الأكاديمية الإسبانية تستذكر يوسا وتكشف أعمالاً له غير منشورة

ثلاثة أشهر على رحيل النوبلي صاحب «المدينة والكلاب»

الأكاديمية الإسبانية تستذكر يوسا وتكشف أعمالاً له غير منشورة
TT

الأكاديمية الإسبانية تستذكر يوسا وتكشف أعمالاً له غير منشورة

الأكاديمية الإسبانية تستذكر يوسا وتكشف أعمالاً له غير منشورة

تحتفل الأكاديمية الملكية للغة الإسبانية يوم الأحد المقبل بذكرى مرور 3 أشهر على رحيل الكاتب الكبير ماريو فارغاس يوسا في مسقط رأسه ليما عاصمة البيرو عن عمر ناهز التسعين عاماً. ودعت هذه المؤسسة العريقة التي شهدت النور مطالع القرن الثامن عشر عدداً من كبار الأدباء والنقّاد الإسبان والأميركيين اللاتينيين الذين واكبوا أعمال فارغاس يوسا إلى إلقاء محاضرات حول الأديب الذي نال جائزة نوبل، وجائزة سرفانتيس، ونقلت أعماله إلى أكثر من 35 لغة. ومن المنتظر أن يتخلل المناسبة الكشف عن أعمال غير منشورة للكاتب، الذي خص «الشرق الأوسط» بمقالاته الدورية طيلة 4 سنوات تقريباً.

كان يوسا يقول إنه لا يهاب الموت، ولا يفكّر فيه أبداً، وإن جلّ ما يتمناه عندما تأتي ساعته هو أن يكون منكبّاً على الكتابة أو منهمكاً في بحث أو مشروع أدبي جديد. وكان يخشى أن يضعف بصره إلى درجة حرمانه من المطالعة التي كانت شغفه الأول. لكن الموت جاءه، على موعد كان يعرف أنه دنا عندما قرر العودة إلى ليما خريف العام الفائت، في كنف أسرته، بعد معاناة دامت 5 سنوات من مرض لا علاج له، ولم يكشف عنه إلا للمقرّبين في دائرته الضيّقة، وبعد قصة حب عاصف ترك جرحاً عميقاً في فؤاده.

رحل ماريو فارغاس يوسا، أو «دون ماريو» كما كنّا نناديه، متصالحاً مع أسرته التي كانت اعتكرت علاقته بها منذ عشر سنوات إثر قصة غرامه الأخيرة مع نجمة المجتمع المخملي الإسباني والزوجة الأولى للمطرب المعروف خوليو إيغلزياس. انطفأ آخر عمالقة الأدب الأميركي اللاتيني بعد أن حصد جميع الجوائز الأدبية العالمية الكبرى، وانسدل الستار على حقبة ذهبية رصّعت سماءها كوكبة من المبدعين الكبار مثل الكولومبي غارسيا ماركيز والمكسيكي كارلوس فونتيس والأرجنتيني خوليو كوارتازار.

انطفأ فارغاس يوسا في المدينة التي أحبها أكثر من كل المدن العديدة التي أقام فيها مثل باريس وبرشلونة ولندن ونيويورك، ومدريد التي كانت موطنه الثاني بعد أن كرّمه الملك خوان كارلوس الأول بمنحه الجنسية الإسبانية الفخرية إثر نيله جائزة سرفانتيس وعضوية الأكاديمية الملكية للغة، وقبل أن تفتح له الأكاديمية الفرنسية أبوابها بوصفه أول أديب يجلس بين خالديها من غير أن ينشر كتاباً واحداً بلغة موليير. وكانت قالت عنه رئيسة الأكاديمية إنها لم تقرأ عن فلوبير أفضل وأعمق مما كتبه صاحب «المدينة والكلاب» المتوّج بنوبل عام 2010.

غاب الصبي الذي بقي شقيّاً ومغامراً ومشاكساً وأنيقاً وقارئاً نهماً حتى التاسعة والثمانين من عمره، بعد أن أمضى الأسابيع الأخيرة من حياته يجول في العشايا على المطارح التي ألهمت العديد من روائعه الأدبية، وبعد أن ترك لنا ما يزيد على ثمانين مؤلفاً في الرواية وأدب السيرة والبحث السردي والسياسة، من بينها مجموعة من المقالات عن العراق الذي زاره، برفقة نجله البكر آلفارو، الكاتب هو أيضاً، بعد الغزو الأميركي، وعن فلسطين التي زار أراضيها المحتلة وجال فيها، وعن لبنان الذي ربطته به علاقة عائلية بعد زواج ابنه من لبنانية.

كان في صباه الأول يحلم بأن يكون «كاتباً فرنسياً»، ربما لإعجابه بالأدباء الفرنسيين مثل فلوبير وهوغو وسارتر، وما لهم من مكانة مرموقة في المجتمع الفرنسي. وقد روى أنه اتخذ قراره النهائي بأن يصبح كاتباً ذات يوم في أحد مقاهي مدريد التي وصلها عام 1958 بمنحة لدراسة الأدب في جامعتها المركزية، وراح يتردد يومياً على ذلك المقهى حيث وضع المخطوط الأول لرائعته «المدينة والكلاب» التي قال عنها صديقه اللدود غارسيّا ماركيز أنه يتمنّى لو كان هو كاتبها.

خلال إقامته الأولى في باريس مارس مهنة المتاعب في القسم الإسباني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، والترجمة التحريرية بالتعاقد مع منظمة «اليونسكو»، والترجمة الفورية التي كانت مناسبة لقائه الأول بخوليو كورتازار في مؤتمر حول القطن في اليونان. وقد وضع رواية لاحقاً تدور وقائعها حول مترجمة فورية من البيرو ومغامراتها العاطفية في باريس. في العاصمة الفرنسية اكتشف فلوبير، وتبحّر في أعماله وحياته إلى أن أصبحت بحوثه عنه من المراجع الأساسية لدراسة صاحب «مدام بوفاري». تأثر كثيراً بسارتر، وسار في خطاه السياسية يوم كان من أشد مناصري الثورة الكوبية قبل أن ينقلب بشكل نهائي وعنيف على الفكر الشيوعي والحركات اليسارية التي كان معظم أدباء أميركا اللاتينية من مؤيديها. ولدى سؤاله مرة حول ما إذا كانت الانتقادات القاسية التي تعرّض لها من اليسار الأميركي اللاتيني بسبب انقلابه على نظام كاسترو في كوبا هي التي دفعته إلى الجنوح نحو الفكر الليبرالي، أجاب «ربما».

ماريو بارغاس يوسا

في إسبانيا وضع أطروحته لنيل الدكتوراه من جامعة مدريد حول أعمال غارسيّا ماركيز عام 1971، وهي تحليل عميق لكل ما أنتجه ماركيز حتى صدور «مائة عام من العزلة»، وأصبحت مرجعاً لدراسة الكاتب الكولومبي. لكن بعد الخلاف الذي نشب بينهم بسبب «حادثة عاطفية» امتنع كلاهما دائماً عن الحديث عنها، وانتهى عام 1976 باللكمة الشهيرة من فارغاس يوسا على وجه ماركيز التي وضعت حداً نهائياً للصداقة التي ربطتهما، رفض فارغاس يوسا إعادة نشر كتابه حول ماركيز، حتى عام 2006 عندما سمح بنشره ضمن أعماله الكاملة. وفي عام 2021، وبمناسبة مرور 50 عاماً على صدوره قرر رفع الفيتو عن إعادة نشره، وقال يومها في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «لم أشعر يوماً بالحسد من نجاح ماركيز، بل من موهبته».

وفي إسبانيا أيضاً تعرّف فارغاس يوسا على كارمن بالسيلز، الوكيلة الأدبية المعروفة في برشلونة، التي كانت وراء شهرة كثيرين من كتّاب أميركا اللاتينية مثل ماركيز وكورتازار وفونتيس، والتي أصبحت فيما بعد وكيلته الحصرية. ويروي دون ماريو أنه عندما كان يقيم مع عائلته في لندن، حيث كان يدرّس في جامعة كينغز كولج، اتصلت به بالسيلز، وعرضت عليه أن يترك التدريس، ويتفرّغ للكتابة في برشلونة التي انتقل إليها عام 1969، وفيها ولدت ابنته مورغانا، وصدرت له روايات عدة، وكتب أطروحته الشهيرة عن غارسيا ماركيز.

خلال إقامته الأولى في باريس بدأ بكتابة إحدى روائعه «محادثة في الكاتدرائية»، وأكملها خلال ترحاله بين العاصمة الفرنسية وواشنطن ولندن وبورتوريكو، وصدرت بعيد وصوله إلى برشلونة. والكاتدرائية ليست كنيسة ضخمة، بل اسم لمقهى باريسي كان فارغاس يوسا يتردد عليه. وكان فكّر في البداية أن ينشرها في جزأين لضخامتها، وكان يقول إنها الرواية التي تطلبت منه أكبر قدر من الجهد بين تنقيح ومراجعة وإعادة كتابة، وإنه لو طلب إليه أن ينقذ رواية واحدة من أعماله، لاختارها. وتدور الرواية حول الأزمات السياسية التي كانت بلاده البيرو تعاني منها. وقد دفعه هذا الاهتمام لاحقاً إلى خوض المعترك السياسي عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية عام 1990، وخسرها أمام ألبرتو فوجيموري الذي انتهى لاحقاً في السجن بتهم الفساد حتى وفاته العام الماضي. لم يندم على تلك التجربة، وبقي يشدد على أن الأدب والسياسة هما وجهان لعملة واحدة هي حرية الإنسان. وخلال السنوات الأخيرة التي أقامها في إسبانيا كان ناشطاً في نشر الفكر الليبرالي، وسار في مظاهرات ضد الحركة التي كانت تنادي باستقلال مقاطعة كاتالونيا.

كان فارغاس يوسا غزيراً في إنتاجه الأدبي، بقدر ما كان نهماً في مطالعاته التي غالباً ما كانت مواضيع لمقالاته الأدبية والنقدية التي تنشرها له «الشرق الأوسط» منذ سنوات. منذ شبابه الأول كانت الكتابة هاجسه، وسعى بمثابرة إلى التفرّغ لها. وكتب يوماً إلى أحد أصدقائه، عندما كان لا يزال في السابعة عشرة من عمره: «سأصبح كاتباً. لا أريد أن أكون صحافياً، ولا محامياً ولا مدرسّاً، حتى لو اضطررت لتخصيص وقتي من أجل كسب العيش لأعمال أخرى، لكني سأصبح كاتباً. معنى ذلك أنني سأكرّس أفضل أوقاتي وطاقتي للكتابة. سأبحث عن أعمال تؤمن لي قوتي من غير أن تحول دون انصرافي الأساسي للكتابة. وإذا كان ذلك يعني أنني سأتكبد صعاباً مادية، لن أتردد لأني أعرف جيداً أنني سأكون أكثر تعاسة في الحياة إذا تخليّت عن الأدب لأسباب مادية».

وعندما نال جائزة نوبل في عام 2010 قال: «لا أبالغ في القول إن الأدب أنقذ حياتي. كنت أعيش في عالم مغلق وعدواني في أغلب الأحيان، تحكمه قواعد موروثة ويسوده الصمت والخوف من البوح. لكن في الكتب وقعت على باب سري وسحري من الكلمات التي بنيت منها عوالم سمحت لي بأن أتنفس بحُرية مطلقة. كانت الكتابة بالنسبة لي منذ البداية سبيلاً إلى الوجود من غير أن أستأذن أحداً. هي التي منحتني نعمة تغيير الواقع، بالخيال وليس بالقوة. وتعلمت منها أن بلداً من غير حكايات، ومن غير قراء، ومن غير كتّاب، هو بلد محكوم عليه بالنسيان».

كان دون ماريو يردد أن القراءة لا تقلّ أهمية عن الكتابة، وأن مطالعاته لها الفضل الأكبر فيما أنتجه من أعمال، ويقول: «من فلوبير تعلّمت أن الجهد يصل حيث لا تصل الموهبة التي ليست سوى مثابرة وصبر طويل. ومن ديكنز وبلزاك وتولستوي وكونراد وتوماس مان تعلمت أن تفاصيل الأرقام والتواريخ لا تقل أهمية في الرواية عن مهارة الأسلوب واستراتيجية السرد، وتعلمت من سارتر أن الكلمة هي أيضاً فعل، ومن كامو وأورويل أن الأدب من غير أخلاق ليس إنسانياً».

نشر فارغاس يوسا ثلاثاً من روائعه الأدبية قبل بلوغه الثالثة والثلاثين من عمره، وفي الخطاب الذي ألقاه لدى تسلمه جائزة نوبل قال: «علينا ن نواصل الكتابة والقراءة والحلم؛ لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة والأكثر فاعلية للتخفيف من حتمية الفناء وقهر سلطان الزمن».

الحب كان المصدر الأول للمتاعب والمشكلات التي واجهته في حياته التي كانت مليئة بالمغامرات، وأثارت حسداً كثيراً بين أترابه. كان يقول إن الذكاء يكمن أيضاً في الفصل بين الحب والجنس، لأن الحب هو نبع العذابات التي لا قدرة لنا على التحكم فيها. رحل مهيض الفؤاد بعد أن فشل في استئناف الاتصال بالمرأة التي كانت مهبط مشاعره في السنوات الأخيرة من حياته، لكنه كان قد استعاد السكينة العميقة التي كان يحنّ إليها دوماً بجانب أسرته، في المطارح حيث نبتت أجمل أحلامه.


مقالات ذات صلة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

ثقافة وفنون «ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك،

جنيفر سلاي
ثقافة وفنون خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

مجسّمات كلاسيكية أموية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم

ندى حطيط
ثقافة وفنون «التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها،

عمر شهريار

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».