هل يمكن للعقل أن يسيطر على الألم؟

«بيوفيدباك» يتحدى «الشقيقة»... والذكاء الاصطناعي يعزز العلاج

هل يمكن للعقل أن يسيطر على الألم؟
TT

هل يمكن للعقل أن يسيطر على الألم؟

هل يمكن للعقل أن يسيطر على الألم؟

هل يمكن أن يتحول العقل من متلقٍ للألم إلى متحكم فيه؟ في زمنٍ باتت فيه آلام الرأس تفوق قدرة المسكنات على المواجهة، تبرز تقنية فريدة لا تعوّل على العقاقير أو الجراحة، بل على وعي الإنسان بجسده، وعلى قدرته على إعادة ضبط أجهزته الداخلية... إنها تقنية البيوفيدباك (Biofeedback)، أو ما يُعرف بـ«التغذية الراجعة الحيوية».

إن هذا المنطلق العلاجي، الذي يمزج بين الجسد والعقل، بات يُثير اهتماماً عالمياً متزايداً، خصوصاً في علاج الشقيقة (الصداع النصفي)، التي تُعد من أكثر أنواع الصداع إعاقة، وتؤثر على ملايين البشر حول العالم، بينهم ملايين في العالم العربي.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا الحقل، لم يعد «البيوفيدباك» مجرد تدريب ذهني، بل أصبح منظومة ذكية، تستشعر التغيرات البيولوجية في الجسم، وتُديرها قبل أن تتحول إلى ألم.

«علاجات سلوكية جسدية» للصداع النصفي

في دراسة مراجعة حديثة نُشرت في مارس (آذار) 2025 في مجلة العلاجات التكميلية في الطب «Complementary Therapies in Medicine»، قادها الباحثان براياش باوديل وأسوتوش ساه من جامعة تريبهوفان للعلوم الطبية في نيبال، جرى تحليل نتائج تسع تجارب سريرية امتدت من عام 2000 حتى 2024، وشملت 558 مريضاً بالغاً يعانون من الشقيقة.

وحملت نتائج الدراسة رسائل مهمة للباحثين... وللمرضى أيضاً: قد لا يكون الحل دائماً في الصيدلية، بل في داخلنا.

* ما هو البيوفيدباك؟ البيوفيدباك تقنية علاجية غير دوائية تنتمي إلى ما يُعرف بـ«العلاجات السلوكية الجسدية»، وتقوم على مبدأ بسيط لكنه عميق: حين يعرف الإنسان ما يجري داخل جسده بدقة، يصبح قادراً على التأثير فيه والتحكم به.

في الظروف العادية، تحدث في الجسم مئات العمليات الحيوية دون أن نلاحظها، مثل تسارع نبض القلب عند التوتر، توتر العضلات في حالات القلق، أو تغيّر حرارة اليدين نتيجة الغضب أو الخوف. وهذه العمليات تُدار لا إرادياً عبر الجهاز العصبي الذاتي.

وهنا يأتي دور البيوفيدباك: تدريب المريض على أن يُصبح على وعي بهذه التغيرات، ومن ثم تعلّم كيفية تعديلها بإرادته.

* نظم استشعار. ويتم ذلك من خلال توصيل المريض بجهاز يحتوي على مستشعرات دقيقة تقيس مؤشرات مثل:

- نشاط العضلات الكهربائية (EMG)

- معدل نبض القلب (HR)

- وتيرة التنفس (Respiratory rate)

- حرارة الجلد أو تدفق الدم في الأطراف (Thermal biofeedback)

- موجات الدماغ (Neurofeedback أو EEG biofeedback)

تُعرض هذه المؤشرات على شاشة أمام المريض بشكل لحظي على هيئة رسوم بيانية أو إشارات سمعية أو مرئية، فيبدأ الشخص بملاحظة كيف يؤثر توتره أو تنفسه أو أفكاره على جسده فوراً.

ثم، وبمساعدة المعالج، يتعلّم تقنيات التنفس العميق، الاسترخاء التدريجي، التصور العقلي، أو التركيز الذهني (Mindfulness) لضبط تلك المؤشرات، مما يُساعد على تهدئة الجهاز العصبي وتقليل التوتر الفيزيولوجي.

بديل فعّال

* في حالة الشقيقة (الصداع النصفي)، يلعب التوتر العضلي وتغير تدفق الدم دوراً كبيراً في تحفيز النوبات. ويساعد البيوفيدباك المريض على:

- تقليل التوتر العضلي في الرقبة والجبين والكتفين

- تنظيم تدفق الدم إلى الرأس

- خفض معدل نبض القلب عند بداية التوتر

- السيطرة على ردود الفعل الجسدية المبكرة التي تسبق النوبة

ومع تكرار التدريب، يصبح المريض قادراً على استخدام هذه المهارات بشكل تلقائي، دون الحاجة لجهاز، وهو ما يُعرف بـ«الاستقلال العلاجي». والجانب الجميل في البيوفيدباك أنه لا يُعالج العرض فقط، بل يُعيد تعليم الجسم كيف يستجيب للضغوط، ويُعيد للمريض شعوره بالسيطرة، وهي نقطة غائبة في كثير من العلاجات الدوائية التقليدية.

* نتائج واعدة. كشفت الدراسة التحليلية، التي شملت 558 مريضاً يعانون من الشقيقة، عن نتائج واعدة تجعل من البيوفيدباك خياراً جاداً في مسار العلاج. أبرز هذه النتائج كان الانخفاض الملحوظ في عدد نوبات الصداع التي يعاني منها المريض شهرياً، مقارنةً بمن لم يتلقوا أي علاج.

وهذا التحسن الإحصائي - وإن وُصف بأنه بسيط سريرياً - يحمل أهمية كبيرة على مستوى راحة المريض اليومية، لا سيما مع الأمراض المزمنة التي لا تختفي فجأة، بل تُدار على المدى الطويل.

كما أظهرت الدراسة أن البيوفيدباك ساهم في خفض شدة الألم بنسبة تصل إلى 27 في المائة، وهو تحسن له أثر مباشر على جودة حياة المرضى، من القدرة على العمل إلى النوم والتفاعل الاجتماعي. والأهم من ذلك، أن المرضى لم يبلغوا عن آثار جانبية تُذكر، مما يجعل البيوفيدباك خياراً آمناً لمن لا يحتملون الأدوية أو يعانون من مضاعفاتها.

ومن النقاط اللافتة أيضاً، أن فعالية البيوفيدباك كانت قريبة جداً من فعالية «البروبرانولول»، وهو أحد أشهر الأدوية المستخدمة للوقاية من نوبات الشقيقة، كما قاربت نتائجه تلك التي تُسجل عادةً مع العلاج السلوكي المعرفي، وهو خيار نفسي يتطلب إشرافاً متخصصاً ومتابعة طويلة.

أما المفاجأة الإيجابية، فكانت في النتائج المركّبة: إذ وعند دمج البيوفيدباك مع العلاج الدوائي، لوحظ تحسن ملحوظ في مؤشرات القلق والاكتئاب، وكذلك نوعية النوم، وهي عوامل مرتبطة بشكل وثيق بنوبات الشقيقة. هذا يعزز فكرة أن الدمج بين التقنية السلوكية والدعم الدوائي قد يُقدّم حلاً متكاملاً وفعّالاً على المدى الطويل.

الذكاء الاصطناعي: من التحليل إلى التخصيص

لم يعد البيوفيدباك في العقد الأخير مجرد تقنية تعتمد على جلسات يدوية في عيادات متخصصة، بل دخل عصراً جديداً مدفوعاً بثورة الذكاء الاصطناعي، الذي أضاف بُعداً غير مسبوق من التفاعلية والدقة والمرونة. لقد تحوّلت التقنية من مجرد وسيلة لمراقبة المؤشرات الحيوية إلى أداة ذكية قادرة على تحليل هذه المؤشرات، وتقديم استجابات علاجية مخصصة بشكل لحظي.

* أبرز التطورات، وتشمل:

- التحليل الفوري لإشارات الجسد: أصبحت الخوارزميات قادرة على معالجة بيانات مثل معدل نبض القلب، وتوتر العضلات، ونمط التنفس في الزمن الحقيقي، ما يمكّن من مراقبة التغيرات الفسيولوجية المرتبطة بالتوتر أو ببدء نوبة شقيقة.

- التنبؤ المسبق بالنوبات: بفضل التعلم الآلي، يمكن لهذه الأنظمة التنبؤ باقتراب نوبة الصداع بناءً على بصمة كل مريض البيولوجية، مما يتيح فرصة للتدخل المبكر قبل تفاقم الأعراض.

- تخصيص البروتوكول العلاجي: لم يعد العلاج موحداً للجميع، بل أصبح قابلاً للتعديل الفوري بحسب استجابة المريض اللحظية، مما يرفع من فاعلية الجلسات العلاجية ويزيد من التزام المرضى بها.

- العلاج من المنزل بوسائل رقمية: تم دمج البيوفيدباك مع تطبيقات الهاتف الذكي، وتقنيات الواقع الافتراضي، مما أتاح للمريض إجراء الجلسات في منزله، تحت إشراف افتراضي من الذكاء الاصطناعي، دون الحاجة إلى زيارات متكررة للعيادة.

ومن التطبيقات الرائدة في هذا المجال، يبرز تطبيق Heart Math، الذي يستخدم مستشعرات حيوية صغيرة تُربط بالهاتف المحمول، وتقدّم جلسات تفاعلية تعتمد على تنظيم التنفس والانتباه، وقد أظهرت تجارب سريرية استخدامه تحسناً ملحوظاً في النوم، وانخفاضاً في عدد نوبات الشقيقة، وتحسناً في الحالة المزاجية لدى المستخدمين.

هذه التكنولوجيا لا تفتح آفاقاً جديدة لعلاج الشقيقة فحسب، بل تمثل أيضاً فرصة لنقل العلاج إلى المناطق التي تفتقر للاختصاصيين، من خلال أدوات بسيطة وذكية تدعم اللغة العربية، وتوفر تجربة علاجية آمنة ومخصصة في متناول اليد.

* دراسة أميركية تدعم التوجه. في دراسة أميركية أخرى نُشرت في مجلة Life (يونيو/ حزيران 2024)، تحت عنوان «دمج الذكاء الاصطناعي في علاج البيوفيدباك»، قام الباحث الدكتور دانيال جيفرسون من معهد هارفارد للأعصاب والذكاء الاصطناعي بتحليل آفاق استخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين الاستجابة للعلاج الحيوي.

وأظهرت الدراسة أن خوارزميات التعلم العميق أصبحت قادرة على مراقبة المؤشرات الحيوية للمريض في الزمن الحقيقي، والتنبؤ بنوبة الصداع بدقة تصل إلى 85 في المائة، وتقديم بروتوكولات علاجية مصممة حسب البصمة البيولوجية لكل فرد.

الحالات في العالم العربي

* لماذا يهمّنا هذا في العالم العربي؟ الشقيقة ليست مجرد صداع عابر، بل مرض مزمن يُقيد الحياة اليومية للملايين، خاصة النساء. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 15 في المائة من البالغين في العالم العربي يعانون من هذا النوع من الصداع، بينما ترتفع النسبة إلى قرابة 20 في المائة في بعض دول الخليج، حيث يسود نمط الحياة السريع والتوتر المزمن.

ورغم هذا الانتشار الواسع، لا تزال خيارات العلاج غير الدوائي محدودة في كثير من البلدان العربية، خصوصاً في المناطق الريفية أو التي تفتقر إلى وجود أخصائيين في الطب النفسي والسلوكي. وفي المقابل، هناك ازدياد مقلق في الاعتماد المفرط على المسكنات، التي قد تؤدي في بعض الحالات إلى تفاقم الحالة أو ظهور ما يُعرف بـ«الصداع المرتبط بالإفراط في استخدام الأدوية».

هنا يبرز دور البيوفيدباك، وخاصة حين يُدمج بالذكاء الاصطناعي، كخيار مثالي: علاج آمن، لا دوائي، يعتمد على وعي المريض بجسده، وقابل للتطبيق عبر أدوات ذكية بسيطة حتى في البيئات ذات الموارد المحدودة.

إن نشر هذه التقنية وتوطينها باللغة والثقافة العربية، لا يمثل رفاهية، بل ضرورة ملحة لتحسين جودة حياة ملايين المرضى، وتقديم بديل حديث ومستدام لأنظمة الرعاية الصحية في العالم العربي.

مستقبل بلا ألم

* هل نقترب من عصر بلا ألم؟ ما كان يُنظر إليه يوماً كأداة مساعدة في جلسات الاسترخاء، يتحوّل اليوم إلى نظام علاجي متكامل تقوده الخوارزميات. تخيّل أن يحمل هاتفك الذكي تطبيقاً يُنذرك قبل نوبة الصداع بدقائق، ويُطلق تلقائياً جلسة تنفس عميق بصوت هادئ، مع تعليمات مرئية موجّهة، مصممة خصيصاً لاستجابتك البيولوجية. هذا ليس مشهداً من فيلم علمي، بل واقع قيد التطبيق في مختبرات ومراكز ناشئة حول العالم.

إن البيوفيدباك، عندما يُدعم بالذكاء الاصطناعي، لا يُقدّم علاجاً فحسب، بل يُعيد للمريض دور البطولة في معركته مع الألم. إنه لا يعد بالشفاء التام، لكنه يزرع مفاتيح السيطرة داخل الجسد نفسه، ويُقدّم بديلاً عصرياً للدواء الكلاسيكي، بأقل قدر من الآثار الجانبية وأكثر قدر من التمكين الذاتي... ربما لا نستطيع إلغاء الألم تماماً، لكننا نستطيع - بتقنيات ذكية وقلبٍ واعٍ - أن نتحكم به قبل أن يتحكم بنا.


مقالات ذات صلة

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

شمال افريقيا وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

عصام فضل (القاهرة)
صحتك مرض السكري قد يُسبب مشاكل في النوم (بيكساباي)

تأثير قلة النوم على مرضى السكري

يرتبط داء السكري والنوم ارتباطاً وثيقاً، ويعاني كثير من مرضى السكري من النوع الثاني سوء جودة النوم أو الأرق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يمتلك الزنك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة مما يجعله عنصراً مهماً في تهدئة التفاعلات الالتهابية داخل أنسجة البروستاتا (بيكساباي)

ما تأثير الزنك على التهاب البروستاتا؟

تشير دراسات حديثة إلى أن توازن الزنك داخل البروستاتا عنصر أساسي في الوقاية من أمراض البروستاتا المختلفة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك يمكنك تناول الماء من خلال العديد من المشروبات (غيتي)

كم يجب أن تشرب من الماء يومياً؟ الإجابة تختلف باختلاف العمر

اقتنى كثيرون أكواب «ستانلي» الضخمة بنوايا حسنة، غير أن واقع الاستهلاك اليومي للسوائل لا يزال، في الغالب، يقتصر على الشاي، وعلبة أو اثنتين من المشروبات الغازية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك لطالما انقسم عشّاق الرياضة بين مؤيد لتمارين القوة وآخر يفضّل تمارين الكارديو (أرشيفية - رويترز)

لصحة القلب وإطالة العمر... هل نختار تمارين القوة أم «الكارديو»؟

لطالما انقسم عشّاق الرياضة بين مؤيد لتمارين القوة وآخر يفضّل تمارين الكارديو (مثل المشي والجري والدراجة). لكن أيهما الأفضل فعلاً لصحة القلب وإطالة العمر؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

تأثير قلة النوم على مرضى السكري

مرض السكري قد يُسبب مشاكل في النوم (بيكساباي)
مرض السكري قد يُسبب مشاكل في النوم (بيكساباي)
TT

تأثير قلة النوم على مرضى السكري

مرض السكري قد يُسبب مشاكل في النوم (بيكساباي)
مرض السكري قد يُسبب مشاكل في النوم (بيكساباي)

يُعدّ داء السكري من النوع الثاني، مرضاً مزمناً ينشأ نتيجة مقاومة الأنسولين، وهو الشكل الأكثر شيوعاً على مستوى العالم.

والأنسولين هرمون يُساعد على نقل الغلوكوز من الدم إلى العضلات والدهون والكبد، وغيرها من الخلايا، حيث يُستخدم مصدراً للطاقة. وتحدث مقاومة الأنسولين عندما يُواجه الجسم صعوبة في إنتاج الأنسولين، أو عندما يفشل الأنسولين في نقل الغلوكوز إلى هذه الخلايا.

ويؤدي ذلك إلى تراكم الغلوكوز في الدم، وهو ما يُعرف بارتفاع نسبة السكر في الدم، ويُعدّ العرض الرئيسي لداء السكري. إذا لم تتم السيطرة على هذه الحالة بشكل صحيح، فقد تُؤدي إلى عواقب وخيمة على القلب والكلى والأعضاء الأخرى.

يرتبط داء السكري والنوم ارتباطاً وثيقاً، ويعاني كثير من مرضى السكري من النوع الثاني سوء جودة النوم أو الأرق. والخبر السار هو أن الاهتمام الدقيق بالنظام الغذائي والتمارين الرياضية ومستويات السكر في الدم يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في جودة النوم، وبالتالي في الصحة العامة، وفقاً لما ذكره موقع «سليب فونديشن» وهي مؤسسة مستقلة غير ربحية مقرها واشنطن تهتم بجودة وصحة النوم.

كيف يؤثر مرض السكري على النوم؟

يعاني المصابون بداء السكري من النوع الثاني مشاكل في النوم نتيجةً لعدم استقرار مستويات السكر في الدم والأعراض المصاحبة له. يمكن أن يؤدي ارتفاع مستوى السكر في الدم (فرط سكر الدم) وانخفاضه (نقص سكر الدم) أثناء الليل إلى الأرق والتعب في اليوم التالي. وكما هو الحال مع كثير من الأمراض المزمنة، فإن الشعور بالاكتئاب أو التوتر بشأن المرض نفسه قد يُبقي الشخص مستيقظاً طوال الليل.

عندما ترتفع مستويات السكر في الدم، تُبالغ الكليتان في تعويض ذلك؛ ما يؤدي إلى زيادة التبول. وخلال الليل، تؤدي هذه الزيارات المتكررة إلى الحمام إلى اضطراب النوم. كما قد يُسبب ارتفاع مستوى السكر في الدم الصداع، وزيادة العطش، والتعب؛ ما قد يُعيق عملية النوم.

على النقيض، قد يؤدي الصيام لساعات طويلة أو تناول جرعات غير متوازنة من أدوية السكري إلى انخفاض مستوى السكر في الدم.

وفي أثناء الليل. قد تُعاني الكوابيس، أو تعرّقاً شديداً، أو تشعر بالانزعاج أو الارتباك عند الاستيقاظ. تحدث إلى طبيبك إذا كنت تُعاني التعب، أو صعوبة في النوم، أو أي أعراض أخرى مُقلقة؛ يُمكنه مساعدتك في تحليل السبب والعمل معك للحفاظ على استقرار مستوى السكر في الدم.

كيف تؤثر قلة النوم على مستوى السكر في الدم؟

مرض السكري قد يُسبب مشاكل في النوم، يبدو أن مشاكل النوم تلعب دوراً في الإصابة به. وقد رُبطت قلة النوم أو عدم الحصول على نوم عميق ومريح (نوم الموجة البطيئة) بارتفاع مستويات السكر في الدم لدى مرضى السكري ومرحلة ما قبل السكري.

وتشير بعض الدراسات التي أجريت مؤخراً إلى أن ربع مرضى السكري يفيدون بأنهم ينامون أقل من ست ساعات أو أكثر من ثماني ساعات ليلاً؛ ما يزيد من خطر ارتفاع مستوى السكر في الدم لديهم.

يرتبط تأخر مواعيد النوم أو عدم انتظامها بارتفاع نسبة السكر في الدم، حتى لدى غير المصابين بالسكري. ومع ذلك، قد توجد عوامل أخرى تفسر ذلك، مثل ميل الأشخاص الذين يعانون عدم انتظام مواعيد النوم إلى اتباع نظام غذائي غير منتظم.

ويؤدي الحرمان من النوم إلى ارتفاع مستويات هرمون الغريلين، هرمون الجوع، وانخفاض مستويات هرمون اللبتين، هرمون الشبع. وللتعويض عن انخفاض مستويات الطاقة، وقد يلجأ الأشخاص الذين يعانون قلة النوم إلى تناول الأطعمة التي ترفع نسبة السكر في الدم؛ ما يعرضهم لخطر السمنة، وهي عامل خطر للإصابة بالسكري.

وقد يكون البالغون المصابون بداء السكري من النوع الثاني والذين يعانون اضطرابات النوم أو الاستيقاظ المتكرر ليلاً أقل التزاماً بمعايير الرعاية الذاتية الأخرى لمرض السكري، مثل ممارسة الرياضة بانتظام ومراقبة مستويات السكر في الدم بدقة.

إضافةً إلى تأثيراته المباشرة على مستويات السكر في الدم، يُمكن أن تؤثر قلة النوم سلباً على صحة مرضى السكري من النوع الثاني على المدى الطويل. فالذين يلجأون إلى أدوية النوم أو يجدون صعوبة في البقاء نائمين هم أكثر عرضةً للإبلاغ عن شعورهم بضيق نفسي شديد. كما توجد أدلة أولية تُشير إلى أن مرضى السكري الذين لا يحصلون على قسط كافٍ من النوم قد يكونون أكثر عرضةً لخطر التدهور المعرفي.

اضطرابات النوم الشائعة لدى مرضى السكري

متلازمة تململ الساقين: يُعاني ما يقارب واحد من كل خمسة أشخاص مصابين بالسكري من النوع الثاني متلازمة تململ الساقين، والتي تتميز بتنميل أو أحاسيس مزعجة أخرى في الساقين قد تُعيق النوم.

كما يُعدّ مرضى السكري عرضةً لخطر الإصابة بحالة أخرى تُسمى الاعتلال العصبي المحيطي. وينتج هذا الاعتلال من تلف الأعصاب، وتتشابه أعراضه إلى حد كبير مع أعراض متلازمة تململ الساقين، وتشمل الخدر والتنميل والألم في الأطراف. ينبغي على الأشخاص الذين يُعانون هذه الأعراض استشارة الطبيب؛ إذ يتطلب الاعتلال العصبي المحيطي علاجاً للحد من تلف الأعصاب على المدى الطويل.

انقطاع النفس الانسدادي النومي: هو اضطراب في النوم يتوقف فيه التنفس بشكل متقطع ومتكرر طوال الليل. في معظم الحالات، لا يدرك الشخص حدوث ذلك، مع أن شريكه في الفراش قد يلاحظ الشخير واللهاث. تُسبب هذه الانقطاعات في التنفس استيقاظات قصيرة جداً تُعيق التدرج الطبيعي لمراحل النوم وتُؤثر سلباً على جودته. يُصيب انقطاع النفس الانسدادي النومي عادةً الأشخاص الذين يعانون زيادة الوزن أو السمنة؛ نظراً لزيادة محيط رقبتهم التي تُعيق مجرى الهواء.

ويُمكن علاج هذه الحالة باستخدام جهاز ضغط مجرى الهواء الإيجابي المستمر (CPAP) الذي يُبقي مجرى الهواء مفتوحاً لاستعادة التنفس الطبيعي وتقليل انقطاعات النوم.

كيف يمكن لمرضى السكري التعامل مع مشاكل النوم؟

يمكن أن يُسهِم ضبط مستويات السكر في الدم بدقة في تحسين جودة النوم لدى مرضى السكري من النوع الثاني. بالإضافة إلى ذلك، ونظراً للعلاقة الوثيقة بين مرض السكري والنوم، تُعدّ عادات النوم الصحية بالغة الأهمية. وتشمل هذه العادات عادات النهار والليل، مثل:

اتباع نظام غذائي مناسب يُساعد في ضبط مستوى السكر في الدم.

ممارسة الرياضة بانتظام.

الحفاظ على جدول نوم منتظم.

تجنب المنبهات مثل الكافيين والنيكوتين قبل النوم.

الحفاظ على غرفة نوم باردة ومظلمة وهادئة.

وبناءً على حالتك الصحية، قد يُوصي طبيبك بأدوية مُساعدة على النوم لمرضى السكري أو بطرق إضافية لتحسين جودة النوم. وقد يختار إجراء تخطيط النوم (دراسة النوم) لتحديد ما إذا كان اضطراب النوم هو سبب مشاكل النوم. ويمكن حينها علاج اضطرابات النوم الثانوية بعلاجات مُخصصة مثل جهاز ضغط مجرى الهواء الإيجابي المستمر (CPAP).


تقنية مبتكرة تُميّز مرضى الربو المعرضين للخطر

الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في العالم (معهد كارولينسكا السويدي)
الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في العالم (معهد كارولينسكا السويدي)
TT

تقنية مبتكرة تُميّز مرضى الربو المعرضين للخطر

الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في العالم (معهد كارولينسكا السويدي)
الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في العالم (معهد كارولينسكا السويدي)

كشف فريق بحثي مشترك من معهد «كارولينسكا» السويدي ومؤسسة «ماس جنرال بريغهام» الأميركية عن طريقة جديدة قادرة على التنبؤ بنوبات الربو المستقبلية قبل حدوثها بما يصل إلى 5 سنوات، بدقة تصل إلى 90 في المائة.

وأوضح الباحثون أن هذه التقنية المبتكرة تُمثل للمرة الأولى مؤشراً حيوياً موثوقاً نسبياً يمكنه التنبؤ بنوبات الربو قبل وقوعها بسنوات، وليس فقط قبل أسابيع أو أشهر. ونُشرت نتائج الدراسة، الاثنين، في دورية (Nature Communications).

ويُعد الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في العالم، إذ يؤثر على أكثر من 500 مليون شخص. وتمثل النوبات الحادة للربو عبئاً كبيراً على المرضى وأنظمة الرعاية الصحية، سواء من حيث المضاعفات الطبية أو التكاليف العلاجية. ورغم الانتشار الواسع للمرض، لا تتوافر حالياً مؤشرات حيوية دقيقة تمكّن الأطباء من تحديد المرضى الأكثر عرضة للإصابة بنوبات مستقبلية خطيرة، حيث تفشل الأساليب التقليدية في التمييز بين الحالات المستقرة وتلك المعرضة للتفاقم.

واستندت الدراسة إلى تحليل بيانات 3 مجموعات كبيرة من مرضى الربو، ضمَّت أكثر من 2500 مشارك، مدعومةً بسجلات طبية إلكترونية تمتد لعقود. واستخدم الباحثون تقنية متقدمة عالية الإنتاجية تُعرف بـ«علم المستقلبات» (Metabolomics)، لقياس الجزيئات الصغيرة في الدم لدى المصابين بالربو.

وتمكَّن الفريق من اكتشاف علاقة محورية بين فئتين من المستقلبات الحيوية، هما «السفينغوليبيدات» و«الستيرويدات»، وبين مستوى السيطرة على مرض الربو.

وأظهرت النتائج أن نسبة «السفينغوليبيدات» إلى «الستيرويدات» في الدم تُعد مؤشراً قوياً للتنبؤ بخطر النوبات على مدى 5 سنوات بدقة تصل إلى 90 في المائة.

وفي بعض الحالات، استطاع النموذج التنبؤي التفرقة بين توقيت أول نوبة لدى المرضى ذوي الخطورة العالية والمنخفضة بفارق يقارب عاماً كاملاً.

وأشار الباحثون إلى أن أحد أكبر التحديات في علاج الربو يتمثَّل في صعوبة التنبؤ بالنوبات الشديدة.

وأكدوا أن قياس التوازن بين «السفينغوليبيدات» و«الستيرويدات» يتيح تحديد المرضى الأكثر عرضة للخطر والتدخل المبكر قبل وقوع النوبة.

وأضاف الفريق أن التركيز على نسبة التفاعل بين «السفينغوليبيدات» و«الستيرويدات» يمنح النموذج دقة تنبؤية عالية، كما يتيح تطوير اختبار سريري عملي ومنخفض التكلفة يمكن تطبيقه بسهولة في المختبرات التقليدية.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تُمثِّل خطوة مهمة نحو تطبيق مفهوم الطب الدقيق في علاج الربو، إذ يمكن تطوير فحص دموي بسيط يكشف عن الاختلالات الأيضية الخفية لدى المرضى الذين تبدو حالتهم مستقرة ظاهرياً.

ومع ذلك، شدَّد الفريق على الحاجة إلى إجراء دراسات إضافية وتجارب سريرية مباشرة لتأكيد النتائج وتقييم الجدوى الاقتصادية قبل اعتماد الاختبار رسمياً في الممارسة الطبية.


ما تأثير الزنك على التهاب البروستاتا؟

يمتلك الزنك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة مما يجعله عنصراً مهماً في تهدئة التفاعلات الالتهابية داخل أنسجة البروستاتا (بيكساباي)
يمتلك الزنك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة مما يجعله عنصراً مهماً في تهدئة التفاعلات الالتهابية داخل أنسجة البروستاتا (بيكساباي)
TT

ما تأثير الزنك على التهاب البروستاتا؟

يمتلك الزنك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة مما يجعله عنصراً مهماً في تهدئة التفاعلات الالتهابية داخل أنسجة البروستاتا (بيكساباي)
يمتلك الزنك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة مما يجعله عنصراً مهماً في تهدئة التفاعلات الالتهابية داخل أنسجة البروستاتا (بيكساباي)

تُعدّ غدة البروستاتا من أكثر أعضاء الجسم احتواءً على الزنك، إذ تصل تركيزاته فيها إلى ما يعادل 5 - 10 أضعاف تركيزه في معظم الأنسجة الأخرى. هذا الارتفاع ليس عشوائياً، بل يعكس الدور الحيوي للزنك في الحفاظ على الوظيفة الطبيعية للبروستاتا. وتشير الدراسات الحديثة، ومنها مراجعة علمية نُشرت عام 2025 في مجلة «جورنال أوف ترايس إليمنتس إن ميديسين آند بيولوجي» الطبية، إلى أن توازن الزنك داخل البروستاتا عنصر أساسي في الوقاية من أمراض البروستاتا المختلفة، بما فيها التهاب البروستاتا.

تقليل الالتهاب

يمتلك الزنك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة، مما يجعله عنصراً مهماً في تهدئة التفاعلات الالتهابية داخل أنسجة البروستاتا. فهو يساعد على تقليل الإجهاد التأكسدي الذي يفاقم تلف الخلايا، كما يدعم آليات «الموت الخلوي المبرمج» للخلايا غير الطبيعية، مما يمنع تحولها إلى خلايا مريضة أو خبيثة. هذه الخصائص تجعل الزنك عاملاً وقائياً مهماً في حالات التهاب البروستاتا، وخصوصاً المزمن منها.

دعم المناعة ومقاومة البكتيريا

يلعب الزنك دوراً محورياً في تقوية الجهاز المناعي، إذ يشارك في تنشيط الخلايا المناعية وتنظيم استجابتها. كما أنه يسهم في تقليل نمو بعض أنواع البكتيريا، وهو أمر بالغ الأهمية في حالات التهاب البروستاتا الجرثومي. هذا التأثير المناعي والمضاد للميكروبات قد يخفف من حدة الأعراض، ويقلل من تكرار الالتهابات.

يعدّ الزنك عنصراً محورياً في صحة البروستاتا إذ يسهم في تقليل الالتهاب وتعزيز المناعة والحد من نمو البكتيريا (بيكساباي)

تخفيف أعراض التهاب البروستاتا المزمن

يعاني مرضى التهاب البروستاتا المزمن غالباً من أعراض مزعجة مثل الألم في منطقة الحوض، والحرقان في أثناء التبول، واضطرابات التبول. وتشير الأبحاث إلى أن اختلال توازن الزنك داخل البروستاتا يرتبط بتفاقم هذه الأعراض. بالمقابل، فإن استعادة هذا التوازن قد تساعد على تخفيف الألم وتحسين وظيفة الغدة، مما ينعكس إيجاباً على جودة حياة المريض.

هل يُنصح بتناول مكملات الزنك؟

على الرغم من الفوائد المحتملة للزنك، فإن الإفراط في تناوله قد يسبب آثاراً جانبية مثل الغثيان، والإسهال، واضطرابات الجهاز الهضمي. لذلك، يُنصح دائماً باستشارة الطبيب قبل استخدام مكملات الزنك، لتحديد الجرعة المناسبة حسب الحالة الصحية واحتياجات الجسم، وضمان تحقيق الفائدة دون التعرض لمخاطر الجرعات الزائدة.

يُعدّ الزنك عنصراً محورياً في صحة البروستاتا، إذ يسهم في تقليل الالتهاب، وتعزيز المناعة، والحد من نمو البكتيريا، وقد يساعد على تخفيف أعراض التهاب البروستاتا المزمن. غير أن التوازن هو الأساس، فالحفاظ على مستويات طبيعية من الزنك -سواء عبر الغذاء أو المكملات بإشراف طبي- يمثل خطوة مهمة في دعم صحة البروستاتا والوقاية من أمراضها.