تجريد من أي قدرة على الصمود... مشاهدات من قلب «مجاعة غزة»

فلسطينيون يصرخون للحصول على الطعام من مطبخ خيري شمال قطاع غزة (أ.ب)
فلسطينيون يصرخون للحصول على الطعام من مطبخ خيري شمال قطاع غزة (أ.ب)
TT

تجريد من أي قدرة على الصمود... مشاهدات من قلب «مجاعة غزة»

فلسطينيون يصرخون للحصول على الطعام من مطبخ خيري شمال قطاع غزة (أ.ب)
فلسطينيون يصرخون للحصول على الطعام من مطبخ خيري شمال قطاع غزة (أ.ب)

في شوارع مدينة غزة المكتظة والمليئة بالأنقاض، لم يكن من المفاجئ إعلان خبراء الأمم المتحدة أن مشاهد اليأس هذه يمكن وصفها رسمياً بالمجاعة.

قال أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، الذي كان في مدينة غزة طوال الحرب التي استمرت 22 شهراً: «هذا ما كنا نقوله منذ أشهر، وقد شهدناه وعشناه وعانينا منه. نشعر بالعجز الشديد والمرض والتعب الشديد»، وفقاً لما ذكره لصحيفة «الغارديان» البريطانية.

وأعلن تصنيف دولي لانعدام الأمن الغذائي، تشارك فيه الأمم المتحدة، أمس (الجمعة)، المجاعة رسمياً في محافظة غزة، وتوقع انتشارها إلى محافظتي دير البلح وخان يونس بنهاية سبتمبر (أيلول).

وقال التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي إن أكثر من نصف مليون شخص في قطاع غزة يواجهون ظروفاً كارثية، أي المرحلة الخامسة من التصنيف، ومن خصائصها الجوع الشديد والموت والعوز والمستويات الحرجة للغاية من سوء التغذية الحاد، بحسب مركز أخبار الأمم المتحدة.

ولم يُعلن عن مجاعات سوى 4 مجاعات من قِبل مركز التخطيط المرحلي المتكامل منذ إنشائه عام 2004، كان آخرها في السودان العام الماضي. وذكر التقرير أن «هذه المجاعة من صنع الإنسان بالكامل، ويمكن وقفها وعكس مسارها». وحذّر من زيادة هائلة في أعداد الوفيات إذا «لم يُطبّق وقف إطلاق النار... ولم تُستعَد الإمدادات الغذائية الأساسية والخدمات الأساسية على الفور».

وقال مسؤولو الإغاثة إن الفئات الأكثر ضعفاً بين الفلسطينيين الذين يعيشون الآن في مدينة غزة، والذين يُعتقد أن عددهم يتراوح بين 500 ألف و800 ألف شخص، هم الأكثر عرضة للخطر، خصوصاً كبار السن والشباب والمرضى والمعزولين اجتماعياً.

ليس لدينا شيء

تقول صباح عنتيز (55 عاماً)، التي نزحت من حي التفاح شرق مدينة غزة جراء الهجمات الإسرائيلية الأخيرة: «ليس لديّ ما أطبخه، ولا مال لشراء حطب للطهي. نأكل قليلاً من الطعام صباحاً لسد جوعنا، ونأكل أحياناً ليلاً. أتناول قليلاً من الزعتر والجبن أو الملح مع الخبز فقط، لا خضراوات، ولا شيء مطبوخاً».

عنتيز تعاني من ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب. زوجها (60 عاماً)، مريض جداً ولا يستطيع العمل، أو جمع الطعام.

وتضيف «لم يبقَ لدينا أحد، لا أحد يعيلني أو حتى يحضر لنا الطعام. فقدت نحو 10 أفراد من عائلتي في غارة جوية على حي التفاح: والدي، وأمي، وأبناء وبنات إخوتي وأخواتي».

وشدّدت السلطات الإسرائيلية حصارها المفروض على غزة منذ بداية الصراع في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وفرضت حظراً شاملاً على الإمدادات لمدة شهرين في مارس (آذار) وأبريل (نيسان). وقد وصل مزيد من المساعدات إلى غزة في الأسابيع الأخيرة، وإن كان ذلك جزءاً ضئيلاً فقط من الاحتياجات، وفقاً لوكالات الإغاثة.

وارتفع سعر السكر من نحو 100 دولار للكيلوغرام إلى نحو 7 دولارات، لكن الكثير غير ذلك لا يزال باهظ الثمن بالنسبة لـ90 في المائة من السكان الذين لا يملكون دخلاً. ويبلغ سعر الطماطم 30 دولاراً للكيلوغرام.

بلا طعام بعد 20 مرة نزوح

قالت ابتسام صالح (50 عاماً) تعيش في خيمة بمدينة غزة بعد نزوحها 20 مرة، إنها بلا طعام ولا مصدر دخل. وأضافت: «ما لدينا الآن يأتي فقط من المساعدات أو الهدايا. قبل الحرب، كنت أتلقى 100 دولار شهرياً من إحدى الجهات لأنني مطلقة ولدي ابن. لكن منذ بدء الحرب، لم نتلقَّ أي شيء».

تتناول ابتسام صالح وجبة واحدة يومياً، عادةً ما تكون عدساً، على الرغم من أن جارتها أعطتها كيساً صغيراً من الأرز في وقت سابق من هذا الأسبوع. وقالت: «ليست لدي القوة للوقوف في طابور انتظاراً للحصول على حصتي من أي مساعدة غذائية. في إحدى المرات أغمي عليّ أثناء الانتظار. كانت الشمس شديدة الحرارة، وأعاني من ارتفاع ضغط الدم. بسبب الحرارة، انخفض ضغط دمي وفقدت الوعي».

إلى جانب المرضى وكبار السن، هناك من هم معدمون. بعد ما يقرب من عامين من النزوح والحرمان، قليلون في مدينة غزة لديهم أي احتياطيات مادية أو مالية.

تجريد كامل

ومن جانبه، قال مسؤول إغاثة تابع للأمم المتحدة يُشرف على العمليات في جميع أنحاء غزة لصحيفة «الغارديان» البريطانية: «هذا شعبٌ جُرِّد من أي قدرة على الصمود... ليس لديهم أي شيء على الإطلاق. لا يوجد أي هامش أمان على الإطلاق. إنهم على حافة الخطر».

وهناك مخاوف عميقة بشأن أقصى شمال غزة، حيث لا يزال الآلاف يعيشون بين الأنقاض في أسوأ الظروف الإنسانية على الإطلاق بالمنطقة المنكوبة، على الرغم من أن البيانات المتاحة هناك لم تكن كافية لتصنيف الوضع الطارئ (IPC) للأزمة.

في مدينة غزة، تنام العائلات في العراء بالشوارع دون مأوى، أو تتكدس في شقق مكتظة ومتضررة، أو مخيمات خيام، حيث ينتشر الذباب والبعوض والأمراض المعدية. تتراكم القمامة في كل مكان، ويتسبب الدخان الخانق الناتج عن حرق البلاستيك في الحرائق بحالات سعال مزمنة. في الأسابيع الأخيرة، ارتفعت درجات الحرارة بشكل حاد.

الخبز فقط أمام أحلام الأطفال

ريهام كريّم (35 عاماً) تعيش في خيمة بمدينة غزة مع زوجها العاطل عن العمل وأطفالهما العشرة الذين تتراوح أعمارهم بين عامين و18 عاماً. اضطروا لمغادرة منزلهم في بيت حانون، وهي بلدة شمالية مُدمّرة، قبل ثلاثة أشهر. دفعهم هجوم عسكري إسرائيلي قرب المدرسة التي كانوا يحتمون بها في البداية إلى مدينة غزة.

قالت كريّم: «خلال الأشهر الثلاثة الماضية، لم نتلقَّ أي أموال أو مساعدات. لم نعُد نملك المال لشراء أي شيء، رغم انخفاض الأسعار». وأضافت: «أطفالي يطلبون أشياء كثيرة... يريدون مني أن أصنع لهم الحلويات، لكنني لا أستطيع لأننا لا نملك المال. نتناول وجبتين فقط في اليوم، واحدة في الصباح وأخرى في المساء. هذا الصباح، طبختُ علبة عدس وأكلناها. في المساء، عادةً ما نأكل الزعتر أو الجبن مع الخبز، وأحياناً الخبز وحده».

قالت كريّم إنها لم تعُد تملك أي مؤن غذائية. وقالت: «تركنا بعضاً منها في منزلنا عندما هربنا، ودُمر المنزل». بالأمس، ذهب ابني للبحث عن مساعدة، وحصل على كيلوغرام من المعكرونة وعلبة صلصة طماطم. أعطاه إياها شاب حصل عليها من مركز توزيع مساعدات غذائية. عاد وهو يشعر وكأنه يطير من الفرح.

ورفضت إسرائيل التقرير الأممي ووصفته بأنه مغلوط ومتحيز، وقالت إنه اعتمد على بيانات مغلوطة قدمت أغلبها حركة «حماس»، ولم يأخذ في الاعتبار تدفق كميات كبيرة من الأغذية على القطاع في الآونة الأخيرة.


مقالات ذات صلة

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

المشرق العربي مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

خاص إسرائيل تواصل تصفية نشطاء بارزين بـ«حماس» و«الجهاد»

تواصل إسرائيل استهداف نشطاء بارزين في «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب) p-circle

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

تستعد إندونيسيا لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة، دعماً لخطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».