حملة مصرية مضادة لكسر ادعاءات «غلق» معبر رفح

حضور رئاسي متكرر واستنفار إعلامي

شاحنات المساعدات تصطف أمام معبر رفح استعداد لدخول قطاع غزة (تصوير محمد عبده حسنين)
شاحنات المساعدات تصطف أمام معبر رفح استعداد لدخول قطاع غزة (تصوير محمد عبده حسنين)
TT

حملة مصرية مضادة لكسر ادعاءات «غلق» معبر رفح

شاحنات المساعدات تصطف أمام معبر رفح استعداد لدخول قطاع غزة (تصوير محمد عبده حسنين)
شاحنات المساعدات تصطف أمام معبر رفح استعداد لدخول قطاع غزة (تصوير محمد عبده حسنين)

من أمام مبنى ماسبيرو العريق المطل على نهر النيل، وسط القاهرة، انطلقت حافلتان ضخمتان تضمان أكثر من 70 صحافياً وإعلامياً مصرياً وأجنبيّاً من مختلف دول العالم، فجر الأربعاء، في طريقهما إلى معبر رفح الحدودي مع قطاع غزة، في زيارة ليست الأولى من نوعها غير أنها تأتي في «ظرف مغاير».

الرحلة التي استغرقت نحو 9 ساعات تستهدف متابعة إدخال المواد الإغاثية والإنسانية لأهالي القطاع المنكوبين، والتأكيد على التسهيلات والدعم اللوجستي المقدم من الجانب المصري.

ورغم تكرارها عدة مرات منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فإنها حملت طابعاً مختلفاً هذه المرة، كونها تأتي ضمن حالة استنفار رسمي وهجمة إعلامية مضادة، تقودها السلطات المصرية على جميع المستويات لدحض «ادعاءات» تستهدف «تشويه دورها في القضية الفلسطينية»؛ أبرزها ما يتعلق بـ«إغلاق مصر لمعبر رفح والمشاركة في تجويع سكان غزة»، كما يقول أحد منظمي الرحلة لـ«الشرق الأوسط».

وتنفي مصر منذ اندلعت الحرب اتهامات تتعلق بإغلاقها معبر رفح أمام المساعدات، وتشير إلى الاحتلال الإسرائيلي للجانب الآخر من المعبر، ومنعه تمرير أي شاحنات، لكنْ الآن بدا الأمر مختلفاً في ظل احتجاجات منظمة ومتواترة أمام سفارات مصرية بالخارج، تضمنت «إغلاقاً» رمزياً لأبوابها.

شاحنة أمام معبر رفح استعداداً للدخول للقطاع (تصوير محمد عبده حسنين)

الرد المصري الاستنكاري على تلك الاتهامات، التي تضمنت حملات «سوشيالية» لمعارضين، وعناصر محسوبة على تيار «الإسلام السياسي» تدين موقف السلطات المصرية، وتصفه بـ«المتقاعس»، لم يبدأ تصاعدياً، كما المعتاد، بل على العكس انطلق من القمة، بخطابين للرئيس عبد الفتاح السيسي، في نحو أسبوع، أحدهما مفاجئ خصص للرد على تلك الاتهامات، تبعه كلام لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وبيانات متتالية لوزارة الخارجية تشرح فيها حقيقة الموقف المصري من معبر رفح.

وقال السيسي، الثلاثاء، في مؤتمر صحافي بالقاهرة مع نظيره الفيتنامي لوونغ كوونغ، إن الوضع في قطاع غزة «يُستخدم ورقةً سياسيةً للمساومة»، معتبراً الادعاءات بمشاركة مصر في حصار قطاع غزة «إفلاساً» من مدعيها، ومشيراً إلى أن أكثر من خمسة آلاف شاحنة مساعدات في الأراضي المصرية مستعدة للدخول إلى قطاع غزة من مصر ودول أخرى. وأضاف: «المعبر لم يغلق، وتم تدميره وإصلاحه أربع مرات أثناء الحرب الأخيرة».

من أمام معبر رفح تحدثت السفيرة نبيلة مكرم، رئيسة الأمانة الفنية للتحالف الوطني المسؤول عن إدخال المساعدات لـ«الشرق الأوسط»، قائلة إن «مصر تتعرض لحملة تشويه لدورها في غزة».

وطالبت مكرم الإعلاميين الموجودين بنقل «حقيقة الدور المصري في إدخال المساعدات إلى غزة»، مشددةً على أن نقل الحقيقة لا يقل أهمية عن نقل المساعدات.

معبر رفح البري مفتوح من الجانب المصري لكن من دون دخول المساعدات (تصوير محمد عبده حسنين)

وفق السيسي، فإن «أكثر من 70 في المائة من المساعدات الإنسانية التي دخلتْ إلى قطاع غزة مصرية»، مشيراً إلى أن الجانب الإسرائيلي يسيطر على الجانب الفلسطيني من معبر رفح. ولفت إلى أنه «قبل الحرب، كان يدخل من مصر 600 إلى 700 شاحنة محملة بالأغذية والمواد المطلوبة لإعاشة نحو 2.3 مليون من الفلسطينيين يومياً... هذه الكمية تم تقليلها لدرجة الصفر على مدى الأشهر الـ21 الماضية... والوضع الذي ترونه الآن في القطاع ناجم عن ذلك، وليس ناجماً عن أن مصر تخلت عن دورها في إدخال المساعدات، أو أنها تشارك في حصار القطاع».

ويعد معبر رفح شرياناً اقتصادياً وأمنياً على الحدود بين مصر وقطاع غزة، يُسهل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع وخروج المسافرين والمصابين منه، قبل أن تسيطر إسرائيل على الجانب الفلسطيني منه في 7 مايو (أيار) 2024، وتعلن مصر عدم التنسيق مع إسرائيل بشأنه لعدم «شرعنة احتلاله»، والتزاماً باتفاقية المعابر التي وقّعت عليها في 2005 تل أبيب ورام الله بشأن إدارة السلطة الفلسطينية لمعبر رفح.

واتهم محافظ شمال سيناء خالد مجاور، «الإخوان»، بنشر ادعاءات منع السلطات المصرية دخول المساعدات إلى قطاع غزة، موكداً خلال مؤتمر صحافي من أمام المعبر، الأربعاء، أن الموقف المصري سيظل رافضاً لتهجير الفلسطينيين مهما كانت الضغوط، باعتبار ذلك هدفاً رئيساً للحفظ على الأراضي الفلسطينية.

وسبق أن وصف وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الحملة ضد مصر، بـ«الدنيئة»، مشيراً في مؤتمر صحافي، الأحد الماضي، إلى أنها «تستهدف تشتيت الانتباه عن إسرائيل بوصفها الوحيدة المسؤولة عن المأساة في غزة».

كان السيسي خرج في 28 يوليو (تموز) الماضي في خطاب مخصص لغزة، ليشرح آلية معبر رفح، مؤكداً أنه «لا بد أن يكون مفتوحاً من الجانب الفلسطيني لإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة».

وأضاف في كلمة بثها التلفزيون المصري أن معبر رفح هو معبر أفراد وتشغيله لا يرتبط بالجانب المصري فقط، بل بالجانب الآخر داخل قطاع غزة. وتابع قائلاً: «هناك أكثر من 5 معابر متصلة بقطاع غزة، من جانبنا هناك معبر رفح ومعبر كرم أبو سالم بشكل أو بآخر».

أكثر من 70 في المائة من المساعدات الإنسانية التي دخلت إلى قطاع غزة مصرية (تصوير محمد عبده حسنين)

وشهدت سفارات وبعثات دبلوماسية مصرية في دول عدة حول العالم، على مدار الأيام الماضية، احتجاجات، ومحاولات لـ«حصار وإغلاق» بدعوى مطالبة القاهرة بفتح «معبر رفح»، وإيصال المساعدات للأهالي الذين يعانون من التجويع.

يأتي «حصار السفارات» المصرية في الخارج ضمن «حملات تحريضية» يدبرها تنظيم «الإخوان»، المحظور في مصر، بهدف «تشويه الدور المصري في دعم القضية الفلسطينية»، حسب مسؤولين وبرلمانيين مصريين.

وانتقد ضياء رشوان، رئيس «الهيئة العامة للاستعلامات المصرية» التابعة للرئاسة، الحملة ضد مصر، قائلاً: «الأصوات التي تهاجم مصر لا تبحث عن الحقيقة، وإنما هي حملات مغرضة تستهدف التحريض، وتروِّج لمزاعم لا علاقة لها بالواقع، رغم أن ما تقوم به الدولة المصرية على الأرض يشهد له العالم أجمع»، وفق تعبيره.

جهود مصرية لإدخال المواد الإغاثية والإنسانية لأهالي القطاع المنكوبين (تصوير محمد عبده حسنين)

وتكلفت مصر 578 مليون دولار لتقديم خدمات طبية للفلسطينيين المصابين، الذين دخلوا أراضيها منذ بدء الحرب، كما تم إجراء أكثر من 5 آلاف عملية جراحية للمصابين والمرضى من الأشقاء الفلسطينيين، وفق نائب رئيس الوزراء المصري وزير الصحة والسكان خالد عبد الغفار.


مقالات ذات صلة

4 قتلى من عائلة واحدة بقصف طال غزة... وإسرائيل توسع «الخط الأصفر» ببيت لاهيا

المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون مركبة مدمرة عقب غارة جوية إسرائيلية على مدينة غزة (إ.ب.أ) p-circle

4 قتلى من عائلة واحدة بقصف طال غزة... وإسرائيل توسع «الخط الأصفر» ببيت لاهيا

لقي 5 أشخاص حتفهم في مختلف مناطق غزة خلال الساعات الـ24 الماضية، بينما تواصل القوات الإسرائيلية خروقاتها لوقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وقطر فى اجتماع رباعي بالرياض في 20 مارس الماضي (الخارجية المصرية)

السعودية ومصر وتركيا وباكستان لـ«ترسيخ التعاون والشراكة»

تستضيف القاهرة، اجتماعاً رباعياً يضم وزراء خارجية دول السعودية وتركيا وباكستان، بعد أيام من بلورة مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران لوقف الحرب.

محمد محمود (القاهرة)
خاص فلسطينيتان تبكيان أقارب لهما قتلوا بهجوم إسرائيلي خلال تشييعهم في مدينة غزة الخميس (رويترز)

خاص فصائل غزة تتشاور فيما بينها للرد قريباً على «تعديلات ملادينوف»

تجري قيادة «حماس» مشاورات مع الجناح العسكري «كتائب القسام» داخل القطاع، مشاورات بشأن التعديلات المقدمة من نيكولاي ملادينوف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطيني نازح داخل خيمته في مدينة غزة (رويترز)

مسؤول أممي يطالب بإعادة «الكرامة» لسكان قطاع غزة

قال وكيل الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية الخميس، إن سكان غزة يستحقون استعادة «كرامتهم» بدلا من مجرد البقاء على قيد الحياة، منتقدا عرقلة إسرائيل لتوزيع المساعدات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص فلسطينيتان تصرخان خلال تشييع جنازة رجل قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب) p-circle

خاص «حماس» تريد رئيساً لـ«إظهار التوافق» واستجابة لـ«نصائح خارجية»

رغم تعثر اتفاق وقف النار في غزة، تتمسك «حماس» بانتخاب رئيس جديد لها بينما كانت الجولة التنافسية الأولى بين خليل الحية وخالد مشعل غير حاسمة... فما السر وراء ذلك؟

«الشرق الأوسط» (غزة)

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
TT

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)

أعلنت جهات الإنقاذ البحري الليبية مساء الجمعة العثور على 16 جثة وإنقاذ 10 مهاجرين أحياء عقب غرق قارب هجرة غير نظامية كان يقل 61 شخصا قبالة الساحل الشرقي للبلاد، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا خلال الساعات المقبلة.

وقال مكتب الإنقاذ البحري بأمن السواحل طبرق ومؤسسة العابرين لمساعدة المهاجرين، بحسب وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، إن عمليات البحث لا تزال مستمرة، محذرين من احتمال وصول المزيد من الجثث إلى المنطقة الساحلية الممتدة من شاطئ العقيلة شرقا إلى عين الغزالة شرق ليبيا نتيجة الحادث.

وفي حادث منفصل غرب البلاد، تمكنت فرق الإنقاذ من إنقاذ 15 مهاجرا بعد انقلاب قاربهم قبالة سواحل مدينة الخمس، في عملية استجابة سريعة شارك فيها صيادون محليون وخفر السواحل الليبي.

وبحسب المصادر، بادر الصيادون المتواجدون بالقرب من موقع الحادث إلى انتشال المهاجرين من المياه وتقديم المساعدة الأولية لهم قبل وصول وحدات خفر السواحل التي استكملت عملية الإنقاذ ونقلت الناجين إلى الشاطئ.

وأوضحت السلطات أن المهاجرين الذين تم إنقاذهم تلقوا الرعاية الطبية اللازمة، فيما يبرز الحادثان مجددا المخاطر الكبيرة التي تواجه المهاجرين غير النظاميين خلال رحلات العبور عبر البحر المتوسط انطلاقا من السواحل الليبية.


الأُبَيِّض مهددة بمصير الفاشر

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
TT

الأُبَيِّض مهددة بمصير الفاشر

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

لم تمض ساعات على الدعوات التي وجهتها الأمم المتحدة و29 دولة في جنيف يوم الخميس، إلى «قوات الدعم السريع» لوقف هجومها على مدينة الأُبَيِّض، حتى غرقت عاصمة ولاية شمال كردفان في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيّرة، في أحدث حلقات الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ أيام، أدت لقتل العشرات.

وتزداد المخاوف من تكرار سيناريو الفاشر التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» العام الماضي بعد أشهر من الحصار.

ودعت الأمم المتحدة، و29 دولة خلال اجتماع للجنة حقوق الإنسان بجنيف الخميس، «قوات الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنّه على المدينة، محذّرةً من عواقب كارثية على المدنيين. وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «قلقه» إزاء التقارير عن نشر «قوات الدعم السريع» تعزيزات عسكرية كبيرة حول المدينة، «ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك»، وفق ما أفاد المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك.


الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
TT

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

لم تمض ساعات على الدعوات التي وجّهتها الأمم المتحدة وعدد من الدول الغربية، لـ«قوات الدعم السريع» لوقف هجومها على مدينة الأبيض، حتى غرقت عاصمة ولاية شمال كردفان في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيرة، في أحدث حلقات الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ أيام.

وأفادت مصادر محلية بأن مسيرة استراتيجية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، قصفت المحطة التحويلية للكهرباء في وقت متأخر من ليل الخميس، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي بالكامل عن المدينة، قبل أن يتجدد القصف صباح الجمعة على مواقع أخرى داخل الأبيض.

وبالنسبة لسكان المدينة، المعروفة سودانياً باسم «عروس الرمال»، لم يكن انقطاع الكهرباء سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الضغوط التي تعيشها الأبيض منذ أسابيع، فخلال الأيام الماضية تعرضت لهجمات مكثفة بالطائرات المسيرة. أسفرت، بحسب مصادر محلية، عن مقتل أكثر من 40 مدنياً وإصابة العشرات، كما استهدفت محطات الوقود وشاحنات الإمداد ومواقع مدنية وعسكرية، ما أدى إلى حالة متزايدة من القلق والخوف بين السكان.

استهداف منازل في مدينة الأبيض (متداولة على منصات التواصل الاجتماعي)

وبحسب الشهود المحليين، لا تزال الطائرات المسيرة تحلق بصورة مستمرة في سماء المدينة، الأمر الذي جعل الترقب جزءاً من الحياة اليومية. ويقول مواطنون إنهم باتوا يتابعون حركة المسيرات وأصواتها أكثر من متابعتهم للأخبار في التلفزيون وشاشات الجوالات الذكية، فيما فضّل بعض السكان تقليص تحركاتهم أو البقاء داخل المنازل خشية التعرض لهجمات مفاجئة، خاصة بعد تكرار استهداف مواقع مدنية وخدمية خلال الأيام الأخيرة.

مخاوف من سيناريو الفاشر

وتزداد هذه المخاوف بسبب ما حدث في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» العام الماضي، بعد أشهر من الحصار والاستنزاف العسكري، ومنذ ذلك الوقت، بات اسم الفاشر حاضراً في كل نقاش يتعلق بمصير الأبيض، خاصة مع تصاعد الهجمات واستمرار الضغوط على المدينة.

وتقع الأبيض على بعد نحو 411 كيلومتراً من الخرطوم، وتشكل حلقة الوصل الرئيسية بين إقليم دارفور ووسط السودان، كما تضم مقر الفرقة الخامسة مشاة «الهجانة» (أخذت اسمها من كون الجنود كان يستخدمون الإبل أو الهجن في العمليات العسكرية)، وتعدّ إحدى أهم الوحدات العسكرية التابعة للجيش السوداني. غير أن أهمية الأبيض لا تنبع من موقعها العسكري فحسب، بل من مكانتها الاقتصادية والسياسية واللوجستية أيضاً، فالمدينة تقع في قلب السودان تقريباً، وتشكل نقطة التقاء بين أقاليم دارفور وكردفان ووسط البلاد، ما جعلها عبر عقود مركزاً رئيسياً للتجارة والنقل وحركة البضائع.

وتشتهر الأبيض بأنها تضم أكبر سوق للصمغ العربي في العالم، كما تعد أكبر سوق للحبوب الزيتية في السودان، الأمر الذي منحها ثقلاً اقتصادياً يتجاوز حدود ولاية شمال كردفان.

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (رويترز)

كما ترتبط المدينة بشبكة طرق وسكة حديدية وخطوط إمداد حيوية تربط غرب البلاد بشرقها، ما يجعلها مركزاً مهماً لحركة التجارة والتموين والنقل. وإلى جانب ذلك، تمثل الأبيض مركزاً إدارياً وسياسياً بارزاً في إقليم كردفان، وتحتفظ برمزية تاريخية جعلتها واحدة من أكثر المدن تأثيراً في غرب السودان. وتفسر هذه الأهمية سبب تحول المدينة إلى هدف رئيسي في المعارك الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فبالنسبة للجيش، تمثل الأبيض قاعدة رئيسية لأي عمليات عسكرية حالية أو مستقبلية في كردفان ودارفور، كما تشكل خط الدفاع الأهم عن وسط السودان.

الأبيض لن تسقط

وفي هذا السياق، قال رئيس هيئة الأركان السابق للجيش السوداني، الفريق أول هاشم عبد المطلب، لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» تسعى من خلال هجماتها إلى تعطيل الجيش ومنعه من التقدم نحو إقليم دارفور، لكنه يستبعد أن تنجح المسيرات في تحقيق هذا الهدف، مؤكداً أن «الأبيض لن تسقط».

ويذهب الجيش إلى أبعد من ذلك في نفي وجود خطر مباشر على المدينة، فالعقيد الباشا حكيم، قائد المدرعات بالفرقة الخامسة مشاة «الهجانة»، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» بعيدة عن تخوم الأبيض، وإن الحديث عن حصارها مجرد شائعات، ويؤكد أن الخطط العسكرية تسير وفق ما هو مرسوم لها، وأن القوات المهاجمة تكبدت خسائر كبيرة، مضيفاً أن الجيش والقوات المشتركة والقوات المساندة تعمل وفق تنسيق كامل، وأن السكان سيسمعون «أخباراً سارة» قريباً.

لكن هذه التطمينات لا تبدد جميع المخاوف، فالخبير العسكري صالح عبد الله يرى في إفادته «الشرق الأوسط» أن ما يجري في الأبيض يحمل أوجهاً من الشبه مع التكتيكات التي استخدمتها «قوات الدعم السريع» في الفاشر، المتمثلة في الضغط المستمر والاستنزاف وإضعاف الخدمات وفتح ممرات للراغبين في مغادرة المدينة.

ويعزز استهداف البنية التحتية هذه المخاوف، فقد تحولت محطات الوقود إلى أهداف متكررة للهجمات، كما تعرضت شاحنات الوقود على الطرق المؤدية إلى المدينة للاستهداف. الأمر الذي تسبب في أزمة مواصلات حادة خلال الأيام الماضية، وأثّر بصورة مباشرة على حركة المواطنين والخدمات.

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض بعد استهدافه بمسيرة

ويقول سكان إن الوقود أصبح جزءاً من المعركة الدائرة حول الأبيض، إذ أدّى تكرار استهدافه إلى إرباك حركة النقل وارتفاع تكلفة التنقل داخل المدينة.

ورغم ذلك، فإن الصورة داخل الأبيض ليست قاتمة بالكامل، فالصحافي زهير هاشم، المقيم في المدينة، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن الحياة ما زالت تسير بصورة طبيعية في معظم الأحياء، مشيراً إلى أن أزمة المواصلات الأخيرة ارتبطت باستهداف 5 محطات وقود في يوم واحد، ما أدى إلى خروج بعضها عن الخدمة، أكثر من ارتباطها بانهيار شامل للخدمات أو الحياة العامة.

ويعتقد المحلل السياسي عثمان ميرغني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الموقع العسكري للأبيض يجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة مما يتصور كثيرون، ويشير إلى أن وجود الفرقة الخامسة مشاة وما تملكه من عتاد وقوات يمنحان المدينة قدرة دفاعية كبيرة، مستبعداً سقوطها أو اقتراب خطر السقوط منها في الوقت الراهن.

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

وبحسب ميرغني، فإن «قوات الدعم السريع» تدرك أهمية الأبيض باعتبارها أقوى خطوط دفاع الجيش غرب أم درمان، ولذلك تلجأ إلى استخدام الطائرات المسيّرة لإحداث ضغط نفسي على السكان، ودفع بعضهم إلى النزوح، أكثر من سعيها إلى حسم المعركة عسكرياً في الوقت الحالي.

ومع ذلك، فإن القلق لم يعد محلياً فقط، فقد دفعت التطورات الأخيرة الأمم المتحدة وعدداً من الدول الغربية إلى التحذير من التصعيد العسكري حول المدينة والدعوة إلى وقف الهجوم عليها، في مؤشر على تنامي المخاوف من تدهور الوضع الإنساني، إذا استمرت العمليات العسكرية بالوتيرة الحالية.

وبين تطمينات الجيش وتحذيرات المجتمع الدولي، ومخاوف السكان الذين يعيشون تحت أصوات المسيرات وانقطاع الخدمات، تبدو الأبيض اليوم واحدة من أكثر مدن السودان حساسية في هذه المرحلة من الحرب.

فإذا كانت الفاشر قد تحولت إلى نموذج يستحضره الجميع عند الحديث عن الحصار والسقوط، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في عروس الرمال هو ما إذا كانت المدينة قادرة على تفادي ذلك المصير، أم أن الحرب تدفعها تدريجياً إلى السيناريو نفسه، وإن اختلفت الأدوات والظروف.