الأكاديمية الإسبانية تستذكر يوسا وتكشف أعمالاً له غير منشورة

ثلاثة أشهر على رحيل النوبلي صاحب «المدينة والكلاب»

الأكاديمية الإسبانية تستذكر يوسا وتكشف أعمالاً له غير منشورة
TT

الأكاديمية الإسبانية تستذكر يوسا وتكشف أعمالاً له غير منشورة

الأكاديمية الإسبانية تستذكر يوسا وتكشف أعمالاً له غير منشورة

تحتفل الأكاديمية الملكية للغة الإسبانية يوم الأحد المقبل بذكرى مرور 3 أشهر على رحيل الكاتب الكبير ماريو فارغاس يوسا في مسقط رأسه ليما عاصمة البيرو عن عمر ناهز التسعين عاماً. ودعت هذه المؤسسة العريقة التي شهدت النور مطالع القرن الثامن عشر عدداً من كبار الأدباء والنقّاد الإسبان والأميركيين اللاتينيين الذين واكبوا أعمال فارغاس يوسا إلى إلقاء محاضرات حول الأديب الذي نال جائزة نوبل، وجائزة سرفانتيس، ونقلت أعماله إلى أكثر من 35 لغة. ومن المنتظر أن يتخلل المناسبة الكشف عن أعمال غير منشورة للكاتب، الذي خص «الشرق الأوسط» بمقالاته الدورية طيلة 4 سنوات تقريباً.

كان يوسا يقول إنه لا يهاب الموت، ولا يفكّر فيه أبداً، وإن جلّ ما يتمناه عندما تأتي ساعته هو أن يكون منكبّاً على الكتابة أو منهمكاً في بحث أو مشروع أدبي جديد. وكان يخشى أن يضعف بصره إلى درجة حرمانه من المطالعة التي كانت شغفه الأول. لكن الموت جاءه، على موعد كان يعرف أنه دنا عندما قرر العودة إلى ليما خريف العام الفائت، في كنف أسرته، بعد معاناة دامت 5 سنوات من مرض لا علاج له، ولم يكشف عنه إلا للمقرّبين في دائرته الضيّقة، وبعد قصة حب عاصف ترك جرحاً عميقاً في فؤاده.

رحل ماريو فارغاس يوسا، أو «دون ماريو» كما كنّا نناديه، متصالحاً مع أسرته التي كانت اعتكرت علاقته بها منذ عشر سنوات إثر قصة غرامه الأخيرة مع نجمة المجتمع المخملي الإسباني والزوجة الأولى للمطرب المعروف خوليو إيغلزياس. انطفأ آخر عمالقة الأدب الأميركي اللاتيني بعد أن حصد جميع الجوائز الأدبية العالمية الكبرى، وانسدل الستار على حقبة ذهبية رصّعت سماءها كوكبة من المبدعين الكبار مثل الكولومبي غارسيا ماركيز والمكسيكي كارلوس فونتيس والأرجنتيني خوليو كوارتازار.

انطفأ فارغاس يوسا في المدينة التي أحبها أكثر من كل المدن العديدة التي أقام فيها مثل باريس وبرشلونة ولندن ونيويورك، ومدريد التي كانت موطنه الثاني بعد أن كرّمه الملك خوان كارلوس الأول بمنحه الجنسية الإسبانية الفخرية إثر نيله جائزة سرفانتيس وعضوية الأكاديمية الملكية للغة، وقبل أن تفتح له الأكاديمية الفرنسية أبوابها بوصفه أول أديب يجلس بين خالديها من غير أن ينشر كتاباً واحداً بلغة موليير. وكانت قالت عنه رئيسة الأكاديمية إنها لم تقرأ عن فلوبير أفضل وأعمق مما كتبه صاحب «المدينة والكلاب» المتوّج بنوبل عام 2010.

غاب الصبي الذي بقي شقيّاً ومغامراً ومشاكساً وأنيقاً وقارئاً نهماً حتى التاسعة والثمانين من عمره، بعد أن أمضى الأسابيع الأخيرة من حياته يجول في العشايا على المطارح التي ألهمت العديد من روائعه الأدبية، وبعد أن ترك لنا ما يزيد على ثمانين مؤلفاً في الرواية وأدب السيرة والبحث السردي والسياسة، من بينها مجموعة من المقالات عن العراق الذي زاره، برفقة نجله البكر آلفارو، الكاتب هو أيضاً، بعد الغزو الأميركي، وعن فلسطين التي زار أراضيها المحتلة وجال فيها، وعن لبنان الذي ربطته به علاقة عائلية بعد زواج ابنه من لبنانية.

كان في صباه الأول يحلم بأن يكون «كاتباً فرنسياً»، ربما لإعجابه بالأدباء الفرنسيين مثل فلوبير وهوغو وسارتر، وما لهم من مكانة مرموقة في المجتمع الفرنسي. وقد روى أنه اتخذ قراره النهائي بأن يصبح كاتباً ذات يوم في أحد مقاهي مدريد التي وصلها عام 1958 بمنحة لدراسة الأدب في جامعتها المركزية، وراح يتردد يومياً على ذلك المقهى حيث وضع المخطوط الأول لرائعته «المدينة والكلاب» التي قال عنها صديقه اللدود غارسيّا ماركيز أنه يتمنّى لو كان هو كاتبها.

خلال إقامته الأولى في باريس مارس مهنة المتاعب في القسم الإسباني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، والترجمة التحريرية بالتعاقد مع منظمة «اليونسكو»، والترجمة الفورية التي كانت مناسبة لقائه الأول بخوليو كورتازار في مؤتمر حول القطن في اليونان. وقد وضع رواية لاحقاً تدور وقائعها حول مترجمة فورية من البيرو ومغامراتها العاطفية في باريس. في العاصمة الفرنسية اكتشف فلوبير، وتبحّر في أعماله وحياته إلى أن أصبحت بحوثه عنه من المراجع الأساسية لدراسة صاحب «مدام بوفاري». تأثر كثيراً بسارتر، وسار في خطاه السياسية يوم كان من أشد مناصري الثورة الكوبية قبل أن ينقلب بشكل نهائي وعنيف على الفكر الشيوعي والحركات اليسارية التي كان معظم أدباء أميركا اللاتينية من مؤيديها. ولدى سؤاله مرة حول ما إذا كانت الانتقادات القاسية التي تعرّض لها من اليسار الأميركي اللاتيني بسبب انقلابه على نظام كاسترو في كوبا هي التي دفعته إلى الجنوح نحو الفكر الليبرالي، أجاب «ربما».

ماريو بارغاس يوسا

في إسبانيا وضع أطروحته لنيل الدكتوراه من جامعة مدريد حول أعمال غارسيّا ماركيز عام 1971، وهي تحليل عميق لكل ما أنتجه ماركيز حتى صدور «مائة عام من العزلة»، وأصبحت مرجعاً لدراسة الكاتب الكولومبي. لكن بعد الخلاف الذي نشب بينهم بسبب «حادثة عاطفية» امتنع كلاهما دائماً عن الحديث عنها، وانتهى عام 1976 باللكمة الشهيرة من فارغاس يوسا على وجه ماركيز التي وضعت حداً نهائياً للصداقة التي ربطتهما، رفض فارغاس يوسا إعادة نشر كتابه حول ماركيز، حتى عام 2006 عندما سمح بنشره ضمن أعماله الكاملة. وفي عام 2021، وبمناسبة مرور 50 عاماً على صدوره قرر رفع الفيتو عن إعادة نشره، وقال يومها في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «لم أشعر يوماً بالحسد من نجاح ماركيز، بل من موهبته».

وفي إسبانيا أيضاً تعرّف فارغاس يوسا على كارمن بالسيلز، الوكيلة الأدبية المعروفة في برشلونة، التي كانت وراء شهرة كثيرين من كتّاب أميركا اللاتينية مثل ماركيز وكورتازار وفونتيس، والتي أصبحت فيما بعد وكيلته الحصرية. ويروي دون ماريو أنه عندما كان يقيم مع عائلته في لندن، حيث كان يدرّس في جامعة كينغز كولج، اتصلت به بالسيلز، وعرضت عليه أن يترك التدريس، ويتفرّغ للكتابة في برشلونة التي انتقل إليها عام 1969، وفيها ولدت ابنته مورغانا، وصدرت له روايات عدة، وكتب أطروحته الشهيرة عن غارسيا ماركيز.

خلال إقامته الأولى في باريس بدأ بكتابة إحدى روائعه «محادثة في الكاتدرائية»، وأكملها خلال ترحاله بين العاصمة الفرنسية وواشنطن ولندن وبورتوريكو، وصدرت بعيد وصوله إلى برشلونة. والكاتدرائية ليست كنيسة ضخمة، بل اسم لمقهى باريسي كان فارغاس يوسا يتردد عليه. وكان فكّر في البداية أن ينشرها في جزأين لضخامتها، وكان يقول إنها الرواية التي تطلبت منه أكبر قدر من الجهد بين تنقيح ومراجعة وإعادة كتابة، وإنه لو طلب إليه أن ينقذ رواية واحدة من أعماله، لاختارها. وتدور الرواية حول الأزمات السياسية التي كانت بلاده البيرو تعاني منها. وقد دفعه هذا الاهتمام لاحقاً إلى خوض المعترك السياسي عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية عام 1990، وخسرها أمام ألبرتو فوجيموري الذي انتهى لاحقاً في السجن بتهم الفساد حتى وفاته العام الماضي. لم يندم على تلك التجربة، وبقي يشدد على أن الأدب والسياسة هما وجهان لعملة واحدة هي حرية الإنسان. وخلال السنوات الأخيرة التي أقامها في إسبانيا كان ناشطاً في نشر الفكر الليبرالي، وسار في مظاهرات ضد الحركة التي كانت تنادي باستقلال مقاطعة كاتالونيا.

كان فارغاس يوسا غزيراً في إنتاجه الأدبي، بقدر ما كان نهماً في مطالعاته التي غالباً ما كانت مواضيع لمقالاته الأدبية والنقدية التي تنشرها له «الشرق الأوسط» منذ سنوات. منذ شبابه الأول كانت الكتابة هاجسه، وسعى بمثابرة إلى التفرّغ لها. وكتب يوماً إلى أحد أصدقائه، عندما كان لا يزال في السابعة عشرة من عمره: «سأصبح كاتباً. لا أريد أن أكون صحافياً، ولا محامياً ولا مدرسّاً، حتى لو اضطررت لتخصيص وقتي من أجل كسب العيش لأعمال أخرى، لكني سأصبح كاتباً. معنى ذلك أنني سأكرّس أفضل أوقاتي وطاقتي للكتابة. سأبحث عن أعمال تؤمن لي قوتي من غير أن تحول دون انصرافي الأساسي للكتابة. وإذا كان ذلك يعني أنني سأتكبد صعاباً مادية، لن أتردد لأني أعرف جيداً أنني سأكون أكثر تعاسة في الحياة إذا تخليّت عن الأدب لأسباب مادية».

وعندما نال جائزة نوبل في عام 2010 قال: «لا أبالغ في القول إن الأدب أنقذ حياتي. كنت أعيش في عالم مغلق وعدواني في أغلب الأحيان، تحكمه قواعد موروثة ويسوده الصمت والخوف من البوح. لكن في الكتب وقعت على باب سري وسحري من الكلمات التي بنيت منها عوالم سمحت لي بأن أتنفس بحُرية مطلقة. كانت الكتابة بالنسبة لي منذ البداية سبيلاً إلى الوجود من غير أن أستأذن أحداً. هي التي منحتني نعمة تغيير الواقع، بالخيال وليس بالقوة. وتعلمت منها أن بلداً من غير حكايات، ومن غير قراء، ومن غير كتّاب، هو بلد محكوم عليه بالنسيان».

كان دون ماريو يردد أن القراءة لا تقلّ أهمية عن الكتابة، وأن مطالعاته لها الفضل الأكبر فيما أنتجه من أعمال، ويقول: «من فلوبير تعلّمت أن الجهد يصل حيث لا تصل الموهبة التي ليست سوى مثابرة وصبر طويل. ومن ديكنز وبلزاك وتولستوي وكونراد وتوماس مان تعلمت أن تفاصيل الأرقام والتواريخ لا تقل أهمية في الرواية عن مهارة الأسلوب واستراتيجية السرد، وتعلمت من سارتر أن الكلمة هي أيضاً فعل، ومن كامو وأورويل أن الأدب من غير أخلاق ليس إنسانياً».

نشر فارغاس يوسا ثلاثاً من روائعه الأدبية قبل بلوغه الثالثة والثلاثين من عمره، وفي الخطاب الذي ألقاه لدى تسلمه جائزة نوبل قال: «علينا ن نواصل الكتابة والقراءة والحلم؛ لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة والأكثر فاعلية للتخفيف من حتمية الفناء وقهر سلطان الزمن».

الحب كان المصدر الأول للمتاعب والمشكلات التي واجهته في حياته التي كانت مليئة بالمغامرات، وأثارت حسداً كثيراً بين أترابه. كان يقول إن الذكاء يكمن أيضاً في الفصل بين الحب والجنس، لأن الحب هو نبع العذابات التي لا قدرة لنا على التحكم فيها. رحل مهيض الفؤاد بعد أن فشل في استئناف الاتصال بالمرأة التي كانت مهبط مشاعره في السنوات الأخيرة من حياته، لكنه كان قد استعاد السكينة العميقة التي كان يحنّ إليها دوماً بجانب أسرته، في المطارح حيث نبتت أجمل أحلامه.


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح
ثقافة وفنون الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

فاز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

منذ مطلع يناير 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة

خالد الغنامي

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».