في عالم تهيمن عليه صيحات «تيك توك» ومساحيق الكولاجين والمكملات العصرية، يغيب عن الأذهان أن منتصف العمر يتطلّب مقاربة مختلفة للصحة والتغذية. فمع دخول الإنسان عقدَيه الرابع والخامس، تتبدل أولويات الجسم، وتبرز الحاجة إلى نمط غذائي أكثر حكمة؛ ليدعم القوة البدنية والوضوح الذهني لعقود مقبلة، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».
احتياجات متغيرة... وتحولات هرمونية
مع التقدم في العمر، تبدأ الهرمونات التقلّب، وتنخفض الطاقة تدريجياً، وتتبدل استجابة الجسم للمغذيات.
وتشرح اختصاصية التغذية، مؤلفة كتاب «الغذاء لسن اليأس»، الدكتورة لينيا باتيل، أن التغيّرات الهرمونية لدى الرجال، خصوصاً انخفاض هرمون التستوستيرون، تؤدي إلى خسارة تدريجية في الكتلة العضلية، في حين تواجه النساء تحديات إضافية مع انقطاع الطمث، من بينها زيادة الدهون، وضعف العضلات، وخلل في تنظيم السكر.
وتمتد الآثار إلى صحة القلب والعظام. فبعد سن الأربعين يفقد الإنسان نحو 0.5 في المائة من كتلة عظامه سنوياً، فيما تتعرّض النساء لفقدان يصل إلى 10 في المائة خلال السنوات الخمس الأولى بعد انقطاع الطمث بسبب تراجع هرمون الإستروجين.
البروتين أولاً... ولكن ليس وحده
ورغم أن المنتجات الغنية بالبروتين تملأ الأسواق، تؤكد اختصاصية التغذية في «ZOE»، الدكتورة فيديريكا أماني، أن معظم البالغين يستهلكون ما يكفي منه. لكنها تضيف: «بعد سن الخامسة والستين أو في فترة سن اليأس، نوصي بزيادة الجرعة اليومية إلى 1.2 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم».
وتشير الأبحاث الحديثة إلى أهمية توزيع البروتين على مدار اليوم، والحرص على إدخاله في وجبة الإفطار بشكل خاص، لتحسين الشبع وتنظيم مستويات الطاقة. لكن من دون إفراط، إذ إن تجاوز غرامَيْن لكل كيلوغرام قد يُزاحم مغذيات أخرى مثل الألياف.
العضلات لا تُبنى بالغذاء فقط
الاعتماد على التغذية وحدها لا يكفي للحفاظ على العضلات. فقدان الكتلة العضلية، أو ما يُعرف بـ«الساركوبينيا»، يبدأ مبكراً ويزداد مع مرور الوقت. وهنا، تشدد أماني على أهمية تمارين المقاومة، حتى لو كانت بسيطة مثل المشي أو رفع عبوات الطعام. فالتدريب هو المحفّز، والبروتين هو المادة الخام.
الغذاء وصحة الدماغ... ألوان الطبيعة خير دواء
وحول الصحة الذهنية، تبرز أهمية التنوع الغذائي. تنصح أماني باستهلاك 30 نوعاً من النباتات أسبوعياً، مع التركيز على الأطعمة الغنية بـ«الأوميغا 3»، و«الكولين» (الموجود في البيض)، و«الكرياتين»، بالإضافة إلى شرب كميات كافية من الماء لتفادي التأثيرات الذهنية للجفاف.
نوم أفضل... وسكر أقل
اضطرابات النوم شائعة بعد منتصف العمر، وقد ترتبط بالعادات الغذائية. فوفقاً لأماني، فإن تقليل السكريات المضافة وزيادة الألياف يمكن أن يحسّن جودة النوم، بفضل دور الألياف في خفض الالتهابات وتنظيم السكر.
وتوصي باتيل بالوصول إلى 30 غراماً من الألياف يومياً، بدءاً من استبدال الحبوب الكاملة بالمكررة، مروراً بإضافة البقول تدريجياً.
القلب تحت المجهر... والنمط الغذائي هو الأساس
بعد الأربعين، تتزايد مخاطر أمراض القلب، خصوصاً لدى النساء بعد انقطاع الطمث. وترى أماني أن الغذاء المتوازن، خصوصاً الغني بالألياف؛ مثل: الشوفان، والمكسرات، والبذور، يمكن أن يُسهم في خفض الكوليسترول.
خطوات صغيرة... تغيّرات كبيرة
وفي ختام حديثها، تلخّص أماني الوصفة في ثلاث نصائح: تناول 30 نوعاً من النباتات أسبوعياً، وتقليل الأغذية المصنّعة، والحرص على تنوع الألوان في الطبق.
أما باتيل فترى أن مفتاح النجاح هو المرونة والواقعية، لا توجد حمية واحدة تناسب الجميع. الأهم هو إيجاد نمط صحي مستدام وممتع.
ويؤكد الباحث في العلاقة بين البروتين والشيخوخة، البروفسور برنارد كورف، أنه لم يفت الأوان للتغيير. حتى الخطوات البسيطة يمكن أن تصنع فارقاً حقيقياً على المدى الطويل.
