«باريدوليا»... منى نحلة تُحوّل الفوضى إلى مرايا لأعماقنا

لوحات وتماثيل تستلهم من الخيال والذاكرة لتروي قصصاً عن الإدراك واللاوعي

منى نحلة ترسم أفكاراً خيالية نابعة من الفوضى (الشرق الأوسط)
منى نحلة ترسم أفكاراً خيالية نابعة من الفوضى (الشرق الأوسط)
TT

«باريدوليا»... منى نحلة تُحوّل الفوضى إلى مرايا لأعماقنا

منى نحلة ترسم أفكاراً خيالية نابعة من الفوضى (الشرق الأوسط)
منى نحلة ترسم أفكاراً خيالية نابعة من الفوضى (الشرق الأوسط)

كم من مرّة جلسنا نُشاهد الغيوم في السماء، ورحنا نُشبّهها بوجوه وأشكال؟ وكم من مرة تراءى لنا وجه سيدة صارمة أو طفل رضيع من خلال خطوط مرسومة على سطح رخامي؟ هذه التخيّلات التي تولد من طبقات الذاكرة تُترجمها الفنانة التشكيلية اللبنانية منى نحلة في معرضها «باريدوليا». وإذا ما بحثنا عن المعنى الحقيقي للعنوان لوجدنا هذا الشرح المختصر: «إنها ظاهرة نفسية يرى فيها العقل أنماطاً مألوفة، مثل الوجوه أو الحيوانات، وذلك في محفّزات عشوائية مثل السحب أو الصخور أو سطح القمر، من دون أن يكون لهذه الأنماط أي وجود حقيقي».

تماثيل صغيرة وخفيفة تروي قصصها بالورق الملوّن (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» بمنطقة مار مخايل في بيروت، تُوزّع منى نحلة باقة من أعمالها الفنّية. لوحات بتقنية اللصق (كولاج)، و«الميكسد ميديا» الموشَّحة بألوان الأكليريك، ومنحوتات خفيفة الوزن مصنوعة بتقنية الورق المحفوف (Paper-mâché). جميعها تروي قصصاً خيالية راودت الفنانة، فنقلتها بريشة حدسٍ تنبثق وجوهها وهيئاتها من الفوضى. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الفوضى بالأفكار والتخيّلات تحضر في غريزة كلّ منّا. وتدريجياً نُلوّنها باستعارات نرسمها من طبقات ذكرياتنا لا شعورياً. فلا فكرة محدّدة أستهلُّ بها مسبقاً القطعة الفنّية التي أُنفّذها. إنها مجرّد ولادات عفوية تأتي نتيجة عملية بنيان وهدم متلاصقَيْن».

ما يبقى من آثار الهدم الذي تتحدَّث عنه نحلة، تُدرجه في عملية تعمير لوحتها المؤلَّفة من طبقات مُتراكمة. وتستخدم فيها أنواع أقمشة وأدوات من الخشب والشبك المعدني وغيرهما. جميع هذه العناصر بمثابة موجودات تحضر في مشغلها، فتُركّبها لتتحوَّل إلى فكرة وموضوع. وعن عناوين هذه اللوحات؛ «منطقة الراحة»، و«كونيكتد»، و«اللعبة المنتظرة»، و«الإدراك الطبقي»، و«حب الذات» وغيرها، تقول: «اللوحة تأخذني إلى عالم مختلف أستطيع أن أتحكّم به خلال تنفيذي لها. وفي أثناء عملية البناء يجذب انتباهي عنصر ما، فيكون مفتاح لوحتي وعنواناً لها».

تعمّر لوحاتها بطبقات متراكمة بـ«اللصق» و«الميكسد ميديا»... (الشرق الأوسط)

تُترجم نحلة أفكارها الفوضوية والخيالية بريشة واقعية. وهذا التناقض ينبع من مشهدية عامة نعيشها. وتشرح: «أُجري إسقاطات على ما يحصل اليوم على هذا الكوكب وفي منطقة الشرق الأوسط بالذات، تتعلَّق بأفكار سياسية واجتماعية وبيئية، كل منّا يُغنيها على طريقته. فليس ثمة من اثنين يتّفقان على رأي واحد. ولا حتى يستطيعان قراءة ما بين السطور من وجهة النظر عينها. هذا الاختلاف أوحى لي بفوضى تخيّلات تتراءى لنا، وأدخلته على أعمالي من خلال المشهد العام الذي ألاحظه. أصقل هذه الأفكار بالغموض وبخلفية تجريدية، وأحاول تزويد المواد التي أصنع منها قطعي الفنّية بولادات جديدة. وهو ما نلاحظه من خلال قطع كرتونية مُهملة صنعتُ منها لوحات صغيرة. ومن مزيج أوراق رسمتُ عليها الوجوه، ألّفتُ تماثيل خفيفة تحكي قصصاً من الحياة».

وما بين فوضى واقع الشرق الأوسط وفوضى أفكار منى نحلة، يُجري زائر المعرض جولة فنية سوريالية، تأخذه إلى رحلة من التناقضات. ترى الفنانة أنها تسهم في تجدُّد الأفكار بألوانها العبثية؛ وبين العتمة والضوء، ووجوه ذكورية وأنثوية، وأخرى تتراوح بين الشفافية والغموض، يصبح الزائر شاهداً على ولادات تصفها بـ«ما نراه ليس ما هو موجود فقط، بل ما نحمله في داخلنا».

من أعمال منى نحلة في معرضها «باريدوليا»... (الشرق الأوسط)

في أحد أركان المعرض، تستوقفك مجموعة من التماثيل الخفيفة. يُخيّل إليك أنها يخاطب بعضها بعضاً، وبنظرة ثلاثية البُعد تتداخل مع أطياف الزوار، وتنصهر مع حضورهم وأحاديثهم. نلاحظ بينها، ووفق عناوينها، «الراقصة»، و«المنطوي على نفسه»، و«الطفل في داخلنا»، و«فتاة الزهور»... تحمل مُشاهدها على التعاطف وإقامة حوارات خيالية معها. فهي منمنمة وخفيفة الظلّ مثل وزنها. وكذلك ترتدي ألواناً زاهية مثل الزهري والبنفسجي والأخضر، فتُحدِث فسحة طفولية عند ناظرها الذي يشعر برغبة في احتضانها، وتنعكس عليه طاقة إيجابية مشبَّعة بالعاطفة.

يُدرك زائر معرض «باريدوليا» في النهاية أن منى نحلة تصنع قطعها الفنّية كأنها مرايا لأعماقنا. ترسم وتُركّب وتجمع لوحاتها تحت عنوان عريض «لا شيء واضحاً حولنا، ولكنّ حكاياتنا تستحق التكريم».


مقالات ذات صلة

شخصيات تقف على خط تماس بين معبد قديم ومحطة مترو

يوميات الشرق هوانغ يولونغ حوّل الـ«Hoodi» إلى رمز فلسفي (الصور من موقع الفنان)

شخصيات تقف على خط تماس بين معبد قديم ومحطة مترو

هناك من المعارض ما يجعلك تشعر بأنك أمام فن مختلف. وبالأحرى أمام فن شبابيّ. هذا هو الحال مع النحات الصيني هوانغ يولونغ ومعرضه المقام في باريس حالياً.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق لا أحد يعرف متى يتحوَّل الأثر سيّداً على صانعه (مايا آرت سبيس)

ريّا متّى تُعيد كتابة سيرة القميص الأبيض

القميص كلّما كَبُر، انحسر الجسد. وكلّما تكرَّرت أشكاله وتراكمت، فَقَدَ الفرد موقعه في التكوين...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)

متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

في كلّ زاوية لوحة، وخلف كلّ لوحة حكاية سفر أو مزاد أو بحث طويل...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق يستعرض المعرض مجموعة نادرة من شواهد القبور المصنوعة من حجر البازلت الأسود البركاني (الشرق الأوسط)

معرض سعودي يستكشف أسرار الحضارات المكتوبة على الصخور

بين جبال طويق، ونقوش نجران الضاربة في التاريخ، تختزل الصخور حكاية الوجود البشري والجيولوجي على أرض الجزيرة العربية.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق وجوه الأبدية تنوعت ملامحها في المعرض (الشرق الأوسط)

«متحف الحضارة المصرية» يحتضن معرضاً تشكيلياً يتقصّى «الأبدية»

احتضن المتحف القومي للحضارة المصرية معرضاً تشكيلياً يحاول اقتناص فكرة «الأبدية» عبر لوحات لفنانين مصريين وعرب وأجانب.

محمد الكفراوي (القاهرة )