371 % نمواً في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي إجرامياً

هجمات أسرع وأرخص وأذكى

الذكاء الاصطناعي أزال «عنق الزجاجة» البشري ما سمح بتوسّع الجريمة السيبرانية بسرعة ونطاق غير مسبوقين (رويترز)
الذكاء الاصطناعي أزال «عنق الزجاجة» البشري ما سمح بتوسّع الجريمة السيبرانية بسرعة ونطاق غير مسبوقين (رويترز)
TT

371 % نمواً في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي إجرامياً

الذكاء الاصطناعي أزال «عنق الزجاجة» البشري ما سمح بتوسّع الجريمة السيبرانية بسرعة ونطاق غير مسبوقين (رويترز)
الذكاء الاصطناعي أزال «عنق الزجاجة» البشري ما سمح بتوسّع الجريمة السيبرانية بسرعة ونطاق غير مسبوقين (رويترز)

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تطورت الجريمة السيبرانية عبر موجات متتالية من مجتمعات الاختراق الأولى بدوافع الفضول، إلى شبكات إجرامية منظمة تستثمر في البرمجيات الخبيثة وبرامج الفدية والاحتيال. لكن حسب دميتري فولكوف، الرئيس التنفيذي لـ«غروب آي بي» (Group-IB) فإن الموجة الحالية تمثل تحولاً جذرياً مختلفاً عبر تصنيع الجريمة السيبرانية من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي سلاحاً.

يقول فولكوف، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يبدو مختلفاً جذرياً هذه المرة هو أن الذكاء الاصطناعي أزال عنق الزجاجة البشري».

ويضيف: «في الماضي، كانت الجريمة السيبرانية تنمو بالسرعة التي يستطيع بها المجرمون كتابة الشيفرات أو التلاعب بالضحايا أو تنسيق الفرق. أما اليوم، فيتولى الذكاء الاصطناعي هذه المهام فوراً، وبشكل متكرر، وعلى نطاق واسع».

هذا التحول لا يعني فقط تسريع الهجمات، بل يمثل تغييراً هيكلياً في طريقة تصميم الجرائم الرقمية وتسويقها وتنفيذها ما يحوّلها من نشاط قائم على مهارات أفراد إلى صناعة قابلة للتوسع.

دميتري فولكوف الرئيس التنفيذي لـ«غروب آي بي» متحدثاً إلى «الشرق الأوسط» (الشركة)

من المهارة البشرية إلى التوسع الآلي

تقليدياً، اعتمدت الجريمة السيبرانية على خبرات بشرية متخصصة. وقد تطلب تطوير برمجيات خبيثة أو صياغة رسائل تصيد مقنعة أو تنفيذ هجمات هندسة اجتماعية وقتاً وخبرةً وتنسيقاً. هذا كان يحدّ من سرعة الانتشار وحجم العمليات. لكن فولوف يشرح كيف ألغى الذكاء الاصطناعي هذه القيود، موضحاً أن «حتى المجرمين الأقل خبرة باتوا قادرين على تنفيذ هجمات كانت تتطلب سابقاً مستوى عالياً من التخصص».

المهام التي كانت تُنجز يدوياً كالتقمص والإقناع والبرمجة والاستهداف، أصبحت اليوم مؤتمتة أو متاحة عبر أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تعمل بشكل مستمر. وتظهر هذه الطفرة بوضوح في منتديات الإنترنت المظلم، حيث رصدت شركة «Group-IB» ارتفاعاً كبيراً في النقاشات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل تلك البيئات.

ويشير فولكوف إلى أن أول المنشورات التي تتضمن كلمات مفتاحية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ارتفعت بنسبة 371 في المائة بين عامي 2019 و2025. وفي عام 2025 وحده، تم تسجيل 23 ألفاً و621 منشوراً أولياً ونحو 298 ألفاً و231 رداً. هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي انتقل من مرحلة الفضول إلى كونه أداةً إجراميةً سائدةً. ويذكر فولكوف أن «المجرمين لا يجرّبون... بل يتبنون بسرعة كل ما ينجح».

الهجمات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي تجمع بين الحجم الكبير والتعقيد العالي، وتترك آثاراً جنائية أقل (رويترز)

الذكاء الاصطناعي بنيةً تحتيةً إجراميةً

الخطورة لا تكمن فقط في الاستخدام، بل في تحول الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية أساسية للجريمة. وألمح فولكوف «إلى وجود تبنّ غير متكافئ وفي مجالات مثل الاحتيال والهندسة الاجتماعية، أصبح الذكاء الاصطناعي بنيةً تحتيةً أساسيةً، ولم يعد خياراً بل هو أساس». ويؤكد فولكوف أن الذكاء الاصطناعي أضحى جزءاً محورياً في توليد المحتوى والاستهداف وانتحال الهوية والأتمتة، وأن الأدوات المعتمدة عليه تُباع عبر نماذج اشتراك منخفضة التكلفة. ويذكر أنه «عندما تصبح الأدوات المتقدمة متاحة بسعر يعادل اشتراكاً في منصة بث، تختفي حواجز المهارة والمال».

الجريمة خدمةً

تتشابه الأسواق الإجرامية اليوم مع شركات البرمجيات السحابية المشروعة. ويعد فولكوف أن «هؤلاء الفاعلين يفكرون في الاحتفاظ بالعملاء وسهولة الاستخدام وقابلية التوسع، تماماً مثل الشركات الناشئة».

وعندما تُعامل الجريمة بوصفها منتجاً، تصبح أكثر مرونة واستدامة وأصعب في التعطيل. كما أن الذكاء الاصطناعي خفّض عتبة المهارة المطلوبة لتنفيذ هجمات متقدمة. ويرى فولكوف أن «الذكاء الاصطناعي يحوّل مهارات بشرية مثل الإقناع والتقليد والبرمجة إلى خدمات متاحة عند الطلب». وعلى عكس الاعتقاد بأن الأتمتة تقلل الجودة، يرى فولكوف أن الذكاء الاصطناعي زاد من الحجم والتعقيد معاً مع ارتفاع في حجم الهجمات، وفي مستوى تعقيدها. ويقول إن الذكاء الاصطناعي لا يضاعف عدد المحاولات فحسب، بل يحسّن واقعية الانتحال ويزيد من التخصيص الثقافي واللغوي.

لا تزال الأطر التنظيمية متأخرة عن وتيرة التهديدات ما يتطلب دفاعات استخباراتية وتعاوناً دولياً أوسع (غيتي)

قابلية الهوية للبرمجة

يحذر فولكوف من أن أحد أخطر التحولات يتمثل في الهجمات القائمة على الهوية، حيث أصبحت «الهوية قابلة للبرمجة... فالصوت والوجه والوثائق، يمكن تصنيعها وبيعها».

عندما تصبح الهوية سلعة، يتحول الاحتيال من استغلال الأنظمة إلى استغلال الثقة. وبالنسبة للفاعلين ذوي الدوافع المالية، تمثل الهوية بوابةً إلى البنية المالية. ويلفت على سبيل المثال إلى تجاوز إجراءات «اعرف عميلك» الذي يسمح بفتح حسابات مصرفية والوصول إلى أنظمة الدفع وتحويل الأموال المسروقة.

وقد وثّقت «Group-IB» حالة ساعدت فيها مؤسسة مالية على رصد 8065 محاولة تجاوز لأنظمة «KYC» باستخدام تقنيات التزييف العميق خلال الفترة بين يناير (كانون الثاني) وأغسطس (آب) 2025، ما أدى إلى اكتشاف 5702 حساب احتيالي. وبعد تطبيق أدوات كشف قائمة على التحليل الاستخباراتي، انخفض النشاط الاحتيالي بشكل حاد واستقر عند مستويات منخفضة.

أزمة ثقة في آليات التحقق

يقول فولكوف إن «رؤية شخص أو سماعه لم تعد دليلاً على هويته»، وإن الكثير من أنظمة التحقق الحالية صُممت في عالم ما قبل التزييف العميق، وتعتمد على التحقق البصري أو الصوتي.

لكن الجمع بين تحليل السلوك وذكاء الأجهزة وتقييم المخاطر يوفر دفاعاً أكثر فاعلية، إذ يمكن كشف التناقضات التي لا يستطيع التزييف إخفاءها، وينوه بأن الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تترك آثاراً جنائيةً أقل «ما يجعل التحقيق الرقمي والاستجابة للحوادث أكثر أهمية من أي وقت مضى».

أدوات الجريمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تُباع بنماذج اشتراك منخفضة التكلفة ما خفّض حواجز الدخول أمام مهاجمين جدد (شاترستوك)

فجوة تنظيمية

يلفت فولكوف إلى أن التشريعات لم تواكب بعد سرعة التحول، وأن «التنظيم يتحرك لكنه غير متسق، والمجرمون يستغلون الفجوات عبر الحدود».

في الشرق الأوسط، لا يوجد حتى الآن قانون موحد قائم على تقييم المخاطر مشابه لقانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي، خصوصاً في ما يتعلق بالاستخدامات عالية المخاطر مثل انتحال الهوية والاحتيال.

ويختتم فولكوف حديثه لـ«الشرق الأوسط» بدعوة إلى «التوقف عن النظر إلى الجرائم المدفوعة بالذكاء الاصطناعي حوادث منفصلة، وإدراك أنها نظام مترابط»، وأن وضع الذكاء الاصطناعي في قلب استراتيجيات الأمن وتعزيز التعاون الدولي وتبني دفاعات قائمة على الاستخبارات بات ضرورة ملحّة.


مقالات ذات صلة

«البنتاغون» يعتمد بقوة على الذكاء الاصطناعي في حرب إيران

الولايات المتحدة​ صورة مركبة لوزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ومدير شركة «أنثروبيك» داريو أمودي (أ.ف.ب)

«البنتاغون» يعتمد بقوة على الذكاء الاصطناعي في حرب إيران

عاود «البنتاغون» المحادثات مع «أنثروبيك» سعياً للتغلب على الخلافات بينهما بشأن الاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي، بما فيها ضمن الحرب مع إيران.

علي بردى (واشنطن)
الاقتصاد أحد مراكز البيانات التابعة لـ«أمازون ويب سيرفسز» (الشركة)

ماذا يعني تعطل خدمات «أمازون» في الإمارات والبحرين؟

تعطل خدمات «أمازون ويب سيرفسز» في الإمارات والبحرين يوقف الأنشطة المرتبطة بهذه المراكز في المنطقة، ويؤثر على استمرارية عمل الشركات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
كتب الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

تحت أقبية المتحف البريطاني في لندن، حيث تتجاور العتمة مع الضوء، وحيث يتحوّل الصمت إلى مادة قابلة للإصغاء، ترقد آلاف الشظايا الطينية كأنها أرشيفٌ للإنسان

ندى حطيط
تكنولوجيا تقترح دراسة من جامعة واترلو إدماج عناصر من الحكمة البشرية في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي (بيكسلز)

دراسة تسأل: هل يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى «الحكمة» ليصبح أكثر موثوقية؟

يقترح باحثون تطوير ذكاء اصطناعي أكثر حكمة عبر إدماج «الميتامعرفة» والتواضع المعرفي وفهم السياق لتحسين قرارات الأنظمة في البيئات المعقدة

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا إحدى نظارات «ميتا» في برشلونة (أ.ف.ب)

تقرير: نظارات «ميتا» تتجسس على مرتديها في المرحاض

زعم تقرير صحافي أن لقطات مصورة بنظارات «ميتا»، التي تتضمن أشخاصاً يخلعون ملابسهم أو يجلسون في المرحاض، تُشاهد من قبل موظفين.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يصبح «وكلاء الذكاء الاصطناعي» محرك الإنتاجية الجديد في الشركات السعودية؟

يمثل التحول الأساسي انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي في التجارب التقنية إلى توظيفه لتحقيق نتائج تشغيلية قابلة للقياس (أدوبي)
يمثل التحول الأساسي انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي في التجارب التقنية إلى توظيفه لتحقيق نتائج تشغيلية قابلة للقياس (أدوبي)
TT

هل يصبح «وكلاء الذكاء الاصطناعي» محرك الإنتاجية الجديد في الشركات السعودية؟

يمثل التحول الأساسي انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي في التجارب التقنية إلى توظيفه لتحقيق نتائج تشغيلية قابلة للقياس (أدوبي)
يمثل التحول الأساسي انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي في التجارب التقنية إلى توظيفه لتحقيق نتائج تشغيلية قابلة للقياس (أدوبي)

يؤدي تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وانتقالها من مرحلة التجارب التقنية إلى الاستخدامات التشغيلية الفعلية إلى بروز «وكلاء الذكاء الاصطناعي» كمفهوم جديد داخل المؤسسات الكبرى. وعلى خلاف موجات الأتمتة السابقة التي ركزت على تنفيذ مهام محددة مسبقاً، فإن هذه الأنظمة مصممة للعمل داخل سير العمل المؤسسي واتخاذ قرارات بشكل مستمر والتفاعل مع الأنظمة الرقمية في الزمن الحقيقي.

في السعودية، حيث تسارعت وتيرة التحول الرقمي في إطار «رؤية 2030»، بدأت المؤسسات تتجاوز مرحلة التجارب الأولية. لكن الانتقال من المشاريع التجريبية إلى تحقيق قيمة تشغيلية قابلة للقياس لا يزال متفاوتاً بين القطاعات المختلفة.

يقول يوسف برقاوي، الشريك في مجال الذكاء الاصطناعي والبيانات لدى «ديلويت الشرق الأوسط»، إن تبني المؤسسات لهذه الأنظمة يتقدم بسرعة، لكن مستوى النضج لا يزال غير متساوٍ. ويشرح خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» أن تبني وكلاء الذكاء الاصطناعي في المؤسسات يتقدم داخل السعودية بسرعة، لكن مستوى النضج لا يزال متفاوتاً. ورغم انتشار المبادرات، فإن عدداً محدوداً منها يرتبط حالياً بمؤشرات أداء واضحة. ويضيف برقاوي: «تشير خبرتنا في السوق، المتسقة مع نتائج استطلاع (ديلويت) حول حالة الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، إلى أن أقلية فقط من عمليات النشر اليوم وأن نحو ربع إلى ثلث المشاريع يرتبطان مباشرة بمؤشرات إنتاجية أو مؤشرات مالية واضحة».

يوسف برقاوي الشريك في مجال الذكاء الاصطناعي والبيانات لدى «ديلويت الشرق الأوسط»

الانتقال إلى مرحلة القيمة التشغيلية

بدأ التحول الفعلي يتشكل داخل المؤسسات الرائدة في المملكة العربية السعودية. فبدلاً من استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة استكشافية أو عرض تقني، بدأت المؤسسات تربط هذه الأنظمة بنتائج تشغيلية ملموسة.

ويفيد برقاوي بأن «المؤسسات المتقدمة تتحرك اليوم إلى ما بعد مرحلة التجارب، وتربط وكلاء الذكاء الاصطناعي بنتائج إنتاجية قابلة للقياس مثل تقليص زمن العمليات، وتجنب التكاليف، وتحسين جودة الخدمات، وزيادة القدرة الإنتاجية للقوى العاملة». ويعكس ذلك تحولاً في طريقة التفكير المؤسسي تجاه الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من اعتباره مبادرة ابتكار منفصلة، بدأت المؤسسات تتعامل معه كأداة لتحسين الأداء التشغيلي. ويرى برقاوي أن «التحول الحقيقي الجاري حالياً هو الانتقال من التجريب مع وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى التعامل معهم باعتبارهم مساهمين قابلين للقياس في الأداء التشغيلي، وليس مجرد عروض للابتكار».

شكل جديد من الأتمتة

يختلف دور وكلاء الذكاء الاصطناعي أيضاً عن الموجات السابقة من الأتمتة. ففي حين كانت أنظمة الأتمتة التقليدية تنفذ خطوات محددة وفق قواعد ثابتة، فإن الوكلاء الذكيين يعملون داخل العمليات التشغيلية ويتخذون قرارات بشكل مستمر استناداً إلى البيانات المتاحة. ويشرح برقاوي أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يُدخلون مفهوم اتخاذ القرار المستمر داخل سير العمل الحي. وهذا التطور يفتح المجال لتحسينات كبيرة في الكفاءة، لكنه يفرض أيضاً متطلبات تنظيمية جديدة. فهذه الأنظمة تحتاج إلى حوكمة قوية، ومراقبة آنية، وتكامل وثيق مع الأنظمة المؤسسية. ويتابع أنه على خلاف الأتمتة السابقة، تتطلب هذه الأنظمة حوكمة قوية ومراقبة في الوقت الحقيقي وتكاملاً مع الأنظمة المؤسسية، إضافة إلى وضوح في المساءلة. ويعني ذلك أن المؤسسات تحتاج إلى إعادة التفكير في نماذجها التشغيلية؛ إذ إن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها بقدر ما يكمن في قدرة المؤسسات على تكييف عملياتها معها.

يختلف وكلاء الذكاء الاصطناعي عن الأتمتة التقليدية لعملهم داخل سير العمل المؤسسي واتخاذ قرارات مستمرة اعتماداً على البيانات (غيتي)

أين تظهر القيمة الأكبر؟

رغم اختلاف مستويات النضج بين المؤسسات، فإن بعض المجالات بدأت بالفعل في تحقيق فوائد تشغيلية واضحة من استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي. ويلفت برقاوي إلى أن أكبر قيمة ظهرت حتى الآن في العمليات التي تتسم بحجم كبير من المعاملات وقواعد واضحة. ويقول إن «أكبر قيمة جاءت من عمليات خدمة العملاء والموظفين، وإدارة خدمات تقنية المعلومات، والعمليات المالية، والعمليات المرتبطة بالامتثال». تتميز هذه المجالات بكونها كثيفة المعاملات وتعتمد على قواعد محددة وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأنظمة المؤسسية، وهو ما يجعلها بيئة مناسبة لاستخدام الأتمتة المتقدمة.

التوقف عند مرحلة التجارب

رغم التقدم في بعض المجالات، فإن كثيراً من مبادرات الذكاء الاصطناعي تتوقف عند مرحلة التجارب الأولية. وغالباً ما يعود السبب إلى أن هذه المشاريع تثبت الإمكانات التقنية لكنها لا تثبت القيمة التشغيلية الكاملة.

ويعزو برقاوي ذلك التوقف إلى أن معظم المشاريع «تثبت المفهوم التقني، لكنها لا تثبت القيمة التجارية الشاملة». ومن بين أبرز العوائق ضعف التكامل مع الأنظمة الأساسية داخل المؤسسات، إضافة إلى مشكلات جودة البيانات. كما تمثل مسألة الصلاحيات واتخاذ القرار تحدياً مهماً.

الحوكمة شرط أساسي للنجاح

يلعب نمط القيادة والحوكمة المؤسسية دوراً حاسماً في نجاح هذه المبادرات. فالمؤسسات التي تتعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي كمشاريع جانبية غالباً ما تواجه صعوبة في توسيع نطاق استخدامها.

ويؤكد برقاوي أن «النجاح يعتمد على التعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي باعتبارهم قدرة مؤسسية أساسية وليس مشروعاً جانبياً». وينوه بأن نجاح التوسع يتطلب تعاوناً بين مختلف وحدات المؤسسة، بما في ذلك الأعمال وتقنية المعلومات والأمن السيبراني وإدارة المخاطر والشؤون القانونية.

تشكل جودة البيانات والتكامل بين الأنظمة والحوكمة المؤسسية أبرز التحديات التي تحد من توسيع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي (أدوبي)

البنية التحتية الرقمية في المملكة

شهدت السعودية خلال السنوات الماضية استثمارات كبيرة في البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك الحوسبة السحابية ومراكز البيانات. ويرى برقاوي أن هذه البنية أصبحت قادرة بشكل متزايد على دعم أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. لكنه يضيف أن تشغيل وكلاء الذكاء الاصطناعي بدرجات عالية من الاستقلالية يتطلب ضوابط مؤسسية إضافية.

ويشرح أن «البنية التحتية السحابية والرقمية في المملكة أصبحت أكثر جاهزية، لكن مستويات الاستقلالية الأعلى تتطلب ضوابط مؤسسية مثل إدارة الهوية، وواجهات البرمجة، وأدوات المراقبة، وحوكمة التكاليف».

ويختصر برقاوي التحدي بقوله إن «البنية التحتية لم تعد هي العائق الرئيسي؛ بل الجاهزية التشغيلية».

البيانات... التحدي الأكبر

رغم تطور البنية التحتية، لا تزال جودة البيانات وتكاملها تشكلان تحدياً رئيسياً أمام توسع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.

ويفيد برقاوي بأن «جودة البيانات وقابلية التشغيل البيني والحوكمة غالباً ما تكون العوامل الرئيسية التي تحد من تأثير وكلاء الذكاء الاصطناعي». وبينما تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على بيانات دقيقة ومحدثة لكي تقدم نتائج ذات قيمة، تحد الأنظمة المؤسسية المجزأة وضعف التكامل بين الأنظمة من قدرتها على العمل بكفاءة. في المقابل، يمكن أن تصبح مشاريع الذكاء الاصطناعي نفسها محفزاً لتحسين إدارة البيانات. ويضيف برقاوي أن مبادرات الذكاء الاصطناعي غالباً ما تعمل كمحفز لتحسين حوكمة البيانات وكسر الجزر المعلوماتية داخل المؤسسات.

من المتوقع أن يسهم انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنتاجية وتسريع التحول الرقمي في السعودية خلال السنوات المقبلة (شاترستوك)

إعادة تشكيل طبيعة العمل

إلى جانب التحولات التقنية، تؤثر هذه الأنظمة أيضاً في طبيعة العمل داخل المؤسسات. فمع انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي، ينتقل دور الموظفين من تنفيذ المهام إلى الإشراف على النتائج ومعالجة الحالات الاستثنائية.

ويقول برقاوي إن «وكلاء الذكاء الاصطناعي يغيرون طريقة إنجاز العمل». ويشير إلى أن المؤسسات الناجحة تستثمر في إدارة التغيير، بما يشمل إعادة تصميم الأدوار وبناء الثقة في الأنظمة الجديدة وتدريب الموظفين على العمل معها. ويتابع: «يجب التعامل مع نشر وكيل ذكاء اصطناعي جديد كما لو كان توظيف موظف جديد، حيث يجب تدريبه على معايير المؤسسة وعملياتها وفهم سياق العمل قبل إطلاقه لتحقيق أقصى قيمة».

أهمية بناء الكفاءات المحلية

يُعد تطوير الكفاءات المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي أحد العوامل الأساسية لضمان استدامة التحول الرقمي في المملكة. ويؤكد برقاوي أن وجود خبرات محلية أصبح ضرورة حتمية وأن التوسع المستدام يتطلب وجود كوادر محلية تفهم التنظيمات السعودية والسياق اللغوي العربي وخصوصيات القطاعات المختلفة. ومع استمرار تسارع التحول الرقمي في المملكة، يتوقع أن يلعب وكلاء الذكاء الاصطناعي دوراً مهماً في تحقيق أهداف «رؤية 2030». ويرى برقاوي أن يكون لوكلاء الذكاء الاصطناعي دور مهم في تسريع تحقيق «رؤية السعودية 2030» من خلال تحسين جودة الخدمات وزيادة الإنتاجية وتسريع العمليات التشغيلية. ومن المرجح أن يظهر التأثير الأكبر خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، مع دمج هذه الأنظمة بشكل أعمق داخل العمليات المؤسسية في القطاعين الحكومي والخاص.


لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)
وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)
TT

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)
وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)

أظهرت تجربة حديثة أجراها باحثون أوروبيون أنَّ الاتصالات المعتمدة على الليزر قد تفتح آفاقاً جديدة لتوسيع نطاق الاتصال عالي السرعة بين الطائرات وشبكات الأقمار الاصطناعية، ما قد يغيِّر طريقة اتصال المنصات المتحركة بالإنترنت في المستقبل.

وخلال التجربة، نجح الباحثون في إنشاء رابط بصري عالي السعة بين طائرة تحلق في الجو وقمر اصطناعي في مدار ثابت بالنسبة للأرض. وقد أُجري الاختبار بالتعاون بين وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) وشركة «إيرباص للدفاع والفضاء» وعدد من الشركاء البحثيين. وفي أثناء رحلة تجريبية في جنوب فرنسا، زُوّدت الطائرة بمحطة اتصال ليزرية من طراز «UltraAir» طوَّرتها «إيرباص»، وتمكَّنت من الاتصال بقمر «Alphasat TDP-1» الموجود على ارتفاع يقارب 36 ألف كيلومتر فوق سطح الأرض.

خطوة مهمة في الاتصالات البصرية الفضائية

تمكَّن الرابط من نقل البيانات بسرعة وصلت إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية، مع الحفاظ على اتصال خالٍ من الأخطاء لدقائق عدة في أثناء تحرك الطائرة. وبمثل هذه السرعات يمكن نقل ملفات بيانات كبيرة أو فيديو عالي الدقة خلال ثوانٍ. وتعتمد هذه التقنية على إرسال البيانات عبر شعاع ليزر ضيق بدلاً من استخدام موجات الراديو التقليدية التي تعتمد عليها غالبية أنظمة الاتصالات الفضائية الحالية. وتتيح الاتصالات البصرية نقل كميات أكبر من البيانات، كما يصعب اعتراضها أو التشويش عليها؛ بسبب تركيز الشعاع بشكل أكبر مقارنة بالإشارات الراديوية. ويرى الباحثون أن هذه التجربة تمثل خطوةً مهمةً نحو تطوير شبكات اتصالات فضائية ذات سعة أكبر ومستويات أمان أعلى، في وقت يزداد فيه الطلب العالمي على عرض النطاق الترددي، بينما تصبح الموارد المتاحة من الطيف الراديوي أكثر ازدحاماً.

تحديات الربط بين منصات متحركة

إن إنشاء اتصال ليزري بين محطات ثابتة على الأرض يمثل تحدياً بحد ذاته، لكن ربط طائرة متحركة بقمر اصطناعي يبعد آلاف الكيلومترات يضيف مستوى آخر من التعقيد التقني. فالطائرات تتعرَّض باستمرار للاهتزازات والاضطرابات الجوية وتغيرات الاتجاه، وهي عوامل قد تؤثر في دقة توجيه الشعاع الليزري. كما يمكن أن تؤثر الظروف الجوية مثل الغيوم أو التغيرات الحرارية في الغلاف الجوي على جودة الإشارة. وللحفاظ على الاتصال، يتعيَّن على محطة الاتصال المثبتة على الطائرة تعقب القمر الاصطناعي باستمرار وتعديل اتجاه الشعاع الليزري بدقة عالية جداً لتعويض حركة الطائرة وتأثيرات البيئة المحيطة.

تعتمد التقنية على أشعة الليزر بدلاً من موجات الراديو ما يتيح نقل بيانات أكبر ويزيد من صعوبة اعتراض الإشارة (إيرباص للدفاع والفضاء)

استخدامات محتملة تتجاوز الطيران

ورغم أن التجربة ركزت على اتصال الطائرات بالأقمار الاصطناعية، فإنَّ هذه التقنية قد تجد تطبيقات أوسع في المستقبل. إذ يمكن أن توفر اتصالات إنترنت عالية السرعة للطائرات والسفن والمركبات العاملة في مناطق نائية لا تصلها شبكات الاتصالات الأرضية. كما يمكن أن تلعب دوراً في بنى الاتصالات الفضائية المستقبلية التي تربط بين الأقمار الاصطناعية والمنصات الجوية والأنظمة الأرضية ضمن شبكات مترابطة. وقد تتيح هذه الروابط اتصالات أسرع وأقل زمناً للتأخير مقارنة ببعض الأنظمة الفضائية الحالية. ومن مزايا الاتصالات الليزرية أيضاً أن حزمها الضوئية الضيقة تجعلها أكثر أماناً نسبياً من الإشارات الراديوية التقليدية، وهو ما قد يجعلها مناسبة لبعض التطبيقات التي تتطلب مستويات عالية من الحماية.

جزء من تحول أوسع في شبكات الفضاء

يأتي هذا التطور ضمن توجه أوسع نحو استخدام الاتصالات البصرية في شبكات الأقمار الاصطناعية المستقبلية. فعدد من وكالات الفضاء والشركات التجارية يدرس بالفعل استخدام الروابط الليزرية لزيادة قدرة نقل البيانات بين الأقمار الاصطناعية أو بينها وبين المحطات الأرضية. وقد جرى اختبار هذه التقنية في روابط بين الأقمار الاصطناعية وفي بعض المهمات الفضائية التجريبية، حيث تسمح أشعة الليزر بنقل بيانات بكميات أكبر بكثير مقارنة بالأنظمة الراديوية التقليدية. وتُظهر التجربة الجديدة أن مثل هذه الروابط يمكن أن تعمل أيضاً عندما يكون أحد طرفَي الاتصال منصة متحركة بسرعة في الغلاف الجوي.

نحو اتصال دائم للمنصات المتحركة

يرى الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوةً أولى نحو دمج الطائرات والمنصات المتحركة الأخرى في شبكات اتصالات فضائية عالية السعة. وإذا تمَّ تطوير هذه التقنية إلى أنظمة تشغيلية، فقد تتيح توفير اتصال إنترنت سريع وموثوق في أماكن يصعب فيها الاعتماد على البنية التحتية الأرضية. وسيتركز العمل في المراحل المقبلة على تطوير التقنية ودمجها ضمن معماريات اتصالات أوسع تربط الأقمار الاصطناعية والطائرات والمنصات المرتفعة في شبكات متكاملة قادرة على نقل البيانات بسرعة وأمان عبر مسافات كبيرة.

ورغم أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها التجريبية، فإن التجربة تشير إلى أن الاتصالات البصرية قد تصبح عنصراً مهماً في الجيل المقبل من شبكات الاتصال العالمية، حيث يمكن للمنصات المتحركة الاتصال مباشرة بالبنية التحتية الفضائية عالية السعة.


تقرير عالمي: 74 % من احتيال الهويّة باتت تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي

لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)
لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)
TT

تقرير عالمي: 74 % من احتيال الهويّة باتت تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي

لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)
لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)

لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث متفرقة، بل أصبح منظومة صناعية متكاملة، تتسارع، وتيرتها بدعم من الذكاء الاصطناعي. يكشف تقرير «الحالة العالمية للاحتيال، والهوية 2026» الصادر عن «LexisNexis Risk Solutions » أن التحول الرقمي الذي سرّع التجارة الرقمية، سرّع في المقابل جرائم الاحتيال المالي، وعلى نطاق واسع.

استند التقرير إلى تحليل أكثر من 103 مليارات معاملة و104 مليارات هجوم نفذه أشخاص فعلياً حول العالم، إضافة إلى استطلاع شمل 1082 من مسؤولي مكافحة الاحتيال. هذا الحجم من البيانات يعكس مدى تغلغل المخاطر الاحتيالية في البنية الرقمية الحديثة.

التهديد الأسرع نمواً

من أبرز نتائج التقرير هو الارتفاع الحاد فيما يُعرف بـ«احتيال الطرف الأول»، أي الاحتيال الذي يرتكبه عملاء حقيقيون ضد المؤسسات التي يتعاملون معها. بات هذا النوع يشكّل 36 في المائة من إجمالي حالات الاحتيال هذا العام، مقارنة بـ15 في المائة فقط في العام السابق. أي إن نسبته تضاعفت أكثر من مرتين خلال 12 شهراً فقط. من حيث الخسائر المالية، يُتوقع أن تصل خسائر احتيال الطرف الأول إلى 3.9 مليار دولار في 2025، لترتفع إلى 4.8 مليار دولار بحلول 2028.

في قطاع التجزئة تحديداً، يُقدّر التقرير أن 15 في المائة من عمليات إرجاع السلع كانت احتيالية العام الماضي، ما كبّد الشركات خسائر بلغت نحو 103 مليارات دولار. وتكشف البيانات أن الظاهرة لا تقتصر على فئة عمرية واحدة. إذ أقرّ 18 في المائة من كبار جيل الألفية و16 في المائة من صغار جيل الألفية و13 في المائة من الجيل «زد» (Z) بممارسات احتيالية من هذا النوع. وتنخفض النسبة إلى 10 في المائة لدى صغار جيل طفرة المواليد، و7 في المائة لدى كبارهم وكبار السن. ويربط التقرير هذا السلوك جزئياً بارتفاع تكاليف المعيشة، والضغوط الاقتصادية.

استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح جزءاً من نحو 74في المائة من عمليات احتيال الهوية ما يدفع المؤسسات لتطوير أساليب تحقق أكثر تعقيداً (رويترز)

اقتصاد الإنترنت المظلم

إذا كان احتيال الطرف الأول يعكس ضغوطاً داخلية، فإن أسواق الإنترنت المظلم تعكس احترافية تنظيمية خارجية. يشير التقرير إلى رصد 31 سوقاً رئيسة على الإنترنت المظلم منذ 2011، أُغلق العديد منها عبر جهود إنفاذ القانون. لكن كل إغلاق غالباً ما يعقبه ظهور منصات جديدة. تعمل هذه الأسواق بأسلوب يشبه شركات البرمجيات السحابية المشروعة. تُباع حزم الاحتيال الجاهزة بأسعار تتراوح بين 400 و700 دولار، بينما تُعرض خدمات تجاوز «اعرف عميلك» (KYC) بنحو 1000 دولار للحساب الواحد. كما تتوفر حزم هويات اصطناعية، وحسابات مصرفية موثّقة، وبرامج إرشاد وتدريب تساعد المبتدئين على الانخراط في النشاط الاحتيالي بسرعة. وقد سجّلت إحدى هذه الأسواق حجم مبيعات بلغ 12 مليون دولار شهرياً قبل إغلاقها. كما يُقدّر أن أحد أشهر متصفحات الإنترنت المظلم يستقطب 4.6 مليون مستخدم يومياً. بهذا المعنى، أصبح الاحتيال بنية تحتية رقمية قائمة بذاتها، تعمل بنموذج اشتراك عالمي مرن.

انفجار المدفوعات الرقمية

يتسارع التحول نحو المدفوعات الرقمية عالمياً. ويتوقع التقرير أن تمثل المحافظ الرقمية 50 في المائة من معاملات التجارة الإلكترونية بحلول 2026، بينما يُتوقع أن تصل أصول البنوك الرقمية إلى تريليون دولار بحلول 2028.

كما تعيد أنظمة الدفع الفوري مثل «UPI «في الهند و«PIX «في البرازيل تعريف سرعة المعاملات. لكن السرعة تقلّص وقت الاستجابة.

ويقدّر التقرير أن 74 في المائة من حالات احتيال الهوية باتت تتضمن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، سواء في إنشاء هويات اصطناعية، أو صور «سيلفي» مزيفة، أو مستندات مزورة لتجاوز إجراءات التحقق.

بالتالي، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة بيد الطرفين: المدافعين والمهاجمين على حد سواء.

تعمل أسواق الإنترنت المظلم كنظم تجارية منظمة تبيع أدوات الاحتيال الجاهزة وحزم الهويات الاصطناعية وخدمات تجاوز التحقق (رويترز)

سطح مخاطرة جديد

لم تعد عملية التحقق من الهوية تقتصر على الوثائق الرسمية. فالنماذج الحديثة تعتمد على تحليل الأجهزة، والموقع الجغرافي، والسلوك الرقمي، وسجل المعاملات، والمؤشرات البيومترية. كما يشير التقرير إلى أن إجراءات «KYC» التقليدية لم تعد كافية في عصر التزييف العميق. ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، لم يعد الصوت، أو الصورة دليلاً قاطعاً على الهوية. وتتجه المؤسسات نحو نماذج تحقق قائمة على الاستخبارات الشبكية، والتحليل السياقي بدل الاعتماد على نقطة تحقق واحدة.

قوة الاستخبارات التعاونية

أحد أهم استنتاجات التقرير يتعلق بأهمية مشاركة البيانات. إذ يُظهر أن دمج استخبارات المخاطر التشاركية يمكن أن يحسن معدلات كشف الاحتيال بأكثر من 30 في المائة مقارنة بالنهج المعزول. كما أظهر أحد الأمثلة أن دمج البيانات الشبكية أدى إلى تحسن بنسبة 63 في المائة في أداء نموذج كشف الاحتيال، وتحقيق وفر مالي يُقدّر بـ1.6 مليون دولار. تعني هذه النتائج أن الذكاء الجماعي ضمن أطر تنظيمية مناسبة يعزز فعالية الدفاعات الرقمية.

نقطة التحول

يكشف تقرير 2026 حقيقة أن الاحتيال يتوسع بوتيرة التحول الرقمي نفسها. تضاعفت نسبة احتيال الطرف الأول وتورط الذكاء الاصطناعي في ثلاثة أرباع حالات احتيال الهوية تقريباً. وتعمل أسواق الإنترنت المظلم باحترافية الشركات التقنية. وتتوسع المدفوعات الرقمية بتريليونات الدولارات.

السؤال لم يعد: هل المخاطر تتزايد؟ الأرقام تؤكد ذلك. إلا أن السؤال الحقيقي هو: هل تتوسع أنظمة الحماية بالسرعة نفسها؟ وحتى الآن، يبدو أن السباق لا يزال مفتوحاً.