كشْف الشيفرة الوراثية للصحة النفسية

إنجازات جديدة في علم «الجينوم النفسي»

كشْف الشيفرة الوراثية للصحة النفسية
TT

كشْف الشيفرة الوراثية للصحة النفسية

كشْف الشيفرة الوراثية للصحة النفسية

يُسلّط تحديث جديد من كلية الطب بجامعة نورث كارولاينا في الولايات المتحده، الضوء على التقدم الرائد في علم الجينوم النفسي على مدى السنوات الخمس الماضية، ويُحدد الخطوات التالية لفهم الأمراض النفسية وعلاجها من خلال علم الوراثة.

أساس جيني للاضطرابات النفسيةوسلطت الدراسة الضوء على الإنجازات التي حققها اتحاد الجينوم النفسي خلال السنوات الخمس الماضية وهو تعاون عالمي يضم آلاف الباحثين بدأ عام 2007. حيث تمثلت مهمة المجموعة في كشف الأساس الجيني للاضطرابات النفسية والعصبية النمائية وترجمة هذه المعرفة إلى علاجات أفضل لحالات مثل الفصام والاكتئاب وفقدان الشهية وغيرها.

وقادت الدراسة الدكتورة سينثيا بوليك والدكتور باتريك سوليفان من كلية الطب بجامعة كارولاينا الشمالية وكلية جيلينجز للصحة العامة العالمية، ونشرت في مجلة لانسيت «The Lancet» في 26 يونيو (حزيران) 2025. وستُوسّع هذه المرحلة البحثية التالية نطاق الاكتشافات الجينية للاضطرابات النفسية واستجاباتها العلاجية، وهي وزملاؤها يعملون على إرساء أسس علم تعاوني وشفاف ومؤثر سريرياً.

>علم الوراثة: مفتاح لفهم الأمراض النفسية وعادة تتشكل الاضطرابات النفسية من خلال مزيج من العوامل الوراثية وتجارب الحياة والعوامل البيئية. وقد أشارت الأبحاث المبكرة مثل دراسات التوائم في أربعينات القرن الماضي إلى وجود عنصر وراثي في حالات مثل الصرع والفصام Schizophrenia لكن الاختراقات الحديثة ظهرت مع ظهور دراسات الارتباط على مستوى الجينوم (GWAS) genome-wide association studies، إذ تُحلل هذه الدراسات الواسعة النطاق الحمض النووي دي إن إيه DNA لمئات الآلاف من الأفراد للعثور على الاختلافات المرتبطة بحالات الصحة العقلية. وهي بمثابة خريطة طريق جينية تُوجّه الباحثين نحو مناطق محددة من الجينوم لإجراء المزيد من البحث.

> اختراقات في حالات الفصام والاكتئاب وفقدان الشهية . وقد أسفرت السنوات الخمس الماضية عن نتائج ملحوظة. ففي عام 2022 حدد الباحثون 287 موقعاً على الجينوم مرتبطاً بالفصام. وبحلول عام 2025 ربطت دراسات مماثلة 635 منطقة جينية باضطراب الاكتئاب الشديد مما سدّ فجوة معرفية كبيرة في أبحاث الاكتئاب.

وجاء أحد أبرز الاكتشافات في عام 2019 عندما كشف العلماء عن أن فقدان الشهية العصبي له جذور جينية نفسية واستقلابية، إذ أدى ذلك إلى ظهور مصطلح الاضطراب الأيضي (الاستقلابي) النفسي metabo-psychiatric disorder، مما أعاد صياغة كيفية فهم المرض وعلاجه.

روابط جينية مشتركة بين الاضطرابات> من أهم النتائج التي تم التوصل إليها في السنوات الأخيرة أن العديد من الحالات النفسية تشترك في جذور جينية مشتركة وهي ظاهرة تُسمى تعدد الأنماط الجينية pleiotropy، وفي عام 2019 حدد الباحثون 136 «نقطة ساخنة» جينية مرتبطة باضطرابات مثل التوحد والاضطراب الثنائي القطب bipolar disorder واضطراب الوسواس القهري Obsessive-compulsive disorder ومتلازمة توريت Tourette syndrome وغيرها. ومن المثير للدهشة أن 109 من هذه المناطق ارتبطت بحالات متعددة. وقد يفسر هذا التداخل سبب تزامن بعض الاضطرابات ويفتح الباب أمام علاجات قد تستهدف مسارات بيولوجية مشتركة.

> معالجة اضطرابات تعاطي المواد .وقد بحثت مجموعة اتحاد الجينوم النفسي أيضاً في جينات تعاطي المواد، حيث وجدت 19 إشارة جينية مرتبطة بإدمانات متعددة بما في ذلك الكحول والتبغ والقنب والأفيونيات، حيث يمكن أن تؤدي هذه الاكتشافات إلى علاجات دوائية تتناول البيولوجيا الأوسع نطاقاً وراء الإدمان بدلاً من مجرد مواد فردية.

> اضطراب طيف التوحد والإعاقة الذهنية .

وقد ركز الباحثون تحديداً على الأخطاء الجينية الناتجة عن تكرار أو حذف أجزاء من الحمض النووي دي إن إيه DNA التي تُعرف باسم متغيرات عدد النسخ (CNVs) Copy number variation. وفي عام 2023 حدد مركز اتحاد الجينوم النفسي متغيرات عدد النسخ في جين NRXN1 وهو جين معروف جيداً بدوره في اضطراب طيف التوحد والإعاقة الذهنية، وحذفاً في جين ABCB11 الذي يلعب دوراً في قدرة الشخص على الاستجابة للأدوية المضادة للذهان.

دراسات للرعاية والعلاج

> تحسين الرعاية السريرية ومشاركة البيانات ويمكن أن تشمل مواقع الجينوم التي تشير إليها دراسات ارتباطات الجينوم الشاملة عدة متغيرات مهمة ومترابطة، إلا أن البيانات لا تكشف الكثيرعن التركيب البيولوجي الكامن وراء هذه النقاط الساخنة؛ لذلك قرر الباحثون دمج بيانات البروتين في دراساتهم المتعلقة بدراسات ارتباطات الجينوم الشاملة لتقديم رؤى حول أوجه التشابه والاختلاف بين الاضطرابات النفسية على المستوى الجزيئي والخلوي.

وعلى سبيل المثال، وجدت دراسة بقيادة كيفن أوكونيل من قسم الصحة النفسية والإدمان مستشفى جامعة أوسلو - النرويج وآخرين، نشرت في مجلة «Nature» في 22 يناير (كانون الثاني) 2025 أن الاضطراب الثنائي القطب يرتبط بزيادة التعبير عن الجينات في الخلايا العصبية المهمة في المعالجة العاطفية والذاكرة وتغير تثبيط أو استثارة معالجة الدماغ والهضم والتمثيل الغذائي وتنظيم الهرمونات. لكن مركز اتحاد الجينوم النفسي لا يُنتج البيانات فحسب، بل يُشاركها أيضاً مع المجتمعات الجينية والنفسية الأوسع. وقد تم الوصول إلى بياناتهم من أكثرمن 50 دراسة أظهرت ارتباطات الجينوم الشاملة أكثر من 154 ألف مرة منذ عام 2021 وأُدرجت في العديد من الدراسات الجينومية والجينومية الوظيفية والبيولوجية في مختلف المجالات.

> المساعي المستقبلية للمركز الجيني للجينات الأولية . يهدف المركز الجيني للجينات الأولية إلى توسيع نطاق الاكتشافات الجينية للعديد من الاضطرابات النفسية لتشمل الاستجابات للعلاج بالإضافة إلى الاضطرابات النفسية على مدار العمر وعبر مختلف الفئات السكانية.

وباستخدام كل من علم الوراثة ومصادر أخرى للبيانات البيئية والسريرية وبيانات علم الأعصاب يخطط المركز الجيني للجينات الأولية لاتباع نهج يعتمد على العمر لفهم الاضطرابات التي تبدأ عادةً في مرحلة الطفولة (مثل اضطراب طيف التوحد) والبلوغ (مثل اضطراب تعاطي المخدرات) ومراحل الحياة اللاحقة (مثل مرض ألزهايمر) ودراسة المسار الطولي للصحة النفسية والمرونة لدى السكان.


مقالات ذات صلة

نظام يتيح للروبوتات رباعية الأرجل تفادي العوائق قبل الاصطدام

تكنولوجيا يعتمد النظام على دمج الإدراك الذاتي مع الرؤية الخارجية لمساعدة الروبوت على فهم العوائق قبل ملامستها (KAIST)

نظام يتيح للروبوتات رباعية الأرجل تفادي العوائق قبل الاصطدام

النظام يدمج الرؤية والإحساس الذاتي لتمكين الروبوتات رباعية الأرجل من تفادي العوائق مبكراً والتحرك بكفاءة أكبر.

نسيم رمضان (لندن)
خاص يركز «إيزينغ» على معالجة اثنتين من أصعب العقبات الهندسية التي تعوق الاستخدام العملي للأنظمة الكمية (غيتي)

خاص «إنفيديا» تطرح نموذج «إيزينغ» لتقريب الحوسبة الكمية من الاستخدام العملي

تطرح «إنفيديا» نموذج «إيزينغ» المفتوح لتحسين معايرة المعالجات الكمية وتصحيح الأخطاء، في محاولة لتقريب الحوسبة الكمية من الاستخدام العملي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص يشير استعداد المستخدمين للدفع مقابل أداء أفضل إلى فرصة إيرادية قد تضيف للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد السنوي لكل مستخدم (شاترستوك)

خاص «إريكسون» لـ«الشرق الأوسط»: جودة الشبكة المضمونة تحسم 53 % من قرار الاشتراك

تظهر دراسة «إريكسون» أن المستهلك السعودي بات يمنح الأداء المضمون وزناً أكبر في اختيار الشبكة مع فرص نمو مدفوعة بالجيل الخامس والذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا التحديث الأمني العاجل يعالج ثغرة حرجة في برنامجي «Reader» و«Acrobat» على «ويندوز» و«ماك أو إس» (شاترستوك)

ثغرة خطيرة في «Reader» و«Acrobat » تدفع «أدوبي» إلى تحديث عاجل

أصدرت «أدوبي» تحديثاً عاجلاً لسد ثغرة خطيرة في «Reader» و«Acrobat» استُغلت فعلياً عبر ملفات «PDF» ما يتطلب التحديث فوراً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا قالت الشركة إن بيانات الدفع وحسابات المستخدمين نفسها لم تتعرض للاختراق لكنها لم تكشف عدد المتضررين (شاترستوك)

«Booking.com» تؤكد اختراق بعض بيانات حجوزات العملاء

أكدت «Booking.com» اختراق بعض بيانات الحجوزات، ما يثير مخاوف من استغلالها في التصيد، والاحتيال، رغم عدم تسرب بيانات الدفع.

نسيم رمضان (لندن)

منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
TT

منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»

يبدو أن الجميع يطمح للسيطرة على الفضاء. ولكن المشكلة تتمثل في أنه وكلما زاد عدد الأقمار الاصطناعية التي تطلقها الجيوش وتعتمد عليها، ازدادت الحاجة إلى نظام رقابي فعَّال لحماية تلك الأقمار، كما كتبت لورين سي. ويليامز(*).

منصة دعم فضائية

وهنا يأتي دور نظام جديد لقمر اصطناعي مزود بذراع آلية قادرة على تزويد الأقمار بالوقود اللازم: منصة«ميدنايت» من شركة «إم دي إيه» MDA Midnight الكندية هذه، التي كُشف عنها النقاب في ندوة الفضاء في كولورادو هذا الأسبوع. وقالت هولي جونسون، نائبة رئيس قسم الروبوتات والعمليات الفضائية في الشركة، لموقع «ديفنس وان»: «يستطيع هذا القمر الاصطناعي المزوَّد بذراع آلية، الاقتراب من السفن الفضائية الأخرى لفحصها، ومراقبة محيطها، واستكشاف الأجسام المقتربة، والدفاع ضد التهديدات المحتملة عند الحاجة».

التزويد بالوقود بسلامة

وأضافت جونسون أن هذه المنصة تستطيع أيضاً تزويد الأقمار الاصطناعية الأخرى بالوقود باستخدام ذراعه مع الحفاظ على مسافة آمنة من القمر الاصطناعي الذي يحتاج إلى التزويد بالوقود، وضمان استمرارية عمله.

وتابعت: «يتصل الذراع بواجهة تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود، بينما ستعوِّض الروبوتات معدلات الانحراف النسبي لهاتين المنصتين، لتأمين تزوبد القمر الاصطناعي بالوقود بسلاسة تامة».

10 آلاف قمر اصطناعي

وأضافت جونسون: «هناك مساعٍ حثيثة للحصول على مزيد من المعلومات حول الأجسام الموجودة في الفضاء - بما في ذلك ما يزيد عن 10 آلاف قمر اصطناعي - وما تقوم به، ومن يملكها، وأي تهديدات محتملة... ولكن الجزء المفقود من الوعي بالمجال الفضائي كان القدرة على اتخاذ أي إجراء حيال ذلك».

التنافس مع الصين

يأتي إطلاق هذا المنتج بعد أن أعرب الجنرال ستيفن وايتينغ قائد القيادة الفضائية الأميركية عن مخاوفه بشأن تجارب الصين الأخيرة في تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود؛ كما شدَّد في الآونة الأخيرة على ضرورة القدرة على نقل الأقمار الاصطناعية.

وقال وايتينغ أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الشهر الماضي: «ما يقلقني هو أنه إذا طوَّروا هذه القدرة، فسيكون لديهم القدرة على المناورة لتحقيق التفوق كما فعلت الولايات المتحدة لعقود - براً وبحراً وجوَّاً - حيث استخدمنا المناورة لصالحنا». وأضاف: «نحن بحاجة إلى تطوير قدراتنا الخاصة في حرب المناورة لضمان قدرتنا على الاستفادة من المزايا التي طوَّرتها القوات المشتركة على مدى عقود في الفضاء، كما فعلنا في مجالات أخرى».

* مجلة «ديفنس وان»، خدمات «ترييون ميديا».


روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة
TT

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

كشفت دراسة جديدة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم للمستخدمين نصائح طبية خاطئة في نحو نصف الحالات، ما يسلط الضوء على المخاطر الصحية لهذه التقنية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

تقييم 5 نماذج ذكية

وأجرى باحثون من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة تقييماً لـ5 منصات شائعة: «تشات جي بي تي»، و«جيميناي»، و«ميتا إيه آي»، و«غروك»، و«ديب سيك» من خلال طرح 10 أسئلة على كل منها، ضمن 5 فئات صحية.

نصف الإجابات خاطئة

ووفقاً للنتائج المنشورة هذا الأسبوع في المجلة الطبية «BMJ Open»، اعتُبر نحو 50 في المائة من إجمالي الإجابات خاطئاً، بما في ذلك ما يقرب من 20 في المائة كانت إجابات خاطئة للغاية، وفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ».

وأظهرت الدراسة أن أداء روبوتات الدردشة كان أفضل نسبياً في الإجابة عن الأسئلة المغلقة، والأسئلة المتعلقة باللقاحات والسرطان، بينما كان أداؤها أسوأ في الإجابة عن الأسئلة المفتوحة وفي مجالات مثل الخلايا الجذعية والتغذية.

إجابات بثقة... من دون مراجع

أفاد الباحثون بأن الإجابات كانت تُقدَّم غالباً بثقة ويقين، مع أن أياً من برامج الدردشة الآلية لم يُقدِّم قائمة مراجع كاملة ودقيقة استجابةً لأي سؤال. ولم يُسجَّل سوى رفضين للإجابة عن سؤال، وكلاهما من نموذج «ميتا».

افتقار النماذج للخبرة الطبية

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على القلق المتزايد بشأن كيفية استخدام الناس لمنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لا تملك ترخيصاً لتقديم المشورة الطبية، وتفتقر إلى الخبرة السريرية اللازمة للتشخيص.

200 مليون يستشيرون «الطبيب جي بي تي» أسبوعياً

وقد أدى النمو الهائل لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى تحويلها لأداة شائعة للأشخاص الذين يبحثون عن إرشادات بشأن أمراضهم. وصرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأن أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على منصة «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

وكانت المنصة قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أدوات صحية لكل من المستخدمين العاديين والأطباء. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة «أنثروبيك» عن إطلاق منتجها «كلاود» كخدمة جديدة للرعاية الصحية.

تضخيم المعلومات المضللة

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن أحد المخاطر الرئيسية لنشر برامج الدردشة الآلية دون توعية عامة ورقابة، هو أنها قد تُضخِّم المعلومات المضللة. وكتب الباحثون أن النتائج «تُسلِّط الضوء على قيود سلوكية مهمة، وعلى ضرورة إعادة تقييم كيفية استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التواصل الصحي والطبي الموجَّه للجمهور». وأضافوا أن هذه الأنظمة قد تُنتج «ردوداً تبدو موثوقة، ولكنها قد تكون معيبة».


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟