3 أسباب لتراجع الدولار في مصر

اقتصاد القاهرة يحظى بنظرة تفاؤلية دولية ومحلية

رجل وامرأة يسيران أمام مكتب صرافة في القاهرة (أ.ب)
رجل وامرأة يسيران أمام مكتب صرافة في القاهرة (أ.ب)
TT

3 أسباب لتراجع الدولار في مصر

رجل وامرأة يسيران أمام مكتب صرافة في القاهرة (أ.ب)
رجل وامرأة يسيران أمام مكتب صرافة في القاهرة (أ.ب)

تزداد النظرة المتفائلة للاقتصاد المصري، يوماً بعد يوم مع اقتربنا من نهاية العام الحالي، وذلك بالنظر إلى الوضع قبل عام؛ فمن الحديث عن أزمة سداد الديون، وتفاقم أزمة الدولار، وتراجع معروض السلع والمنتجات، إلى مد آجال الديون، وتوافر العملة الأميركية، وتوازن العرض والطلب في السوق.

وعاد الدولار ليسيطر على أحاديث معظم المصريين، خلال الفترة الحالية، لكن بصيغة: كم نزل الدولار اليوم؟ مقارنة بأسئلة كان يصعب الرد عليها قبل عام، كانت تدور حول تحرك الدولار نحو المجهول، حتى سعرت بعض الشركات منتجاتها على أسعار مبالغ فيها، خشية خروج تحركات العملة عن السيطرة.

وبالنظر إلى الوضع الاقتصادي الحالي، ومقارنته بالعام الماضي، سنلاحظ أن الفرق واضح بين النظرة التشاؤمية وقتها، والتفاؤلية حالياً، وهي كفيلة أن تستكمل رحلة تراجع الدولار أو بالأحرى صعود الجنيه، غير أن المستهلكين يترقبون وينتظرون أن تنعكس عليهم تلك الحالة التي بلغها الاقتصاد الكلي.

ولطالما كانت آراء قادة السياسة النقدية في مصر، استهداف التضخم وليس سعر العملة، وهو ما نجحوا فيه بالفعل، بمساعدة العمليات الحسابية والمقارنة بسنة الأساس.

فقد تباطأ التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية إلى 13.9 في المائة خلال يوليو (تموز) الماضي، من 14.9 في المائة خلال يونيو (حزيران)، ومن 33.3 في المائة خلال مارس (آذار) 2024، إلى 13.6 في المائة خلال مارس 2025.

بائع فاكهة على أطراف العاصمة المصرية القاهرة (رويترز)

وبلغ التضخم في مصر ذروته عند 38 في المائة بسبتمبر (أيلول) 2023، وفي مارس 2024، سمح البنك المركزي للسوق بتحديد سعر صرف الجنيه بعد اتفاق قرض موسع مع صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار.

وساعد في صعود الجنيه المصري، تراجع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من ست عملات رئيسية، بأكثر من 9.5 في المائة حتى الآن هذا العام. وبات اليورو أكبر المستفيدين، إذ صعد بنحو 13 في المائة هذا العام.

وحدّد خبراء اقتصاد 3 أسباب لتراجع الدولار في مصر، لخصوها في: تراجع العملة الأميركية عالمياً، وزيادة الإيرادات من الدولار محلياً، ونظرة المؤسسات الدولية للاقتصاد المصري.

عملات الأسواق الناشئة

ويرى هيثم الجندي، باحث اقتصادي ومحلل أسواق، أن الجنيه المصري استفاد مثله مثل عملات الأسواق الناشئة، فقد أشار إلى أنه «منذ بداية العام، هناك 18 عملة من 23 عملة لدول ناشئة تتفوق على الدولار».

وأضاف أنه بجانب ذلك فقد «أسهمت الأموال الساخنة، التي زادت نتيجة ضعف الدولار عالمياً، سواء لرغبة المستثمرين في التنويع بعيداً عن العملة الأميركية بسبب سياسة الرئيس دونالد ترمب المتقلبة، أو نتيجة بيانات أميركية مخيبة مؤخراً، خصوصاً بتلك المتعلقة بسوق العمل».

وقال الجندي لـ«الشرق الأوسط»: «تحرم التطورات والمعطيات الأميركية الأخيرة الدولار من ميزة استثنائية... ويعزز ذلك الرهانات على خفض الفائدة من الفيدرالي الأميركي، رغم مخاوف التضخم بسبب رسوم ترمب».

وأضاف: «السبب الثاني لتحسن أداء الجنيه هو انتعاش إيرادات الدولة بالنقد الأجنبي، خصوصاً الإيرادات السياحية، وتحويلات العاملين بالخارج، وارتفاع الاحتياطي إلى مستوى قياسي».

وقفزت تحويلات المصريين العاملين بالخارج 82.7 في المائة على أساس سنوي في أول 9 أشهر من 2024 - 2025 إلى نحو 26.4 مليار دولار، مقابل 14.5 مليار دولار في الفترة نفسها قبل عام. كما سجلت إيرادات السياحة ارتفاعاً إلى 12.5 مليار دولار في يوليو 2024 - مارس 2025 مقابل 10.9 مليار دولار في الفترة نفسها قبل عام. وفقاً لبيانات البنك المركزي المصري.

وانخفض عجز المعاملات الجارية في مصر إلى 13.2 مليار دولار في الفترة من يوليو 2024 إلى مارس 2025، من 17.1 مليار دولار في الفترة نفسها قبل عام، نتيجة هذه التطورات.

دعم دول الخليج

من جانبه، أرجع زاهر خليف محلل مالي بالبورصة المصرية، لـ«الشرق الأوسط»، ارتفاع سعر الجنيه المصري، إلى «ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر خصوصاً من دول الخليج، مثل قطر والسعودية».

ويوافقه في الرأي، كريم يحيى الخبير المصرفي، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط»، على أن «الصفقات العقارية مثل صفقة رأس الحكمة والصفقات التي يجري الحديث بشأنها الآن مع السعودية وقطر، فضلاً عن الودائع الخليجية، أسهمت بشكل كبير في استقرار العملة».

بنايات على نهر النيل بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويرى في هذا الصدد بنك «ستاندرد تشارترد» البريطاني، أن تدفقات النقد الأجنبي القوية من استثمارات المحافظ والقطاعات الرسمية تزيد الثقة في الجنيه المصري، وسط توقعات بصرف أكثر من 50 في المائة من التعهدات الاستثمارية الكبرى من قطر والكويت، التي تبلغ قيمتها الإجمالية 12.5 مليار دولار، بحلول نهاية العام الحالي.

ويقول خليف لـ«الشرق الأوسط»، إن «تحسن المباحثات حول ملف الطروحات في البورصة (تخارج الدولة من الشركات الحكومية)، وارتفاع التدفقات الدولارية نتيجة ارتفاع عوائد السياحة وتحويلات المصريين بالخارج، انعكس على تحسن الاحتياطي النقدي الأجنبي».

وبلغ صافي الاحتياطيات النقدية 49.036 مليون دولار في نهاية يوليو 2025، وفقاً لبيانات البنك المركزي.

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأسهم في ذلك، «الإقبال على أدوات الدين الحكومية... كما أنه ليس من المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تقلبات شديدة».

ورهن خليف استمرار تحسن الجنيه المصري أمام الدولار، بمدى «القدرة على زيادة توليد إيرادات دولارية، وتحسن الصادرات وتخفيض العجز في الميزان التجاري بشكل مستدام».

أما هيثم الجندي الباحث الاقتصادي، فيرى أن «الخطر على الجنيه يكون عند حدوث تصاعد التوترات الجيوسياسية أو ركود اقتصادي عالمي، لكن في غياب ذلك تبقى التوقعات إيجابية تجاه الجنيه، سواء بمزيد من المكاسب أو على الأقل الاستقرار لجذب مستثمرين جدد في المحافظ».

لكن كريم يحيى يرى أن «تراجع الدولار في مصر أسهم في زيادة حركة البيع من الأفراد وبعض الشركات، التي كانت تمتلك الدولار بحجة الاستثمار، مما زاد من الوفرة لدى البنوك، وهو ما قد يستكمل نزوله في حال استمرت حالة الاستقرار الحالية».

وتوقع يحيى زيادة المعروض من الدولار في هذه الحالة، مما قد ينعكس على باقي السلع خلال الشهور القليلة المقبلة، مشيراً إلى ما يحدث في قطاع السيارات، الذي يشهد تخفيضاً بنسب تصل إلى 15 - 20 في المائة حالياً.


مقالات ذات صلة

مقتل سائقَين مصريين في الخرطوم يدفع آخرين إلى العزوف عن السفر

شمال افريقيا معبر أرقين البري الرابط بين مصر والسودان (أ.ف.ب)

مقتل سائقَين مصريين في الخرطوم يدفع آخرين إلى العزوف عن السفر

يحاول السائق المصري سامي لطفي (40 عاماً) على مدار الساعة، أن يصل إلى زميله وشريكه الموجود حالياً في السودان، لنقل شحنة تجارية، دون فائدة.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا مصر تثبت أسعار الوقود (وزارة النقل المصرية)

مصر تثبت أسعار الوقود رغم ارتفاع النفط عالمياً

قررت «لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» في مصر تثبيت أسعار الوقود دون تغيير خلال اجتماعها الربع سنوي، الذي عقدته يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي داخل مصنع إنتاج أجهزة جوال (مجلس الوزراء)

تقلبات الأسواق المصرية تُربك قرارات الشراء وتثير مخاوف القطاع الخاص

تراقب سارة خالد (31 عاماً)، باهتمام حركة الأسعار في السوق، تمهيداً لشراء أجهزة كهربائية قبل زواجها بداية العام المقبل، وسط تذبذب في سعر الدولار مقابل الجنيه.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)

تحرك برلماني في مصر لكشف أسباب التراجع بمؤشرات «مكافحة الفساد»

قدّم نائب برلماني مصري طلب إحاطة عاجل إلى الحكومة، الأربعاء، لمساءلتها عن أسباب التراجع في مؤشر «مدركات الفساد» العالمي.

رحاب عليوة (القاهرة)
تحليل إخباري جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)

تحليل إخباري «الدهّابة» على الحدود المصرية ـ السودانية... مخاطر أمنية وتشابكات معقّدة

ثلاث مراحل دشَّنها الجيش المصري، منذ يونيو (حزيران) حتى أكتوبر (تشرين الأول) في مواجهة ظاهرة «الدهّابة» على الحدود مع السودان، مع تنامي التنقيب هناك

محمد محمود (القاهرة)

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
TT

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)

تعهدت دول مجموعة السبع بتخصيص 2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر عرضة للمخاطر، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وتداعياته على إمدادات الأسمدة وتكاليف الغذاء، وفق ما أعلنه وزير الاقتصاد الفرنسي، رولان ليسكور، الخميس.

وقال ليسكور، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، إن البنك الدولي حدد 44 دولة قد تواجه مشكلات في الأمن الغذائي نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية.

وأوضح الوزير الفرنسي أن التعهد يستهدف مساعدة الدول الأكثر فقراً، مع تركيز خاص على الأسمدة، التي تُعد عنصراً أساسياً في الإنتاج الزراعي، في وقت تؤدي فيه اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة الضغوط على أسعار الغذاء.

وفي سياق آخر، قال ليسكور إن دول المجموعة جمعت 260 مليون يورو (291 مليون دولار) للمساهمة في إصلاح القبة الواقية في موقع كارثة تشيرنوبل النووية، التي تضررت جراء هجمات روسية في فبراير (شباط) 2025.

وكانت فرنسا، التي تتولى الرئاسة الحالية لمجموعة السبع، قد قدرت في مارس (آذار) الماضي تكلفة الإصلاحات بنحو 500 مليون يورو، ودعت الدول الأعضاء إلى المساهمة في تمويلها. وأعلنت الولايات المتحدة في أبريل (نيسان) تقديم 100 مليون دولار لهذا الغرض.

وأضاف ليسكور أن هناك حاجة إلى تأمين بضعة ملايين إضافية من اليورو، مشيراً إلى تنظيم مؤتمر للتعهدات المالية في باريس خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لجمع مزيد من التمويل. كما أكد استمرار رغبة دول المجموعة في دعم أوكرانيا.


وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
TT

وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)

أعلن مجلس إدارة وكالة الطاقة الدولية عزمه تسريع الإفراج عن الكميات المتبقية من الاحتياطيات النفطية، والبالغة نحو 100 مليون برميل، في إطار التحرك الجماعي الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي استجابةً لأزمة مضيق هرمز، وذلك في ظل استمرار شح أسواق النفط، خصوصاً الديزل.

وقال المجلس، في بيان صدر الخميس، إن الدول الأعضاء أفرجت حتى الآن عن نحو 330 مليون برميل، فيما اتفقت على اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال الكميات المتبقية في الوقت المناسب، مع مراعاة الظروف الوطنية لكل دولة.

وأوضح أن خططاً محددة وُضعت لتسريع الإفراج عن الكميات المتبقية، تشمل إتاحة أكثر من 20 مليون برميل من الديزل في أقرب وقت ممكن، في وقت تواصل فيه الوكالة مراقبة تطورات الأسواق وتقييم احتياجاتها.

وأشار المجلس إلى أن بعض الدول الأعضاء أفرجت عن كميات تفوق ما تعهّدت به في مارس، فيما تعتزم دول أخرى زيادة الكميات المطروحة، بما يرفع إجمالي الاحتياطيات المقرر الإفراج عنها إلى أكثر من 400 مليون برميل، وهو الحجم الأصلي للعمل الجماعي.

ودعا المجلس الدول الأعضاء التي تمتلك قدرات لإنتاج النفط وتكريره إلى زيادة إمدادات الخام والمنتجات المكررة، مع التركيز على الديزل، مؤكداً أهمية ضمان حرية تدفق تجارة الطاقة.

وجاء البيان عقب اجتماع مجلس الإدارة، الذي أكد التزام الوكالة بأمن الطاقة العالمي، مشيراً إلى أحدث تقييمات أمانتها العامة التي تظهر استمرار الضغوط على أسواق النفط، ولا سيما سوق الديزل.

وأضاف أن الوكالة ستواصل متابعة تنفيذ خطة مارس، بما يتماشى مع بيان قادة مجموعة السبع، وستطلع قادة المجموعة ومجلس إدارتها على التقدم المحرز، وأي إجراءات إضافية قد تستدعيها تطورات السوق، استناداً إلى تقييم محدث يُركز على سوق الديزل.


أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

شهدت «وول ستريت»، يوم الخميس، موجةً جديدةً من عمليات بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، في أعقاب تقلبات واسعة النطاق في الأسواق العالمية أثارت مخاوف بشأن استدامة «حمى» الذكاء الاصطناعي.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.5 في المائة، مُسجِّلاً تراجعاً للمرة السادسة خلال الأيام الـ7 التي أعقبت وصوله إلى مستوى قياسي. وأدى ضعف أسهم الذكاء الاصطناعي إلى هبوط مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 1.2 في المائة، ليسجِّل أكبر خسارة بين المؤشرات الرئيسية، في حين أظهرت قطاعات أخرى من سوق الأسهم مزيداً من الصمود. وفي الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 251 نقطة، أو بنسبة 0.5 في المائة، كما سجَّلت غالبية الأسهم الأميركية مكاسب.

وتزامنت هذه التقلبات مع صدور تقرير أظهر تسارع التضخم في الولايات المتحدة بوتيرة تجاوزت توقعات الاقتصاديِّين. ويُعزى استمرار ارتفاع الأسعار جزئياً إلى مواصلة المستهلكين الإنفاق رغم زيادة التكاليف، إذ أظهر تقرير منفصل، صدر يوم الخميس، أن إيرادات تجار التجزئة الأميركيِّين خلال الشهر الماضي تجاوزت توقعات المحللين.

وبالنسبة إلى أسهم الذكاء الاصطناعي، بدأت موجة الهبوط الحادة في «وول ستريت» يوم الأربعاء، قبل أن تمتد تداعياتها إلى الأسواق الآسيوية، حيث تراجع مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية بنسبة 7.6 في المائة، ومؤشر «نيكي 225» في اليابان بنسبة 4.9 في المائة، لتعود هذه التقلبات وتلقي بظلالها على الأسواق الأميركية.

وتشكِّل هذه التطورات أحدث حلقة في سلسلة من التقلبات الحادة التي تشهدها أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، والتي قادت أداء الأسواق لسنوات. وتضخ الشركات استثمارات ضخمة في هذا المجال، أملاً في زيادة أرباحها وتعزيز الإنتاجية. غير أن إنشاء مراكز البيانات وتوفير رقائق الذكاء الاصطناعي يتطلبان تكاليف باهظة، ما دفع كثيراً من الشركات إلى اللجوء إلى الاقتراض لتمويل هذه الاستثمارات.

ومع وصول عوائد السندات في الأسواق العالمية إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها منذ سنوات، تزداد المخاوف بشأن قدرة الشركات على مواصلة هذا الإنفاق المتسارع. فقد راكمت شركات كثيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ديوناً كبيرة في إطار سعيها إلى تحقيق طموحاتها التوسعية، في حين تتعرَّض أسهمها لضغوط متزايدة بفعل أعباء التمويل.

وفي هذا السياق، تراجع سهم شركة «كور ويف» المتخصصة في توفير قدرات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، بنسبة 7 في المائة، بعد هبوطه بنسبة 15.5 في المائة في الجلسة السابقة. وكانت الشركة قد أعلنت خلال الصيف أنها ستسدد ديوناً مستحقة بقيمة 4.41 مليار دولار خلال النصف الثاني من العام الحالي، إضافة إلى 6.18 مليار دولار في عام 2027. وحتى 30 يونيو (حزيران)، كانت الشركة تمتلك سيولةً نقديةً تزيد على 5.5 مليار دولار.

كما تجعل العوائد المرتفعة في سوق السندات المستثمرين أقل استعداداً، بوجه عام، لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم، لا سيما تلك التي تُتداول عند مستويات تقييم عالية.

وتراجع سهم «إنفيديا» الشركة المتخصصة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.1 في المائة، ليكون أكبر عامل ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وكانت الشركة قد استفادت من طفرة الذكاء الاصطناعي لتصبح الأعلى قيمة سوقية في «وول ستريت»، في حين حقَّق سهمها مكاسب بنحو 1415 في المائة منذ نهاية عام 2022 وحتى بداية تعاملات يوم الخميس.

وجاءت هذه الخسائر رغم إعلان إحدى الشركات الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي، التي تُعد نتائجها مؤشراً على أداء القطاع، أرباحاً قوية. فقد أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (تي إس إم سي) نتائج فصلية تجاوزت توقعات المحللين، بينما قال المدير المالي للشركة، ويندل هوانغ، إن التوقعات تشير إلى استمرار قوة الطلب خلال الأشهر الـ3 الأخيرة من عام 2026.

ورغم هذه النتائج، فإن سهم الشركة المدرج في الولايات المتحدة انخفض بنسبة 4.4 في المائة.

وكانت شركة أخرى محورية في قطاع الذكاء الاصطناعي قد أعلنت، يوم الأربعاء، نتائج قوية للأرباح، لكنها لم تنجح بدورها في استعادة حماسة المستثمرين تجاه القطاع. وقال كريستوف فوكيه، الرئيس التنفيذي لشركة «إيه إس إم إل» الهولندية، إن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي قوي للغاية، إلى درجة أن بعض العملاء يتحدثون عن تقديم طلبيات تمتد حتى عامي 2029 و2030.

في المقابل، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية في تعاملات يوم الخميس، في إشارة إلى ارتفاع أسعار السندات مع إقبال المستثمرين على شرائها. وتُعدُّ سندات الخزانة من الأصول الاستثمارية الأكثر أماناً نسبياً، نظراً إلى انخفاض مخاطر تعثر الحكومة الأميركية عن السداد، وغالباً ما يزداد الإقبال عليها في أوقات القلق والاضطرابات في الأسواق.

وانخفض العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 5.05 في المائة، مقارنة بـ5.19 في المائة في وقت متأخر من يوم الأربعاء. وكانت العوائد قد تجاوزت 5.30 في المائة في وقت سابق من الشهر الحالي، مسجِّلة أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم، ومؤشرات على استمرار قوة الاقتصاد الأميركي، إلى جانب عوامل أخرى.

وجاء تراجع العوائد رغم صدور بيانات اقتصادية أميركية أقوى من المتوقع، وهي بيانات من شأنها عادةً أن تدفع العوائد إلى الارتفاع. فإلى جانب بيانات مبيعات التجزئة، أظهر تقرير آخر أن عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعانات البطالة خلال الأسبوع الماضي جاء أقل من توقعات الاقتصاديين، ما قد يشير إلى تراجع وتيرة تسريح العمال في البلاد.

وفي الأسواق العالمية، تكبَّدت الأسهم الكورية الجنوبية أكبر الخسائر، إذ هبط مؤشر «كوسبي»، الذي تهيمن على أدائه شركتا الرقائق الإلكترونية «سامسونغ للإلكترونيات» و«إس كيه هاينكس» مُسجِّلاً أسوأ أداء يومي له منذ يوليو (تموز). وبذلك، يكون المؤشر قد تراجع بنسبة 39 في المائة مقارنة بمستواه القياسي المُسجَّل في يونيو الماضي.