«صوت هند رجب» المستغيث... بطل فيلم كوثر بن هنيّة ومهرجان البندقيّة

TT

«صوت هند رجب» المستغيث... بطل فيلم كوثر بن هنيّة ومهرجان البندقيّة

عاشت هند رجب 5 سنوات ونيّف لتشهد على أفظع نهاية (رويترز)
عاشت هند رجب 5 سنوات ونيّف لتشهد على أفظع نهاية (رويترز)

يوم صرخت هند رجب في غزة في يناير (كانون الثاني) 2024، ظنّت أن صوتها سيبقى أسير السيارة المحاصرة بالقذائف والرصاص حيث علقت، ملتصقةً بجثث أقربائها الذين سبقوها إلى عدّاد الموت.

لكنّ الصوت وصل، بعد أن انطفأ. سمعه العالم أجمع عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. غير أنّ العالم، كالعادة، لم يستطع شيئاً. فابنة السنوات الـ5، مثلُها مثل أكثر من 20 ألف طفل في غزة، قضت تحت النيران الإسرائيلية وهي بعد تحلم بشاطئٍ وأرجوحة ومثلّجاتٍ بنكهة الفرح.

يحكي روّاد «البندقيّة السينمائي» أن أي فيلمٍ عبرَ في سجلّ المهرجان الإيطالي العريق، لم يحصد 23 دقيقة من التصفيق. وحدَه «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، خرق البروتوكول وجدار الصمت حاصداً ذهول الحاضرين ودموعهم خلال عرضه العالمي الأول في الدورة 82 من المهرجان قبل أيام.

صار الفيلم حديث المهرجان والرأي العام العالمي من دون منازع، وسط توقعاتٍ بأن يجري ترشيحه إلى أوسكار 2026 عن فئة أفضل فيلم روائي أجنبي. نجوم السينما، والنقّاد، وخبراء المجال عبّروا بكاءً وذهولاً بعد مشاهدته. وهم لم يخفوا امتعاضهم عندما حجب مهرجان البندقيّة «الأسد الذهبي» عن الفيلم، مكتفياً بمَنحه الجائزة الثانية، أي جائزة لجنة التحكيم المعروفة بـ«الأسد الفضّي».

@sara.perchiazzi

30 minutes of applause. ‘Free Palestine’ chants. Kaouther Ben Hania’s The Voice of Hind Rajab shook Venice. #thevoiceofhindrajab #jaquinephoenix #venezia82 #venice #gaza

♬ suono originale - Comingsoon.it

لكنّ ما حصل في البندقية ربما يكون أهمّ من الجوائز. فصوت هند رجب عاد إلى الحياة ليخترق الضمائر، ويذكّر بآلاف الأطفال الذين ما زالوا محاصرين داخل القطاع الفلسطيني المدمّر. تبني بن هنيّة فيلمها على المكالمة الهاتفية التي جمعت الطفلة هند بفريق «الهلال الأحمر» الفلسطيني مستغيثةً لإنقاذها، بينما الدبابات الإسرائيلية تحاصر السيارة حيث هي. كانت، وأفراداً من عائلتها، يحاولون الهروب من مدينة غزّة عبر تلّ الهوى عندما انهال القصف عليهم فمات الجميع وبقيت هند، قبل أن تنال منها النيران بعد ساعات.

السيارة التي قضت فيها هند رجب وأقرباؤها في يناير 2024 تحت النيران الإسرائيلية (رويترز)

في الشق التوثيقي من الفيلم، استخدمت المخرجة التسجيل الصوتي الحقيقي الذي بدأ بتلقّي الهلال الأحمر في رام الله مكالمة من عمّ هند المقيم في ألمانيا، واضعاً الطفلة على اتصالٍ مباشر مع المسعفين. أما في الشق الدرامي المعتمد على إعادة التمثيل، فيبقى المشهد محصوراً داخل مركز الإسعاف، على بُعد 80 كيلومتراً من غزة. استعانت بن هنيّة بمجموعة من الممثلين جسّدوا شخصيات المسعفين الذين تواصلوا مع هند.

الممثلون الذين أدّوا شخصيات المسعفين المتلقّين اتصال هند (الشركة المنتجة)

«تعالوا خذوني... كل عيلتي ماتوا»... محصورةً لساعات بين جثث أقربائها، تتحدّث هند بصوتها الباكي والمذعور إلى أفراد الطاقم مداورةً. تتوسّل سيارةً أو أحداً يأتي لإنقاذها. تقول إنها خائفة من الليل الذي بدأ بالهبوط، ومن الدبابات التي تقترب أكثر فأكثر من السيارة. الجميع في المركز يشعر بالعجز، فتأمين عبور عربة إسعاف إلى المكان يقتضي تنسيقاً مع القوات الإسرائيلية غير المتعاونة بطبيعة الحال. مهدي، مدير الفريق، والذي يؤدّي دوره الممثل عامر حليحل، يدرك المحاذير، وهو ما عاد يريد التضحية بمزيدٍ من المسعفين المصفوفة صورُهم على جدار المركز، بعد أن قضوا خلال مهامهم الإنسانية في غزة.

المسعف عمر (الممثل معتز ملحيس) هو أول من تلقّى الاتصال من داخل السيارة المحاصرة. أتاه بدايةً صوت فتاةٍ تلفظ رعبَها وأنفاسها الأخيرة، لتتحوّل الآذان بعدها إلى هند الصغيرة. في المؤتمر الصحافي الذي واكب إطلاق الفيلم في البندقية، شرح ملحيس صعوبة الموقف الدرامي: «لفَرط التصاقنا بصوت هند الحقيقي، ظننّا لوهلة أنها ما زالت على قيد الحياة وأنه بإمكاننا أن نهرع لإنقاذها. وكان اصطدامنا بالواقع أصعب ما في الأمر». في أحد مشاهد الفيلم، يفيض غضب عمر؛ فثمة سيارة إسعاف على بُعد 8 دقائق من المكان لكنها غير قادرة على التحرّك. يصرخ قائلاً: «كيف ممكن تنسّقوا مع الجيش اللي قتلهم؟».

فريق عمل الفيلم على السجادة الحمراء في مهرجان البندقية السينمائي (أ.ف.ب)

في أقصى لحظات الذعر، تصوّب هند أفكارها باتجاه أمها البعيدة. تتساءل ما إذا كانت ستَراها مجدداً. تصغي إليها المسعفة رنا (الممثلة سجى كيلاني) بتعاطفٍ وتأثّرٍ كبيرَين: «ما رح إتركك قبل ما يجي حدا ياخدك وأطمّن عليكي». تحاول طمأنتها مناديةً إياها «هنّود»، فيأتي ردّ الطفلة مرتبكاً وتائهاً: «ماما؟»، ظناً منها أن أمها على الجهة الثانية من السمّاعة.

لا شيء يوقف عقارب الساعة المعلقّة على حائط المركز، والمسعفون عارفون أنهم في سباقٍ مع الوقت المفقود. ببراءتها تسأل هند المسعفة رنا ما إذا كان زوجها قادراً على المجيء لأخذها من حيث هي. الطاقم هو الآخر يخترع سيناريوهاتٍ طفوليّة، كأن يرسل أحداً كـ«سبايدر مان» يقفز فوق السطوح ويسحب هند من بين الركام والجثث.

تراجيديا هند رجب أعادت التذكير بأطفال غزة الذين يُقتلون يومياً بالمئات (رويترز)

لكن بالتوازي مع محاولاتهم تأمين خطة لإنقاذ هند، ينفعلون ويصرخون ثم يقدّمون الدعم لبعضهم البعض بين لحظة انهيارٍ وأخرى، كما يواصلون إلهاء الفتاة والتمويه عنها رغم التراجيديا المحيطة بها. يسألونها عن شعبتها في المدرسة: «صفّ الفراشات»، وعن اسم المدرسة: «الطفولة السعيدة». أما الجواب حول لونها المفضّل فيأتي صارخاً: «ما بحبش إشي!». كيف تتذكّر الزهريّ والبرتقاليّ والأصفر، فيما الدبابة تقترب من السيارة وأزيز الرصاص يلعلع حولها؟

لا يبقى سوى الدعاء. تطلب منها رنا أن تذكر الله... «الله»، تقول. لعلّها الكلمة الأخيرة التي صدرت عن صوت هند رجب قبل أن تنال الدبابة الإسرائيلية منها، ومن مسعفَين اخترقا النيران بعد مرور 3 ساعات على بداية الاتصال، في مسعىً لإخراجها من السيارة السوداء.

مخرجة الفيلم التونسية كوثر بن هنية وجائزة الأسد الفضي من مهرجان البندقية (إ.ب.أ)

أسدل مهرجان البندقيّة ستائره على صور طفلةٍ تلهو سعيدةً على شاطئ غزّة. اسمُها هند رجب وصوتُها وصل. في الأثناء، يواصل الفيلم رحلته إلى العالميّة، مسنوداً من منتجين منفّذين من طراز براد بيت، وخواكين فينيكس، وألفونسو كوارون، ومتطلّعاً إلى جماهير لا تكتفي بالدمع والتصفيق.


مقالات ذات صلة

«كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

«كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

أكدت مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط» تلقي وفدها مقترحاً بشأن نزع السلاح من قطاع غزة، من قبل الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام»... وكشفت عن بعض بنوده.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا  معبر رفح بين قطاع غزة ومصر (د.ب.أ)

إعادة فتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر

أُعيد فتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر، اليوم (الخميس)، وذلك لأول مرة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي سيارة الشرطة التي استُهدفت قرب مدخل بلدة الزوايدة (أ.ف.ب)

إسرائيل تقتل 16 فلسطينياً في غزة والضفة الغربية

قال مسؤولون بقطاع الصحة إن القوات الإسرائيلية قتلت 16 فلسطينياً بقطاع غزة والضفة الغربية، في واحد من الأيام التي شهدت تسجيل أكبر عدد من القتلى منذ أسابيع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
آسيا وزير الدفاع الإندونيسي شافري شمس الدين (رويترز)

وزير الدفاع الإندونيسي: نشر قوات في غزة يعتمد على مجلس السلام

قال ​وزير الدفاع الإندونيسي شافري شمس الدين، اليوم الخميس، ‌إن ‌نشر ​القوات الإندونيسية ‌ضمن ⁠قوة ​الأمن الدولية ⁠في غزة سيعتمد على الوضع الراهن لمجلس ⁠السلام.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا ‌)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد خلال فعالية في أنقرة الثلاثاء استمرار تركيا في بذل جهودها لإعادة الاستقرار بالمنطقة (الرئاسة التركية)

تركيا: تصعيد الصراع بين أميركا وإسرائيل وإيران السيناريو الأخطر للمنطقة

حذرت تركيا من خطر تصعيد الصراع بين أميركا وإسرائيل وإيران على إيران وتأثيره في استقرار المنطقة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

كشفت خريطة حديثة لقارة الأرض الواقعة في أقصى الجنوب عن تفاصيل غير مسبوقة للعالم الكامن تحت الجليد في القارة القطبية الجنوبية، مقدّمةً بيانات جديدة قد تساعد العلماء على فهم التغير المناخي بشكل أعمق والتعامل معه بفاعلية أكبر.

وعلى الرغم من أن مساحة القارة تعادل ضعف مساحة أستراليا، فإن ما يوجد تحت الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها لا يزال مجهولاً إلى حد كبير. بل إن العلماء يعرفون عن سطح كوكب المريخ الذي يبعد نحو 140 مليون ميل أكثر مما يعرفونه عن تضاريس القارة القطبية الجنوبية. وفقاً لمجلة «نيوزويك».

وتحتوي الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية على نحو 70 في المائة من المياه العذبة على كوكب الأرض، ما يجعلها أكبر كتلة جليدية في العالم. ويختلف سُمك هذه الطبقة الجليدية، إذ يبلغ متوسطه نحو كيلومترين، وقد يتجاوز خمسة كيلومترات في أعمق مناطقها.

الموقع «ليتل دوم سي» في القارة القطبية الجنوبية (أ.ب)

لكن ماذا يكمن تحت هذا الغطاء الجليدي الهائل؟

نظراً لصعوبة الرصد بسبب الامتداد الواسع للجليد، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة إدنبرة من إعداد أدق خريطة حتى الآن للمناظر الطبيعية المخفية تحت الجليد في القارة.

واعتمد الفريق على تقنية تُعرف باسم «تحليل اضطراب تدفق الجليد» (IFPA)، التي تستخدم فيزياء حركة الجليد لاستنتاج شكل التضاريس أسفله، من خلال تتبّع الأنماط السطحية التي تتكوّن عندما يتحرك الجليد فوق التلال والوديان. ثم دمجوا هذه البيانات مع أحدث صور الأقمار الاصطناعية للكشف عن ملامح القارة بأكملها.

وقال أستاذ علوم الأرض وأحد مؤلفي الدراسة، البروفسور أندرو كيرتس: «تتيح هذه الطريقة، التي تسقط معلومات سطح الجليد الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية إلى قاعدته، أسلوباً جديداً تماماً لرؤية ما تحت الصفائح الجليدية. وعلى مدار عدة سنوات أثبتنا فاعليتها من خلال اختبارات دقيقة، ويؤكد تطبيقها على مستوى القارة بأكملها قوتها الكبيرة».

وكشفت الدراسة عن تفاصيل جغرافية في مناطق لم تُستكشف سابقاً، بما في ذلك سلاسل جبلية ضخمة، وأودية عميقة، وسهول واسعة، إضافة إلى عشرات الآلاف من التلال والوديان التي لم تكن معروفة من قبل.

وقالت الباحثة هيلين أوكيندن، المشاركة في إعداد الدراسة: «بسبب صعوبة إجراء القياسات العلمية عبر الجليد، فإن معرفتنا بالمناظر الطبيعية المخفية تحت القارة القطبية الجنوبية أقل من معرفتنا بأسطح كوكبي المريخ أو الزهرة. لذلك، من المثير للغاية أن تتيح لنا هذه الطريقة الجديدة استخدام قياسات الأقمار الاصطناعية لسطح الجليد لسد الفجوات في خرائطنا، والكشف عن تفاصيل جديدة للسلاسل الجبلية والأودية والحدود الجيولوجية».

وقد أظهرت دراسات سابقة أن المناطق الوعرة تحت الجليد مثل المنحدرات الصخرية الحادة وسلاسل الجبال يمكن أن تُبطئ تراجع الصفائح الجليدية في القارة، إذ توفّر مقاومة احتكاكية تحدّ من اندفاع الجليد نحو البحر.

وتُعد هذه الخريطة الجديدة دليلاً مهماً للعلماء، إذ تساعد في تحديد المناطق التي ينبغي التركيز عليها في الدراسات المستقبلية، كما تدعم تطوير توقعات أكثر دقة بشأن ارتفاع مستويات سطح البحر ومقدار هذا الارتفاع في المستقبل.


دراسة تكشف: الحديث عن السياسة في العمل قد يعزز رفاهيتك النفسية

النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
TT

دراسة تكشف: الحديث عن السياسة في العمل قد يعزز رفاهيتك النفسية

النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)

في وقتٍ تزداد فيه التحذيرات من تجنّب النقاشات السياسية في بيئة العمل، خشية إثارة الخلافات أو التوتر، تكشف دراسة جديدة عن جانب غير متوقَّع لهذا النوع من الأحاديث. فبدلاً من أن تكون مصدراً للانقسام فقط، قد تسهم المناقشات السياسية - في ظروف معينة - في تحسين الحالة النفسية للموظفين، وتعزيز شعورهم بالارتياح.

ووفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت»، يشير هذا البحث إلى نتائج لافتة، رغم أن كثيراً من الأميركيين يرون أن بلادهم تعيش حالة انقسام غير مسبوقة منذ الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1861 و1865، وذلك حسب بيانات مركز «بيو» للأبحاث (Pew Research Center).

ولا تخلو النقاشات السياسية من آثار سلبية محتملة؛ إذ قد تثير مشاعر غير مريحة. وتشير جامعة ميشيغان إلى أن هذه النقاشات قد تؤدي أحياناً إلى ارتفاع ضغط الدم، وتقلبات في الوزن، والشعور بالقلق وتذبذب المزاج، فضلاً عن اضطرابات النوم وحتى إساءة استخدام المواد المخدرة.

غير أن تحليلاً جديداً لاستطلاعات رأي واستبانات سابقة أجرته جامعة ولاية واشنطن، يقدّم صورة أكثر توازناً؛ إذ يشير إلى أن الحديث عن السياسة في مكان العمل قد يساعد الموظفين فعلياً على إدارة ضغوطهم النفسية بشكل أفضل، شريطة أن يتم في بيئة يشعر فيها الأفراد بالدعم والتفهّم.

وفي هذا السياق، أوضحت كريستين كوهن، أستاذة الإدارة في كلية كارسون للأعمال التابعة للجامعة، في بيان لها: «تشير نتائجنا إلى أن غالبية الموظفين لا يسعون إلى افتعال الخلافات في مكان العمل. ففي العينات التي شملتها دراستنا، كان الأفراد يتسمون بالانتقائية؛ إذ يميلون إلى مناقشة الأخبار السياسية ذات الطابع العاطفي مع زملاء يتوقعون منهم التعاطف، أو يشاركونهم وجهات نظر متقاربة».

وقد شمل التقييم إجابات استطلاعات ورسائل أدلى بها نحو 500 موظف، شاركوا في ثلاث دراسات منفصلة.

وتضمنت هذه الردود معلومات حول الأوقات التي ناقش فيها الموظفون الأخبار السياسية داخل مكان العمل، وكيف ارتبطت تلك المحادثات بمستوى رفاههم الوظيفي، ودرجة الإرهاق لديهم، وطبيعة تفاعلاتهم مع زملائهم.

كما أخذ الباحثون في الحسبان الهوية السياسية للمشاركين، ومدى توافقها مع هويات زملائهم في بيئة العمل، مع الإشارة إلى أن الدراسة لم تكشف عن التوجهات السياسية التفصيلية للأفراد.

وقد أتاحت هذه المعطيات فهماً أعمق للكيفية التي تؤثر بها هذه الديناميكيات في طبيعة هذه النقاشات واحتمالات حدوثها.

وأظهرت النتائج أن النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متوافقين ومتعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم - مثل الإحباط - وتمنحهم إحساساً بأن مشاعرهم محل تقدير وتفهّم.

وفي هذا الصدد، قالت كوهن: «تُظهر الأبحاث أنه عندما يمر الأشخاص بمشاعر قوية في العمل - كما يحدث بعد التعامل مع عميل صعب - فإنهم غالباً ما يسعون إلى التحدث مع شخص ما حول ذلك».

وأضافت: «ما يختلف هنا هو السياق؛ فالأحداث الإخبارية التي تثير هذه المشاعر تقع خارج نطاق المؤسسة، لكنها تظل تؤثر في كيفية شعور الأفراد وتفاعلهم داخل بيئة العمل».

كما يشير الباحثون إلى أن تحليلهم لاستجابات العاملين يُظهر أن الأحداث الاجتماعية والسياسية قد تسهم في توليد ضغط عاطفي وإرهاق مهني داخل مكان العمل، وهو ما يجعل طريقة التعامل معها عاملاً حاسماً في الحد من آثارها السلبية.


قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
TT

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

أظهرت دراسة جديدة أنّ العلاقة الوثيقة بين البشر والكلاب استمرّت لأكثر من 14 ألف عام، واكتشف باحثون أدلة على أنّ الكلاب كانت تعيش جنباً إلى جنب مع البشر خلال العصر الجليدي، أي قبل أكثر من 5 آلاف عام من الاعتقاد السائد بشأن تدجينها.

وتعود عظام عُثر عليها في كهف غوف في سومرست، وفي بينارباشي في تركيا، إلى أواخر العصر الحجري القديم الأعلى، أي قبل ظهور الزراعة بزمن طويل. وفي هذا السياق، أوضح البروفسور أوليفر كريغ، من قسم الآثار بجامعة يورك أنه: «لطالما اعتقدنا أن الكلاب تطوّرت من الذئاب الرمادية خلال العصر الجليدي الأخير، لكن الأدلة المادية على ارتباطها بالبشر كان من الصعب تأكيدها».

وخلال المراحل الأولى من التدجين، كانت الكلاب والذئاب متطابقة تقريباً في الشكل، ولم تظهر اختلافات سلوكية واضحة في السجل الأثري. واعتمدت الدراسات السابقة على أجزاء صغيرة من الحمض النووي وقياسات الهياكل العظمية، لكن هذه الدراسة الأخيرة تمكنت من إعادة بناء جينومات كاملة من بقايا يزيد عمرها على 10 آلاف عام.

وبعد ذلك، قارن علماء جامعة يورك هذه البقايا بأكثر من ألف نوع حديث وقديم من فصيلة الكلاب، مما أكَّد أنّ الكلاب كانت منتشرة على نطاق واسع في أوروبا وغرب آسيا منذ 14 ألف عام على الأقل.

كما قاس تحليل غذائي نظائر الكربون والنيتروجين المحفوظة في كولاجين العظام، ما أظهر أنّ الكلاب كانت تتبع نظاماً غذائياً يُشبه النظام الغذائي لدى البشر.

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قالت طالبة الدكتوراه ليزي هودجسون التي أسهمت في الدراسة: «جاءت إحدى أهم النتائج من بينارباشي، إذ أظهرت البيانات أن الكلاب المنزلية كانت تستهلك نظاماً غذائياً غنياً بالأسماك، يُشابه إلى حد كبير النظام الغذائي للسكان المحليين»، مضيفةً أنه «من غير المرجَّح أنّ الكلاب كانت تصطاد كميات كبيرة من الأسماك بنفسها، ما يُشير إلى أنّ البشر كانوا يُطعمونها بنشاط».

كما تُشير الدراسة، التي نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلتها «الإندبندنت»، إلى أنّ الكلاب كانت موجودة بين مجموعات مختلفة من الصيادين وجامعي الثمار قرب نهاية العصر الجليدي، وأنها كانت أقرب صلةً بسلالات الكلاب الأوروبية والشرق أوسطية الحديثة منها بالكلاب القطبية.

وعلَّق الدكتور ويليام مارش، من متحف التاريخ الطبيعي: «سمحت لنا هذه العيّنات بتحديد أنواع إضافية من الكلاب القديمة من مواقع في ألمانيا وإيطاليا وسويسرا، ما يُظهر أنها كانت منتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا وتركيا منذ 14 ألف عام على الأقل».

بدوره، قال الدكتور لاكي سكارزبروك، من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ، إنّ هذا يشير إلى أنّ سلالات الكلاب الرئيسة كانت موجودة بالفعل منذ نحو 15 ألف عام. وأضاف: «كانت الكلاب ذات الأصول المختلفة موجودة بالفعل في جميع أنحاء أوراسيا، من سومرست إلى سيبيريا».

ويرى خبراء أنّ هذا يثير احتمال أن تكون الكلاب قد استُؤنست قبل أكثر من 10 آلاف عام من استئناس أيّ حيوانات أو نباتات أخرى.