تبون يعرض خريطة طريق سياسية لمواجهة أزمات وضغوط شعبية في الجزائر

في أول انعقاد لسادس حكومة منذ توليه الرئاسة في 2019

التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)
التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)
TT

تبون يعرض خريطة طريق سياسية لمواجهة أزمات وضغوط شعبية في الجزائر

التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)
التشكيل الحكومي الجزائري الجديد (الرئاسة)

عندما سُئل الأمين العام لأكبر حزب في الجزائر، وأهم حليف سياسي للرئيس عبد المجيد تبون، عن سبب غياب أي إطار من حزبه في التشكيل الحكومي السادس المعين حديثاً، أجاب: «تشكيل الحكومة من صلاحيات رئيس الجمهورية، وفي جميع الأحوال يملك الحزب خزّاناً من الكفاءات القادرة على تقديم الإضافة للبلاد».

ويُظهر هذا الموقف، حسب مراقبين، حجم الثقة التي يوليها حلفاء الرئيس لاختياراته، رغم اعتماده على الكفاءات نفسها تقريباً للمرة السادسة منذ توليه الحكم، وتفضيله عدم إشراك السياسيين الذين يدعمونه.

رفض عبد الكريم بن مبارك الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني»، خلال مؤتمر صحافي بالعاصمة الأحد، الخوض في موضوع غياب الحزب عن كل الحكومات التي شكلها تبون رغم تأييده المطلق لسياساته، وهذا منذ وصوله إلى الحكم في نهاية 2019.

الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني» عبد الكريم بن مبارك مع الرئيس تبون (إعلام حزبي)

وحسب أطر في الحزب الأول في البرلمان والمجالس البلدية، فإن قيادته كانت تتوقع تطعيم الطاقم الجديد المعَّين في 14 من الشهر الجاري، بعناصر منه «لإثبات قدراتهم في تسيير الشأن».

وكما يبدو، فإن تبون عازف عن الاستعانة ببقية حلفائه في حكوماته المتعاقبة، ومنها أحزاب «حركة البناء الوطني»، و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، التي تُبدي رضاها عن هذا الأمر، رغم اعتباره غير عادي من قِبل قطاع من المراقبين.

«بيان نيات»

بعد تنصيب طاقمه الحكومي الجديد بقيادة الوزير الأول سيفي غريب الذي خلف نذير العرباوي، عرض تبون يوم الأحد، في أول انعقاد لمجلس وزراء منذ التعديل الحكومي الأخير، خريطة طريق أقرب إلى «بيان نيات سياسي» منها إلى برنامج جديد فعلي، وفق فاعلين سياسيين.

ففي الاجتماع تلقى أعضاء الجهاز التنفيذي التوجيهات المعتادة بشأن «الفعالية»، و«العمل الميداني»، و«التنسيق»؛ وهي شعارات تتكرر منذ بداية الولاية الرئاسية الأولى، بينما مر عام بالتحديد على الولاية الثانية (2024 - 2029).

وتركزت توجيهات تبون في كلمته بمجلس الوزراء على «أولوية خدمة المواطن» وعلى ضرورة اعتماد «تسيير ذكي من شأنه أن يدفع بالجزائر إلى مصاف الدول الصاعدة»؛ في خطاب سبق وأن طُرح في التعديلات الحكومية السابقة، التي جاءت بوتيرة تقارب حكومة كل عام، دون أن تُترجم تلك الوعود إلى تحولات هيكلية ملموسة، حسب مراقبين، لتسيير الشأن العام.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في اجتماع مجلس الوزراء يوم الأحد (الرئاسة)

وتأتي الحكومة الجديدة في ظرف اجتماعي واقتصادي صعب، يتسم بتراجع القدرة الشرائية، وسقوط مستمر لقيمة الدينار، وتطلعات قوية لدى المواطنين في مجالي التشغيل والقدرة الشرائية. ومع ذلك، لم يتضمن خطاب الرئيس أي أرقام محددة أو جدول زمني دقيق، مكتفياً بطلب «خطط قطاعية» للاجتماعات المقبلة، كما جرت العادة مع كل تشكيل حكومي جديد.

أما تأكيد تبون على الدور المحوري للوزير الأول، باعتباره حلقة الوصل أو منسق الفريق الحكومي وفق تعبيره، فيعكس رغبة في تعزيز الانسجام والانضباط داخل الجهاز التنفيذي، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن هشاشة في نمط الحوكمة، الذي لا يزال يواجه صعوبة في تثبيت فرق حكومية مستقرة وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، وفق تقدير وزير سابق، تحدثت معه «الشرق الأوسط».

وقال الوزير السابق، طالباً عدم نشر اسمه: «يهدد تكرار التعديلات والتعليمات العامة بتحويل خريطة الطريق الرئاسية إلى مجرد قائمة نيات دون مضمون عملي أو أثر ملموس».

نمو اقتصادي وصورة متناقضة

على المستوى الاقتصادي، تُظهر بعض المؤشرات نوعاً من التحسن، لكن بشكل غير مستقر.

ففي عام 2023، حققت الجزائر نمواً اقتصادياً بلغ 4.1 في المائة. وفي الربع الأول من عام 2025، ارتفع النمو إلى 4.5 في المائة، مدفوعاً بشكل خاص بالقطاع غير النفطي الذي سجّل ارتفاعاً بنسبة 5.7 في المائة مقابل 4.3 في المائة في الفترة نفسها من العام السابق، وفق أرقام البنك المركزي.

ورغم هذه الأرقام، يبقى معدل البطالة مرتفعاً، إذ بلغ 12.7 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حسب «الديوان الوطني للإحصائيات»، في حين تُشير بعض الدراسات إلى 9.7 في المائة، وهو رقم محل جدل.

أما التضخم، وبعد أن بلغ ذروته بنسبة 9.3 في المائة خلال 2022 - 2023، فقد تراجع قليلاً إلى 5.3 في المائة في 2024، ثم إلى 5.2 في المائة في 2025 حتى الآن، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي.

وتُبرز هذه المعطيات، حسب خبراء الاقتصاد، تناقضاً. فنمو الاقتصاد فعلي، لكنه غير محسوس لدى غالبية السكان، وسوق العمل لا تزال عاجزة عن امتصاص الطلب، خصوصاً لدى فئة الشباب.

وقال وزير من عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019)، رفض هو الآخر الكشف عن اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم التحسن الظاهر في بعض المؤشرات الاقتصادية الكبرى، فإن أثره يبقى محدوداً على الواقع الاجتماعي، سواء من حيث تحسين القدرة الشرائية، أو تقليص نسب البطالة، أو معالجة التفاوت بين المناطق».

ولفت إلى أن كثرة التعديلات الوزارية «توحي بأن المسألة لا تنبع من استراتيجية مدروسة، بل من تفاعلات ظرفية مع أزمات قطاعية وضغوط شعبية».


مقالات ذات صلة

تصريحات الرئيس الجزائري حول «أمن تونس» تُشعل جدلاً بين نخب البلدين

شمال افريقيا من لقاء سابق بين الرئيسين الجزائري والتونسي (الرئاسة الجزائرية)

تصريحات الرئيس الجزائري حول «أمن تونس» تُشعل جدلاً بين نخب البلدين

أثارت تصريحات للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، حول تهديدات محتملة ضد تونس عبر الإرهاب، سجالاً حاداً بين نخب سياسية من البلدين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقاء إعلامي (التلفزيون الجزائري)

رئيس الجزائر: تعيين الوزراء يكون على أساس الكفاءة وليس الانتماء

اعتبر أن الحكم على نسبة المشاركة من قبل المحللين السياسيين «ينبغي أن يشمل كافة الجوانب وليس فقط ضعف الخطاب السياسي».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة الدول السبع الكبرى في إيطاليا يوم 14 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

الرئيس الجزائري يحسم جدلاً محتدماً حول التأشيرات مع فرنسا

أكَّد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أنه «لم يطلب قط حصصاً للتأشيرات» من فرنسا، في رد مباشر وصريح على جدل فرنسي حول مشروع لمنح ربع مليون تأشيرة للجزائيين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً رئيس الحكومة الإسبانية يوم الاثنين (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر: زيارة رئيس وزراء إسبانيا محطة مفصلية تعيد رسم العلاقات الثنائية

بحث رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، خلال زيارة رسمية للجزائر، الاثنين، في ملفات اقتصادية مهمة يُرتقب أن تُتوج مسار إعادة الدفء للعلاقات بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع كبار المسؤولين خلال ذكرى الاستقلال (الرئاسة)

تبون وشنقريحة يهاجمان «أعداء الجزائر» ويستعرضان مكاسب التنمية والردع

هاجم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة «أعداء وخصوم» الجزائر الذين ينكرون ما تحقق من مشاريع خدمية مهمة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

السلطات المغربية توقف عشرات المهاجرين قرب سبتة

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المغربية توقف عشرات المهاجرين قرب سبتة

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

أوقفت السلطات المغربية السبت عشرات المهاجرين غير النظاميين معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء، في غابة قريبة من المعبر الحدودي مع جيب سبتة المحتلة من قبل إسبانيا والواقعة شمال المغرب، وسط طوق أمني في المنطقة.

وتجمع هؤلاء المهاجرون، وغالبيتهم رجال وشباب من بلدان من أفريقيا جنوب الصحراء وبينهم أيضاً بعض المغاربة، في منطقة مطلة على مدينة الفنيدق الحدودية، على بعد بضعة كيلومترات من الطريق المؤدي للمعبر الحدودي، قبل أن تعترضهم قوات الأمن.

وأوقفت مجموعة منهم فيما لاذ آخرون بالفرار.

إسبانيا عززت وجود الشرطة والجيش في ‌جيب سبتة تحسباً لمحاولة اختراق جماعي آخر للحدود (إ.ب.أ)

وبحسب وسائل إعلام محلية، أسفرت هذه العملية عن «توقيف 294 مرشحاً للهجرة غير النظامية».

وقال مصدر رسمي إن العملية «روتينية تهدف للتصدي لمحاولات الهجرة غير النظامية في اتجاه سبتة».

لكن منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي روّجت خلال الأيام الماضية إشاعة أن الحدود ستكون مفتوحة السبت، باعتباره «يوم عطلة في إسبانيا».

والأربعاء أعلنت وزارة الداخلية المغربية أنها اتخذت جميع التدابير الضرورية للتصدي لمحاولات عبور جديدة تبعاً لتلك المنشورات، وتوقيف مشتبه بهم.

السبت أفادت وسائل إعلام مغربية، بينها موقعا «لو360» و«هسبريس»، بأن السلطات «أوقفت 61 شخصاً يشتبه في تورطهم في التحريض والترويج لدعوات للهجرة غير النظامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي».

يأتي ذلك أسبوعين بعد تدفق كثيف لمهاجرين من عدة مدن مغربية إلى جيب سبتة، نجح نحو 72 ألفاً منهم في دخول المدينة، قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وفق السلطات الإسبانية. وساهم في ذاك التدفق الكبير للمهاجرين يومها أيضاً إشاعات على مواقع التواصل.

ولم تحل السلطات المغربية حينها دون وصول هؤلاء المهاجرين إلى المنطقة الحدودية، ثم أرسلت تعزيزات إلى هناك مساء الخميس 30 يوليو (تموز)، وفق تقارير منظمات حقوقية.

وخلفت هذه الأزمة، الأخطر من نوعها، مقتل 80 شخصاً على الأقل وفق الجانب الإسباني، و11 وفق السلطات المغربية، فيما قدّرت منظمات حقوقية مغربية الجمعة أن عدد الضحايا لا يقل عن 141.


الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
TT

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)

أعلن الجيش السوداني، السبت، إسقاط طائرة مسيّرة معادية من طراز «FH – 95» صينية الصنع، في مدينة جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان، التي تشهد تصاعداً في وتيرة الهجمات التي تشنها «قوات الدعم السريع».

وقال مكتب الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، في بيان صحافي، على موقع «فيسبوك»، إن الدفاعات الجوية تمكنت من إسقاط طائرة مسيّرة استراتيجية معادية من طراز «FH-95» في سماء مدينة جبرة الشيخ. ونشر جنود من الجيش مقطع فيديو يُظهر حطام طائرة مُسيَّرة، بينما لم يصدر بعد تعليق رسمي من «الدعم السريع» على إعلان الجيش.

وصد الجيش السوداني، الخميس الماضي، هجوماً برياً لــ«الدعم السريع» بأكثر من 250 عربة قتالية على مدينة جبرة الشيخ، التي استعادها خلال المعارك الأخيرة. وكانت «قوات الدعم السريع» قد أعلنت في بيان، أمس الجمعة، على قناة «تلغرام»، السيطرة الكاملة على بلدة «أم عرد»، الواقعة شمال مدينة الأُبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان، لكن منصات إعلامية موالية للجيش، نقلت عن مصادر عسكرية بأن المنطقة لاتزال تحت السيطرة.

وفقاً لمفوضية العون الإنساني بشمال كردفان، قُتل وجرح العشرات من المدنيين في البلدة جراء الهجوم الأخير، وسط موجة نزوح واسعة نحو المناطق الآمنة.

وشهدت خريطة السيطرة في الميدان تبدلاً كبيراً، بعدما أحرزت «قوات الدعم السريع» تقدماً لافتاً نهاية الأسبوع الماضي، بعدما سيطرة على مدينتي الكرمك وقيسان، في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، على الحدود مع أثيوبيا. وفي بيان ثانٍ، قالت «الدعم السريع»، «إن قواتها نفذت اليوم السبت، عملية عسكرية دقيقة، تمكنت من خلالها السيطرة على منطقة (أغرو) بالنيل الأزرق»، وتواصل التقدم نحو العاصمة الدمازين.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، اتسع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة من قبل طرفَي النزاع، لتطول مدناً بعيدة عن خطوط القتال، الأمر الذي أدى إلى زيادة الخسائر في صفوف المدنيين، وتفاقم الأوضاع الإنسانية في المناطق المستهدفة.


الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

يرى باحثون أن موجة الهجرة إلى جيب سبتة، الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، قبل نحو أسبوعين، لا تنبع فقط من عوز وبطالة كدافعين تقليديين لدى الطبقات الأكثر فقراً، ولا سيما في ظل التنمية الاقتصادية في المغرب، بل تنطلق من تراجع للثقة بالمستقبل لدى طبقات أخرى، في ظل صورة جذابة عن أوروبا تلازم الأذهان.

وخلال يومين من أواخر يوليو (تموز) الماضي، توافد عشرات الآلاف من المغاربة، بينهم الكثير من القاصرين، بعد شائعات عن فتح الحدود مع جيب سبتة، ونجح نحو 72 ألفاً منهم في الدخول قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وأودى ذلك بحياة العشرات وفق السلطات ومنظمات. لكن هذه الموجة من الهجرة جاءت فيما سجّل المغرب نمواً اقتصادياً لافتاً، بلغ 5 في المائة عام 2025، وسط تفاؤل باستمرار النمو ارتباطاً على الخصوص بإطلاق عدة استثمارات في البنى التحتية وقطاع الخدمات، في أفق التحضير للتنظيم المشترك لكأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال.

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

وإذا كانت البطالة دافعاً تقليدياً للهجرة فإن الفئات، التي شاركت في هذه الموجة الأخيرة «تبدو أكثر تنوعاً وبينها أشخاص يُفترض (...) أنهم في أوضاع اجتماعية واقتصادية مقبولة نسبياً»، وفق رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان محمد بنعيسى، وهو إحدى الجمعيات التي تابعت الأحداث.

رحلة لآفاق أرحب

في مشهد غير معتاد مقارنة مع حوادث هجرة غير نظامية سابقة، جاء سعيد طريبق (38 عاماً) إلى المعبر الحدودي في سيارته برفقة طفليه، بعدما سمع أن الحدود ستكون مفتوحة. سعيد يعمل حرفياً في طنجة، ثاني قطب اقتصادي بالمغرب، في وضع «لا بأس به» كما يصفه. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية لدى عودته من سبتة: «ظننت أنني سأربح أكثر إن بذلت هناك الجهد نفسه الذي أبذله هنا... وفكرت أيضاً في أن العمل في إسبانيا سيؤمن مستقبلاً أفضل لأطفالي».

وحسب شهادات عدّة جمعها مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية، فقد ترك كثيرون، مثل سعيد، وظائفهم لركوب المغامرة المحفوفة بالمخاطر، على أمل تحسين أوضاعهم في أوروبا. ومن بين هؤلاء المهاجرين العائدين قاصرون على غرار أيوب الأبيض (16 عاماً)، الذي شعر بأن مستقبله كان سيكون أفضل في أوروبا، كما قال لوكالة الصحافة الفرنسية بعد عودته من سبتة. وأضاف: «أدرس في الثانية ثانوي ونتائجي جيدة، لكنني لست واثقاً بالحصول على عمل في مستوى طموحي».

محاولة العبور إلى سبتة سباحة تسببت في وفاة العشرات من المهاجرين (أ.ف.ب)

ويعتقد بنعيسى أن ما حصل «مؤشر أعمق يرتبط بأزمة الثقة بالمستقبل، وبقدرة المؤسسات على توفير الأمان الاجتماعي وتكافؤ الفرص والشعور بالاستقرار».

تأثير مواقع التواصل الاجتماعي

تنبه الباحثة في علم الاجتماع، سمية نعمان جسوس، إلى أن صورة «الفردوس الأوروبي لا تزال قوية جداً»؛ إذ «ترتبط أوروبا في أذهان الشباب بالنجاح والترقي الاجتماعي والحياة الأفضل». مشيرة أيضاً إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي «في تضخيم هذه الظاهرة».

في المقابل، تعتقد جسوس أن الشعور بعدم القدرة على التعبير «يمكن أن يكون طريقاً مهماً» لفهم هذه الظاهرة. وتوضح أنه عندما لا يجد شاب «فضاءات للتعبير عن تذمره، والدفاع عن حقوقه، والمشاركة في القرارات (...) يمكن أن يشعر بأنه غير فاعل في المجتمع، بل مجرد متفرج في بلد يبنى دونه».

شبان مغاربة يلتقطون صورة جماعية بعد تمكنهم من دخول سبتة (أ.ف.ب)

منذ نحو عقد أصبحت الحركات الاجتماعية في المغرب عفوية، بينما تعجز الأحزاب السياسية والنقابات عن تعبئة الشارع. وبالموازاة مع ذلك، يتزايد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها خرجت آخر حركة اجتماعية واسعة في خريف العام الماضي، تحت اسم «جيل زد 212»، التي عبرت عن مطالب متظاهرين شباب بتحسين مستوى الصحة والتعليم، وتخللتها أعمال عنف في بعض المدن.

ويشير بنعيسى إلى أن دراسة ميدانية لمرصد الشمال لحقوق الإنسان، شملت 500 شاب وشابة في مدن قريبة من سبتة، أظهرت أن «74.2 في المائة يتابعون صفحات ومحتويات مرتبطة بالتخطيط للهجرة»، وأن «81 في المائة يرون أن هذه المحتويات تجعلهم يعتقدون أن الهجرة حل».

بعد الأزمة، ألقت السلطات باللوم على «الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ودور عصابات الاتجار بالبشر». لكن منظمات حقوقية وسياسيين ومعلقين تساءلوا عن سبب عدم منع المهاجرين من الوصول إلى مدينة الفنيدق المجاورة لسبتة، وطالبوا بالتحقيق في الموضوع.

والأربعاء، أعلنت وزارة الداخلية اتخاذ جميع التدابير الأمنية، بعد صدور دعوات جديدة للعبور إلى سبتة، السبت الفائت، وتوقيف مشتبه بهم.