«رشاوى وأجهزة تجسس»... كشف سر إدخال إسرائيل بضائع «محظورة» إلى غزة

«حماس» حققت مع بعض تجار القطاع... وإعلام عبري يتهم رجلَي أعمال إسرائيليَين بإدارة «شبكة تهريب»

فلسطينيون يتسوقون وسط الدمار الناجم عن الحرب في خان يونس بجنوب قطاع غزة فبراير الماضي (د.ب.أ)
فلسطينيون يتسوقون وسط الدمار الناجم عن الحرب في خان يونس بجنوب قطاع غزة فبراير الماضي (د.ب.أ)
TT

«رشاوى وأجهزة تجسس»... كشف سر إدخال إسرائيل بضائع «محظورة» إلى غزة

فلسطينيون يتسوقون وسط الدمار الناجم عن الحرب في خان يونس بجنوب قطاع غزة فبراير الماضي (د.ب.أ)
فلسطينيون يتسوقون وسط الدمار الناجم عن الحرب في خان يونس بجنوب قطاع غزة فبراير الماضي (د.ب.أ)

يفاجأ سكان غزة، بين حين وآخر، بتداول بضائع تصنف «محظورة» من قِبَل إسرائيل، الأمر الذي أثار تساؤلات عدة، حول سر وكيفية دخولها في ظل الحرب المتواصلة على القطاع، والحصار المفروض حتى على المساعدات الإنسانية.

ومن بين تلك البضائع التي تحظر إسرائيل إدخالها: الهواتف النقالة، وقطع غيارها، وألواح الطاقة، والبطاريات، واللحوم المجمدة، وبضائع توصف بأنها ترفيهية بالنسبة للبعض مثل المشروبات الغازية والرقائق المحمرة «شيبس، والشوكولاته، وبضائع أخرى».

وطوال فترة الحرب لم تسمح إسرائيل بإدخال أي من هذه البضائع، باستثناء المجمدات والمواد الغذائية الترفيهية، وذلك في فترة وقف إطلاق النار الذي دخل آنذاك حيز التنفيذ في يناير (كانون الثاني) الماضي، قبل أن تعيد إغلاق معابر القطاع في مارس (آذار) الماضي، وتحظر دخولها مجدداً.

فلسطينيان مسؤولان عن التنسيق

يقول أحد التجار في غزة، فضّل عدم ذكر هويته لأسباب تتعلق بأمنه الشخصي، إن «التنسيق التجاري لإدخال البضائع لكل شاحنة يصل ما بين 450 إلى 600 ألف شيقل (ما يعادل من 135 إلى 180 ألف دولار)، وذلك وفقاً للبضائع التي تحتويها، الأمر الذي يفرض على التجار بيعها بأثمان باهظة.

فلسطينيون يسيرون في شارع مزدحم خلال تسوقهم بحي الرمال وسط مدينة غزة مارس الماضي (أ.ب)

وأوضح التاجر في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه البضائع «يتم التنسيق لها عبر اثنين من التجار الفلسطينيين (من غزة) يتعاملان مع شركة تخليص جمركي إسرائيلية، من خلال وسطاء في تركيا ودول أخرى»، واكتفى التاجر بالقول إن «هذين الشخصين (اللذين لم يحدد هويتيهما) من كبار التجار في القطاع، ويقتصر دور شركة التخليص الإسرائيلية على عملية التنسيق».

وبيَّن التاجر الذي جلب مؤخراً بعض البضائع، أن هذه المعاملات تشمل «تأمين بضائع من قبل مسلحين من عائلات أو جهات أخرى يتم دفع مبالغ مالية لهم ضمن المبلغ الشامل المدفوع لعملية التنسيق، وفي بعض الأحيان يدفع مبلغ إضافي من قبل التاجر لأولئك الأشخاص لاستكمال حماية البضائع في المخازن المخصصة غالبيتها في منطقة دير البلح وسط قطاع غزة».

وبلغت سعر حبة الشوكولاته الواحدة نحو 100 شيقل (30 دولاراً) بعد دخولها في فترة الهدنة ثم وصلت إلى 50 شيقلاً (15 دولاراً)، فيما وصل كيلو اللحم المجمد أول مرة 500 شيقل (150 دولاراً)، ثم انخفض إلى 300 شيقل (90 دولاراً).

تحقيقات في «حماس»

وتكشف مصادر أمنية وميدانية من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، عن أنها «حققت مؤخراً مع مجموعة من التجار الذين تبين أن بعضهم فتح علاقة مع الإسرائيليين بشكل مباشر، وأن أحدهم سربت المخابرات الإسرائيلية أجهزة تجسس في بضائعه، ونقلت (دون أن يعرف التاجر) لبعض المتخابرين الذين يعملون لصالحها».

وبينت المصادر أنه «تم الإفراج عن بعض أولئك التجار بعد التحقيق معهم، فيما تم إطلاق النار على آخرين في أقدامهم وتوجيه تحذير لهم من التعامل مع آلية التنسيق الحالية لما فيها من مخاطر أمنية». وفق قول المصادر.

وتقول المصادر الأمنية من «حماس» إن «ضباط كباراً في جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، وكذلك الجيش الإسرائيلي متورطون في إدخال بعض البضائع المصنفة على أنها محظورة خصوصاً في الوقت الحالي، مقابل حصولهم على أموال طائلة رشاوى من أموال التنسيق التي تدفع».

لكن يبدو أن مساراً آخر لإدخال البضائع له بعد استخباري، وفق ما تشرح المصادر من «حماس» التي قالت إن «شاحنات يتم إدخالها لصالح التجار في هذه الفترة، تحتوي على أنواع مختلفة يحددها التاجر، لكن في بعضها عُثر على أجهزة تجسس لصالح المخابرات الإسرائيلية».

اتهامات لرجال أعمال إسرائيليين

وكشفت قناة «12» العبرية، الخميس، عن أن إسرائيليَين أحدهما عضو كنيست سابق عن حزب «الليكود»، والآخر نائب رئيس بلدية كريات جات حالياً، ويدعى يغئال واينبرغر، تمكنا خلال الأشهر الماضية من تهريب بضائع إلى غزة، ضمن 80 شاحنة مساعدات عبر غطاء من «منظمة دولية» تدعم الفلسطينيين بغزة.

ووفقاً للقناة العبرية، فإنه «تم وضع علب سجائر، ومنتجات تبغ الأرجيلة بدلاً من معجون الطماطم (الصلصة)، حيث كانت هذه البضاعة مخصصة للبيع بأسعار باهظة جداً داخل القطاع».

شاحنة محمَّلة بمساعدات إلى غزة متوقفة عند معبر كرم أبو سالم في 26 مايو 2025 (رويترز)

وتوجه يغئال واينبرغر، وعمه عضو الكنيست السابق في «الليكود»، لرجل أعمال إسرائيلي، وطلبا منه استثمار 5 ملايين شيقل في المؤسسة الخيرية الدولية التي يتزعمان فرعها بإسرائيل، مقابل الحصول على صافي أرباح 25 في المائة، وعملا على إقناعه بذلك من خلال عقد يتيح هذه الشراكة، ليتبين لاحقاً أن الهدف الحصول على تمويل لشراء التبغ والسجائر بكميات هائلة بهدف تهريبها لغزة.

وأشارت القناة إلى أن الجيش الإسرائيلي أوقف إحدى الشاحنات، وبعد مخاطبته للمؤسسة الدولية التي تحمل شعارها، تبين أنها لم تكن تعرف بما يفعلانه باسمها.

فلسطينيون يستقلون شاحنة محملة بالطعام والمساعدات الإنسانية من برنامج الغذاء العالمي بعد وصولها إلى شمال قطاع غزة يونيو الماضي (أ.ب)

وقال أبراهام غروس، ممثل منظمة «IHRC» الدولية، للقناة العبرية، إنه «لم يكن يعرف بتصرفاتهما، كما أنه تم قطع العلاقة معهما». وزعم يغئال أن «سائق الشاحنة هو مَن قام بهذه العملية باسمهما، ولم يكن هو أو عمه على اطلاع، مشيراً إلى أنهما تقدما بشكوى ضد السائق الذي قام باستبدال التبغ بالمساعدات الإنسانية». وأكد مكتب منسق الأنشطة الحكومية الإسرائيلية تجميد رخصة منحت للمنظمة الدولية لنقل أي مساعدات لغزة مؤقتاً.

تورط مؤسسات

ولفتت مصادر من «حماس»، تحدثت إلى «الشرق الأوسط» قبل نشر التقرير العبري، إلى أن التحقيقات تركز حالياً على تورط بعض المؤسسات الدولية في إدخال هذه البضائع إلى قطاع غزة عبر تجار في غزة، مشيرةً إلى أن «هناك تقدماً في هذه التحقيقات، ويبدو أن هناك عملية فساد كبيرة وراءها».

عناصر أمنية تابعة لـ«حماس» تنتشر في مدينة غزة يناير الماضي (رويترز)

وأقر تاجر آخر في غزة، اشترط عدم ذكر اسمه، بأنه تعامل لمرة واحدة وفق صيغة التنسيق التجاري مع شركة إسرائيلية وتلقى بعض البضائع، موضحاً أن الوسطاء أبلغوه بأن هناك «ضباط ميدانيين في الجيش الإسرائيلي يحصلون على أموال رشوة مقابل تسهيل دخول تلك الشاحنات وما تحمله، وأن بعضهم يكتب أسماء بضائع مختلفة لتشتيت الانتباه عما تحمله الشاحنات من بضائع».

وأوضح التاجر أنه أدخل شاحنة واحدة، ثم أوقف العمل «بعد أن تلقى تحذيرات شديدة من (حماس)»، وكذلك بسبب «المبالغ الكبيرة»، التي دفعها، ثم قام ببيعها بمبالغ باهظة في ظل الظروف الصعبة.

ولم تصل تلك البضائع إلى جميع مناطق قطاع غزة، لأنها كانت محدودة جداً. كما يؤكد بعض التجار.

تبرؤ من التجار

ودفعت تحركات «حماس» القوية بعض التجار لإعلان التبرؤ من إدخال أي بضائع، بعد تداول أسمائهم بوصفهم متهمين في الظاهرة عبر حسابات لمواطنين في غزة بشبكات التواصل الاجتماعي.

صبي فلسطيني يفتش بين النفايات في مخيم البريج وسط قطاع غزة يوم 7 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وكانت الغرف التجارية الصناعية الزراعية في قطاع غزة، أصدرت بياناً، الشهر الماضي، حذرت فيه من «ظاهرة متزايدة تتعلق بتقديم عروض تجارية من جهات غير معروفة أو مشبوهة، تشمل ما يسمى بـ(التنسيقات التجارية)». وقالت إنها «صفقات تُمكن بعض التجار من إدخال شاحنات بضائع إلى القطاع مقابل مبالغ طائلة، تصل في بعض الحالات إلى مئات الآلاف من الشواقل لكل شاحنة».

وأكد البيان أن «مثل هذه التنسيقات تساهم بشكل مباشر في رفع أسعار السلع في الأسواق المحلية بشكل لا يتناسب مع دخل المواطن الفلسطيني، الذي يعاني من شح الموارد وفقدان الأمن الغذائي وغياب مصادر الدخل».


مقالات ذات صلة

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

المشرق العربي مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

خاص إسرائيل تواصل تصفية نشطاء بارزين بـ«حماس» و«الجهاد»

تواصل إسرائيل استهداف نشطاء بارزين في «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب) p-circle

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

تستعد إندونيسيا لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة، دعماً لخطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».