركية ونقلها إلى شاحنات سورية، واستثنى القرار الشاحنات العابرة بنظام «الترانزيت».

تحركات لبنانية

وعُقِدَ اجتماع موسّع في المديرية العامة للنقل البري والبحري، ضمّ ممثلين عن اتحادات ونقابات قطاع النقل البري، والمصدّرين والوكلاء البحريين ووسطاء النقل، إضافة إلى ممثل عن وزارة الزراعة ورئيس مصلحة النقل البري طوني عساف، خُصّص لبحث تداعيات القرار.

مشاركون في اجتماع المديرية العامة للنقل البري والبحري في بيروت لمناقشة القرار السوري (الوكالة الوطنية)

وأجمع الحاضرون على أنّ القرار «انعكس سلباً على قطاع النقل البري اللبناني وشركات الشحن والترانزيت، وعلى السائقين والعاملين في هذا القطاع، إضافة إلى المصدّرين اللبنانيين، لا سيّما في ما يتعلّق بالمواد الغذائية والسلع القابلة للتلف»، محذّرين من تراجع حجم وانسيابية حركة التبادل التجاري بين الجانبين.

كما رأى المجتمعون أنّ المسار الدبلوماسي لم يفضِ، حتى الآن، إلى معالجة تضمن التوازن في حركة النقل البري بين البلدين، رافضين تحميل القطاع اللبناني أعباء إضافية ناتجة عن إجراءات أحادية الجانب. ودعوا وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني إلى اتخاذ إجراءات تحمي القطاع، بما فيها اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل إلى حين إعادة تطبيق أحكام الاتفاقية النافذة.

سوريا متنفس أساسي

في قراءة اقتصادية أوسع، قال رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي شارل عربيد لـ«الشرق الأوسط»، إنّه يتمنّى أن تكون الإجراءات المتّخذة «مؤقّتة وقابلة للإزالة، بما يسمح بعودة الأمور إلى طبيعتها»، مذكّراً بأنّ سوريا تشكّل «متنفّساً أساسياً للبنان، سواء لجهة الصناعة أو الزراعة».

وأوضح أنّ «هناك مساعي وإجراءات قيد البحث لمعالجة التداعيات»، معرباً عن أمله في أن تتمّ المعالجة «من خلال سياسة واضحة للتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين لبنان وسوريا، تقوم على الشفافية الكاملة، وتراعي مصالح البلدين على حدّ سواء».

وأكد عربيد أنّ «أي قرار من هذا النوع يترك انعكاسات مباشرة، لا سيّما على تصدير الخضار والفاكهة وسائر المنتجات»، معتبراً أنّ ذلك «يضغط أكثر على قطاع إنتاجي يعاني أساساً من أوضاع صعبة»، وشدد على أنّ لبنان «بحاجة ماسّة إلى تسهيل التصدير، وتسهيل العبور والنقل، بوصفها ركائز أي مقاربة جديّة للتبادل التجاري بين بلدين جارين تربطهما علاقات اقتصادية تاريخية».

تكلفة مرتفعة

في المقابل، قدّم مدير «المعهد اللبناني لدراسات السوق»، الدكتور باتريك مارديني، قراءة تقنية - اقتصادية للقرار، موضحاً أنّه «سيؤدي إلى ارتفاع التكلفة، ولا سيما على المستهلك السوري». ولفت إلى أنّ «السلطات السورية منعت الشاحنات الأجنبية من تفريغ أو تحميل بضائعها داخل سوريا، ما فرض اعتماد نظام (باك تو باك)، حيث تُفرغ الشاحنات حمولتها عند الحدود لتتسلّمها شاحنات سورية، والعكس صحيح».

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا خلال اعتصام رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

ورأى مارديني أنّ «هذا النظام يزيد التكلفة والوقت، ويعقّد العمليات اللوجستية، الأمر الذي ينعكس سلباً على المستهلك السوري، في بلد خارج من حرب ويعتمد بشكل كبير على الاستيراد، سواء للمواد الغذائية أو للأدوية وسائر السلع الأساسية».

وأشار إلى أنّ «المرحلة السابقة شهدت تسهيلاً لعمليات الاستيراد والتصدير في سوريا، ما أدّى إلى انخفاض ملحوظ في أسعار السلع الاستهلاكية بعد كسر الاحتكارات الداخلية، وهو ما استفاد منه المستهلكون، لا سيّما الفئات الأكثر فقراً»، معتبراً أنّ «القرار الجديد يُعيد تعزيز هذه الاحتكارات، إذ يخفّف من رغبة الدول المجاورة في التصدير إلى سوريا أو الاستيراد منها، بسبب ارتفاع التكلفة وزيادة الوقت والمخاطر، خصوصاً بالنسبة للمنتجات الزراعية القابلة للتلف».

وفي ما يتعلّق بالأرقام، أكّد مارديني أنّه «لا توجد بعد تقديرات رسمية للخسائر أو للانعكاسات الاقتصادية على لبنان»، معتبراً أنّ «الوقت لا يزال مبكراً لإعطاء أرقام دقيقة»، مشيراً إلى أنّ «تجارب سابقة أظهرت أنّ تغيّر سلاسل الإمداد قد يكلّف ما بين مليونين وعشرة ملايين دولار، تبعاً لسرعة معالجة الأزمة وكيفية تطبيق الإجراءات».

إنعاش قطاع النقل السوري

وعن خلفيات القرار، أوضح أنّ «هناك رغبة لدى الحكومة السورية في إعادة إنعاش قطاع النقل الذي تضرّر خلال الحرب، من خلال اعتماد نوع من سياسات الحماية»، إلا أنّه شدّد على أنّ «هذه السياسة، وإن هدفت إلى دعم قطاع النقل، تؤدي عملياً إلى الإضرار بالاقتصاد السوري ككل، وبالمصدرين السوريين، نتيجة ارتفاع التكلفة وطول مدة النقل، ما يضعف قدرتهم التنافسية إقليمياً». كما أشار إلى «محاولة موازية لإعادة تنشيط المرافئ السورية، في ظل اعتماد السوق السورية حالياً على مرافئ خارجية، مثل مرفأ بيروت أو المعابر عبر الأردن».

وأكد أنّ «تأثير القرار على القطاعات الإنتاجية، سواء الزراعية أو الصناعية، هو تأثير متبادل، إذ تزداد أكلاف تصدير المنتجات اللبنانية إلى سوريا، كما ترتفع أكلاف تصدير المنتجات السورية إلى لبنان»، معتبراً أنّ هذه السياسات تمثّل «خسارة للطرفين» من الناحية الاقتصادية.

خسائر فورية

بدوره، وصف رئيس «الاتحاد الوطني للفلاحين في لبنان» إبراهيم الترشيشي القرار بأنّه «مرتبك، ولا يستند إلى أي دراسة عادلة أو مدروسة»، لافتاً إلى أنه «أدّى إلى إرباك كبير وأضرار جسيمة».

وأوضح أنّ «التنفيذ الفوري ألحق خسائر مباشرة بأصحاب الشاحنات وبالتجّار والمزارعين، مع تلف بضائع زراعية حساسة، لا سيّما الموز، وارتفاع تكلفة الشاحنة المبرّدة بما يتراوح بين 500 و600 دولار إضافية، فضلاً عن أعباء التنزيل والتحميل والتأخير».

وأشار إلى أنّ لبنان «يصدّر يومياً ما بين 10 و15 شاحنة موز إلى سوريا، إضافة إلى سلع صناعية وغذائية أخرى باتت تتحمّل الأعباء نفسها، ما ينعكس خسائر على المنتج والمستهلك في آنٍ واحد». وشدّد على أنّ لبنان «ليس المقصود بهذا القرار»، رافضاً منطق المعاملة بالمثل، ومؤكداً أنّ «لبنان كان وسيبقى مع أشقائه العرب»، وحذّر من تداعيات هذا الإجراء، معتبراً أنّه «سيرفع تكلفة النقل وتكلفة الإنتاج، ما سينعكس سلباً على كلٍّ من المنتج والمستهلك في آنٍ واحد»، مؤكّداً أنّ «أي تصعيد من هذا النوع بين دولتين لا يصبّ في مصلحة الشعب، ولا يخدم الإنتاج الوطني».

Your Premium trial has ended


تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
TT

تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

جدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، الثلاثاء، حرص بلاده على أمن ووحدة الأراضي السورية واستقرارها، مشدداً على أن قرار نقل عناصر تنظيم «داعش» المحتجزين في السجون والمعتقلات السورية إلى العراق جاء «بقرار عراقي سيادي»؛ يهدف إلى حماية الأمن الوطني والإقليمي والدولي، في حين أكد مسؤول أمني بارز أن تحقيقات العراق مع السجناء «بدأت من الصفر».

وجاءت تصريحات السوداني خلال استقباله سفير الأردن في بغداد، ماهر سالم الطراونة، حيث ناقش الجانبان تطورات الملف الأمني الإقليمي، إلى جانب سبل تعزيز التعاون الثنائي والثلاثي بين العراق والأردن ومصر، بما يسهم في دعم الاستقرار بالمنطقة.

وأعرب السفير الأردني عن شكر بلاده للعراق على «دوره المحوري في حفظ أمن المنطقة واستقرارها»، مؤكداً استعداد عمّان للتعاون في ملف نقل سجناء «داعش» وتعزيز إجراءات الأمن الإقليمي.

تحقيقات قضائية

ووفق بيانات أمنية عراقية، فقد بلغ إجمالي عدد عناصر تنظيم «داعش» الذين نُقلوا من السجون والمعتقلات السورية إلى العراق حتى الآن 4583 عنصراً، من أصل ما بين 7 و8 آلاف معتقل، ينتمون إلى 42 دولة عربية وأجنبية.

وقال رئيس «خلية الإعلام الأمني» في «قيادة العمليات المشتركة»، الفريق سعد معن، إن عمليات النقل ما زالت مستمرة «جواً وبراً، وعلى شكل دفعات»، ووفق إجراءات أمنية مشددة، وصولاً إلى «أماكن احتجاز مؤمنة بالكامل»، مؤكداً أنه «لا مجال لحدوث أي خروقات».

وأوضح معن، في تصريحات متلفزة، أن نقل المعتقلين جاء نتيجة «ثقة المجتمع الدولي بالعراق»، إضافة إلى «حق العراقيين في الكشف عن حجم الجرائم والظلم الذي تعرضوا له»، مشيراً إلى أن التحقيقات القضائية مع المعتقلين بدأت منذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، وأنه يشرف عليها قضاة كبار في محكمة تحقيق بغداد - الكرخ.

حافلات تنقل «دواعش» من سوريا إلى العراق بمدينة القامشلي السورية (رويترز)

قيادات خطرة

وكشفت التحقيقات الأولية، وفق المسؤول الأمني، عن وجود «عناصر شديدة الخطورة وقيادات كبيرة في تنظيم (داعش)»، بعضهم متورط في جرائم مباشرة ضد العراقيين منذ عام 2014، فيما أظهرت التحقيقات أن عدداً منهم استخدم أسلحة كيمياوية في تنفيذ هجمات داخل العراق.

وأكد معن أن القضاء العراقي باشر التحقيق «من الصفر» رغم امتلاك الأجهزة الأمنية معلومات واسعة عن كثير من المتهمين، متوقعاً أن تستمر التحقيقات «أشهراً عدة»، وأن تسفر عن نتائج مهمة لتحديد المسؤوليات الجنائية بدقة.

وأشار إلى أن الجانب السوري لم يُجرِ محاكمات بحق عناصر التنظيم؛ مما يتيح للعراق محاكمتهم وفق قانون العقوبات العراقي وقانون مكافحة الإرهاب، وبما يتناسب مع الاختصاص المكاني والجرائم المرتكبة، لافتاً إلى أن المعتقلين يمثلون العراق وسوريا إلى جانب عشرات الدول الأخرى.

«قنبلة موقوتة»

ووصف رئيس «خلية الإعلام الأمني» عناصر «داعش» المنقولين من سوريا بأنهم «قنبلة بشرية موقوتة لو كانوا خارج السجون»، مؤكداً أن احتجازهم في سجون عراقية مؤمنة «جنّب المنطقة أخطاراً جسيمة».

وشدد على أن العراق بات «رأس حربة في محاربة الإرهاب»، ويتمتع بتنسيق وتعاون أمني مستمر مع مختلف دول العالم، إلى جانب جهود داخل السجون لتفكيك الفكر المتطرف عبر لجان حكومية ومستشاري الأمن القومي.

في موازاة ذلك، أكد معن أن العمليات العسكرية والاستخبارية ضد خلايا «داعش» النائمة مستمرة، وأن القوات العراقية تنفذ عمليات استباقية وضربات دقيقة، مشيراً إلى أن الشريط الحدودي مع سوريا «مؤمّن بشكل كامل» بقوات قتالية وتحصينات واسعة، وأن لدى العراق «رؤية شاملة لما يجري خارج حدوده»، على حد تعبيره.