«نبيه بري العراق» تذكرة السوداني إلى ولاية ثانية

الموازنة بين ضبط غضب الفصائل ومطلب حصر السلاح

رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط رئيس «الحشد» فالح الفياض ورئيس أركانه «أبو فدك» (أرشيفية - إعلام حكومي)
رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط رئيس «الحشد» فالح الفياض ورئيس أركانه «أبو فدك» (أرشيفية - إعلام حكومي)
TT

«نبيه بري العراق» تذكرة السوداني إلى ولاية ثانية

رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط رئيس «الحشد» فالح الفياض ورئيس أركانه «أبو فدك» (أرشيفية - إعلام حكومي)
رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط رئيس «الحشد» فالح الفياض ورئيس أركانه «أبو فدك» (أرشيفية - إعلام حكومي)

يحاول رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني الحصول على غطاء من المرجع الديني علي السيستاني، إذ يواجه فصائل مسلحة تمانع حصر السلاح بيد الدولة، بينما كان قادتها يصوبون نحو الحكومة بالتهديد، متمسكين بوضعها «المقاوم».

لأسباب عديدة، ومنها حملته الانتخابية، سافر السوداني إلى النجف (جنوب) يوم 9 يوليو (تموز) 2025، وأمام تجمع عشائري قال إن «برنامج الحكومة حريص على توجيهات المرجعية (السيستاني) في حصر السلاح ومكافحة الفساد». وزاد على ذلك بالقول إن «القبائل يمكنها المساعدة».

وكلما تعلق الأمر بمواجهة الجماعات الموالية لإيران في العراق، تفرض موازين القوة على رؤساء الحكومات الاستعانة بعناوين يمكنها الصمود أو الوقوف خلفها. السوداني، في هذه الحالة، ليس استثناء، لكن الحديث المتكرر عن تراجع النفوذ الإيراني، الذي يتضمن صمود الفصائل، هو ما يجعل المواجهة الراهنة واضحة جداً بين رئيس حكومة يطمح إلى ولاية ثانية وفصائل تمر بلحظة شك حول وجودها وأصل قوتها.

أرشيفية لرئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه عبد العزيز المحمداوي (إعلام الهيئة)

ولاية ثانية للسوداني

بالنسبة لشيعي من الطبقة المتوسطة، تعلم النجاة في المؤسسات الحكومية، ويتعلم النجاة من مطحنة الزعامات إذ ينافسها، وبعد عقدين من العيش في الظل، فإن حلم السوداني الشخصي بولاية ثانية مشروع بالنسبة له، لكن المتغيرات العاصفة في المنطقة لا تنتظر من بغداد، حليفة طهران وصديقة واشنطن، أن تقدم للعالم مجرد أحلام شخصية دون مشروع أكبر. ثمة شيء يجب أن يتغير.

حتى يحقق حلمه الشخصي، لا يملك السوداني إلا أن يقدم ضمانات محلية وخارجية. هذه مهمة شبه مستحيلة، وفق قيادي شيعي بارز في «الإطار التنسيقي»، لكن ماذا لو قرر تحقيق أحلام المنطقة والعالم بأن يتفرغ لسلاح الفصائل؟ يقول القيادي: «تبدو المهمة انتحارية».

يعتقد كثيرون من بيئة «المقاومة» أن ثمن الولاية الثانية هو تصفية سلاح الفصائل بعد الانتخابات «وليس الآن». يقولون إن تراجع النفوذ الإيراني «محسوس في بغداد لكنه غير ملموس»، وكل فصيل يشعر بأن انشغال الأب بالمفاوضات النووية يكشف ظهر الأبناء، كأنهم يقفون عند أبواب مخازن الأعتدة يحرسونها من «حصر السلاح»، إذ يكرره على المسامع المرجع السيستاني ومقتدى الصدر، وينضم إليهما السوداني الطامح.

بالنسبة لفصيل عنيد مثل «كتائب حزب الله»، فإن لهجة السوداني تكسر قواعد الاشتباك بين رئيس الحكومة والفصائل. قواعد كانت تقضي بحماية التوازن الشيعي بين السلطة والفصائل. يقول القيادي إن «الحرس الثوري» الإيراني كان هو الوحيد الذي يلعب دور الناظم في هذه المعادلة.

تفقد «كتائب حزب الله» شيئاً من التوازن في خطابها العام، أكثر مما كان عليه الحال أصلاً. ففي 5 يوليو، اعتبر المسؤول الأمني في الفصيل، المعروف باسم «أبو علي العسكري»، أن سلاح المقاومة هو «وديعة الإمام المهدي عند المجاهدين (...) والإمام وحده من يقرر مصيره». يقول العسكري: «أشباه الرجال لا يحق لهم أن يقرروا ما يجب أن يكون عليه السلاح».

ثمة انشغال عراقي بمن يقصده العسكري. محاولة التأويل أو تأشير المقصود محفوفة بالمخاطر، لكن «كتائب حزب الله» من الداخل ربما تشعر بأن نمط الصراع يتغير، وأن ما هو انتخابي يختلط بما هو إقليمي.

وما من تفسيرات بعيدة عن هذه التركيبة المحيرة حين يراقبون التسريبات المصورة تتقاطر عن المدان بقتل الباحث البارز هشام الهاشمي، مرة وهو يعترف على نائب مقرب من الفصيل، ومرة وهو يجسد مسرح الجريمة أمام الشرطة في كشف دلالة على نفسه، وفصيله.

في هذه الأجواء التي تستعيد حرب التسريبات المصورة، بعد تجميدها مؤقتاً، تناقش قيادات شيعية «مخاطر الانتقال إلى ما هو أسوأ، على طريق الانتخابات المربوطة بمصير سلاح الفصائل، وبالتحولات السريعة في المنطقة».

يقول القيادي الشيعي: «يعرف (الإطار التنسيقي) أن شيئاً مفصلياً في جوهر النظام السياسي يجب أن يتغير، لكن وضع الإصبع عليه قد يفجر ألغاماً ومعارك بالمعنى الحرفي للمعركة (...) هذا ما يؤخر الجميع عن اتخاذ الخطوة، ويؤثر هذا على ثقتهم بأن موعد الانتخابات مناسب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025»؛ مع ذلك، التلاعب بالمواقيت مرفوض جداً، خصوصاً لمن هم متحمسون لفرصهم السياسية، مثل رئيس الحكومة.

عناصر من «الحشد الشعبي» يشيّعون مرافق حسن نصر الله في بغداد

نبيه بري العراقي

لا يتفق تيار سياسي مع فرضية المواجهة المباشرة بين السوداني والفصائل. يقول أشخاص يطلعون بانتظام على مضمون اجتماعات «إدارة الدولة»، وهو ائتلاف يضم قوى شيعية وسنية وكردية مشاركة في الحكومة، إن «الأزمة تتعلق بطريق احتواء الضغط الدولي على سلاح الفصائل، وليس ضربها».

بحسب مداولات سياسية أُجريت أخيراً بين فاعلين في هذا الملف، فإن واحدة من الأفكار الأساسية التي يجري اختبارها لإعادة التوازن بين الوضع السوري الجديد، ومتطلبات «صداقة ترمب»، والبقاء ضمن مرمى البصر الإيراني؛ هي ابتكار صيغة الرجل الذي يمسك العصا من المنتصف، والقادر على التعامل مع الملفات الشائكة بموازاة بعضها.

من يقوم بهذا الدور يجب أن يكون في موقع نزاع مع الفصائل، أو هكذا يجب أن يبدو عليه الأمر. يميل سياسيون عراقيون إلى الاعتقاد بأن غضب الفصائل المبالغ فيه على رئيس الحكومة «الذي يصد عنهم ضغوط الغرب»، هو محاولة لخلق مساحة حرة للتفاوض.

شيء من هذا القبيل يشبه الأدوار التي يلعبها رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، وقد واجه ممانعات الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم بشأن السلاح، بينما كان يفتح الباب أمام المبعوثين الأميركيين على طاولة «عهد جديد».

مع ذلك، هذه المساحات الرمادية غير متاحة بالدرجة نفسها في العراق، بسبب تعدد الفصائل وتبادل الأدوار فيما بينها. يقول سياسي عراقي إن «فصيلاً قد يوافق على أن يتولى السوداني إعادة تركيب الصورة لتلائم المتغير في المنطقة، لكن هذا يحتاج إلى أثمان معينة في الداخل، كما أن صفقة واحدة لا تجمع الفصائل، ثمة مصالح لكل جهة، وسلاحها ضمانة وجودية حتى لو تخلت عنه طهران».


مقالات ذات صلة

الصدر يعلن إلحاق جناحه العسكري بالحكومة العراقية

المشرق العربي عراقي بأحد شوارع بغداد يمر أمام صورة لمقتدى الصدر مرتدياً الزي العسكري الخاص بـ«سرايا السلام» (أ.ف.ب)

الصدر يعلن إلحاق جناحه العسكري بالحكومة العراقية

قال زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الأربعاء، إنه قرر فك ارتباط جناحه العسكري «سرايا السلام» بالتيار وإلحاق عناصرها بالدولة.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» في القائم على الحدود مع سوريا - 2 مارس 2026 (رويترز)

العراق... 5 فصائل تتجه لنزع السلاح وفصيلان يرفضان

تتحدث مصادر مقربة من أجواء قوى «الإطار التنسيقي» العراقي عن عدم ممانعة 5 فصائل نزع أسلحتها، في مقابل رفض فصيلين لمثل هذه الخطوة التي تصر عليها أميركا.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي المرشد الإيراني السابق علي خامنئي ورئيس فصيل «النجباء» أكرم الكعبي في طهران خلال ديسمبر 2018 (موقع المرشد)

«النجباء» تحذر من «مخطط أميركي» لدمج «الحشد» العراقي

حذرت حركة «النجباء»، وهي فصيل حليف لإيران في العراق، مما وصفته بـ«مخطط أميركي» يهدف إلى دمج «الحشد الشعبي» ضمن المؤسسات الرسمية.

حمزة مصطفى (بغداد)
خاص رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي (أ.ف.ب)

خاص بغداد ترسل فريقاً إلى السعودية والإمارات لتعقب مصادر الهجمات

أكد مسؤول حكومي عراقي، الخميس، أن فريقاً أمنياً رفيع المستوى سيتوجه قريباً إلى السعودية والإمارات، طلباً لمعلومات بشأن مسار الهجمات التي استهدفت البلدين.

حمزة مصطفى (بغداد )
خاص صورة نشرها «البنتاغون» عام 2008 لديفيد بترايوس وهو يشرح لباراك أوباما عندما كان سيناتوراً خطة لتأمين مدينة الصدر شرق بغداد خلال جولة فوق المدينة

خاص هل ناقش بترايوس حل «الحشد الشعبي» في بغداد؟

تكشف «الشرق الأوسط» كواليس زيارة خاصة أجراها الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس إلى بغداد، بحثاً عن طريقة «واقعية» لتفكيك النفوذ الإيراني.

علي السراي (لندن)

إسرائيل تختبر دفاعات مدينة النبطية

الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)
الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)
TT

إسرائيل تختبر دفاعات مدينة النبطية

الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)
الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)

يختبر الجيش الإسرائيلي، دفاعات مدينة النبطية، أكبر مدن جنوب لبنان، إذ أحرز أمس تقدماً ميدانياً في محيطها عبر التقدم في بلدة زوطر الشرقية، وقصف القرى المحيطة فيها.

ويسعى الجيش الإسرائيلي للوصول إلى قلعة الشقيف التاريخية التي تبعد نحو 3 كيلومترات عن مركز مدينة النبطية، وتتمتع بموقع استراتيجي كونها تشرف على البلدات التي تحتلها إسرائيل جنوب الليطاني، علماً بأن القلعة وبلدات زوطر وأرنون ويحمر الواقعة شمال الليطاني، كان الجيش الإسرائيلي أدرجها ضمن «الخط الأصفر».

وقال «حزب الله» إنه تصدى للتوغل الإسرائيلي في زوطر واشتبك مع الجنود من مسافة صفر، بينما وسّعت تل أبيب الحزام الناري إلى مسافة 20 كيلومتراً من الحدود، أدت إلى إخلاء بلدات بالكامل في محيط النبطية.

بالموازاة، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذار إخلاء لمساحات واسعة من مدينة صور الساحلية، وبدأ مساء بموجة قصف استهدفت أحياءها.


الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف مقاتلَيْن رئيسيَيْن من «حماس» في غزة

جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف مقاتلَيْن رئيسيَيْن من «حماس» في غزة

جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)

قال الجيش ‌الإسرائيلي، ‌الأربعاء، ​إنه ‌استهدف ⁠اثنين ​من مقاتلي ⁠حركة ⁠«حماس» ‌الرئيسيين ​في ‌شمال قطاع ‌غزة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وفي وقت سابق من الأربعاء، حمل عشرات الفلسطينيين جثمان محمد عودة، القائد الجديد لـ«كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، في جنازة بشوارع مدينة غزة.

وقُتل عودة على يد إسرائيل في إطار حملتها للقضاء على كبار قادة «حماس» على الرغم من وقف إطلاق النار.

وقال الجيش الإسرائيلي إن عودة قُتل في عملية دقيقة في غزة، مساء الثلاثاء، وذلك بعد أكثر من أسبوع من مقتل سلفه، عز الدين الحداد، في هجوم إسرائيلي على مبنى سكني في قطاع غزة.


هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)

شهد الشهر الماضي منعطفاً دراماتيكياً في تاريخ سوريا، الدولة التي مزَّقتها سنوات من الحرب الأهلية التي لم تنتهِ إلا في ديسمبر (كانون الأول) 2024. فبعد 16 شهراً من فرار الديكتاتور بشار الأسد إلى موسكو، بدأت السلطات الانتقالية السورية أخيراً باعتقال كبار مسؤولي النظام السابق، المسؤولين عن أبشع جرائم الحرب. وقد تكون هذه نقطة تحوُّل للحكومة الوليدة، لكن من غير الواضح إلى أي اتجاه ستتجه، بحسب خبراء دوليِّين.

صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة

في الأسابيع الـ6 الماضية، ألقت قوات الأمن القبض على عدنان عبود حلوة، وهو جنرال متهم بتدبير هجوم السارين عام 2013 على الغوطة الشرقية، وجايز الموسى رئيس أركان القوات الجوية للأسد وشخصية خاضعة لعقوبات الاتحاد الأوروبي مرتبطة بهجمات الأسلحة الكيميائية، واللواء وجيه علي العبد الله، الذي أدار مكتب الشؤون العسكرية للأسد لمدة 13 عاماً، وأمجد يوسف، ضابط المخابرات المتهم بقيادة مجزرة التضامن عام 2013، والتي تمَّ فيها اقتياد ما لا يقل عن 41 مدنياً إلى حفرة وإطلاق النار عليهم، وهو ما وثَّقه القتلة في ذلك الوقت بالفيديو.

اللواء الطيار الركن جايز حمود الموسى أحد أعمدة نظام الأسد (الداخلية السورية)

الاعتقالات أُعلن عنها عبر سيل من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي وعلى التلفزيون السوري. الأسماء معروفة لدى معظم السوريين، فهم «الرأس المدبر» لنظام قمعي وحشي. وتزامنت الاعتقالات مع بدء محاكمة عاطف نجيب، الذي كان أول المختارين، رمزياً، لأنه الرجل الذي أسهم تعذيبه العنيف لمعارضي الأسد اليافعين في إشعال فتيل انتفاضة 2011 التي أدت إلى سقوطه بعد أكثر من عقد من الزمان.

في العاشر من مايو (أيار) الحالي، جلس عاطف نجيب، ابن عم الأسد، في إحدى قاعات محكمة دمشق، مكبلاً بالأصفاد داخل قفص معدني، مرتدياً زي السجن المخطط الباهت. كان نجيب يشغل منصب رئيس الأمن في محافظة درعا الجنوبية عندما اعتُقل تلاميذ المدارس وعُذِّبوا لكتابتهم شعارات مناهضة للأسد على جدران مدارسهم. سُجن التلاميذ لمدة 45 يوماً، وبحلول وقت إطلاق سراحهم، كانت درعا تشهد مظاهرات أسبوعية سرعان ما امتدت إلى باقي أنحاء البلاد.

عاطف نجيب يدفع عن نفسه التهم بممارسات أمنية ضد أهالي محافظة درعا 2011 (سانا)

كان هذا ثاني مثول لنجيب أمام المحكمة. تلا القاضي 10 تهم، من بينها القتل والتعذيب. وُجِّهت التهم غيابياً إلى بشار وشقيقه ماهر الأسد. ونظراً لفرارهما إلى موسكو، لا يتوقع أحد اعتقالهما قريباً، لكن هذا الإجراء رمزي، كما كتب فضل عبد الغني، رئيس «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»: «لقد نُقل الأسد من موقع الرئيس السابق، وصاحب السلطة المطلقة، إلى موقع المتهم أمام القضاء السوري».

كان بعض «فتيان الكتابة على الجدران»، الذين أصبحوا الآن بالغين، موجودين أيضاً في المحكمة. وكان القاضي الذي يرأس الجلسة، فخر الدين العريان، قد حُكم عليه بالإعدام سابقاً من قبل النظام الذي سيحكم عليه الآن.

تزامن كل هذا مع توجيه اتهامات جديدة لأكبر مرتكبي الجرائم في الحرب الأهلية السورية. لم يكن هذا التسارع وليد الصدفة، ولم تكن المساءلة هي الدافع الوحيد، بحسب موقع «سليت»، فقد تعرَّض الرئيس أحمد الشرع، رئيس الحكومة الانتقالية، لضغوط متواصلة من عائلات الضحايا، ومنظمات حقوق الإنسان السورية، ونشطاء المجتمع المدني، وعواصم غربية تدرس تخفيف العقوبات، لإثبات جدوى خطابه حول العدالة الانتقالية. وقد أمضى العام الماضي في بناء أسس المساءلة، وإنشاء اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب مرسوم صدر في مايو الماضي، ولجنة المفقودين التي تُولي العدالة الانتقالية أولويةً قصوى.

سيارة محترقة قرب مقر وزارة الدفاع السورية في حي الباب الشرقي بدمشق الثلاثاء نتيجة انفجار سيارة مفخخة (د.ب.أ)

لكن الأمن هو المحرِّك الآخر. لم تختفِ شبكات النظام السابق، فبعض الشخصيات لا تزال تمتلك أسلحةً وأموالاً ونفوذاً محلياً، فضلاً عن صلات بجهات خارجية، لا سيما روسيا وإيران. لدى هذه الشبكات دوافع لاستغلال الوعود غير المُحقَّقة للمرحلة الانتقالية في بلدٍ تتسم فيه سلطة الدولة الجديدة بالتفاوت، وتشهد فيه أسعار الوقود والكهرباء ارتفاعاً حاداً، ويكافح فيه السوريون لإطعام أسرهم. وكان افتتاح المحاكمة الأولى وسيلةً لتلبية أحد هذه المطالب على الأقل.

«تتعرَّض السلطات لضغوط مشروعة من المجتمع، فيما يتعلق بالعدالة والاقتصاد؛ والآن، عليهم أن يستجيبوا، لذلك لا يمكنهم تجاهل مطالب الشعب»، كما يقول معتصم السيوفي، المدير التنفيذي لمنظمة «اليوم التالي»، وهي منظمة تعمل على دعم الانتقال الديمقراطي في سوريا.

من بعض النواحي، كان اعتقال هؤلاء الرجال الجزء الأسهل. أما المشكلة الأصعب فهي بناء نظام قضائي من الصفر لمحاكمتهم. ثمة فراغ في القضاء بعد إقالة معظم قضاة عهد الأسد. وتحاكم الحكومة الانتقالية عاطف نجيب بموجب قانون العقوبات لعام 1949، وهو قانون كُتب للقتل العادي، لا للجرائم ضد الإنسانية. ودون برلمان فاعل، سيتعيَّن تأجيلُ سنِّ قوانين جديدة تفي بالمعايير الدولية لجرائم الحرب.

عاطف نجيب يدفع عن نفسه التهم بممارسات أمنية ضد أهالي محافظة درعا 2011 (سانا)

يقول النقاد إنَّ الإطار القانوني المحلي غير كافٍ. فلا يوجد قانون ينصُّ على مسؤولية القيادة في القانون السوري. وتقتصر ولاية لجنة العدالة الانتقالية على جرائم عهد الأسد، مستثنيةً انتهاكات قوات الأمن الجديدة خلال المجازر الساحلية التي استهدفت العلويين العام الماضي، والعنف الطائفي ضد الدروز في مدينة السويداء الجنوبية.

يُمثل حجم القضايا المحتملة تحدياً آخر. فقد سجنت الحكومة الانتقالية الجديدة ما يُقدَّر بنحو 4 آلاف مسؤول سابق في النظام؛ ولا يزال آلاف آخرون، بمَن فيهم مَن ارتكب جرائم تعذيب بحق المعتقلين، في البلاد.

على سبيل المثال، اتُّهمت امرأة تُدعى هالة، كانت تُعرَف داخل سجون النظام باسم «مونيا»، من قِبَل ناجين، في أثناء عملها حارسةً في مركز احتجاز المخابرات الجوية سيئ السمعة، بأنها شاركت في التعذيب وسوء المعاملة خلال عهد الأسد. وقد أبلغ الضحايا السلطات بعد أن رأوها تعمل علناً حلاقة في حي راقٍ بوسط دمشق، ونشرت صوراً لتسريحات محلها، على الإنترنت. تَعرَّف المعتقلون السابقون على وجهها وصوتها. وأُلقي القبض عليها في مارس (آذار).

جثمانا طفلَي قال أقاربهما إنهما قُتلا جراء انفجار ناجم عن مخلفات الحرب خلال لعبهما في قرية بريف إدلب الشرقي يوم 21 مايو (أ.ب)

وكشف موقع «سليت»، عن أنَّ أكثر من 300 طالب في كلية الحقوق بجامعة دمشق، حضروا حلقة نقاش عُقدت مؤخراً، قدّمها متخصصون قانونيون دوليون في جرائم الحرب، من بينهم ستيفن راب، السفير الأميركي السابق المتجول لشؤون جرائم الحرب. ويهدف البرنامج إلى إنشاء برنامج عملي يُشرك الطلاب فوراً في العمل القانوني، ويُزوّدهم بأدوات تُساعد القضاة والمدعين العامين. ويقول راب: «إنّ كيفية بناء القضايا، وتحديد ما إذا كانت هناك جريمة، ومناقشة أشكال المسؤولية، هي مفتاح النجاح».

يقول بعض المسؤولين الحكوميين للموقع، إنَّ الهدف هو إجراء 500 محاكمة على مدى السنوات الـ5 المقبلة، لكن راب يقول: «حتى هذا الهدف قد يكون صعب المنال: سيواجهون صعوبةً في إقامة 500 محاكمة، وسيتعيَّن عليهم اتخاذ خيار استراتيجي بشأن مَن سيحاكمون».

ستكون لتلك الخيارات أهمية بالغة بالنسبة لمجتمع مُصاب بصدمة نفسية، وسيُصرّ أفراده على أن يكون لهم رأي في القرارات. إنَّ الاختبار الأكبر ليس في عدد الجنرالات السابقين الذين سينتهي بهم المطاف في السجن، بل في قدرة الحكومة الجديدة على إرساء عملية عدالة انتقالية شفافة وتعزيز سيادة القانون لأول مرة في سوريا.