لبنان: اجتماع وزاري يتعهد بإجراءات بعد خرق «حزب الله» قرار رئيس الحكومة

انقسامات داخل الحزب أدت إلى إضاءة صخرة الروشة رغم تعهدات معاكسة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال الاجتماع التشاوري مع الوزراء في منزله (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال الاجتماع التشاوري مع الوزراء في منزله (رئاسة الحكومة)
TT

لبنان: اجتماع وزاري يتعهد بإجراءات بعد خرق «حزب الله» قرار رئيس الحكومة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال الاجتماع التشاوري مع الوزراء في منزله (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال الاجتماع التشاوري مع الوزراء في منزله (رئاسة الحكومة)

تعهد الوزراء المشاركون في اجتماع تشاوري مع رئيس الحكومة نواف سلام، بـ«اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للحفاظ على هيبة الدولة واحترام قراراتها»، بعد تحدي «حزب الله» لقرارات الدولة اللبنانية بإضاءة صخرة الروشة بصور أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، الخميس.

ودخل لبنان في تأزم سياسي جديد، على خلفية واقعة إضاءة الصخرة، ما دفع رئيس الحكومة نواف سلام إلى تعليق نشاطاته، بانتظار إجراءات أمنية وقضائية تُنفذ لمحاسبة المسؤولين عن مخالفة القرارات الحكومية، حسبما قالت مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط».

وقال سلام، في تصريح بعد إضاءة صخرة الروشة، إن «ما حصل يشكل مخالفة صريحة لمضمون الموافقة المعطاة من محافظ مدينة بيروت لمنظمي التحرك الذي على أساسه صدر الإذن بالتجمع، والذي نص بوضوح على عدم إنارة صخرة الروشة مطلقاً لا من البر ولا من البحر أو من الجو، وعدم بث أي صور ضوئية عليها».

وأكد أن «هذا يشكل انقلاباً على الالتزامات الصريحة للجهة المنظمة وداعميها، ويعدّ سقطة جديدة لها تنعكس سلباً على مصداقيتها في التعاطي مع منطق الدولة ومؤسساتها». وطلب من وزراء الداخلية والعدل والدفاع اتخاذ الإجراءات المناسبة بحق منظمي فعالية الروشة في بيروت لمخالفتهم مضمون الموافقة المعطاة لهم من محافظ مدينة بيروت، والقاضية بعدم إضاءة صخرة الروشة.

ردة فعل سلام

وبعد بيانه، قالت المصادر الحكومية إن سلام بدّل أولويات نشاطاته الحكومية، وألغى مواعيده، الجمعة، احتجاجاً على خرق «حزب الله» لتعهداته بعدم مخالفة القرارات الحكومية، مشيرة إلى أن الإجراء الذي اتخذه سلام مستمر «حتى محاسبة المسؤولين عن مخالفة القرارات»، ولفتت إلى أن مطالبته وزارات العدل والدفاع والداخلية بملاحقة المسؤولين عن إضاءة صخرة الروشة ليل الخميس «جدية»، وهو «يصرّ على محاسبة الذين خالفوا القانون». وتحدثت مصادر حكومية عن اتجاه لطرح سحب ترخيص الجمعية التي قدمت طلباً لإجراء الاحتفال بعد أن خالفت نص قرار الترخيص.

إضاءة صخرة الروشة في بيروت بصورة تجمع الأمينين العامين السابقين لـ«حزب الله» حسن نصر الله وهاشم صفي الدين مساء الخميس (أ.ب)

ونشطت الاتصالات السياسية منذ صباح الجمعة، لتطويق تداعيات ما حصل، وقالت مصادر مواكبة للاتصالات لـ«الشرق الأوسط»، إن المباحثات «تهدف لتجنيب البلاد أي تأزم إضافي»، وتشمل الاتصالات الأجهزة الرسمية المعنية، كما تشمل «حزب الله»، للحيلولة دون الوصول إلى أزمة حكم في لحظة سياسية دقيقة في لبنان، وتسعى لمعالجة تداعيات ما حصل بهدوء.

اجتماع وزاري

وبالفعل، عقد اجتماع وزاري تشاوري بعد الظهر في منزل الرئيس سلام، واستمر حتى السادسة مساء، قال بعده نائب رئيس الحكومة طارق متري إن اللقاء جاء «تأكيداً لتضامن الحكومة، رئيساً وأعضاء، وللتشديد على السياسة التي التزمت بها في بيانها الوزاري والقائلة ببسط سيادة الدولة اللبنانية بقواها الذاتية على أراضيها كافة».

وقال: «أكدنا أيضاً أهمية تطبيق القوانين على جميع المواطنين دون استثناء، وهو ما ترتب على الأجهزة الأمنية مسؤولية كبيرة في تحقيق ذلك، فاللبنانيون سواسية أمام القانون، والدولة لا تميز بين مواطن وآخر، ولا بين مجموعة مواطنين وأخرى». وقال متري إن «ما جرى الخميس من مخالفة صريحة لمضمون الترخيص المعطى للتجمع في منطقة الروشة يدعونا لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للحفاظ على هيبة الدولة واحترام قراراتها». وشدد على أن «الحكومة حريصة على استقرار البلاد ووحدة أبنائها، وقطع دابر الفتنة ووقف حملات الكراهية التي تسيء إلى عيشنا الوطني».

مناصرون لـ«حزب الله» يتجمعون في منطقة الروشة على الكورنيش البحري لبيروت إحياءً لذكرى اغتيال نصر الله وصفي الدين (أ.ب)

وزارة الدفاع

وأشار مكتب وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى، في بيان، إلى «أن المهمة الوطنية الأساسية التي يضطلع بها الجيش اللبناني دائماً هي درء الفتنة، ومنع انزلاق الوضع إلى مهاوي التصادم، وردع المتطاولين على السلم الأهلي، وترسيخ دعائم الوحدة الوطنية».

وقال إن «كرامة عسكرييه وضباطه الفخورين الجسورين الميامين تأبى نكران الجميل، وتأنف التحامل الظالم، وتأسف لإلقاء تبعات الشارع على حماة الشرعية والتلطي وراء تبريرات صغيرة للتنصل من المسؤوليات الكبيرة».

انقسامات داخل الحزب

وكانت تسوية تبلورت، الأربعاء، قضت بمنح «الجمعية اللبنانية للفنون» ترخيصاً لتنظيم تحرك رمزي في منطقة الروشة، إحياء لذكرى اغتيال نصر الله وصفي الدين، وجاءت بعد اتصالات بين سلام ورئيس البرلمان نبيه بري، أفضت إلى تعهد بعدم خرق القرارات الحكومية المتصلة بمنع استخدام الأملاك العامة لأغراض سياسية. كما تلت لقاءين عقدهما النائب أمين شري، أحد ممثلي الحزب في بيروت، مع وزير الداخلية أحمد الحجار، ومحافظ بيروت مروان عبود، وتضمن تعهداً بعدم إضاءة الصخرة.

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علماً يتضمن صورة لنصر الله على صخرة الروشة في بيروت خلال تجمع دعا إليه الحزب (إ.ب.أ)

لكن تلك التعهدات سرعان ما تلاشت في اليوم التالي، على ضوء إصرار الحزب على إضاءة الصخرة، وحشد لهذه الغاية آلاف المناصرين.

وقالت مصادر مواكبة للتحركات إن انقسامات في داخل الحزب دفعت أخيراً إلى خرق الالتزامات السياسية للحكومة، موضحة أن «الممثلين السياسيين للحزب، لم يظهروا في الصورة خلال تنفيذ الفعالية على صخرة الروشة، ووقفوا بعيداً عن موقع الإضاءة، فيما ظهر مسؤول التنسيق والارتباط في الحزب وفيق صفا في الصورة مقابلة الصخرة، مما يشير إلى انقسامات داخل الحزب نفسه».

رفض سياسي

ولم تمر الحادثة من دون تداعيات سياسية في الداخل اللبناني. وقال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، في بيان: «نحيّي رئيس الحكومة على مساعيه المستمرة لقيام الدولة المنشودة، ونتمنى عليه أن يواصل جهوده، التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق الهدف، آخذين في الاعتبار أن التاريخ يتقدّم دائماً إلى الأمام ولا يعود إلى الوراء».

وأضاف: «المطلوب الآن من الأجهزة الأمنية والقضائية استدعاء المسؤولين قانوناً عن الترخيص المعطى للتجمّع والتحقيق معهم، لتبيان من يقف وراء خرق شروط الترخيص، سواء لناحية المشاركين غير المصرَّح بهم، أو لناحية قطع الطرقات، أو لناحية إضاءة صخرة الروشة بشعارات وصور حزبية».

وتابع: «المطلوب من الوزراء الأمنيين المعنيين إجراء التحقيقات الداخلية اللازمة كلّ في وزارته، لتحديد المسؤوليات وسدّ الثغرات».


مقالات ذات صلة

مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

المشرق العربي زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)

مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

عاد مشهد النزوح ليطلّ من جديد على بلدات جنوب لبنان، مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ مساء الجمعة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عمال إنقاذ لبنانيون يبحثون عن ضحايا أسفل الركام بعد غارة إسرائيلية على منطقة أنصار بجنوب لبنان (د.ب.أ) p-circle

الجيش الإسرائيلي يقتل قيادياً بارزاً بوحدة «بدر» التابعة لـ«حزب الله»

قال الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، إنَّه استهدف قائداً بارزاً في وحدة «بدر» التابعة لـ «حزب الله» في منطقة دير الزهراني، أمس (السبت).

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من تلة علي الطاهر في النبطية جراء غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)

نتنياهو يفرض شروطه بالنار على جنوب لبنان

تبقى الأنظار مشدودة إلى السباق المحموم بالنار بين إصرار رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو على سيطرته على تلال «علي الطاهر» ما لم يستجب «حزب الله» لشروطه

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يخشى على المفاوضات من «الاستباحة» الإسرائيلية

ندّد لبنان الرسمي بالتصعيد الإسرائيلي المفاجئ في جنوب لبنان؛ إذ قرأ فيه رسائل سياسية، أُولاها «للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مسعفون وعناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي لبلدة دير الزهراني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تحاول فرض قواعد اشتباك مرتبطة بالسيطرة على «علي الطاهر»

فجّرت إسرائيل الهدوء النسبي في جنوب لبنان، بتصعيد مفاجئ أسفر عن مقتل 10 أشخاص، بينهم 4 أطفال، وسقوط جرحى آخرين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
TT

مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)

عاد مشهد النزوح ليطلّ من جديد على بلدات جنوب لبنان، مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ مساء الجمعة، وما رافقها من غارات واستهدافات طالت عدداً من المناطق. وشهدت الطرقات الجنوبية باتجاه بيروت وصيدا، يومي السبت والأحد، حركة سير كثيفة، في مؤشر إلى بدء موجة نزوح جديدة من عدد من البلدات الجنوبية، ولو أن حجمها لا يزال مرتبطاً بتطورات الساعات والأيام المقبلة.

زوطر النموذج

وتمثل زوطر الغربية، إحدى البلدات التي كان الجيش اللبناني قد انتشر فيها قبل أن ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، أولى «المناطق التجريبية»، نموذجاً عما يعاني منه أهالي الجنوب الذين يعيشون على وقع القلق وعدم الاستقرار.

يحمل عمال الإنقاذ كيساً بلاستيكياً يحتوي على جثة شخص قُتل في منزل تعرض لغارة جوية إسرائيلية في قرية دير الزهراني بجنوب لبنان يوم السبت (أ.ب)

ويقول رئيس بلدية زوطر الغربية عبد عز الدين لـ«الشرق الأوسط» إن التصعيد العسكري الذي شهده الجنوب ليل السبت، وما رافقه من مقتل عائلة كاملة في بلدة أنصار، أعاد الخوف إلى نفوس الأهالي، مشيراً إلى تسجيل حركة نزوح من زوطر، كما من بلدات عدة في الجنوب، خشية اتساع التصعيد العسكري، ولا سيما في ظل التهديدات الإسرائيلية.

ويضيف عز الدين: «غادر عدد كبير من العائلات من زوطر، لا سيما التي تضم أطفالاً وكباراً بالسن. من لديه مأوى بقي فيه، مثل العائلات التي احتفظت بالبيوت التي كانت قد استأجرتها خلال الحرب، ومن ليس لديه منزل يغادر خلال الليل ويعود خلال النهار».

ويصف رئيس البلدية واقع الأهالي بالقول: «يفضلون إخراج الأطفال وكبار السن من المناطق الخطرة ولو سيجلسون في الشوارع».

وأضاف أن «هذه حال أهالي الجنوب، الخوف وعدم الاستقرار بانتظار ما ستؤول إليه الأمور».

ولا يقتصر القلق على المناطق التي تتعرض مباشرة للقصف، إذ إن مجرد استمرار التصعيد والتهديدات يعيد دفع العائلات إلى البحث عن أماكن أكثر أمناً، في حركة يصعب تقدير حجمها النهائي في ظل عدم وضوح المسار العسكري والسياسي.

مبنى متضرر في بلدة أنصار بعد تعرضه لقصف إسرائيلي سقطت نتيجته عائلة بأكملها (إ.ب.أ)

الدولة تستنفر

وفي موازاة حركة الأهالي، بدأت السلطات المعنية الاستعداد لاحتمال توسع موجة النزوح. وأكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد أنها تتابع تطورات التصعيد الأخير، مشيرة إلى تنسيق متواصل مع الوزارات والجهات المعنية ووحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء والمحافظات، لضمان الجهوزية لمواكبة أي حركة نزوح أو احتياجات طارئة.

ودعت السيد كل مواطن يحتاج إلى أي نوع من المساعدة إلى التواصل مع غرف إدارة الكوارث في المحافظات، عبر خطوط الاتصال الساخنة المخصصة لمراكز الإيواء، لتوجيهه ومتابعة احتياجاته بالشكل المناسب. وشددت على أنه «لا يجوز أن يبقى اللبنانيون عرضة لدورات متكررة من الخوف والنزوح»، مؤكدة أن الأولوية تبقى لوقف التصعيد وتجنيب لبنان وأهله المزيد من الدمار والنزوح.

إقليم الخروب يستعد

وتستعد منطقة إقليم الخروب في الشوف، التي تعتبر من أكثر المناطق التي استقبلت نازحين خلال الحرب، لمواكبة أي موجة نزوح جديدة، وتشير معطيات سابقة إلى أن المنطقة استقبلت نحو 100 ألف نازح، ما شكّل ضغطاً كبيراً على البلديات والقدرات المحلية.

ومع عودة حركة النزوح باتجاه الإقليم، دعا رئيس اتحاد بلديات إقليم الخروب الشمالي ماجد ترو في بيان له «جميع السكان وأصحاب الشقق والمنازل المؤجرة في المنطقة إلى تسجيل أسماء المهجرين والنازحين الوافدين إليهم، وكذلك الذين يستأجرون شققاً لديهم منذ فترة سابقة، لدى البلديات المعنية».

كما طلب ممن سبق أن قدموا معلومات إلى البلديات المبادرة إلى تحديث البيانات المتعلقة بالمهجرين والنازحين المقيمين لديهم، بما يضمن دقة المعلومات ومواكبة حركة النزوح المستجدة، مشدداً على ضرورة الالتزام بهذه الإجراءات لما لها من أهمية في تنظيم ومتابعة أوضاع النازحين.


قآاني يضبط إيقاع الردود العراقية على ملف «حصر السلاح»

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

قآاني يضبط إيقاع الردود العراقية على ملف «حصر السلاح»

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)

في وقت تواصل الحكومة العراقية جهودها لضمان حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الرسمية فقط، تسرّبت معلومات عن عدم تمكن قائد «فيلق القدس» الإيراني، إسماعيل قآاني، من تحقيق اختراق خلال زيارته الأخيرة لبغداد، لجهة التأثير على خطط رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، لنزع سلاح «الفصائل المسلحة» مع نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل.

في المقابل، نجح المسؤول الأمني الإيراني، كما يبدو، في ضبط إيقاع القوى السياسية الشيعية لجهة كيفية التعامل مع هذا الملف الحساس، وهو أمر تجلَّى في تصاعد الأصوات الرافضة تسليم السلاح.

وبات مراقبون سياسيون في العاصمة العراقية يربطون بين عزم رئيس الحكومة على إتمام مهمة حصر السلاح كاملة، مع انسحاب آخر جندي أميركي من العراق بنهاية سبتمبر المقبل، طبقاً للتعهد الذي ألزم نفسه به، وبين حاجة طهران للمناورة في سياق مواجهتها مع الولايات المتحدة وحاجتها إلى ربط بعض أذرع ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، ومنها الفصائل العراقية، مع مجريات المفاوضات المتعثرة بين الطرفين.

وفي سياق ربط الوقائع مع بعضها، يبدو أن الزيارة الأخيرة التي قام بها قآاني للعراق، وهي زيارة غير معلنة كالعادة، رسمت ملامح المرحلة المقبلة لجهة كيفية التعامل مع ملف الفصائل الرافضة تسليم سلاحها تحت ذريعة «عقائدية السلاح».

وتُطالب قوى وأطراف سياسية وعقائدية مرتبطة بإيران برفض الشروط الأميركية على إيران والشروط الأميركية على الحكومة العراقية فيما يخص نزع سلاح الفصائل، على أساس أن ذلك جزء من عملية تجريد طهران من مصادر قوتها، سواء في داخل إيران أو مع أذرعها في عدد من دول المنطقة، ومنها العراق.

جانب من أحد اجتماعات «الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (إكس)

وفيما تُحاول قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي، المنقسمة أصلاً على نفسها، مسك العصا من الوسط في العلاقة بين الزيدي والفصائل المسلحة من جهة، وبين الزيدي وإيران من جهة ثانية، يبدو موعد الثلاثين من سبتمبر المقبل من أكثر المواعيد صعوبة في العراق في الفترة المقبلة. ويمثّل هذا التاريخ اختباراً للتحالف الحاكم منذ عام 2003 حينما ساعد الأميركيون، بعد إسقاطهم نظام صدام حسين، القوى الشيعية في الوصول إلى السلطة ببغداد. وفي السنوات اللاحقة، تحوّل بعض القوى الشيعية المسلحة إلى طرح مسألة شرعية «مقاومة المحتل»، بذريعة أن عودة الولايات المتحدة للعراق عام 2014، بعد انسحابها منه عام 2011، تُمثّل احتلالاً جديداً للبلاد.

وفي هذا السياق، وفي ضوء التوتر الجاري حالياً بين مشروع رئيس الوزراء الهادف إلى حصر السلاح بيد الدولة وعدم قبوله بأي ثنائية مسلحة بعد موعد سبتمبر المقبل، ومشروع الفصائل الرافضة تسليم سلاحها تحت حجة «المقاومة»، يقول سياسي شيعي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «القول بالخطر الذي يواجه نظام الحكم الذي نشأ في مرحلة ما بعد عام 2003، في حال جرى نزع سلاح القوى المسلحة، إنما هو كلام يراد به تخويف المواطن العراقي البسيط الواقع حالياً بين مطرقة قوى السلاح بذريعة المقاومة وسندان الضغوط الأميركية التي يمكن أن تصل إلى حد حرمان العراق من مبيعات نفطه التي تذهب إلى الخزانة الأميركية، وتأتي إلى العراق بالطائرات لتوزيعها كرواتب».

ويشير هذا السياسي، وهو قيادي حزبي سابق، إلى «فشل قوى المحاصصة السياسية والطائفية في بناء دولة بعد عام 2003»، موضحاً أن التقصير في هذا المجال «لا يقتصر على الشيعة وحدهم بل أيضاً على أبرز شريكين لهم، وهما الشريك السني والشريك الكردي».

ويتابع أن «التركيز على التحالف الحاكم (الشيعي) يأتي من منطلق أن الشيعة هم الأغلبية السكانية، ومن ثم الأغلبية السياسية الحاكمة في البلاد»، لافتاً إلى أن أصحاب هذا الرأي يعدّون أن مخاطر نزع السلاح تواجه الشيعة تحديداً، لا الأكراد ولا السنة. ويرى هذا السياسي الشيعي أن طرح الأمر من هذا المنظور «يعقّد على الحكومة الإجراءات الخاصة في مسألة حصر السلاح».

إسماعيل قاآني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني (أ.ب)

إلى ذلك، يُخطط رئيس الوزراء علي الزيدي للدخول إلى أهم معاقل فصيل «كتائب حزب الله» بالعراق، وهي منطقة «جرف الصخر» بمحافظة بابل. ويسيطر على هذه المنطقة في شكل تام مسلحون مرتبطون بـ«الحرس الثوري» الإيراني. وتحرك حكومة الزيدي لاستعادة السيطرة على «جرف الصخر» جزء من الإجراءات الخاصة بحصر السلاح، وإعادة نازحي هذه المنطقة إلى ديارهم.

وقادت «منظمة بدر»، بزعامة هادي العامري، مهمة الوقوف في وجه رئيس الوزراء في هذا المجال. فبعد يوم من بيان لرئيس المكتب السياسي للمنظمة رفض فيه تسليم السلاح بالقوة، دعا المسؤول الأمني في مجلس محافظة بابل، التابع لـ«منظمة بدر» نفسها، الزيدي إلى ما سمّاه «ترك اللعب للكبار» في مساحة حصر السلاح.

ولم ترد الأوساط المقربة من رئيس الوزراء على ما بدا تحدياً واضحاً لأعلى سلطة حكومية في البلاد. لكن ردود الفعل على كلام المسؤول الأمني في مجلس محافظة بابل، والذي ورد في مقطع فيديو متداول على نطاق واسع، عكس إشكالية «الدولة واللادولة» في العراق. وتركزت غالبية ردود الفعل على أهمية إنزال أقصى العقوبات بحق الأصوات التي ترى أن «صوت السلاح الموازي» أقوى من الدولة التي يُفترض أنها وحدها من يحتكر السلاح.

ويأتي ذلك في وقت أكد رئيس «خلية الإعلام الأمني»، الفريق سعد معن، أن هيبة الدولة لا تُبنى بالتصعيد وإنما بقدرتها على تطبيق القانون، مشيراً إلى أن الحكومة العراقية تعمل على توحيد القرار الأمني، وجعل القوة العسكرية تحت مظلة الدولة بوصفها قوة واحدة، وفق ما أوردت «وكالة الأنباء العراقية (واع)».

وقال الفريق معن إن «موعد 30 سبتمبر ليس مصدر قلق، إذ إن قنوات التفاهم والمسارات الدستورية والقانونية والإدارية مفتوحة أمام الجميع، مع تثمين بطولاتهم السابقة في مناهضة عصابات (داعش) الإرهابية، في حين تقتضي مصلحة العراق الحالية المضي في المسار القانوني الصحيح».

وأضاف أن «قرار السلم والحرب محصور بيد الدولة، ولا يمكن القبول بتعدد القرارات أو خلق قوى موازية للقوات الرسمية؛ فالبلاد تحكمها دولة واحدة، وحكومة واحدة، وقانون واحد، مع حفظ الاحترام للجميع».


«مؤامرة» الإطاحة بنتنياهو شملت جنرالات ومعارضين وأحزاباً عربية

اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
TT

«مؤامرة» الإطاحة بنتنياهو شملت جنرالات ومعارضين وأحزاباً عربية

اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)

كشفت معلومات جديدة أدلى بها وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، عن أن المحاولة التي جرت للإطاحة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في صيف عام 2024 لم تكن تقتصر على تحرك داخل حزب «الليكود»، وإنما جرت بالتنسيق مع أطراف واسعة في معسكر المعارضة، بما في ذلك الأحزاب العربية، وبمشاركة شخصيات عسكرية وسياسية بارزة.

وحسب ساعر، كانت الخطة تهدف إلى تشكيل حكومة أقلية بدعم من الأحزاب العربية، بحيث يكون منصور عباس، رئيس «القائمة العربية الموحدة»، جزءاً من الترتيب، فيما تقدم أيمن عودة وأحمد الطيبي بدعم عبر الامتناع عن التصويت. إلا أن نتنياهو تمكن من إحباط الخطة من خلال توسيع ائتلافه وضم ساعر وكتلته إليه، ليرتفع عدد مقاعد الائتلاف من 64 إلى 68 مقعداً.

وكان الصحافي اليميني المقرب من نتنياهو، عميت سيغال، قد كشف في نهاية الأسبوع الماضي عن جانب آخر من المحاولة، عندما تحدث عن تحرك داخل حزب «الليكود» للإطاحة بنتنياهو بعد أشهر قليلة من هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وقال سيغال إن وزير الاقتصاد نير بركات قاد هذا التحرك، مستفيداً من علاقاته الواسعة ومن نفوذه السياسي، بعد أن شغل سابقاً منصب رئيس بلدية القدس لمدة عشر سنوات.

إفشال قانون الموازنة العامة

جلسة الكنيست يوم 16 يوليو قبل بدء العطلة التي تسبق الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر (أ.ف.ب)

ووفقاً للرواية، أجرى بركات اتصالات مع وزراء ونواب في محاولة لإقناعهم بضرورة الإطاحة بنتنياهو، عبر إفشال قانون الموازنة العامة، إذ ينص القانون على سقوط الحكومة في حال عدم إقرار الموازنة.

كما حاول بركات، حسب سيغال، استمالة نواب من خارج الائتلاف، وأنشأ جهازاً من المستشارين الذين عملوا على تنفيذ الخطة. وكان الهدف أن يحل بركات محل نتنياهو رئيساً للحكومة ورئيساً لحزب «الليكود»، وقد تمكن من حشد نحو ثلث أعضاء الكتلة البرلمانية.

إلا أن المحاولة تعثرت بسبب خلافات داخلية حول الشخصية التي ينبغي أن تخلف نتنياهو، إذ رفض قسم من المشاركين أن يكون بركات هو البديل.

وفي تلك الأثناء، أبلغ الوزير حاييم كاتس نتنياهو بالخطة، فباشرا العمل بهدوء لإفشالها، وهو ما تم بالفعل. لكن رواية ساعر، التي عرضها خلال مقابلة مع قناة «كان 11» التلفزيونية ليلة السبت - الأحد، تضيف بعداً آخر إلى القصة، إذ يقول إن التحرك ضد نتنياهو لم يبدأ فقط من داخل «الليكود»، وإنما تزامن مع صراع سياسي وعسكري واسع حول إدارة الحرب والمفاوضات المتعلقة بالرهائن الإسرائيليين لدى «حماس».

محور القيادات العسكرية

رؤساء أركان الجيش الإسرائيلي السابقون (من اليسار) أفيف كوخافي - غادي أيزنكوت - غابي أشكينازي - بيني غانتس خلال جنازة هَدار غولدِن (أرشيفية - أ.ب)

وحسب ساعر، بدأت العملية في شتاء عام 2024 بمبادرة من الجنرالين بيني غانتس وغادي آيزنكوت، اللذين كانا في الحكومة آنذاك. ويرى ساعر أن غانتس وآيزنكوت شكّلا، عملياً، محوراً من القيادات العسكرية السابقة في مواجهة القيادة السياسية.

وكان ساعر يومها جزءاً من حزب غانتس وآيزنكوت، لكنه يقول إن غانتس رفض اختياره ممثلاً للحزب في هيئة إدارة الحرب، واختار آيزنكوت بدلاً منه. كما جرت محاولات لضم أفيغدور ليبرمان إلى الائتلاف، لكنه اشترط المشاركة في إدارة الحرب، وهو ما عارضه غانتس وآيزنكوت أيضاً.

ويربط ساعر هذا الموقف بما يعتبره توجهاً لدى غانتس وآيزنكوت إلى إعطاء الأولوية لمواقف المؤسسة الأمنية. ويقول إن هذا التوجه كان يلقى دعماً من وزير الدفاع السابق يوآف غالانت، ومن عدد من كبار قادة الأجهزة الأمنية، بينهم رئيس أركان الجيش هرتسي هاليفي، ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) رونين بار، ورئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع.

وحسب رواية ساعر، كان هؤلاء يتفقون على سياسة تقوم على إنهاء الحرب والدفع نحو صفقة لتبادل الأسرى، في مقابل موقف نتنياهو وعدد من وزرائه. وفي يونيو (حزيران) 2024، انسحب غانتس وحزبه من الحكومة، لتدخل الساحة السياسية مرحلة جديدة من التحركات ضد نتنياهو.

دعم الأحزاب العربية

منصور عباس رئيس القائمة العربية الموحدة (يمين) يوقِّع اتفاق ائتلاف حكومي مع يائير لبيد (يسار) ونفتالي بنيت في تل أبيب يونيو 2021 (أ.ف.ب)

وفي موازاة ذلك، يقول ساعر إن غانتس وآيزنكوت سعيا إلى حشد دعم الأحزاب العربية لأي حكومة بديلة. فقد جرى، وفق روايته، الاتفاق مع منصور عباس، رئيس «القائمة العربية الموحدة»، على الانضمام إلى الحكومة، فيما طُلب من أيمن عودة وأحمد الطيبي دعمها من الخارج، من خلال امتناع كتلتيهما عن التصويت.

في تلك المرحلة، انشق ساعر عن حزب غانتس، مبرراً خطوته باعتراضه على ما اعتبره نكثاً بالوعود، وبأنه لم يكن مقتنعاً بالمشاركة في تحرك لإسقاط رئيس الحكومة أثناء الحرب. وشكّل كتلة مستقلة من أربعة نواب.

وهنا، حسب ساعر، تدخل نتنياهو مستفيداً من خبرته في إدارة التحالفات الحزبية. فعرض على ساعر العودة إلى «الليكود» بوصفه أحد قادته المستقبليين، ومنحه حقيبة الخارجية، كما ضمن له الاستمرار في الكنيست (البرلمان) خلال الدورة المقبلة. وحصل شريكه زئيف إلكين بدوره على حقيبة وزارية ثانية.

وبانضمام ساعر وكتلته إلى الائتلاف، ارتفع عدد مقاعد الحكومة إلى 68 مقعداً، ما جعل خصوم نتنياهو عاجزين عن تأمين العدد اللازم لإسقاط الحكومة. وبذلك، انتهت محاولة الإطاحة به إلى الفشل.

سيناريو قد يتكرر

ولا يستبعد هذا السيناريو، وفق المعطيات التي يطرحها ساعر، أن يعود إلى الواجهة بعد الانتخابات المقبلة. فإذا صدقت استطلاعات الرأي التي تتوقع خسارة نتنياهو، فقد يحاول آيزنكوت تشكيل حكومة أقلية من دون الاعتماد على الأحزاب العربية في البداية، ثم يضم «القائمة العربية الموحدة» لاحقاً، مع التوصل إلى تفاهم مع «الجبهة» لدعم الحكومة من الخارج.

ويرى قادة «الليكود» أن طرح هذا السيناريو يخدم حملتهم الانتخابية، لأنه يسمح لهم بتقديم الصراع السياسي باعتباره امتداداً لما يسمونه «المؤامرة المستمرة ضد نتنياهو»، وتصوير أي حكومة بديلة محتملة على أنها قد تعتمد على دعم الأحزاب العربية، وهو ما لا يريده الناخب الإسرائيلي.