تبون يعرض خريطة طريق سياسية لمواجهة أزمات وضغوط شعبية في الجزائر

في أول انعقاد لسادس حكومة منذ توليه الرئاسة في 2019

التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)
التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)
TT

تبون يعرض خريطة طريق سياسية لمواجهة أزمات وضغوط شعبية في الجزائر

التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)
التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)

عندما سُئل الأمين العام لأكبر حزب في الجزائر، وأهم حليف سياسي للرئيس عبد المجيد تبون، عن سبب غياب أي إطار من حزبه في التشكيل الحكومي السادس المعين حديثاً، أجاب: «تشكيل الحكومة من صلاحيات رئيس الجمهورية، وفي جميع الأحوال يملك الحزب خزّاناً من الكفاءات القادرة على تقديم الإضافة للبلاد».

ويُظهر هذا الموقف، حسب مراقبين، حجم الثقة التي يوليها حلفاء الرئيس لاختياراته، رغم اعتماده على الكفاءات نفسها تقريباً للمرة السادسة منذ توليه الحكم، وتفضيله عدم إشراك السياسيين الذين يدعمونه.

رفض عبد الكريم بن مبارك الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني»، خلال مؤتمر صحافي بالعاصمة الأحد، الخوض في موضوع غياب الحزب عن كل الحكومات التي شكلها تبون رغم تأييده المطلق لسياساته، وهذا منذ وصوله إلى الحكم في نهاية 2019.

الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني» عبد الكريم بن مبارك مع الرئيس تبون (إعلام حزبي)

وحسب أطر في الحزب الأول في البرلمان والمجالس البلدية، فإن قيادته كانت تتوقع تطعيم الطاقم الجديد المعَّين في 14 من الشهر الجاري، بعناصر منه «لإثبات قدراتهم في تسيير الشأن».

وكما يبدو، فإن تبون عازف عن الاستعانة ببقية حلفائه في حكوماته المتعاقبة، ومنها أحزاب «حركة البناء الوطني»، و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، التي تُبدي رضاها عن هذا الأمر، رغم اعتباره غير عادي من قِبل قطاع من المراقبين.

«بيان نيات»

بعد تنصيب طاقمه الحكومي الجديد بقيادة الوزير الأول سيفي غريب الذي خلف نذير العرباوي، عرض تبون يوم الأحد، في أول انعقاد لمجلس وزراء منذ التعديل الحكومي الأخير، خريطة طريق أقرب إلى «بيان نيات سياسي» منها إلى برنامج جديد فعلي، وفق فاعلين سياسيين.

ففي الاجتماع تلقى أعضاء الجهاز التنفيذي التوجيهات المعتادة بشأن «الفعالية»، و«العمل الميداني»، و«التنسيق»؛ وهي شعارات تتكرر منذ بداية الولاية الرئاسية الأولى، بينما مر عام بالتحديد على الولاية الثانية (2024 - 2029).

وتركزت توجيهات تبون في كلمته بمجلس الوزراء على «أولوية خدمة المواطن» وعلى ضرورة اعتماد «تسيير ذكي من شأنه أن يدفع بالجزائر إلى مصاف الدول الصاعدة»؛ في خطاب سبق وأن طُرح في التعديلات الحكومية السابقة، التي جاءت بوتيرة تقارب حكومة كل عام، دون أن تُترجم تلك الوعود إلى تحولات هيكلية ملموسة، حسب مراقبين، لتسيير الشأن العام.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في اجتماع مجلس الوزراء يوم الأحد (الرئاسة)

وتأتي الحكومة الجديدة في ظرف اجتماعي واقتصادي صعب، يتسم بتراجع القدرة الشرائية، وسقوط مستمر لقيمة الدينار، وتطلعات قوية لدى المواطنين في مجالي التشغيل والقدرة الشرائية. ومع ذلك، لم يتضمن خطاب الرئيس أي أرقام محددة أو جدول زمني دقيق، مكتفياً بطلب «خطط قطاعية» للاجتماعات المقبلة، كما جرت العادة مع كل تشكيل حكومي جديد.

أما تأكيد تبون على الدور المحوري للوزير الأول، باعتباره حلقة الوصل أو منسق الفريق الحكومي وفق تعبيره، فيعكس رغبة في تعزيز الانسجام والانضباط داخل الجهاز التنفيذي، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن هشاشة في نمط الحوكمة، الذي لا يزال يواجه صعوبة في تثبيت فرق حكومية مستقرة وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، وفق تقدير وزير سابق، تحدثت معه «الشرق الأوسط».

وقال الوزير السابق، طالباً عدم نشر اسمه: «يهدد تكرار التعديلات والتعليمات العامة بتحويل خريطة الطريق الرئاسية إلى مجرد قائمة نيات دون مضمون عملي أو أثر ملموس».

نمو اقتصادي وصورة متناقضة

على المستوى الاقتصادي، تُظهر بعض المؤشرات نوعاً من التحسن، لكن بشكل غير مستقر.

ففي عام 2023، حققت الجزائر نمواً اقتصادياً بلغ 4.1 في المائة. وفي الربع الأول من عام 2025، ارتفع النمو إلى 4.5 في المائة، مدفوعاً بشكل خاص بالقطاع غير النفطي الذي سجّل ارتفاعاً بنسبة 5.7 في المائة مقابل 4.3 في المائة في الفترة نفسها من العام السابق، وفق أرقام البنك المركزي.

ورغم هذه الأرقام، يبقى معدل البطالة مرتفعاً، إذ بلغ 12.7 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حسب «الديوان الوطني للإحصائيات»، في حين تُشير بعض الدراسات إلى 9.7 في المائة، وهو رقم محل جدل.

أما التضخم، وبعد أن بلغ ذروته بنسبة 9.3 في المائة خلال 2022 - 2023، فقد تراجع قليلاً إلى 5.3 في المائة في 2024، ثم إلى 5.2 في المائة في 2025 حتى الآن، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي.

وتُبرز هذه المعطيات، حسب خبراء الاقتصاد، تناقضاً. فنمو الاقتصاد فعلي، لكنه غير محسوس لدى غالبية السكان، وسوق العمل لا تزال عاجزة عن امتصاص الطلب، خصوصاً لدى فئة الشباب.

وقال وزير من عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019)، رفض هو الآخر الكشف عن اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم التحسن الظاهر في بعض المؤشرات الاقتصادية الكبرى، فإن أثره يبقى محدوداً على الواقع الاجتماعي، سواء من حيث تحسين القدرة الشرائية، أو تقليص نسب البطالة، أو معالجة التفاوت بين المناطق».

ولفت إلى أن كثرة التعديلات الوزارية «توحي بأن المسألة لا تنبع من استراتيجية مدروسة، بل من تفاعلات ظرفية مع أزمات قطاعية وضغوط شعبية».


مقالات ذات صلة

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

شمال افريقيا الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

رسمت زيارة الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، إلى الجزائر ملامح عودة متسارعة للعلاقات الثنائية إلى سابق عهدها.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال نظيره الجزائري عبد المجيد تبون في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)

إردوغان وتبون ترأسا أول اجتماع لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي» بين تركيا والجزائر

ترأس الرئيسان التركي رجب طيب إردوغان والجزائري عبد المجيد تبون الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي بمشاركة وزراء من البلدين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقاء إعلامي مساء السبت (التلفزيون الجزائري)

تبون يوجه رسائل لفرنسا وتحذيرات للمعارضين في الخارج

في لقاء دوري مع وسائل الإعلام، تطرق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى موضوعات شتى، ووجَّه رسائل مبطَّنة إلى فرنسا وأخرى مباشرة، أو تكاد، إلى المعارضين بالخارج

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» في نشاط دعائي للانتخابات (إعلام حزبي)

«زلزال» سياسي بالجزائر بعد فضح «فبركة» مرشحين للانتخابات

أحدثت مكالمة مسربة زلزالاً في الساحة السياسية بالجزائر خصوصاً داخل الأحزاب التي تشكل الغالبية الداعمة لسياسات الرئيس عبد المجيد تبون تخص معايير اختيار المرشحين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يستقبل البابا ليو الرابع عشر بعد هبوطه في مطار هواري بومدين الدولي في العاصمة الجزائر... 13 أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle 00:51

رئيس الجزائر: أدعو مع البابا ليو بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان

دعا الرئيس الجزائري، خلال لقائه بابا الفاتيكان، بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

كيف أصبحت مدن ليبية «تتحكّم» في صناعة القرار السياسي؟

تقف مدينة الزاوية بتشكيلاتها المسلحة وقواها المتنافرة كـ«حجر عثرة» أمام أي سلطة تستقر في سدة الحكم (صفحات معبرة عن الزاوية)
تقف مدينة الزاوية بتشكيلاتها المسلحة وقواها المتنافرة كـ«حجر عثرة» أمام أي سلطة تستقر في سدة الحكم (صفحات معبرة عن الزاوية)
TT

كيف أصبحت مدن ليبية «تتحكّم» في صناعة القرار السياسي؟

تقف مدينة الزاوية بتشكيلاتها المسلحة وقواها المتنافرة كـ«حجر عثرة» أمام أي سلطة تستقر في سدة الحكم (صفحات معبرة عن الزاوية)
تقف مدينة الزاوية بتشكيلاتها المسلحة وقواها المتنافرة كـ«حجر عثرة» أمام أي سلطة تستقر في سدة الحكم (صفحات معبرة عن الزاوية)

لم يعد المشهد السياسي الليبي محكوماً بالمؤسسات الرسمية، أو الأجسام المنبثقة عن الاتفاقات السياسية المعقودة برعاية دولية، بل باتت مدن بعينها تمتلك نفوذاً طاغياً يجعلها اللاعب الحقيقي في صناعة القرار. وهذا النفوذ يتغذى على ثقلها العسكري وترسانتها المسلحة، إلى جانب تغلغل شخصياتها النافذة في مفاصل الدولة.

المنفي مستقبِلاً جويلي (مكتب المنفي)

ومع استمرار الانقسام المؤسسي وتعثر مسارات التوحيد، تعاظم دور هذه المدن، وتحديداً مصراتة وطرابلس وبنغازي والزاوية والزنتان، حتى غدت مواقفها المحلية عاملاً حاسماً يملك «الفيتو» على مصير الحكومات والتفاهمات السياسية، والاستحقاقات الانتخابية المؤجلة.

تتصدر مصراتة (غرباً) هذا المشهد، باعتبارها مسقط رأس رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وثالث المدن الليبية من حيث الكثافة السكانية، فضلاً عن كونها أحد أبرز الأطراف المؤثرة في الخريطة السياسية بعد «ثورة» 17 فبراير (شباط)، التي أسقطت نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.

ولعبت مصراتة دوراً محورياً في المعارك، وصولاً إلى مواراة جثمان القذافي في «قبر سري» بالصحراء المتاخمة لها. وتستمد المدينة قوتها اليوم من تماسك بنيتها الاجتماعية، وسيطرتها على منافذ حيوية كبرى، كالمنطقة الحرة، وميناء مصراتة البحري ومطارها.

غير أن التأثير الأعمق لمصراتة في سلطة القرار يعود لشبكة نفوذ «عائلة الدبيبة»، التي يمثلها رئيس الحكومة، وابن شقيقه إبراهيم الدبيبة المستشار السياسي والأمني لرئيس الحكومة، إلى جانب عبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بالحكومة، والمستشار الصديق الصور النائب العام الليبي.

التأثير الأعمق لمصراتة في سلطة القرار يعود لشبكة نفوذ عائلة الدبيبة (الوحدة)

والزوبي هو آمر «اللواء 111 مجحفل»، وهو تشكيل عسكري دشّنه الدبيبة عام 2022، ويضم مقاتلين ينحدر معظمهم من مصراتة.

هذا التمدد دفع المتابعين لإعادة قراءة المشهد؛ إذ يرى ناصر عمار، آمر «قوة الإسناد» بعملية «بركان الغضب»، في إدراج له عبر «فيسبوك»، أن ليبيا تعيش صراع نفوذ محصوراً بين ما أسماه «دولة مصراتة»، و«دولة الفرجان» (في إشارة لقبيلة المشير خليفة حفتر)، معتبراً بقية المكونات «مجرد أرقام طارئة».

وقد برز هذا الاستحواذ مجدداً خلال زيارة الدبيبة الأخيرة إلى دولة الإمارات، مما دفع الناشط أسامة البوعيشي للتساؤل علناً عن غياب تمثيل بقية المدن، واستنكار تفرّد مصراتة بالتحدث والتفاوض باسم الغرب الليبي.

وفي محيط العاصمة طرابلس، تقف مدينة الزاوية بتشكيلاتها المسلحة، وقواها المتنافرة كـ«حجر عثرة» أمام أي سلطة تستقر في سدة الحكم.

الصديق الصور النائب العام الليبي ينتمي لإحدى أشهر العائلات المعروفة في مصراتة (مكتب الصور)

وتستمد الزاوية نفوذها من تموضعها الجغرافي الاستراتيجي على الطريق الساحلي الدولي، الرابط بين طرابلس والحدود التونسية، إلى جانب احتضانها مصفاة الزاوية لتكرير النفط وميناءها النفطي، وهي أهم منشأة لتأمين الوقود للعاصمة والمنطقة الغربية.

هذا الترافق بين السيطرة على خط الإمداد البري، والتحكم في عصب الطاقة، منح الزاوية ورقة ضغط سياسي لا يمكن تجاوزها لفرض شروطها على الحكومات، رغم التوترات الأمنية واقتتال الفصائل، الذي يندلع بين الحين والآخر مستنزفاً مقدرات المدينة وأرواح أهلها.

ويرى سياسيون أن نفوذ الزاوية يتجسد في «شبكة معقدة من التشكيلات المسلحة والقادة الميدانيين، الذين يمثلون رقماً صعباً في معادلة الحكم بطرابلس».

أما في الشرق الليبي، فتظل بنغازي الثقل الجيوسياسي والتاريخي الأبرز، والعاصمة السياسية لبرقة. وتستمد هذه المدينة نفوذها الراهن من كونها المقر الرئيسي للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، وحاضنة مجلس النواب والحكومة المكلفة منه. وهذا التمركز الاستثنائي للسلطتين العسكرية والتشريعية منح بنغازي قدرة مطلقة على تعطيل أو تمرير أي تسوية سياسية؛ إذ لا يمكن لأي مبادرة أممية أن تبصر النور دون نيل الضوء الأخضر من مراكز القوى فيها، مما جعلها شريكاً إلزامياً في مفاوضات توحيد المؤسسات السيادية والمالية، ورسم خريطة التحالفات الإقليمية.

تستمد بنغازي نفوذها الراهن من كونها المقر الرئيسي للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

ولا تبتعد مدينة الزنتان (في الجبل الغربي) عن هذه الحسابات المعقدة؛ إذ عاد ثقلها السياسي واللوجستي للواجهة بقوة، لا سيما بعد التطورات الأخيرة، المتمثلة في تكليف عبد المجيد مليقطة - المنحدر منها - رئيساً لجهاز المخابرات الليبية، إلى جانب الحضور العسكري الوازن للفريق أسامة جويلي، آمر المنطقة العسكرية الغربية السابق.

بالإضافة إلى ذلك، تحتفظ الزنتان برمزية سياسية خاصة؛ لكونها المدينة التي ظل سيف الإسلام القذافي مقيماً فيها لسنوات تحت حراسة مشددة، بعيداً عن الأنظار، حتى تاريخ ظهوره المسرحي لإعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية.


مصر تدعو إلى هدنة إنسانية عاجلة في السودان

مصر تؤكد ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة وفورية في السودان (رويترز)
مصر تؤكد ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة وفورية في السودان (رويترز)
TT

مصر تدعو إلى هدنة إنسانية عاجلة في السودان

مصر تؤكد ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة وفورية في السودان (رويترز)
مصر تؤكد ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة وفورية في السودان (رويترز)

أعادت مصر التأكيد على ضرورة «التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة وفورية في السودان»، وشددت على أهمية «وقف شامل وكامل لإطلاق النار في جميع الأراضي السودانية».

وقال المندوب الدائم لمصر لدى «مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة في جنيف، السفير عمرو رمضان، الجمعة، إن «الوضع في السودان يتطلب موقفاً مسؤولاً يدعم الآليات التي تحظى بثقة السودانيين»، إلى جانب «تعزيز المؤسسات الوطنية بوصفها ركيزةً أساسيةً لا غنى عنها لتحقيق العدالة وحماية حقوق الإنسان».

وتأتي المناشدات الإنسانية، في وقت تشهد فيه الأوضاع الميدانية بالسودان تصعيداً عسكرياً، خصوصاً في مدينة «الأبيض» عاصمة ولاية شمال كردفان باستخدام «المسيّرات» بين الجيش السوداني و«ميليشيا الدعم السريع»، في مشهد يعيد للأذهان ما حدث في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي سقطت في يد «الدعم السريع» العام الماضي، بعد أشهر من الحصار والاستنزاف العسكري، وسقوط مئات الضحايا.

وخلال اجتماع «مجلس حقوق الإنسان» الدولي، أشار رمضان إلى أن «الأولوية القصوى والعاجلة اليوم تتمثل في التوصل إلى هدنة إنسانية حقيقية تكون بمثابة تمهيد لوقف شامل للعمليات العسكرية».

وجدد تأكيد مصر على ضرورة «وقف شامل وكامل لإطلاق النار في جميع أنحاء الأراضي السودانية»، كما دعا إلى «إطلاق عملية سياسية سودانية خالصة، دون أي إملاءات أو تدخلات خارجية».

كما دعا «مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان»، فولكر تورك، الجمعة، إلى «تسليط الضوء على الاقتصاد السياسي للحرب الممتدة منذ أبريل (نيسان) 2023، وكيفية استغلال موارد مثل الذهب والصمغ في تغذية الصراع الإقليمي».

ووفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، فإن «هناك صعوبة في دفع حلول الأزمة السودانية»، قائلاً «ما زلنا ندور في دائرة مفرغة، ما بين محاور تطالب بهدنة إنسانية ووقف إطلاق النار وإطلاق الحوار السياسي، دون أي تنفيذ لها».

ويرى حليمة أن «الأزمة تطلب تفاهمات يُمكن أن تتبناها الرباعية الدولية باعتبارها الأكثر قدرة وتأثيراً على الوصول إلى تسوية للأزمة الإنسانية».

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني محيي الدين سالم أحمد إبراهيم في القاهرة الشهر الماضي (الخارجية المصرية)

وتعمل «الآلية الرباعية» التي تضم «السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة»، من أجل وقف إطلاق للنار في السودان، وسبق أن عقدت اجتماعاً على المستوى الوزاري في واشنطن، في 12 سبتمبر (أيلول) الماضي، وأعلنت عن «خريطة طريق تتضمن جدولاً زمنياً لإنهاء الأزمة في السودان، تبدأ بتنفيذ هدنة إنسانية في أسرع وقت».

وباعتقاد حليمة، فإن محاور الحل في الأزمة السودانية «يجب أن تنفذ بشكل متوازٍ، لتشمل البعد الأمني والعسكري والإنساني والسياسي وإعادة الإعمار»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «يُمكن أن تكون البداية بإطلاق حوار سياسي من الأفرقاء السودانيين، يصدر قراراً بوقف إطلاق النار»، عادّاً ذلك «قد يُشكل عامل ضغط على أطراف الحرب».

ويرى مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، أن «الهدنة الإنسانية في السودان لا تزال صعبة». وأشار إلى أن أي «وقف حقيقي للعدائيات يستدعي التزاماً من ميليشيا الدعم السريع في المناطق التي تسيطر عليها، وهو ما لم يتحقق منذ بداية الحرب».

ويضيف المغربي لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك صياغة جديدة للوساطة الدولية بشأن السودان، تشكلت في القاهرة أخيراً باجتماع رباعي ضم السعودية ومصر وتركيا والولايات المتحدة »، ويلفت إلى أن «موقف غالبية دول الوساطة الجديدة يقرأ دوماً في سياق الحفاظ على وحدة السودان»، ويقول إن «ضمانات الحل الإنساني قد تكون أكبر خلال الفترة الحالية».


الحكومة المصرية تقصي الآلاف من منظومة الدعم

وزارة التموين المصرية تواصل مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين من منظومة البطاقات التموينية (الشرق الأوسط)
وزارة التموين المصرية تواصل مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين من منظومة البطاقات التموينية (الشرق الأوسط)
TT

الحكومة المصرية تقصي الآلاف من منظومة الدعم

وزارة التموين المصرية تواصل مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين من منظومة البطاقات التموينية (الشرق الأوسط)
وزارة التموين المصرية تواصل مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين من منظومة البطاقات التموينية (الشرق الأوسط)

في قرار يُقصي آلاف المصريين من حاملي «البطاقات التموينية (المخصصة للسلع)»، حددت الحكومة قائمة بالمستبعدين ضمن خطتها لتوجيه الدعم لمستحقيه.

ومن المقرر أن تطبق الحكومة «الدعم النقدي» بديلاً عن «العيني (عبارة عن سلع تموينية)» الشهر الحالي في خطوة تصعّد مخاوف لدى بعض المواطنين من استبعادهم من الحصول على الدعم السلعي.

وحسب رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، فإن «منظومة الدعم النقدي سيبدأ تطبيقها مع أول العام المالي في يوليو (تموز) الحالي». وأضاف في تصريحات مطلع الشهر الماضي، أن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي».

وتفيد وزارة التموين والتجارة الداخلية بـ«مواصلة أعمال مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين من منظومة البطاقات التموينية بما يضمن وصول الدعم إلى الفئات الأولى بالرعاية واستبعاد غير المستحقين».

وقالت في بيان حكومي، مساء الخميس، إن «أعمال المراجعة تتم وفق معايير موضوعية تستند إلى مؤشرات تعكس القدرة الاقتصادية والمالية للمستفيدين، وذلك بالاعتماد على قواعد البيانات الرسمية المتكاملة لدى جهات الدولة».

وتشمل هذه المؤشرات «امتلاك سيارات حديثة أو مرتفعة القيمة أو امتلاك أكثر من سيارة أو استيراد سيارات من الخارج، أو الإقامة في تجمعات سكنية فاخرة، أو سداد مصروفات التعليم الدولي أو الخاص، أو امتلاك شركات، أو سداد ضريبة القيمة المضافة عن الشركات، أو سداد رسوم جمركية مرتبطة بعمليات الاستيراد أو التصدير، أو حيازة أراضٍ زراعية تزيد مساحتها على عشرة أفدنة».

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الأربعاء الماضي (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتؤكد «التموين» حرصها الكامل على «ضمان حق المواطنين في التظلم، حيث تمت إتاحة التظلمات ابتداءً من منتصف يونيو (حزيران) الماضي أمام كل من تم استبعاده ويرى عدم انطباق أي من محددات العدالة الاجتماعية عليه».

ويرى الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، أن «الحكومة دعت المستبعدين إلى تقديم شكاوى للنظر فيها، وكان عليها أن توضح لهم سبب الاستبعاد بدقة وتفاصيل».

ووفق رأي النحاس، فإن «الحكومة وضعت مواصفات لمن يحصلون على الدعم»، مرجحاً أن «يصل عددهم في النهاية، بعد الاستبعادات إلى 10 ملايين مواطن فقط».

وتُطبق الحكومة منذ عقود منظومة البطاقات التموينية لدعم السلع الأساسية بهدف خفض أعباء المعيشة عن «الفئات الأولى بالرعاية». ويستفيد نحو 68 مليون مواطن من هذه المنظومة، حسب «التموين».

ويؤكد الخبير الاقتصادي، أن «(التموين) وضعت قواعد بيانات للمرحلة المقبلة». ويلفت، إلى أنه «قد تحدث أخطاء مثلما تم أخيراً باستبعاد البعض من الحصول على رغيف الخبز المدعوم للمرة الأولى». ويدلل على ذلك بأن «المواطن قد يتم استبعاده من الحصول على السلع، لكنه يظل يحصل على الخبز المدعوم».

ويستفيد من «الخبز المدعوم أو الشعبي» نحو 70 مليون مواطن وفقاً لآخر تقديرات حكومية في عام 2022. وتوفر الدولة حالياً حصة يومية تبلغ 5 أرغفة لكل فرد مسجل على البطاقة التموينية.

مصريون أمام محل لبيع الفول والطعمية (رويترز)

ورفض مغردون على منصات التواصل الاجتماعي، مساء الخميس، حذفهم من منظومة دعم الخبز بتلقيهم رسائل عبر هواتفهم الجوالة تفيد بوقف بطاقة الحصول على «الخبز المدعوم». وطالبوا بـ«إعادة فحص ملفات المستبعدين من دعم الخبز وإعادة النظر في آليات الحذف الآلي التي تظلم الأسر المستحقة»، على حد قولهم.

الأمر نفسه حدث مع الستينية نبيلة حسن التي تقيم في منطقة غمرة بوسط القاهرة، عندما ذهبت صباح الجمعة لشراء الخبز من المخبز الذي اعتادت الشراء منه، وقالت إن «مسؤول المخبز أخبرها أن البطاقة التموينية غير مسجلة».

بينما أكد عضو «لجنة الشؤون الاقتصادية» بمجلس النواب، محمد بلتاجي «ضرورة إعادة النظر في آليات حذف المواطنين من بطاقات التموين». وقال إن «بطاقة التموين تمثل بالنسبة لملايين الأسر، وسيلة أساسية لتأمين احتياجاتها اليومية، وفي مقدمتها الحصول على رغيف الخبز».

وحسب بلتاجي، فإن «مكافحة أي تجاوزات في منظومة الدعم لا ينبغي أن تؤدي إلى الإضرار بالمواطنين المستحقين».

من جانبها، تؤكد وزارة التموين أن «جميع أعمال تنقية قواعد بيانات المستحقين من الدعم التمويني والخبز تتم دون المساس بالفئات الأكثر فقراً والفئات الأولى بالرعاية مع الالتزام الكامل بفحص جميع التظلمات بكل شفافية وحيادية، وبما يحقق العدالة الاجتماعية ويحافظ على حقوق المواطنين المستحقين للدعم».

«التموين المصرية» تؤكد أن أعمال مراجعة «البطاقات التموينية» تتم وفق معايير موضوعية (صفحة وزارة التموين على فيسبوك)

ووفق إفادة «التموين»، مساء الخميس، فإن «إيقاف بعض البطاقات في الحالات المرتبطة بالمخالفات مثل التعدي بالبناء على الأراضي الزراعية، أو البناء المخالف، أو سرقة التيار الكهربائي، أو صرف معاشات من دون وجه حق، يُعدّ إجراءً مؤقتاً يستمر ما دامت المخالفة مستمرة، ولا يمثل إلغاءً نهائياً لحق المواطن في الاستفادة من منظومة الدعم».

وكانت «لجنة الشؤون الاقتصادية» بمجلس النواب قد أوصت، الأحد الماضي، بـ«إيقاف حذف المواطنين من بطاقات التموين بناءً على مخالفات البناء والكهرباء وغيرها».

ورغم ذلك، تشير «التموين» إلى أنه «فور قيام المواطن بتقنين أوضاعه وإزالة أسباب المخالفة يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة تشغيل البطاقة التموينية وفقاً للقواعد والضوابط المنظّمة بما يضمن الحفاظ على حقوق المواطنين».

ويتحدث مساعد وزير التموين والتجارة الخارجية للخدمات الرقمية، محمد شتا عن أن «قرارات وزارة التموين الخاصة بمنظومة الدعم تُنفذ وفق معايير محددة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه». ويلفت، إلى أن «المواطن الذي يتم استبعاده من بطاقة التموين رغم أحقيته في الحصول على الدعم لا يفقد حقه؛ إذ يمكنه استرداده بعد تقديم تظلم وإثبات استحقاقه»، ويشدد على أنه «يتم صرف مستحقاته بأثر رجعي خلال الشهر التالي بعد قبول التظلم».