آلية إسرائيل الجديدة لإدخال البضائع إلى غزة... قطرة أمل في صحراء قاحلة

التفاف على عمل المنظمات الأممية أم ذرٌ للرماد في العيون؟

فلسطيني يلوح لطائرة تحمل مساعدات إنسانية فوق النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطيني يلوح لطائرة تحمل مساعدات إنسانية فوق النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

آلية إسرائيل الجديدة لإدخال البضائع إلى غزة... قطرة أمل في صحراء قاحلة

فلسطيني يلوح لطائرة تحمل مساعدات إنسانية فوق النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطيني يلوح لطائرة تحمل مساعدات إنسانية فوق النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

بعثت عودة إسرائيل إلى تفعيل آلية إدخال البضائع لغزة عبر تجار محليين، بدلاً من توزيع مساعدات إنسانية عبر منظمات أممية ودولية، آمالاً بالقطاع في تخفيف قدر مما يعانونه من جوع؛ لكنها أثارت في الوقت ذاته تساؤلات حول أهدافها الحقيقية في وقت يجري الحديث فيه عن إعادة احتلال غزة وتوسيع العملية العسكرية بها.

فقد أعلن مكتب منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية أنه تقرر إدخال البضائع عبر عدد محدود من التجار المحليين، «بناءً على معايير محددة وتقييم أمني دقيق»؛ وهي آلية سبق أن اعتمدتها إسرائيل خلال الحرب الحالية مرتين على الأقل، قبل أن توقفها قبل نحو عام بدعوى أنها تخدم «حماس».

وقال المكتب إن البضائع ستشمل مواد غذائية أساسية، وغذاء للأطفال، وفواكه وخضراوات، ومستلزمات النظافة، وسيكون الدفع من خلال التحويلات البنكية فقط؛ مشيراً إلى أنها ستخضع لتدقيق من قبل هيئة المعابر البرية قبل دخولها القطاع.

وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن الهدف من هذه الخطوة تقليل الاعتماد على المساعدات الإنسانية التي تدخل عبر منظمات دولية بسبب «رفض الأمم المتحدة التعاون مع إسرائيل» في عملية توزيعها، مشيرةً إلى أن الشاحنات سيزيد عددها من 200 شاحنة إلى 300 شاحنة يومياً.

فلسطينيون يهرعون لالتقاط مساعدات أُسقطت جواً في النصيرات بوسط قطاع غزة الثلاثاء ودخان يملأ المكان (أ.ف.ب)

ولم يشر مكتب المنسق الإسرائيلي لموعد بدء دخول هذه البضائع؛ لكن صحيفة «الشرق الأوسط» لم ترصد دخول أي بضائع للقطاع الخاص، حتى ظهيرة الثلاثاء، سوى ست شاحنات محملة بمواد مختلفة لصالح تجار في منطقة دير البلح بوسط قطاع غزة، وبقيت في المخازن ولم تعرض في الأسواق.

أزمة سيولة طاحنة

وفقاً للآلية الجديدة، سيدفع التجار ثمن البضائع عبر التحويلات البنكية من دون أموال نقدية، وهي خطوة يرى البعض أنها تهدف بالأساس لإبقاء أزمة السيولة النقدية المتفاقمة بغزة، وعدم تبديل أوراق جديدة عبر التجار بالأوراق البالية منها، ومنع استفادة «حماس» من هذه الخطوة، وحرمانها من أي محاولة لجني ضرائب أو للسيطرة على البضائع، بحسب منظور إسرائيل التي كانت قد وجهت اتهامات بهذا الشأن خلال الهدنة السابقة التي امتدت من يناير (كانون الثاني) الماضي حتى مارس (آذار).

ويأمل الغزيون دخول البضائع وتأمينها وعرضها بالأسواق بأسعار معقولة، وفي البيع والشراء عبر التطبيقات البنكية الإلكترونية لتفادي دفع عمولة مالية كبيرة وصلت نسبتها إلى 55 في المائة، يأخذها بعض التجار مقابل توفير سيولة نقدية للمواطنين الذين يحوّلون بدورهم مبالغ من حساباتهم عبر التطبيقات البنكية لأولئك التجار، مع استمرار إغلاق البنوك الرسمية ومنع دخول أي أموال للقطاع.

فلسطينية تفتش بين الرمال عن أي حبات بقوليات أو أرز في النصيرات بوسط قطاع غزة خلال إسقاط غذاء جواً (أ.ف.ب)

وقال رامي مقداد، الموظف في حكومة السلطة الفلسطينية، لـ«الشرق الأوسط»: «عانينا كثيراً في الأشهر الماضية بفعل ارتفاع سعر العمولة للحصول على السيولة النقدية. وهذه الخطوة الجديدة بالتعامل عبر التطبيقات البنكية قد تخفف من معاناتنا». وتمنى ألا يزيد التجار سعر البضائع لبيعها مقابل الدفع الإلكتروني كما فعل البعض في الهدنة الماضية.

وأضاف: «نريد رقابة شديدة على التجار بما يسمح بتخفيف معاناتنا الإنسانية المتفاقمة وسط هذه الأوضاع الكارثية التي تجمَّعت فيها كل الظروف ضد المواطن الذي لا يملك من الأمر شيئاً».

وترى أريج الحلو، الموظفة في مؤسسة اجتماعية، أن هذه خطوة مهمة لحل الأزمات التي يعيشها السكان في ظل عدم توفر أي سيولة نقدية إلا برسوم عمولة عالية مُبالغ فيها. وأعربت عن أملها التزام التجار ببيع البضائع عبر التطبيقات الإلكترونية «بأسعار طبيعية»، خاصةً أنهم دفعوا مقابلها بنكياً بالفعل دون سيولة نقدية.

أسعار لا تُحتمل

ووسط مجاعة متفشية، تشهد أسواق غزة ظروفاً قاسية، يغيب فيها العديد من أنواع الخُضر، أما تلك التي تُزرع محلياً فتُباع بأسعار باهظة، وصل معها سعر الكيلوغرام الواحد من البندورة (الطماطم) إلى 110 شواقل (أي ما يعادل 32 دولاراً)، والكيلوغرام من البطاطا (البطاطس) إلى 60 شيقلاً (نحو 18 دولاراً).

ويعني اضطرار أهالي القطاع لسحب مبالغ مالية بعمولة وصلت إلى 55 في المائة في الأيام الأخيرة أن سعر كيلوغرام الطماطم يتجاوز 55 دولاراً فعلياً.

أطفال يفحصون الدمار الناجم عن قصف مخيم يؤوي نازحين في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

ويأمل الشاب رأفت الخطيب أن يساهم دخول البضائع إلى القطاع وبيعها عبر التطبيق البنكي في تغيير واقع الحال للأفضل، وقال إن هذه «خطوة يحتاج إليها الجميع».

وروى كيف أنه يضطر للذهاب إلى شاحنات المساعدات، في رحلة محفوفة بالمخاطر بسبب الاستهداف الإسرائيلي، من أجل محاولة الحصول على أي طحين أو غذاء يقيه الجوع هو وأسرته ووالده الطاعن في السن.

الوضع الميداني

يأتي ذلك في ظل استمرار الأزمة الإنسانية المتفاقمة، وتسجيل حالات وفاة جديدة بفعل المجاعة المتفشية؛ كما يجيء في وقت تبحث فيه إسرائيل عن خيارات عسكرية لاحتلال مناطق في قطاع غزة مع استمرار تجمد المفاوضات.

قعيد فلسطيني يتفحص بحسرة مشاهد الدمار بعد قصف مخيم يؤوي نازحين في مواصي خان يونس يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وسجلت مستشفيات قطاع غزة خلال 24 ساعة، من ظهر الاثنين إلى الثلاثاء، 8 وفيات جديدة نتيجة المجاعة وسوء التغذية، من بينهم طفل؛ ليرتفع العدد الإجمالي منذ بداية الحرب الإسرائيلية إلى 188، من بينهم 94 طفلاً. كما قُتل نحو 80 آخرين في أحدث قصف إسرائيلي.

ويتواكب كل هذا مع استمرار نهب المساعدات التي تدخل القطاع، وكذلك تلك التي تلقيها المظلات الجوية، الأمر الذي يمنع وصولها لمستحقيها، ما يفاقم الواقع الإنساني الصعب في القطاع.


مقالات ذات صلة

ميانمار إلى صناديق الاقتراع وسط حرب أهلية وأزمة إنسانية حادة

آسيا لوحة إعلانية تحمل صور مرشحين من حزب الشعب في رانغون (أ.ف.ب)

ميانمار إلى صناديق الاقتراع وسط حرب أهلية وأزمة إنسانية حادة

يتوجه الناخبون في ميانمار (بورما) إلى صناديق الاقتراع غداً لاختيار برلمانهم في خضم حرب أهلية دمرت أجزاء من البلاد وسببت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في آسيا.

«الشرق الأوسط» (رانغون)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون داخلياً بينهم أطفال يحملون أواني الطعام في أثناء تجمعهم لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة أغسطس الماضي (إ.ب.أ)

«يونيسف»: أعداد «صادمة» من أطفال غزة ما زالوا يعانون سوء التغذية الحاد

حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، اليوم (الثلاثاء)، من استمرار ارتفاع حالات سوء التغذية الحاد بين الأطفال في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا فلسطينيون ينتظرون الحصول على الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة (رويترز)

وكالتان أمميتان تحذران من «16 بؤرة جوع» في العالم

حذرت وكالتان تابعتان للأمم المتحدة معنيتان بالغذاء، اليوم الأربعاء، من أن ملايين الأشخاص حول العالم قد يواجهون المجاعة.

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم العربي انتشار المجاعة في الفاشر بشمال دارفور وكادوغلي في جنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)

تقرير: المجاعة تنتشر في مدن بدارفور وكردفان في السودان

أكد تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة الاثنين، انتشار المجاعة في الفاشر بشمال دارفور وكادوغلي في جنوب كردفان.

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
العالم بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)

بابا الفاتيكان يدعو إلى «عدم غض الطرف» عن مكافحة الجوع في أنحاء العالم

حث بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، اليوم الخميس، قادة العالم على التحلي بالمسؤولية، داعياً المجتمع الدولي إلى التركيز على معاناة الملايين الذين يواجهون الجوع.

«الشرق الأوسط» (روما)

أكثر من «صيد ثمين» في قبضة الأمن السوري

عنصر أمن سوري يعاين نفقا لـ"قسد" في حلب بعد انسحابها الأحد (رويترز)
عنصر أمن سوري يعاين نفقا لـ"قسد" في حلب بعد انسحابها الأحد (رويترز)
TT

أكثر من «صيد ثمين» في قبضة الأمن السوري

عنصر أمن سوري يعاين نفقا لـ"قسد" في حلب بعد انسحابها الأحد (رويترز)
عنصر أمن سوري يعاين نفقا لـ"قسد" في حلب بعد انسحابها الأحد (رويترز)

أعلنت وزارة الداخلية السورية نتائج عمليات أمنية قامت بها أخيراً في حمص واللاذقية وريف دمشق، أبرزها القبض على عنصرين من تنظيم «داعش» قالت إنهما متورطان في عملية تفجير مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حمص الشهر الماضي، بالإضافة إلى القبض على ثلاثة من قياديي خلية «الملازم عباس» التابعة لـ«لواء درع الساحل» بزعامة مقداد فتيحة، أحد أبرز موالي النظام السابق، ومجموعة مسلحة في حي الورود بدمشق قالت إنها كانت تخطط «لأعمال تخريبية».

وعلى جبهة حلب، قالت هيئة العمليات في الجيش إنها رصدت وصول مزيد من المجموعات المسلحة إلى نقاط انتشار قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في ريف حلب الشرقي قرب مسكنة ودير حافر، وهو ما نفته «قسد» واعتبرته مزاعم «لا أساس لها من الصحة».


مشاورات في القاهرة لحسم «لجنة إدارة غزة»


أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الدروس داخل خيمة قرب الخط الفاصل بين «حماس» وإسرائيل في بيت لاهيا شمال غزة (رويترز)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الدروس داخل خيمة قرب الخط الفاصل بين «حماس» وإسرائيل في بيت لاهيا شمال غزة (رويترز)
TT

مشاورات في القاهرة لحسم «لجنة إدارة غزة»


أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الدروس داخل خيمة قرب الخط الفاصل بين «حماس» وإسرائيل في بيت لاهيا شمال غزة (رويترز)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الدروس داخل خيمة قرب الخط الفاصل بين «حماس» وإسرائيل في بيت لاهيا شمال غزة (رويترز)

انطلقت في القاهرة، أمس، مشاورات جديدة بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وأفاد مصدر فلسطيني «الشرق الأوسط»، الاثنين، بوصول وفد من حركة «حماس» برئاسة خليل الحية، إلى القاهرة لبحث المرحلة الثانية من الاتفاق، مؤكداً أن المعلومات تشير إلى أن لجنة إدارة غزة ستُحسم في مشاورات جولة القاهرة، وستطَّلع الفصائل على أسماء أعضائها، خصوصاً بعد مستجدات بشأن تغير بعضها.

وتصاعد التباين الفلسطيني - الفلسطيني، أمس، إذ قال حازم قاسم، الناطق باسم «حماس»، إن حركته قدَّمت مواقف إيجابية متقدمة في إطار ترتيب الوضع الفلسطيني، داعياً قيادة السلطة الفلسطينية إلى «التقدم تجاه حالة الإجماع الوطني».

لكن منذر الحايك، الناطق باسم حركة «فتح»، شدد على أن أي لجنة لإدارة شؤون قطاع غزة يجب أن تستمد شرعيتها من السلطة الفلسطينية، محذراً من أن «أي مسار مغاير لذلك سيكرِّس واقع الانقسام السياسي بين غزة والضفة».


الجيش السوري يتصدى لمحاولتي تسلل لقوات «قسد» في ريف الرقة

أفراد من الشرطة العسكرية السورية ينتشرون في حلب بعد اشتباكات بين الجيش وقوات «قسد» (إ.ب.أ)
أفراد من الشرطة العسكرية السورية ينتشرون في حلب بعد اشتباكات بين الجيش وقوات «قسد» (إ.ب.أ)
TT

الجيش السوري يتصدى لمحاولتي تسلل لقوات «قسد» في ريف الرقة

أفراد من الشرطة العسكرية السورية ينتشرون في حلب بعد اشتباكات بين الجيش وقوات «قسد» (إ.ب.أ)
أفراد من الشرطة العسكرية السورية ينتشرون في حلب بعد اشتباكات بين الجيش وقوات «قسد» (إ.ب.أ)

نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا)، يوم الاثنين، عن مصدر عسكري قوله إن قوات الجيش صدت محاولتي تسلل لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في ريف الرقة الشمالي، بشمال البلاد، على جبهتي انتشار «الصليبي» و«المشرفة».

ولم تذكر الوكالة الرسمية المزيد من التفاصيل على الفور.

كانت هيئة العمليات في الجيش السوري قد قالت، في وقت سابق من يوم (الاثنين)، إنها رصدت وصول المزيد من المجموعات المسلحة إلى نقاط انتشار «قسد» في ريف حلب الشرقي قرب مسكنة ودير حافر، بينما أفادت الوكالة السورية بوصول تعزيزات جديدة للجيش إلى تلك النقاط رداً على تحركات «قسد».

ونفت «قوات سوريا الديمقراطية»، التي يقودها الأكراد، وجود أي تحركات أو حشد عسكري لقواتها في مناطق مسكنة ودير حافر. وقالت إن تلك المزاعم «لا أساس لها من الصحة».

وأشارت «قسد»، في بيان، إن التحركات الميدانية القائمة «تعود أساساً إلى فصائل حكومة دمشق»، محذرة من أن «تكرار هذه الادعاءات من قبل (وزارة الدفاع) يشكّل محاولة لافتعال التوتر وتهيئة ذرائع للتصعيد».

وأكدت «قسد» تمسكها «بخيار التهدئة، مع احتفاظنا بحقنا المشروع في اتخاذ ما يلزم للدفاع عن المنطقة وحماية المدنيين».

وذكرت وسائل إعلام سورية، الأحد، أن آخر مقاتلي «قسد» غادروا مدينة حلب بعد اتفاق التهدئة الذي سمح بعملية الإجلاء عقب اشتباكات دامية استمرت لأيام مع قوات الحكومة.