«أزهار من بئر زاهر الغافري»... حوارات «ناقصة» في الشعر

تعكس مرايا طفولته وعشقه للسفر والأمكنة

«أزهار من بئر زاهر الغافري»... حوارات «ناقصة» في الشعر
TT

«أزهار من بئر زاهر الغافري»... حوارات «ناقصة» في الشعر

«أزهار من بئر زاهر الغافري»... حوارات «ناقصة» في الشعر

يضم كتاب «أزهار من بئر زاهر الغافري» حوارات مطولة وشاملة مع الشاعر العماني الذي رحل عن عالمنا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أجراها معه الشاعر والصحافي اللبناني إسكندر حبش، تتناول بشكل بانورامي آراء الغافري في الشعر والثقافة، فضلاً عن تجربته الحياتية وترحاله واغترابه الدائمين بين المغرب وبغداد وباريس ونيويورك ولندن والسويد، ليصبح شاعر القلق واللاطمأنينة، الذي ترك بصمة في شعر الحداثة بسلطنة عمان والخليج.

ويشير حبش في تقديمه للكتاب الصادر ضمن سلسلة «كتاب نزوى» إلى أن «ثمة ما هو محزن في هذا العمل، لأنه يصدر اليوم بعيداً عن زاهر الذي غادرنا وترك هذا النص بين أيدينا منذ أن بدأنا العمل عليه في بداية عام 2023»، معتبراً أن ما يضمه من حوارات هي ناقصة بالضرورة، لأن الشاعر لم يقل كل ما عنده ولأنه أيضاً لم يستطع أن يلقي النظرة الأخيرة على ما دونه، وإن كان أوكل هذه المهمة الأخيرة إلى شريكة حياته الفنانة التشكيلية أثمار عباس التي رغبت في أن تصدر هذه الكلمات بمثابة تحية لذكراه.

أسطورة المكان الأول

يستعيد زاهر مكان الميلاد الأول في «الجزيرة الخضراء» حيث ولد في زنجبار كبقعة تشبه الحلم من ناحية الغابة والماء والمراكب والصيادين والنوارس، هو مكان الأم والجد والجدة من جهة الأم، وهو في الوقت نفسه مكان اللعب وتسلق الأشجار وشرب مياه الآبار وتناول لذيذ الفواكه. تجلى هذا المكان في مجموعته «أزهار في البئر»، وبقي المكان معه حتى الخامسة أو السادسة من عمره، لتبدأ بعد ذلك رحلته الكبرى عبر المحيط الهندي التي استغرقت شهراً أو أكثر عبر سفينة، قبل أن يصل إلى مسقط.

ويعتبر الغافري أن القرى الريفية الجبلية في عمان هي مكانه الأول أيضاً، حيث أصبحت أسطورة المكان أكثر سطوعاً، ابتداء من هيئة معلم القرآن وانتهاء بالملابس الملونة للصبايا العمانيات، بالإضافة إلى نمط العيش المختلف كلياً عن «الجزيرة الخضراء»، فهنا سمع لأول مرة عن «الأموات المسحورين» الذين يتجولون فوق أعالي الجبال.

وبرأي الغافري، أن الشاعر لا يمكن أن يتخلى عن طفولته، فهي إحساس بالشفافية وطريقة نظر إلى العالم بعين مختلفة. هذا ما يجعل من الاثنين؛ الطفولة والشعر، متلازمين.

وفيما يتعلق بفكرة «المشروع الشعري»، يقول إن مشروعه هو إنجاز نصوص وقصائد تكون قريبة أو وثيقة الصلة بالمبتكرات والتحولات التي يقوم بها شعرياً، بمعنى آخر هو لا يكتب قصائد متفرقة لا يجمعها شيء، يكتب بعفوية ورهافة بحيث لا تبعد قصيدته عن الأخرى بمسافات ضوئية. يكتب عن الحب والغياب والموت والحنين والسفر والترحال والمدن والأمكنة، كل هذا يدخل في إطار لغة يريدها أن تكون حية كما يعيشها، كل مجموعة شعرية تختلف عن الأخرى، لكن بينها خيط رفيع يربط القصائد بعضها ببعض.

التجربة العراقية

بدأ الغافري الكتابة في عمان بنصوص تقليدية، لم يبدأ الكتابة الحديثة إلا بعد ذهابه إلى بغداد التي كانت آنذاك، أواخر الستينات وبداية السبعينات، مركزاً مهماً خصوصاً في الشعر. وكانت النقاشات في المقاهي أو الحانات على أشدها. بعد قراءات متعددة في الشعر والقصة والرواية والفلسفة، نشر نصوصاً في مجلة «ألف باء» الأسبوعية، التي كان على رأسها الشاعر فاضل العزاوي، والكاتب الروائي جمعة اللامي.

كان مجايلوه فيما يسمى بجيل السبعينات، كمصطلح إجرائي، أمثال كمال سبتي وخزعل الماجدي وهاشم شفيق وشاكر لعيبي وخالد المعالي، وحينها فكّر في نشر أول مجموعة شعرية له، ثم بعد ذلك ألغى المشروع من جذوره. كانت تجربة العراق هي الأكثر تأثيراً، ليس على صعيد الكتابة الجديدة فقط، وإنما على حياته أيضاً. في العراق وجد نفسه حراً بعيداً عن الإكراهات العائلية والقبلية، كان كمن يسبح في نهر جديد وفي أمكنة جديدة ومختلفة حتى على صعيد اللغة المحكية لأنه أصبح يتحدث المحكية العراقية إلى درجة أنسته المحكية العمانية، إذ بعد مضي 10 سنوات عندما عاد إلى عمان كان أصدقاؤه يطلقون عليه «زاهر العراقي».

يقول: «كان خروجي من عُمان في اتجاه بغداد أشبه بفداء الأم لابنها، لو لم تمت أمي في مرحلة مبكرة لما خرجت من عُمان ولما عرفت المصير الذي كان ينتظرني. أخذني أبي إلى دبي في نهاية عام 1967 حيث كان يقيم أخي الأكبر البكر، في ذلك الوقت كانت دبي واحة مطلة على البحر والصحراء. مكثت عند أخي عدة شهور، وكانت لأخي علاقات واسعة في مصر والعراق ولبنان وفلسطين، فدبّر لي منحة دراسية كان يقدمها العراق للطلبة العرب من ليبيا واليمن وعمان والجزائر».

من باريس إلى نيويورك

يشير زاهر إلى أنه نادراً ما يكتب نصاً شعرياً دفعة واحدة، فهو يكتب في الليل أو ساعات الفجر الأولى وعندما يقتنع بالنص يتركه لمدة أسبوع تقريباً ثم يعود إليه. وهنا يقوم بالتعديل: «أضيف إليه صورة شعرية أو مقطعاً وأحذف أيضاً وعندما يكتمل النص أتركه أيضاً وأعود إليه لاحقاً، فإذا اقتنعت به نهائياً أتركه في الورق كما هو دون تبديل. طبعاً هذا الأمر بحاجة إلى مراسٍ أو قلْ ممارسة مستمرة».

ويشير إلى أن ديوان «هذيان نابليون» مثلاً أخذ منه عاماً كاملاً، وهو عبارة عن قصيدة طويلة تشكل كتاباً وصدرت عن دار «خطوط وظلال» في الأردن. على أي حال تأتي الكتابة وتختمر وفق المزاج الرائق والحالة النفسية أو عندما تحس أن في داخلك بئراً من اللهب، على حد تعبيره.

طفولة الشاعر طريقة نظر إلى العالم بعين مختلفة

وحول إقامته في باريس، يوضح أن ذلك كان في عام 1977، حيث إن النظام العراقي البعثي في ذلك الوقت لم يسمح له بدخول الجامعة، فما كان منه بعد تهديد مباشر لشخصه، سوى أن حجز طائرة إلى باريس وكان الجواز العماني وقتها يملك صلاحية الدخول إلى فرنسا من دون تأشيرة. لم يمكث في باريس وقتها كثيراً، ولكن عاد إليها بعد سنة، ليس في باريس وحدها، ولكن في مدن فرنسية أخرى. واستمرت إقامته في باريس منذ عام 1983 لـ3 سنوات، خلال هذه الفترة تعرف على شعراء وكتّاب، بدءاً من السوريالي عبد القادر الجنابي، وليس انتهاء بكاظم جهاد. وقتها كانت باريس «مغرية ومثيرة»، سكن في شقة قرب قوس النصر، وكانت الحياة «رخية»، خصوصاً أن باريس تشتهر بالمقاهي والمطاعم والحانات والسينما والمسرح. كان قد تخرج في قسم الفلسفة في المغرب في عام 1982، وأفادته فرنسا حينها، حيث نشر كراساً شعرياً في عام 1984 بعنوان «أظلاف بيضاء». قام عبد القادر الجنابي بتعريفه إلى فنان فرنسي هو جاك بنوا، الذي قال عنه عراب السورياليين أندريه بروتون: «لقد حقّق جاك بنوا وصية المركيز دو ساد لأنه رسمه».

وحول ملابسات إقامته في نيويورك ما يقرب من 10 سنوات، يقول إن الأمر بدا وكأنه «حلم يقظة». كان جالساً في مقهى أمام المحيط الأطلسي في طنجة حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. كان ذلك في عام 1987، وحدث أن أتت نسمة كأنها تحاول أن ترشده إلى مكان أو بالأحرى إلى مكانين نيويورك أو نيو أورليانز. ولأن له صديقاً في نيويورك فقد فضّلها وودّع المغرب ومدينة طنجة وسافر إلى مسقط ليمكث أسبوعين ثم ركب طائرة وفي جيبه 200 دولار فقط. «كانت رحلة ليلية وطويلة، وصلت في العاشرة صباحاً وأخذت سيارة أجرة إلى بيت صديقي العماني الذي رحّب به بحفاوة ثم قال لي: استرح لديّ درس في الجامعة القريبة من هنا وسأعود».يحكي زاهر بقية ما حدث قائلاً: «كنت أعرف أن البيت يقع في جادة أمستردام المحاذي لشارع بروداوي. فتحت لي نيويورك ذراعيها، هنا المكتبات، المسارح، السينما، الموسيقى، الأوبرا، موسيقى الجاز والبلوز، الغاليرهات الفنية والمتاحف، متحف الفن الحديث، متحف المتروبوليتان، متحف غوغنهام. سوهو التي تعج بالحانات والمطاعم والفنانين. إنه أمر مذهل. لم أرَ الجرائم التي يتم التحدث عنها كثيراً سوى مرتين، على مدى 10 سنوات. هكذا أحسست أن نيويورك على وفاق معي حياتياً وثقافياً، هناك أمكنة ومدن تشعرك بوجودها كثيفاً ومليئاً، ونيويورك واحدة من هذه المدن».


مقالات ذات صلة

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

تجربة الشاعر محمود البريكان، بوصفه أحد شعراء الحداثة العراقيين، المجايلين للشاعر بدر شاكر السياب، منذ خمسينات القرن الماضي، تجربة شعرية متفردة إلى حدٍ كبير.

فاضل ثامر
الوتر السادس مصطفى الجارحي: أغنياتي مُحمّلة بطاقات شعرية لا تخضع لحسابات السوق

مصطفى الجارحي: أغنياتي مُحمّلة بطاقات شعرية لا تخضع لحسابات السوق

كان لأغنيات الشاعر مصطفى الجارحي التي لحنها وغناها الفنان مصطفى رزق، مطرب الجاز المصري، حضور كبير في النسيج الدرامي لمسلسل «ولاد الشمس».

حمدي عابدين (القاهرة)
كتب ركائز الخطاب الشعري في أعمال الأبنودي

ركائز الخطاب الشعري في أعمال الأبنودي

صدر حديثا عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر كتاب «عبد الرحمن الأبنودي: شاعر الهوية المصرية» للناقد الدكتور رضا عطية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

يبدو ديوان «تجرحني بخفة وتعلو»، للشاعر المصري جمال القصاص، منذ عنوانه مفتوحاً على احتمالات تأويلية متعددة.

عمر شهريار

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».