حملة تهديدات وتشهير لمعاقبة الساخرين من وفاة كيرك في أميركا

وصفها الديمقراطيون بحملة تحرش منسقة

وضع المُعزّون أكاليل الزهور أمام نصب تذكاري للناشط السياسي تشارلي كيرك في حَرم جامعة وادي يوتاه في أوريم بيوتاه (أ.ف.ب)
وضع المُعزّون أكاليل الزهور أمام نصب تذكاري للناشط السياسي تشارلي كيرك في حَرم جامعة وادي يوتاه في أوريم بيوتاه (أ.ف.ب)
TT

حملة تهديدات وتشهير لمعاقبة الساخرين من وفاة كيرك في أميركا

وضع المُعزّون أكاليل الزهور أمام نصب تذكاري للناشط السياسي تشارلي كيرك في حَرم جامعة وادي يوتاه في أوريم بيوتاه (أ.ف.ب)
وضع المُعزّون أكاليل الزهور أمام نصب تذكاري للناشط السياسي تشارلي كيرك في حَرم جامعة وادي يوتاه في أوريم بيوتاه (أ.ف.ب)

تُسلَّط الأضواء على عشرات المنشورات والرسائل على مواقع التواصل الاجتماعي حول مقتل الناشط الأميركي تشارلي كيرك، بما في ذلك بعض المنشورات التي احتفلت بوفاته، من قِبل نشطاء محافظين ومسؤولين منتخَبين جمهوريين وموقع إلكتروني متخصص في التشهير، وذلك في إطار حملة إلكترونية لمعاقبة مُرسِلي هذه الرسائل.

وقد لفتت لورا لومر، المؤثرة اليمينية المتطرفة البارزة وعضو مجلس الشيوخ الأميركي، وموقع «افضح قتلة تشارلي»، الانتباه إلى الأشخاص الذين نشروا رسائل حول اغتيال كيرك، يوم الأربعاء الماضي.

تُظهر هذه الحملات كيف يمكن بسهولة نشر منشورات أو رسائل شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى من حسابات قليلة المتابعين أو من أشخاص ليسوا شخصيات عامة، كما يمكن نشر معلومات شخصية للأشخاص عبر الإنترنت في وقتٍ أصبح فيه التشهير أسهل من أي وقت مضى، وفقاً لما ذكرته، لشبكة «سي إن إن» الإخبارية.

«قتلة تشارلي»

يزعم موقع «قتلة تشارلي»، والذي يُصرِّح بأنه ليس موقعاً للتشهير، أنه «تلقّى ما يقرب من 30 ألف مُشاركة»، وذلك وفقاً لرسالةٍ نُشرت على الصفحة الرئيسية للموقع، ظُهر السبت، ونشر الموقع بضع عشرات من المشاركات، وقال: «سيجري تحويل هذا الموقع قريباً إلى قاعدة بيانات قابلة للبحث تضم جميع المشاركات البالغ عددها 30 ألفاً، مع إمكانية تصفيتها وفق الموقع العام ومجال العمل. هذا أرشيف دائم ومُحدَّث باستمرار للنشطاء الراديكاليين الذين يدعون إلى العنف».

لا يبدو أن معظم الأشخاص، الذين نُشرت رسائلهم على الموقع، يُشيرون إلى أنفسهم بوصفهم ناشطين، ولا يبدو أن كثيرين منهم كانوا يدعون إلى العنف. ولم يستجب مسؤولو الموقع لطلب التعليق. كما افتتح الموقع حساباً على «إكس»، يوم الجمعة.

نشرت لورا لومر، على موقع «إكس»، يوم الأربعاء، بعد ساعات من إطلاق النار على كيرك: «سأقضي ليلتي في جعل كل من أجده على الإنترنت يحتفل بوفاته مشهوراً، لذا استعِدوا لتدمير كل طموحاتكم المهنية المستقبلية إذا كنتم مرضى بما يكفي للاحتفال بوفاته»، وفقاً لما ذكرته شبكة «سي إن إن» الإخبارية.

وعلى مدار الأيام القليلة الماضية، أدان قادة الحزبيْن الديمقراطي والجمهوري على نطاق واسع مقتل كيرك، الناشط البالغ من العمر 31 عاماً، وأحد أبرز وجوه معسكر ترمب، والمعروف بآرائه اليمينية المتشددة وأسلوبه الجدلي الحاد.

لكن في المقابل، برزت بعض الأصوات، بدءاً من أشخاص عاديين سَخِروا من مقتل كيرك أو أبدوا شماتة أحياناً، وصولاً إلى مُشرّعين ومحللين سلطوا الضوء على تاريخه من الخطاب المتطرف؛ ليصبحوا أهدافاً لحملات منظمة.

ووفقاً لإحصاءٍ أجرته «رويترز»، استناداً إلى مقابلات وتصريحات عامة وتقارير صحافية محلية، فُصل أو أُوقف عن العمل ما لا يقل عن 13 شخصاً بعد مناقشتهم جريمة القتل عبر الإنترنت. ويشمل هذا العدد صحافيين وأكاديميين ومُعلمين.

وتعرّض آخرون لسيلٍ من الإساءات عبر الإنترنت، أو انهالت على مكاتبهم مكالمات تُطالب بفصلهم، في إطار موجة غضب اليمين التي أعقبت جريمة القتل.

«ضحايا للعنف»

وبعد أن طردت قناة «MSNBC» المحلل السياسي الأميركي ماثيو دود لقوله إن خطاب كيرك ربما أسهم في إطلاق النار عليه، أبدى الرئيس دونالد ترمب رأيه وقال على قناة «فوكس نيوز»، صباح الجمعة: «لقد طردوا هذا الرجل من (MSNBC)، وهو شخص فظيع، وإنسان فظيع، لكنهم طردوه. سمعت أنهم يطردون آخرين».

وبعد طرده، قال دود، على منصة «Substack» الخاصة به، إن «عصابة الإعلام اليمينية» هاجمته على عدة منصات. ويقول بعض الأشخاص، الذين سُلط الضوء على منشوراتهم، إنهم يتعرضون، الآن، لسيلٍ من المضايقات، ويخشون أن يصبحوا ضحايا للعنف.

من جانبها، نشرت الصحافية الكندية المستقلة راشيل جيلمور أنها «مرعوبة» من انتقام «مُعجبي كيرك اليمينيين المتطرفين»، بعد إطلاق النار. هذا المنشور هو الأول الذي يُنشر على الموقع الإلكتروني المجهول، بما في ذلك جزء قالت فيه جيلمور إنها تأمل أن ينجو كيرك. وقالت، في فيديو نُشر على الإنترنت، إنها لم تحتفل بوفاة كيرك، وأعربت عن أملها في نجاته، في منشور آخر. وأضافت أنها تلقت «تسونامي» من التهديدات، ووصفت آخِر 48 ساعة من حياتها بأنها «جحيم لا يُطاق».

وكذلك ريبيكا جونز، عالِمة بيانات سابقة في مجال فيروس كورونا في فلوريدا، والتي زعمت، عام 2022، أن ولاية فلوريدا ضغطت عليها للتلاعب ببيانات الجائحة، قالت إنها اتصلت بالشرطة مرتين بشأن تهديدات بالقتل وبشأن «قائمة المستهدَفين»، وأن اسمها على موقع «قتلة تشارلي».

ونشرت جونز عن كيرك، يوم الأربعاء، قائلةً: «احتفظوا بتعاطفكم مع المارة الأبرياء الذين وقعوا ضحية آلة الرسائل السياسية العنيفة لحركة (جعل أميركا عظيمة مجدداً)». وأعاد الموقع نشر هذا المنشور مع معلومات شخصية أخرى لجونز.

وقالت لورا إدلسون، الأستاذة المساعدة بجامعة نورث إيسترن ومديرة مشروع الأمن السيبراني من أجل الديمقراطية: «من الإنصاف تماماً وصفها بحملة تحرش منسَّقة. هذا هو سبب وجودها، تنسيق واستهداف المضايقات للأفراد المختارين».

من سيُفصل؟

أعلن بعض المسؤولين الجمهوريين المنتخَبين أيضاً أسماء الأشخاص الذين نشروا معلومات عن مقتل كيرك، بمن فيهم بعض موظفي القطاع العام، مثل المعلمين.

وقالت السيناتور الجمهورية مارشا بلاكبيرن، من ولاية تينيسي، إنه يجب فصل موظف في جامعة ولاية تينيسي الوسطى، بعد أن كتب أنه «لا يتعاطف إطلاقاً» مع وفاة كيرك. وأكدت الجامعة، لشبكة «سي إن إن»، في بيان لها، أن الموظف طُرد «بأثر فوري».

وقالت بلاكبيرن: «ينبغي ألا نثق بأي موظف جامعي يحتفل باغتيال تشارلي كيرك، في تشكيل عقول الجيل القادم في الفصل الدراسي. كان فصل هذا الموظف من جامعة ولاية تينيسي الوسطى قراراً صائباً، ويبعث رسالة واضحة مفادها أنه يجب ألا يتسامح مع هذا النوع من السلوك المُستنكَر».

كما شجّعت النائبة الجمهورية نانسي ميس، من ولاية كارولينا الجنوبية، على فصل مُعلمة في مدرسة عامة، والتي أكدت المنطقة التعليمية لاحقاً لوسائل الإعلام المحلية أنها لم تعد تعمل في المنطقة.

كما قامت شركات خاصة، مثل فريدي فروزن كاسترد آند ستيك برجر وكارولينا بانثرز، بتسريح موظفين بسبب منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي عن كيرك.

وفي معظم الأماكن، يحق للشركات الخاصة فصل موظفيها لأي سبب، بما في ذلك المنشورات البذيئة على مواقع التواصل الاجتماعي، وفقاً لجيفري هيرش، أستاذ قانون العمل والتوظيف بجامعة نورث كارولينا الأميركية. وقال إن الأمر أصعب قليلاً مع موظفي القطاع العام، لكن فصلهم مُبرَّر أيضاً إذا كان الخطاب «فاضحاً لدرجةِ أنه يُعطل سير العمل».

مجموعة من المنشورات

وفي حالات أخرى، سلّط بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الضوء على موقف كيرك المؤيد للتعديل الثاني، بما في ذلك تقارير إخبارية سابقة أفادت بأنه قال إن بعض الوفيات الناجمة عن الأسلحة النارية كانت «للأسف» تستحق العناء للحفاظ على التعديل الثاني.

وصرح هانك تيران، الرئيس التنفيذي لمنصة Open Measures، وهي منصة استخبارات تهديدات مفتوحة المصدر، بأن اسم الموقع «قتلة تشارلي» يوحي بالفعل بأن الأشخاص، الذين يشارك معلوماتهم، مسؤولون عن مقتل كيرك، مما يمهد الطريق للمضايقات. كما أن الموقع يردد صدى «قائمة مراقبة الأساتذة» التي أطلقتها مجموعة «Turning Point» المحافِظة التي أسسها كيرك، والتي كان هدفها كشف ما سمّته «الأساتذة المتطرفين»، ولكنها غالباً ما أدت إلى مضايقات وتهديدات عنيفة موجهة ضد الأشخاص المذكورين بتلك القائمة.

وأضاف تيران: «بشكل عام، قد يكون من المنطقي استنتاج وجود نية للتحريض على المضايقات».

من جانبها، قالت إدلسون، الأستاذة بجامعة نورث إيسترن، إن التوترات السياسية المتصاعدة في جميع أنحاء البلاد تُفاقم ردود الفعل العاطفية لدى الناس، وهذا «يخلق حاجةً للتحرك».

وقالت ويتني فيليبس، الأستاذة المساعدة في سياسات المعلومات والأخلاق بجامعة أوريغون، لشبكة «سي إن إن»، إن إلقاء اللوم الشامل على «اليسار» في بعض الحالات يمتد ليتجاوز مُطلِق النار إلى عدوٍّ غامض.

وقالت فيليبس: «إن محاولات انتقاد الأشخاص الذين يُوصفون بأنهم يحتفلون بوفاة كيرك، أو مجرد منتقدين لحياته، تعمل على إعطاء شكل ووزن لهذا العدو». وهذا يُغذي «تأطيراً زائفاً لحرب ثقافية». ونتيجةً لذلك، قالت إنه يمكن عدُّ الجماعات المنفصلة «عدواً روحياً صريحاً للمحافظين، وبالتالي لأميركا نفسها».


مقالات ذات صلة

مسلّحون مجهولون يقتلون أحد كبار رجال الدين السنّة في إيران

شؤون إقليمية صورة من أحد شوارع طهران يوم 9 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

مسلّحون مجهولون يقتلون أحد كبار رجال الدين السنّة في إيران

ذكرت وكالة «إرنا» الإيرانية الرسمية للأنباء أن مولوي يوسف كوركيج، ‌وهو ‌رجل ​دين ‌سني ⁠رفيع المستوى، ​قُتل برصاص ⁠مسلحين مجهولين في جنوب شرقي إيران...

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا سارة دوتيرتي (أ.ب) p-circle

صدور أمر بتوقيف نائبة رئيس الفلبين لتهديدها باغتيال ماركوس

أصدرت محكمة فلبينية أمراً بتوقيف سارة دوتيرتي، نائبة رئيس البلاد، اليوم (الجمعة)، على خلفية اتهامات بأنها هددت باغتيال الرئيس وشخصين آخرين.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام أثناء حضورهما مراسم توقيعهما وثائق في المكتب الرئاسي بكييف 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

لماذا أصبحت بريطانيا «العدو الأول» لروسيا؟

يكشف تصاعد الخطاب الروسي ضد بريطانيا عن خصومة متجذرة تاريخياً تفاقمت مع حرب أوكرانيا ودعم لندن لكييف، وسط تحذيرات من مزيد من التصعيد.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص صورة بثها الجيش الإسرائيلي للفلسطيني رزق أبو شحمة (يساراً) الذي اغتاله في غزة وقال إنه عمل حارساً شخصياً لقائد «حماس» الراحل يحيى السنوار (يميناً)

خاص الجيش الإسرائيلي يعلن تصفية حارس شخصي للسنوار

أعلن الجيش الإسرائيلي، صباح الخميس، اغتيال أحد الحراس الشخصيين لرئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» الراحل يحيى السنوار، في عملية استهدفته بخان يونس قبل أيام.

«الشرق الأوسط» (غزة)
العالم فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

كيف أفلت شارل ديغول وجيرالد فورد من رصاصات الموت؟

رصاص حائر بين باريس وكاليفورنيا... كواليس وتفاصيل تاريخية مشوقة عن محاولتي الاغتيال الفاشلتين اللتين نجا منهما الرئيس الفرنسي شارل ديغول والأميركي جيرالد فورد.

كوثر وكيل (لندن)

ممداني: نتانياهو لا يزال مطلوباً بموجب مذكرة «الجنائية الدولية»

عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (د.ب.أ)
عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (د.ب.أ)
TT

ممداني: نتانياهو لا يزال مطلوباً بموجب مذكرة «الجنائية الدولية»

عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (د.ب.أ)
عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (د.ب.أ)

ردّ رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني على الانتقادات اللاذعة التي وجهها إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في الأمم المتحدة، الخميس، مؤكدا أن «أي كذبة» لن تغير شيئا في مذكرة اعتقاله الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.

وقال ممداني في بيان «كما فعل مرارا، استغل رئيس الوزراء نتانياهو خطابه لتكرار أكاذيب لا أساس لها من الصحة تهدف إلى تجميل صورة الإبادة الجماعية التي يرتكبها بحق الفلسطينيين. مع ذلك، لا يمكن لأي كذبة أن تغير حقيقة أنه لا يزال مطلوبا بموجب مذكرة اعتقال صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».


رئيسة كوستاريكا تقيل وزير الخارجية بسبب لقائه ترمب من دون إبلاغها

رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)
رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)
TT

رئيسة كوستاريكا تقيل وزير الخارجية بسبب لقائه ترمب من دون إبلاغها

رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)
رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)

أقالت رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز، الخميس، وزير خارجيتها مانويل توفار لحضوره اجتماعاً أمنياً إقليمياً برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عُقد في نيويورك، من دون إبلاغها بذلك.

دونالد ترمب

وقالت فرنانديز إنه كان ينبغي أن تشارك هي في اجتماع دول «درع الأميركتين» المناهض لكارتلات المخدرات، وإن إخفاق توفار في التشاور معها تسبب في «ضرر استراتيجي كبير».


عمالقة الذكاء الاصطناعي يحذّرون من «أخطار وجودية»

لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
TT

عمالقة الذكاء الاصطناعي يحذّرون من «أخطار وجودية»

لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)

استمع أعضاء مجلس الأمن لتحذيرات الرؤساء التنفيذيين لعمالقة الذكاء الاصطناعي؛ «أوبن إيه آي» سام ألتمان، و«أنثروبيك» داريو أموداي، و«هاغينغ فايس» كليمان دولانغ، من تطور بوتيرة يمكن أن تتجاوز قريباً قدرة الدول والشركات والمؤسسات على تنظيمها أو إدارة أخطارها الوجودية المحتملة على البشر.

عُقدت هذه الجلسة غير المألوفة على هامش الاجتماعات الرفيعة المستوى للدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بدعوة من فرنسا التي تتولى رئاسة مجلس الأمن للشهر الحالي، وبعد أيام من استنتاج لجنة علمية تابعة للأمم المتحدة أن الحادثة التي وقعت في الصيف، حين اخترقت برامج الذكاء الاصطناعي قيد التقييم في «أوبن إيه آي» أنظمة «هاغينغ فايس» نفسها، لا تقدم أي ضمانات بأن البشر قادرون على إبقاء هذه البرامج تحت السيطرة بشكل موثوق.

وأكّد ألتمان أن الذكاء الاصطناعي قادر على إحداث تحول جذري في العلوم والطب والتعليم والاقتصادات، لكنه استدرك محذّراً من أن الأنظمة المستقلة بشكل متزايد يمكن أن تتحرك بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات والمؤسسات على فهمها أو السيطرة عليها. وقال إنه «ينبغي تصميم الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان، لا لمجرد زيادة سرعة الآلات».

وإذ لم يتجاهل الأخطار، أضاف ألتمان أن «أي شيء بهذه القوة يثير الرهبة»، مشدداً على أن «هذه اللحظة تستدعي حذراً شديداً».

«دولة العباقرة»

حدّد ألتمان نمطين رئيسيين للفشل؛ الأول هو فقدان السيطرة تماماً على مستقبل الذكاء الاصطناعي. وثانياً، هناك تركز السلطة حيث «لا ينبغي لأي فرد أو شركة أو دولة أن تتمكن من استخدام أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي لفرض رؤيتها للعالم على الآخرين»، كاشفاً أن «أوبن إيه آي» أبطأت التطوير من جانب واحد سابقاً بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة.

ودعا إلى وضع معايير «تُصاغ من خلال عمليات ديمقراطية ومن حكومات مسؤولة أمام شعوبها» تشمل القدرات، وتقييم المخاطر، والضمانات، والإبلاغ عن الحوادث.

الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان يقدم إحاطة لمجلس الأمن حول الذكاء الاصطناعي والأمن الدولي (الأمم المتحدة)

ثم قدّم أموداي إحاطة عرَضَ فيها وتيرة التقدم بعبارات صادمة، قائلاً: «قبل أربع سنوات، كان (برنامج الذكاء الاصطناعي) بالكاد يستطيع كتابة سطر واحد من التعليمات البرمجية أو حل مسألة رياضية بسيطة في المرحلة الثانوية. أما اليوم، فهو يكتب معظم التعليمات البرمجية في «أنثروبيك» ويحل مسائل رياضية عالمية شهيرة لم تُحلّ من قبل».

وأضاف أن هذا المسار «لا يحتاج إلا إلى الاستمرار لفترة وجيزة، سنة أو سنتين، وربما أقل» للوصول إلى ما سماه «دولة من العباقرة في مراكز البيانات».

«خطر على البشرية»

كان أموداي صريحاً بالقدر نفسه في شأن الأخطار، فحدَّد فئتين؛ الأولى تتعلّق بسوء الاستخدام، «على سبيل المثال، إساءة استخدام الإرهابيين البيولوجيين لـ(برامج الذكاء الاصطناعي) لصنع أسلحة بيولوجية». أما الفئة الثانية فتتعلق بفقدان السيطرة، مشيراً إلى مسائل «بالغة الخطورة لدرجة أنني أعتقد أنها مسائل مهمة لهذا المجلس، وليس فقط لوزارات الاقتصاد أو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات».

وزاد: «أعتقد أنه إذا أُديرت بشكل سيئ، فقد يشكل الذكاء الاصطناعي خطراً على البشرية جمعاء».

الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي متحدثاً عبر الشاشة مع أعضاء مجلس الأمن بنيويورك (الأمم المتحدة)

كذلك، قال أموداي إن شركته «ستبطئ وتيرة العمل بالقدر اللازم... لكن بغض النظر عما نفعله، فإن إدارة هذه المخاطر، في نهاية المطاف، أكبر من أي شركة بمفردها، ولها نطاق صناعي وعالمي».

الدفاع قبل الهجوم

بدوره، عرَضَ دولانغ دراسة حالة واقعية، إذ كشفت شركته، في يوليو (تموز) الماضي، عن هجوم إلكتروني شنّه عليها وكيل ذكاء اصطناعي مستقل. واستخلص ثلاثة دروس؛ أولاً، هناك حاجة لمزيد من الشفافية على مستوى الصناعة. وجادل ثانياً بأن الخطر الأساسي لا يكمن في قدرات هذه التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في توزيعها غير المتكافئ. وقال إن «الخطر الأكبر ليس الذكاء الاصطناعي القوي، بل في عدم تكافئه بين المهاجمين والمدافعين، والشركات الكبرى وبقية العالم، والدول القوية وبقية دول العالم».

وأشار ثالثاً إلى حادثة أخرى أظهرت كيف يمكن لتغطية الذكاء الاصطناعي أن تثير مخاوف الجمهور بلا داعٍ «من خلال تأطيرها بصورة بشرية واستخدامها صوراً خيالية علمية».

وخلال المداولات بين أعضاء المجلس، شبّه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي ترأس الاجتماع، الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي بكل من الحاسوب الخيالي في فيلم «2001: ملحمة الفضاء» وبداية العصر الذري. وقال: «كما كانت الحال مع الذرة آنذاك، يجب على المجتمع الدولي، الآن، تنظيم الذكاء الاصطناعي لتحقيق أقصى استفادة من إمكاناته وتجنب أسوأ العواقب».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يترأس اجتماع مجلس الأمن حول الذكاء الاصطناعي (الأمم المتحدة)

وقال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند: «يخبرنا قادة التكنولوجيا بوضوح تام أنه لا يمكن ترك منع الكوارث من الوقوع في العالم لهم وحدهم. لا يمكننا تجاهلهم لأنهم على حق».

غير أن مستشار البيت الأبيض للشؤون العلمية، مايكل كراتسيوس، رأى أن «المخاوف بشأن التحكم في الذكاء الاصطناعي ليست مُبرراً لوقف تطويره أو تقييده بهيكل حوكمة عالمي جديد». وأضاف: «نريدكم، أنتم حلفاؤنا وشركاؤنا، أن تشاركوا في فوائد هذه التكنولوجيا».

وفي ظل المنافسة الشديدة بين الولايات المتحدة والصين في هذا المجال، حذّر المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة فو كونغ من «التكتل في تحالفات ضيقة في قطاع التكنولوجيا، وإجبار الدول الأخرى على الانحياز لأحد الطرفين»، مما يُمكّن قوى عظمى لم يُسمِّها مما سماه «الهيمنة الرقمية».

اختراق نظام حكومي

تزامنت الجلسة مع كشف الحكومة الأسترالية عن نجاح وكيل ذكاء اصطناعي تابع لشركة «أوبن إيه آي» في الوصول بصورة غير مصرَّح بها إلى نظام حكومي في يوليو (تموز) الماضي، في واقعةٍ وصفتها الحكومة بأنها الأولى المعروفة التي يتمكَّن فيها وكيل للذكاء الاصطناعي من اختراق أنظمة تكنولوجيا المعلومات الحكومية في البلاد.

ووصل الوكيل في 18 يوليو إلى بوابة «خدمة تقارير إحصاءات ميديكير» التابعة لوزارة الصحة، وهي منصة متاحة للعامة تستضيف بيانات مجمعة عن الإنفاق الصحي وإعانات الأدوية، وتُستخدم على نطاق واسع من جانب الباحثين والأكاديميين. وأكدت الحكومة أن المعلومات الشخصية لم تكن من بين البيانات التي جرى الوصول إليها.

وقالت شركة «أوبن إيه آي» إنها راجعت أنشطة شملت عدداً من الإدارات الحكومية الأسترالية، واكتشفت أن نماذجها «اتخذت إجراءات لم تكن مقصودة». وأبلغت الشركة الحكومة الأسترالية بالحادثة في 10 سبتمبر (أيلول)، وفق رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، الذي انتقد تأخرها في الكشف عن الاختراق. وأُغلقت البوابة بعد الحادثة، ونُقلت البيانات إلى أنظمة أكثر أماناً، وفق وزيرة الخدمات الحكومية كاتي غالاغر.