الجزائر تحتفي باستقلالها وسط ضغوط إقليمية وتداعيات إرث الاستعمار

العلاقات مع المستعمر السابق في أسوأ حالاتها بينما يواجه الداخل تحدّي الخروج من التبعية لقطاع المحروقات

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يترحم على أرواح شهداء الثورة في الجزائر 5 يوليو (د.ب.أ)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يترحم على أرواح شهداء الثورة في الجزائر 5 يوليو (د.ب.أ)
TT

الجزائر تحتفي باستقلالها وسط ضغوط إقليمية وتداعيات إرث الاستعمار

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يترحم على أرواح شهداء الثورة في الجزائر 5 يوليو (د.ب.أ)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يترحم على أرواح شهداء الثورة في الجزائر 5 يوليو (د.ب.أ)

في 5 يوليو (تموز) 2025 تحتفل الجزائر بمرور 63 سنة على استقلالها، وسط لحظة محورية في تاريخها الحديث. داخليًّا، تعوّل الحكومة على تعزيز التنويع الاقتصادي لقطع شوط أبعد من اقتصاد الريع النفطي والغازي. إقليميًّا، تُخيِّم التوترات الأمنية والسياسية على حدودها، متأثرة بتشابكات مع دول الجوار. وعلى الصعيد الدولي، تشدِّد الجزائر على مطلب الاعتراف الرسمي من فرنسا بجرائم الاستعمار والاعتذار عنها، بوصف أن ذلك أساسي لإعادة بناء علاقات دبلوماسية سليمة، خصوصاً بعد تبنِّي باريس لخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية في صيف 2024.

صرَّح الرئيس عبد المجيد تبون، في معظم خطاباته وحواراته الصحافية، بأنّه اشتغل منذ تولِّيه الحكم نهاية 2019 على تحرير الاقتصاد من فخ الاعتماد على النفط والغاز، حيث شكَّل قطاع المحروقات أكثر من 90 في المائة من صادرات الجزائر و38 في المائة من إيرادات الدولة بين 2016 و2021، مما جعله عرضة لتقلّبات السوق العالمية. كما أكَّد أنّه أطلق «خطة تحوّل جذريّة نحو التنويع الاقتصادي» تهدف إلى رفع صادرات القطاع غير النفطي من نحو 5 مليارات دولار في 2023 إلى 7 مليارات في 2024، ثم 10 مليارات خلال 2025، وفي الأفق تصل إلى 29 - 30 ملياراً بحلول 2030.

وتفيد أرقام الحكومة بأنّ الصادرات غير النفطية تضاعفت ثلاث مرات منذ 2017، لتصل إلى نحو 5.1 مليار دولار في 2023. كما ارتفعت احتياطيات النقد الصرفية إلى نحو 70 مليار دولار بحلول منتصف 2024. ونما الاقتصاد بوتيرة قوية، مسجِّلاً معدل نمو يقارب 4 في المائة سنوياً.

صندوق النقد الدولي

من جانبه، أشار صندوق النقد الدولي، في ختام بعثة استشارية إلى الجزائر أُجريت بين 16 و30 يونيو (حزيران) 2025، إلى أنّ النمو الاقتصادي تباطأ إلى 3.6 في المائة في عام 2024 مقارنة بـ4.1 في المائة في العام السابق، نتيجة لتخفيضات إنتاج «أوبك بلس» التي أثّرت، حسب تقرير المؤسسة المالية العالمية، على قطاع المحروقات، بينما حافظ النشاط غير النفطي على قوته، محقِّقاً نموًّا بنسبة 4.2 في المائة.

كما أكّد أنّ الاقتصاد الجزائري، رغم تباطُئه في 2024، يتمتع باحتياطيات قوية، وانخفاض معدلات التضخم، إلّا أنّه يعاني من عجز مالي متزايد. وشجّع حكومة الجزائر على اتخاذ إجراءات فورية لتحسين الوضع المالي، ودعم تنويع الاقتصاد، وإطلاق إصلاحات مؤسساتية، لا سيما في القواعد المالية والنقدية، لضمان توازن واستقرار مستدامين.

الصعيد الإقليمي

على الصعيد الإقليمي، تحلّ ذكرى استقلال الجزائر في ظرف يتّسم بسوء العلاقة مع جيرانها في الجنوب، خصوصاً مالي والنيجر. وتعزو الجزائر ذلك إلى تدخل دول أجنبية في شؤون البلدين، ما فرض وضعاً جديداً، حسبها، تمثّل بشكل خاص في إعلان حكومة مالي فكّ ارتباطها بـ«اتفاق السلم والمصالحة» مع المعارضة المسلحة الذي تمّ التوقيع عليه بالجزائر عام 2015. كما طالبت من الحكومة الجزائرية، مطلع 2025، بوقف وساطتها بين الطرفين المتنازعين، الأمر الذي أحدث شبه قطيعة بين البلدين اللذين ربطتهما دوماً شبكة من التفاعلات الإنسانية، ونسيج اجتماعي متداخل بين قبائل الطوارق التي تعيش على التجارة والزراعة والرعي في المناطق الحدودية.

وانهارت جسور التواصل بين البلدين في أبريل (نيسان) 2025، عندما أسقط سلاح الجو الجزائري طائرة مسيّرة تابعة للجيش المالي على الحدود. وقد عبّرت باماكو عن سخطها، واعتبرت ذلك «إعلان حرب من جانب الجزائر ضدها». وسرعان ما انضمّت النيجر وبوركينا فاسو إلى الموقف المالي، معلنتين خصومة شديدة ضد ما كان يُعرف بـ«الشقيقة الكبرى» في الشمال.

وكان لهذا الخلاف أثر بالغ على التعاون في مجالات عدّة، أهمّها محاربة الإرهاب، وتجارة السلاح، وشبكات المخدرات، وتهريب البشر على الحدود بين هذه البلدان.

العلاقة مع المغرب وليبيا

أمّا علاقة الجزائر بالمغرب، فلا يزال التوتر سمتها الغالبة، وهو يتعاظم بشكل متواصل مع استمرار نزاع الصحراء. وقد أبدت الجزائر استياءً من انحياز كل من إسبانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية إلى خطة الحكم الذاتي المغربية لحلّ هذه القضية التي عجزت الأمم المتحدة عن تفكيكها منذ اندلاعها قبل نصف قرن.

كما يظلّ الوضع هشاً على الحدود مع ليبيا، حيث تلاحظ الجزائر رهانات كبرى في حدودها الجنوبية الشرقية، تُحرّكها قوى عالمية. ومنذ انهيار نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، تشتكي الجزائر من تحوّل هذه الحدود إلى ملاذ لمهرِّبي السلاح، ومسرحٍ لنشاط التنظيمات الجهادية.

التوتر مع فرنسا

وتحلّ ذكرى الاستقلال في ظرف دقيق بالنسبة للعلاقات مع دولة الاستعمار بالأمس: فرنسا، وما تمثّله من عمق إنساني (5 ملايين جزائري يعيشون بها)، ومصالح تجارية واقتصادية كبيرة، وتنسيق استخباراتي مهم في مجال الأمن بمناطق الساحل والمغرب العربي وحوض المتوسط.

عند أول امتحان جدي، تهاوت هذه العلاقات التي وُصفت يوماً بـ«الاستراتيجية»، حتى لامست القطيعة. فما إن تبنّى الإليزيه في صائفة 2024 أطروحة الرباط بشأن الصحراء، حتى تفجّر غضب الجزائر، وجرّ معه خلافات قديمة كانت مناسبةً رفعت من مستوى الانتماء الوطني وتجذيره في وجدان الجزائريين.

وبرهنت هذه الخلافات على أنّ ماضي فرنسا الاستعماري ما زال محفوراً في نفوسهم، كما أنّ قطاعاً من الطيف السياسي في فرنسا لا يزال يشدّه الحنين إلى «الجزائر الفرنسية».

وقد شمل خطاب مكتوب للرئيس تبون في ذكرى الاستقلال هذه المحاور، حيث أكّد أنّ «تاريخ الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية هو يوم انجلت فيه عن وطننا المفدى جحافل الاستعمار البغيض، وهي تجرّ أذيال الهزيمة، لأنّها جوبهت برجال أشداء سكن الوطن سويداء قلوبهم، وعقدوا العزائم أن تتحرر الجزائر».

وشدد على أنّ الجزائريين «يستحضرون تلك الملاحم الخالدة التي خاضها شعبنا ضد الاستعمار وقواه العاتية، وظلّ على درب التضحية، يقدّم القوافل تلو الأخرى من الشهداء البواسل حتى النصر المبين».

من جهته، وصف قائد الجيش، الفريق أول سعيد شنقريحة، في خطاب للأفراد العسكريين، أنّ الاستقلال في عامه الـ63 «هو من أعظم المحطات المجيدة في تاريخ وطننا العزيز، محطة ستبقى دائماً رمزاً لانتصار الجزائر والجزائريين على المستدمر الفرنسي الغاشم، الذي سلب وطننا حريته وسيادته بالنار والحديد، وأذاق شعبنا، لسنوات طويلة، كلّ أنواع القهر والظلم والحرمان». وبحسب شنقريحة: «رغم حجم الدمار الذي تسبّب فيه هذا المستعمر، لم يستسلم آباؤنا وأجدادنا يوماً للعدو، وتمسّكوا بهويتهم الجزائرية الأصيلة، وبذلوا النفس والنفيس من أجل الانعتاق».


مقالات ذات صلة

جماهير جزائرية تحتفل بتتويج السنغال بكأس أفريقيا

رياضة عربية الجماهير الجزائرية احتفلت بفوز السنغال (رويترز)

جماهير جزائرية تحتفل بتتويج السنغال بكأس أفريقيا

احتفلت جماهير جزائرية بتتويج منتخب السنغال بلقب بطولة كأس أمم أفريقيا 2025، عقب تغلبه على نظيره منتخب المغرب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

رئيسة «جمعية فرنسا – الجزائر» تعرض خطة لإنهاء توترات التاريخ بين البلدين

عرضت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، سيغولين روايال، خطة من 3 نقاط لإنهاء التوترات الحادة التي تمر بها العلاقات بين البلدين منذ صيف 2024.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)

الحكومة الجزائرية تلجأ للتهدئة لإخماد «ثورة الناقلين»

خضعت السلطات الجزائرية لضغط الشارع المهني، بإقرار تعديلات جوهرية على مشروع قانون المرور المثير للجدل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

قرر القضاء الجزائري إعادة فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، بالنظر إلى كثرة الانتقادات الحقوقية التي وجهت إلى الإجراءات الأمنية والجزائية المتبعة، التي قادت…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

مسؤول فرنسي يقرّ بصعوبة ترميم العلاقات مع الجزائر

في حين كانت العلاقات الجزائرية - الفرنسية تشهد استئنافاً جزئياً للتعاون، برز «قانون تجريم الاستعمار» عقبةً جديدةً أعادت المسار إلى مربعه الأول، وعرقلت جهود…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».


الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)
الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)
TT

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)
الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

وقّع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة مع الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، وأنطونيو تاجاني نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الإيطالي، اتفاقية شراكة للاستثمار وتشغيل وتطوير محطات الحاويات وتوسعة ميناء المنطقة الحرة في مصراتة.

وقبيل التوقيع، الذي جرى مساء الأحد في مصراتة، الواقعة على بعد 200 كيلومتر شرق العاصمة طرابلس، اجتمع الدبيبة مع الوفد الإيطالي الذي ترأسه تاجاني، وبحث معه سبل تطوير التعاون بين البلدين، ولا سيما المجالات الاقتصادية والخدمية، إلى جانب بحث ملف الهجرة غير المشروعة باعتباره أحد أبرز التحديات المشتركة في منطقة المتوسط.

الدبيبة مستقبلاً الشيخ محمد بن جاسم آل ثاني في مصراتة الأحد (مكتب الدبيبة)

ووسط استقبال رسمي وشعبي، كان الدبيبة في مقدمة مستقبلي رئيس الوزراء القطري في ميناء المنطقة الحرة بمصراتة للمشاركة في التوقيع، مثمناً العلاقة بين ليبيا وقطر.

وتناول الدبيبة في اجتماع رسمي عقده مع رئيس الوزراء القطري سبل تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين، وتطوير الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، بما يخدم المصالح المشتركة، إلى جانب مناقشة عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك.

ونقل مكتب الدبيبة إشادته «بمواقف دولة قطر الداعمة للشعب الليبي»، مؤكداً «أهمية البناء على العلاقات الأخوية بين البلدين وترجمتها إلى برامج ومشروعات عملية في مجالات البنية التحتية والطاقة والخدمات».

الوفد القطري خلال الاجتماع مع الدبيبة في مصراتة (مكتب الدبيبة)

وتطرّق لقاء الدبيبة مع رئيس الوزراء القطري إلى مجالات التعاون في قطاع النفط، إضافة إلى مشروعات المواصلات، بما يسهم في رفع كفاءة الخدمات وتحسين جاهزية البنية التحتية ودعم الاقتصاد الوطني.

وأكد الجانبان في ختام اللقاء حرصهما على مواصلة التنسيق وتعزيز مسارات التعاون المشترك خلال المرحلة المقبلة، بما يدعم الاستقرار والتنمية ويخدم مصالح الشعبين الشقيقين.

وكان الدبيبة قد طالب في أول اجتماع له بعد خروجه من المستشفى، صباح الأحد، روما والاتحاد الأوروبي «بتقديم دعم مباشر وواضح لحكومة (الوحدة الوطنية) في مواجهة تحديات الهجرة غير النظامية، باعتبار أن ليبيا تتحمل أعباء كبيرة على المستويين الأمني والإنساني».

وأبدى الدبيبة، بحسب مكتبه، «رفض ليبيا أن تكون موطناً للهجرة غير النظامية، أو نقطة استقرار للمهاجرين»، مشدداً على ضرورة دعم خطة الترحيل والعودة باعتبارها مساراً أساسياً لمعالجة الأزمة، وبما يضمن توزيع المسؤوليات توزيعاً عادلاً ويخفف الضغط عن المدن والمرافق الليبية.

استقبال رسمي وشعبي للشيخ محمد بن جاسم آل ثاني في مصراتة الأحد (مكتب الدبيبة)

وفي سياق التعاون الاقتصادي، استعرض رئيس مجلس الوزراء التطورات المتعلقة بالشراكات الاستراتيجية الجارية، مشيراً إلى أن مدينة مصراتة تشهد توقيع اتفاقية تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة باستثمارات تصل إلى 2.7 مليار دولار، وبمشاركة شركات قطرية وإيطالية وسويسرية، في مقدمتها شركة «إم إس سي» الإيطالية، لرفع الطاقة الاستيعابية إلى 4 ملايين حاوية سنوياً، مع توقعات بإيرادات تشغيلية تُقدّر بنحو 500 مليون دولار سنوياً، وتوفير 8400 فرصة عمل مباشرة ونحو 62 ألف فرصة غير مباشرة.

وأعلن الدبيبة، عبر حسابه على منصة «إكس»، صباح الأحد، عن إطلاق المشروع، الذي قال عنه إنه «لا يعزز مكانة ليبيا فقط بين أكبر الموانئ في المنطقة من حيث الحجم والطاقة، بل يقوم على تمويلات استثمارية أجنبية مباشرة ضمن شراكة دولية متكاملة».

وقال الدبيبة إن هذا المشروع يُنفذ ضمن «تمويلات استثمارية أجنبية مباشرة وفق ترتيبات واضحة للتطوير والتشغيل، بما يضمن تنفيذه دون تحميل ميزانية الدولة أعباء إضافية».

وتطرّق الدبيبة في مباحثاته مع الوفد الإيطالي إلى بحث التعاون القائم في قطاع الطاقة، مثمناً إعلان شركة «إيني» قبل يومين، بالشراكة مع المؤسسة الوطنية للنفط و«بي بي» والمؤسسة الليبية للاستثمار، بدء أعمال حفر أول بئر استكشافية في المياه العميقة بخليج سرت.

وأكّد الجانبان في ختام اللقاء أهمية استمرار التنسيق وتعزيز الشراكة الليبية - الإيطالية بما يخدم الاستقرار والتنمية، ويسهم في معالجة التحديات المشتركة، وعلى رأسها ملف الهجرة غير النظامية.

وفي غضون ذلك، استقبل الدبيبة بمدينة مصراتة، الأحد، سفير المملكة المتحدة لدى ليبيا مارتن رينولدز، الذي نقل تحيات حكومته، متمنياً لرئيس الوزراء «دوام الصحة والعافية».

وتناول اللقاء سبل تعزيز التعاون الليبي البريطاني، وتنسيق الجهود في عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك، بما يدعم الاستقرار ويخدم المصالح المتبادلة.