إسرائيل تدرس تحفظات «حماس»... وترسل وفداً إلى الدوحة

الحركة أثارت ملاحظات على قضايا تموضع قوات الاحتلال ودخول المساعدات ووقف الحرب

أم فلسطينية وابنتها تهرعان للاحتماء خلال غارة إسرائيلية على مخيم البريج في وسط قطاع غزة يوم 4 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
أم فلسطينية وابنتها تهرعان للاحتماء خلال غارة إسرائيلية على مخيم البريج في وسط قطاع غزة يوم 4 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرس تحفظات «حماس»... وترسل وفداً إلى الدوحة

أم فلسطينية وابنتها تهرعان للاحتماء خلال غارة إسرائيلية على مخيم البريج في وسط قطاع غزة يوم 4 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
أم فلسطينية وابنتها تهرعان للاحتماء خلال غارة إسرائيلية على مخيم البريج في وسط قطاع غزة يوم 4 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

تستعد إسرائيل لإرسال وفد إلى الدوحة، الأحد؛ لإجراء محادثات مكثفة حول وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بعدما أرسلت «حماس» ردَّها على المقترح الذي قدَّمه الوسطاء سابقاً، وكان إيجابياً، بحسب ما قالت الحركة، لكنه تضمَّن تحفظات وملاحظات حول 3 قضايا. وتفيد التقديرات في إسرائيل بأن المفاوضات ستحتاج إلى وقت لحسم هذه المسائل، إضافة إلى مسائل فنية أخرى.

وفي حين ترجِّح التوقعات أن ترفض إسرائيل تحفظات «حماس»، فإن هناك إمكانية كما يبدو للتوصُّل إلى هدنة مؤقتة لا تنهي الحرب، خصوصاً أن تل أبيب تصرّ على «مفخخات» في أي اتفاق تسمح لها باستئناف القتال في المستقبل.

وستُجرى المفاوضات المرتقبة في الدوحة عشية لقاء في البيت الأبيض بين الرئيس دونالد ترمب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سيناقشان فيه وقف النار في غزة وإطلاق أسرى إسرائيليين محتجزين في القطاع.

وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، والقناتان 12 و13، ومواقع إخبارية أخرى في إسرائيل أن الدولة العبرية تدرس رد «حماس» الذي لم يكن مفاجئاً، وستحدِّد ما إذا كان يتوافق مع الخطوط الإسرائيلية العريضة، ومدى إمكانية التوصُّل إلى اتفاقات.

وتوضِّح مصادر إسرائيلية أن مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر الذي بدأ بمناقشة رد «حماس»، الجمعة والسبت، في جلسات متتالية، سيرسل وفداً للتفاوض الأحد، من أجل حسم الموضوعات محل الخلاف التي أثارتها «حماس»، وهي تموضع القوات الإسرائيلية، ومسألة المساعدات، ووقف الحرب.

وأعلنت حركة «حماس»، الجمعة، أنها قدَّمت رداً «إيجابياً» على أحدث اقتراح لوقف إطلاق النار في غزة، مضيفة أنها مستعدة لبدء محادثات «فورية» لسد الفجوات المتبقية. لكن رد الحركة تضمَّن 3 تحفظات عن قضايا أساسية، مما يترك عقبات يجب التغلب عليها.

جثامين ضحايا في مستشفى بمدينة غزة السبت بعدما قضوا بقصف إسرائيلي على مدرسة تابعة لوكالة «أونروا» ليلة الجمعة (رويترز)

وقال مصدر لموقع «تايمز أوف إسرائيل» إن «حماس» تريد لغة أوضح بشأن احتمال عدم الانتهاء من المفاوضات بشأن وقف النار الدائم بحلول نهاية الهدنة المقترحة لمدة 60 يوماً. وينصُّ النصُّ المُقدَّمُّ إلى «حماس» على إمكانية تمديد وقف النار لما بعد مدة الـ60 يوماً، ما دام الطرفان يتفاوضان بحسن نية. لكن المصدر قال إن «حماس» تريد إسقاط الشرط الأخير، عادّةً أنه بمثابة فرصة سيستغلها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لاستئناف الحرب، كما فعل في مارس (آذار) الماضي، عندما أفسد اتفاقاً تمَّ التوصُّل إليه في يناير (كانون الثاني) قبل دخول اتفاق وقف النار مرحلته الثانية. وبناء على ذلك، قال المصدر إن «حماس» تريد أن ينصَّ الاقتراح على أن تستمر المحادثات بشأن وقف دائم لإطلاق النار حتى يتم التوصُّل إلى اتفاق، وهو ما تعارضه إسرائيل خشية أن تماطل «حماس» في المحادثات إلى أجل غير مسمى.

أما تحفُّظ «حماس» الآخر فيتعلق بالمساعدات التي تريد الحركة استئنافها بالكامل من خلال آليات تدعمها الأمم المتحدة ومنظمات إغاثة دولية أخرى، وليس فقط عبر «مؤسسة غزة الإنسانية» المثيرة للجدل، التي تدعمها الولايات المتحدة وإسرائيل.

والتحفظ الثالث في رد «حماس» يتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية خلال الهدنة، حيث تطالب الحركة بأن يتراجع الجيش الإسرائيلي إلى المواقع التي كان يسيطر عليها قبل انهيار وقف إطلاق النار السابق في مارس.

وأكدت مصادر لـ«يديعوت أحرونوت» والقناة 12 تحفظات «حماس».

وبحسب المصادر، فمن المرجح أن تواجه التحفظات الثلاثة رفضاً من إسرائيل، نظراً لأن نتنياهو يضع مفخخات منذ البداية بإصراره على أن تحتفظ إسرائيل بالقدرة على استئناف القتال، بدلاً من الموافقة مسبقاً على وقف إطلاق نار دائم. وقد جادلت إسرائيل بأن إنهاء الحرب سيترك «حماس» في السلطة، قادرة على إعادة تنظيم صفوفها، على الرغم من أن منتقدي الحكومة يؤكدون أن إسرائيل قد قامت بالفعل بتفكيك الحركة بشكل كافٍ.

كما تعارض إسرائيل آليات المساعدة الأخرى غير تلك التي تمرُّ عبر «مؤسسة غزة الإنسانية»، بدعوى أن الآليات الأخرى سمحت لحركة «حماس» بتحويل كميات كبيرة من المساعدات الإنسانية لمصلحتها.

وترفض إسرائيل حتى الآن التنازل عن السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي، بما في ذلك ما يُسمى «محور موراغ» في جنوب غزة، حيث من المرجح أن تضغط من أجل الإبقاء على قواتها، على غرار «محور فيلادلفيا» الذي يمتد على طول الحدود بين مصر وغزة.

وكتب المراسل العسكري آفي أشكنازي في صحيفة «معاريف» أن رد «حماس» يشير إلى أن الحركة لم تتراجع، بل هي تواصل نشاطها ولم تُحشَر في الزاوية.

وأضاف: «إذا قُبلت تحفظات (حماس)، فسيُعدّ ذلك فشلاً ذريعاً للخطوة العسكرية الأخيرة للجيش الإسرائيلي في غزة، المعروفة باسم (عربات جدعون). سيسمح هذا لـ(حماس) بالتعافي، وسيُفسَّر في الشرق الأوسط على أنه انتصار لها. لا جديد في رد (حماس)، إنما في طريقة تقديمه للعالم».

وتابع: «من المشكوك فيه جداً في الوقت الحالي أن تقبل إسرائيل ردَّ (حماس)، ليس فقط بوصفه أساساً للمحادثات. يجب على إسرائيل الآن إعادة النظر في خطواتها في غزة على مدار العامين الماضيين تقريباً، ودراسة أدوات الضغط التي نجحت في التأثير على (حماس)».

وإضافة إلى ملاحظات «حماس» التي بحاجة إلى حسم، ثمة مسائل غنية أخرى تحتاج إلى اتفاق.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الوسطاء سيضغطون من أجل إبقاء الاتفاق كما هو، وإذا نجحوا في ذلك فستتبقى مسائل فنية متعلقة بعدد قليل من القضايا، مثل عدد وهوية الأسرى الفلسطينيين الذين سيتم الإفراج عنهم في الاتفاق والخرائط التي تُحدِّد انسحاب القوات الإسرائيلية.

دمار اليوم السبت في مدرسة تابعة لوكالة «أونروا» تعرَّضت لقصف إسرائيلي في مدينة غزة ليلة الجمعة (رويترز)

وأضافت «يديعوت أحرونوت» أن ثمة مسائل فنية مضنية يجب التفاهم حولها، مثل مَن هم الرهائن الذين سيتم إطلاق سراحهم، فخلافاً للمرة السابقة، عندما كانت قائمة المُفرَج عنهم معروفةً، واستندت إلى قائمة قدَّمتها إسرائيل قبل بضعة أشهر، ففي هذه المرة - إذا تم تنفيذ الصفقة الجزئية على الطاولة بالفعل - ليس من الواضح مَن هم الرهائن الـ10 الأحياء الذين سيتم إطلاق سراحهم من أسر «حماس»، ومَن هم أصحاب الجثامين الـ18 الذين سيتم نقلهم، ولا مَن سيُحدِّد القائمة، ومَن هم الأسرى الفلسطينيون الذين سيُفرَج عنهم. وينصُّ المخطط المنشور لاتفاق وقف النار وتبادل الأسرى، على أنه مقابل إطلاق سراح 10 أسرى أحياء و18 قتيلاً، ستُفرِج إسرائيل عن عدد مُتفق عليه من الأسرى الفلسطينيين. ورغم عدم تحديد عددهم، فإن تفاصيلهم معروفة نسبياً، ويُقدَّر عددهم بـ1000 أسير ونحو 100 سجين مؤبد. لكن «حماس» ستطالب بالإفراج عن «رموز» من بين الأسرى الفلسطينيين، وهو ما ستُعارضه إسرائيل.

وأضافت «يديعوت أحرونوت»: «في مسألة انسحاب الجيش وفقاً للخطة، سيُعاد انتشار قوات الجيش في شمال قطاع غزة وعلى محور نتساريم، وبعد أسبوع في جنوب القطاع. تطالب (حماس) بانسحاب تدريجي للجيش إلى المواقع المحدَّدة في اتفاق وقف النار السابق، بينما ينصُّ الاتفاق الجديد على أن إعادة الانتشار ستكون وفق (خرائط يُتفق عليها) - لذا، في الواقع، لم يُتفق على التفاصيل بعد. من المتوقع إجراء نقاش حول نطاق الانسحاب والخطوط الجديدة. توافق إسرائيل على الانسحاب إلى (محور موراغ)، وهو الممر الواقع في جنوب قطاع غزة والمعروف أيضاً باسم «فيلادلفيا 2»، لكنها تُصر على الحفاظ على محيط لا يقل عن 1.2 كيلومتر داخل قطاع غزة».

وإذا ما تم تجاوز هذه الخلافات، فستبقى مسائل أكثر تعقيداً على الطاولة تمثل طلبات «مفخخة». وقالت «يديعوت أحرونوت»، في هذا الإطار، إنه «على الرغم من أن المخطط المنشور للصفقة لم يتطرق إلى (اليوم التالي) لما بعد الحرب، ولا لنفي كبار مسؤولي (حماس) في القطاع، فإن نتنياهو أكد في اجتماع مجلس الوزراء المصغر أنه لن يتخلى عن هدف إخضاع (حماس)». وقال: «لن تتمكَّن (حماس) من البقاء في غزة. إنهم يتحدثون عن النفي، وإنهاء الحرب في غضون شهرين».

وتشترط إسرائيل نفي قادة «حماس»، وسحب السلاح قبل إنهاء الحرب، وهما مسألتان لن توافق عليهما «حماس» بسهولة، ما يجعل استئناف القتال في غزة مسألةً محتملةً.

وصرَّح مصدر إسرائيلي لـ«يديعوت أحرونوت» بأن التوجه في هذه المرحلة، هو أن نتنياهو وترمب سيعلنان الاتفاق بشكل مشترك خلال لقائهما في البيت الأبيض، يوم الاثنين. وأضاف: «جميع الأطراف تدعم الاتفاق. رئيسا الأركان وجهاز الأمن العام (الشاباك) يدعمان أيضاً اتفاقاً جزئياً. الجميع يقول إنه في النهاية، علينا التوصُّل إلى وضع يسمح لنا بالإفراج عن الرهائن، في أسرع وقت ممكن».


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

المشرق العربي عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

أكدت مصادر إسرائيلية أن هناك 5 ميليشيات مسلحة تعمل لمصلحة الجيش الإسرائيلي ضد «حماس» في غزة.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)

خاص هكذا دفعت «حماس» ترمب للإشادة بها عدة مرات

تظهر تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتكررة والعديد من المراقبين والمعنيين أنهم لم يتوقعوا أن تنجح عملية استعادة جميع المختطفين الأحياء والأموات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية في عمق قطاع غزة تستهدف ورش صناعة أسلحة

خلال أقل من أسبوع، استهدفت طائرات إسرائيلية، ورشتي حدادة (مخرطتان) الأولى في مدينة غزة، والأخرى في خان يونس جنوب القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة الإسرائيلية (رويترز - أرشيفية)

القضاء الإسرائيلي يتّهم شقيق رئيس الشاباك بـ«مساعدة العدو في زمن الحرب»

قدّم الادعاء العام الإسرائيلي، الخميس، لائحة اتهام ضد شقيق رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية (الشاباك)، تشمل «مساعدة العدو في زمن الحرب».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمةً خلال مراسم تأبين أُقيمت في ميتار بإسرائيل 28 يناير 2026 (رويترز)

نتنياهو: حدثت إخفاقات استخباراتية في 7 أكتوبر... لكن لم تحصل خيانة

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه «حدث إخفاق استخباراتي خطير (في 7 أكتوبر 2023)، لكن لم تكن هناك خيانة».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
TT

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردَّد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي في حال تعرُّضها لأي تهديد.

وأضاف أن أي عمل عسكري يهدف إلى فرض الحرب على إيران سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتفاقم الأزمة في جميع أنحاء المنطقة، محذراً من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وأكد رئيس الأركان، بحسب الإعلام الإيراني، أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الرد، وأن قواتها المسلحة في جاهزية تامة للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وجاءت تصريحات موسوي غداة مفاوضات عُقدت مع واشنطن في مسقط.


الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
TT

الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

عكست الصفحات الأولى للصحف الإيرانية الصادرة صباح السبت، مقاربات متشابهة لجولة المفاوضات التي جرت في مسقط يوم الجمعة بين إيران والولايات المتحدة، حيث هيمنت ثنائية القوة الميدانية والدبلوماسية المشروطة على العناوين الرئيسية، مع اختلاف في الزوايا والأسلوب بين الصحف.

وأجمعت الصحف الصادرة في طهران، عقب مفاوضات الجمعة، على تقديم الحوار من موقع قوة، وحصر جدول الأعمال بالملف النووي، وربط الدبلوماسية بالجاهزية العسكرية، مع تباين في النبرة بين الخطاب الآيديولوجي لمؤسسة الحكم، والمقاربة الحكومية التي تدعو إلى ضبط التوقعات، وعدم تحويل المفاوضات إلى ساحة صراع داخلي، أو رهان مطلق على النتائج.

الصفحة الأولى لصحيفة «إيران» الحكومية على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

وإلى جانب الصحف التي ركزت على التفاوض من موقع القوة والجاهزية العسكرية، حضرت صحيفة «إيران»، الناطقة باسم الحكومة، بعنوان رئيسي هو «بداية جيدة»، في إشارة إلى انطلاق محادثات مسقط.

وقدمت الصحيفة صورتين متقابلتين في صدر صفحتها الأولى، تظهران لقاء وزير الخارجية الإيراني مع نظيريه العماني والأميركي، معتبرة أن الجولة الأولى تشكل انطلاقة إيجابية حذرة.

غير أنها أرفقت العنوان المتفائل بمقاربة تحذيرية في افتتاحية حملت عنوان «المفاوضات ليست ساحة للصيد الجناحي - السياسي»، وكتبت أن قرار التفاوض مع واشنطن هو قرار صادر عن مؤسسة الحكم في الجمهورية الإسلامية ككل، وليس قراراً حكومياً أو جناحياً. وأكدت أن تأمين مصالح البلاد عبر التفاوض هو مهمة الحكومة ووزارة الخارجية ضمن هذا الإطار.

إيراني يقرأ عناوين الأخبار لصحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

وأضافت الصحيفة أن ربط جميع شؤون البلاد، أو ما يسمى «حياة وموت الدولة»، سواء في بعدها الإيجابي أو السلبي، بمسار المفاوضات، ليس طرحاً صحيحاً ولا فرضية قابلة للدفاع، محذرة من تحويل المفاوضات إلى أداة للمزايدات الداخلية أو التجاذبات السياسية. وشددت على أن التفاوض هو إحدى أدوات إدارة المصالح الوطنية، لا بديلاً عن بقية عناصر القوة أو المسارات السياسية والاقتصادية للدولة.

وفي تغطيتها الخبرية، ربطت «إيران» استمرار المفاوضات بمدى التزام الطرفين، معتبرة أن «استمرار الحوار واتخاذ قرارات متقابلة يعتمد على سلوك الأطراف»، من دون رفع سقوف سياسية أو الدخول في خطاب تصعيدي، مع إبراز دور سلطنة عُمان بوصفها وسيطاً، والتأكيد على أن الحكم على المسار لا يزال مبكراً.

صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران تبرز صورة المفاوضين الإيرانيين

في المقابل، تصدرت صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران، المشهد بعنوان «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مبرزة صورة الوفد الإيراني في مسقط، ومقدمة الجولة على أنها جاءت بعد فشل الضغط العسكري الأميركي. وربطت الصحيفة بوضوح بين المسار التفاوضي ورفع الجاهزية العسكرية، حيث حضر الحديث عن الصاروخ الإيراني في العمود الأيسر للصفحة الأولى، باعتباره أحد عناصر الردع التي تشكّل خلفية مباشرة لأي حوار سياسي.

«عصر الردع الهجومي»

أما صحيفة «فرهيختغان» التي يرأس إدارة تحريرها علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، فاختارت عنوان «المفاوضة في الميدان»، وقدمت المفاوضات باعتبارها محطة تأتي بعد عام من التوتر وتجربة حرب الـ12 يوماً، مشددة على أن الدبلوماسية الإيرانية تتحرك بذاكرة مفتوحة تجاه تجارب الماضي.

وطرحت الصفحة الأولى تساؤلات حول محاولات إعادة إنتاج مسارات الضغط السابقة، مقابل تأكيد أن طهران تدخل الحوار من دون التخلي عن خيارات أخرى إذا فُرضت عليها شروط غير مقبولة.

وذهبت صحيفة «جام جم» التابعة للتلفزيون الرسمي، إلى خطاب أكثر تعبئة تحت عنوان «عصر الردع الهجومي»، حيث أبرزت الصواريخ والتأهب العسكري بوصفهما السند الأساسي للمفاوضات، وربطت بين تطور القدرات العسكرية وارتفاع القدرة التفاوضية، مقدمة الأمن القومي وتوازن الردع إطارين حاكمين لأي تفاوض مع الولايات المتحدة.

من جهتها، عنونت صحيفة «آكاه» المحافظة المشهد بعبارة «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مع صورة جماعية للوفد الإيراني، معتبرة أن جولة مسقط جاءت بعد إخفاق سياسة التهديد والضغط، وقدّمت المفاوضات بوصفها نتيجة اضطرار واشنطن للعودة إلى طاولة الحوار بعد فشل الخيارات الأخرى.

صحيفة «طهران تايمز» التابعة لمؤسسة «الدعاية والتبليغ الإسلامي» تحت عنوان «بداية جيدة لمحادثات إيران - أميركا لكن الطريق لا يزال غير واضح» (إ.ب.أ)

ومن المؤسسة نفسها التي تصدر صحيفة «آكاه»، قدمت صحيفة «طهران تايمز» الصادرة بالإنجليزية، قراءة أكثر توازناً، معتبرة أن الجولة تمثل «بداية جيدة للمحادثات، لكن الطريق لا يزال غير واضح»، مع إبراز استمرار انعدام الثقة بين الطرفين. وفي الوقت نفسه، أفردت مساحة بارزة للحديث عن تعزيز الوضع الهجومي الإيراني عبر نشر صاروخ «خرمشهر - 4»، مقدمة ذلك رسالةً موازية للمفاوضات.

أما صحيفة «قدس» المحافظة، فركزت على البعد السياسي الخارجي، بعنوان بارز عن «استقلال أوروبا... فعلياً على الورق»، مشككة في جدوى الدور الأوروبي. ورافقت العنوان صورة الوفد الإيراني مع عبارة «دبلوماسية بإصبع على الزناد»، في إشارة إلى أن الحوار يجري مع بقاء أدوات الردع حاضرة، مع تأكيد حصر جدول الأعمال بالملف النووي، ورفض إدراج الصواريخ أو القضايا الإقليمية.

«المنطقة الرمادية»

وفي مقاربة تحليلية مغايرة، عنونت صحيفة «شرق» الإصلاحية صفحتها الأولى بـ«الدبلوماسية في المنطقة الرمادية»، ونأت بنفسها عن الحسم المسبق للنتائج. وكتبت أن استمرار المسار الحالي قد يفتح الباب أمام التوصل إلى إطار تفاهمي لجولات لاحقة، لكنها ربطت بعاملين حاسمين؛ هما طبيعة القرارات التي تتخذ في طهران ومدى توافر الإرادة السياسية لدى الطرف الأميركي، معتبرة أن المفاوضات لا تزال تتحرك في مساحة غير محسومة.

صحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

حسابات حذرة

من جهتها، ركزت صحيفة «اعتماد» في تغطيتها لمحادثات مسقط على توصيف الجولة الأولى بأنها «بداية جيدة» للحوار غير المباشر بين واشنطن وطهران، لكنها رأت أنه لا يعني تجاوز مرحلة الاختبار أو ضمان استمرار المسار.

واعتبرت الصحيفة أن المحادثات تمثل خطوة افتتاحية تهدف إلى جس النيات وتحديد إطار العمل، وليس تحقيق نتائج نهائية سريعة.

وأشارت «اعتماد» إلى أن استمرار الحوار مرهون بقدرة الطرفين على ضبط سقف التوقعات والالتزام بطابع تفاوضي تدريجي، مؤكدة أن الحكم على مسار المفاوضات يجب أن يبنى على ما ستسفر عنه الجولات اللاحقة.

وأظهرت القراءة الحذرة للصحيفة توازناً بين الإشارة إلى إيجابية الانطلاق، والتنبيه إلى أن مسار التفاوض لا يزال في بدايته، وأن نتائجه ستتحدد وفق السلوك العملي للأطراف خلال المرحلة المقبلة.

الميدان والدبلوماسية

أما صحيفة «جوان»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، فقد شددت على تلازم المسارين العسكري والدبلوماسي تحت عنوان «تكامل الميدان والدبلوماسية في مواجهة العدو»، معتبرة أن «يد التفاوض على الطاولة، فيما إصبع الردع على الزناد».

وأشارت إلى زيارة رئيس هيئة الأركان إلى إحدى المدن الصاروخية التابعة لـ«الحرس الثوري»، ووجود الصاروخ الباليستي «خرمشهر - 4» بقدرات عملياتية عالية وقوة تدميرية كبيرة، بوصفه أحد أعمدة منظومة الردع الإيرانية، معتبرة ذلك رسالة مباشرة بأن طهران تدخل الدبلوماسية من موقع اقتدار، لا من موقع ضعف.

وفي سياق أكثر حدة، أفردت صحيفة «كيهان» افتتاحيتها لمفاوضات مسقط بعنوان «أميركا غير قابلة للثقة، ويجب أن تبقى الأصابع على الزناد». وكتب رئيس تحريرها حسين شريعتمداري، أن واشنطن اضطرت للقبول بإطار التفاوض الذي حددته طهران، والقائم على حصر النقاش بالملف النووي، مشيراً إلى تقارير تؤكد خروج الملفات الصاروخية والإقليمية من جدول الأعمال.

ونقلت «كيهان» عن وزير الخارجية عباس عراقجي، قوله إن «انعدام الثقة يشكل تحدياً ثقيلاً أمام المفاوضات»، وربطت ذلك بتحذيرها من تكرار تجارب سابقة لم تلتزم فيها واشنطن بتعهداتها. كما نشرت افتتاحية بعنوان «الحرب الإقليمية... الكابوس الأكبر لواشنطن وتل أبيب»، ربطت فيه بين مسار التفاوض واحتمالات التصعيد.

وذهبت كيهان أبعد من ذلك في أحد تقاريرها، معتبرة أنه «ليس مستبعداً أن يقدم الكيان الإسرائيلي على تصفية ترمب نفسه»، مشيرة إلى دور جاريد كوشنر، صهر ترمب ومستشاره المقرب، وواصفة إياه بأنه يتمتع بنفوذ واسع داخل البيت الأبيض، ويؤدي دوراً محورياً في صياغة خطابات الرئيس الأميركي وتعيينات إدارته.

وختمت الصحيفة طرحها بالتساؤل عمن تتجه إليه ولاءات كوشنر، معتبرة أن استمرار ترمب، في حال انتهاء «دوره الوظيفي»، قد يشكل عبئاً أمنياً على إسرائيل، في طرح يعكس النبرة التصعيدية التي طبعت مقاربة كيهان لمفاوضات مسقط.


عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
TT

عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الاتفاق مع واشنطن لعقد الجولة المقبلة من المحادثات النووية في وقت قريب، لكنه أشار إلى أنه ‌لم ⁠يتم بعد ​تحديد ‌موعد للجولة التالية من المحادثات، وذلك ⁠بعد يوم ‌من إجراء الجانبين محادثات في سلطنة عُمان.

عراقجي صافح الوفد الأميركي في محادثات مسقط

وقال عراقجي، في مقابلة تلفزيونية، إن ⁠طهران وواشنطن تعتقدان أنه يجب عقد الجولة الجديدة قريباً. وأكد عراقجي الاستعداد للتوصل لاتفاق «مطمْئِن» مع واشنطن حول تخصيب اليورانيوم، غير أنه أكد أن برنامج إيران الصاروخي «غير قابل للتفاوض» في المحادثات. وأضاف «هذا موضوع دفاعي بحت بالنسبة لنا، لا يمكن التفاوض بشأنه ليس الآن ولا في المستقبل».

وتابع وزير الخارجية الإيراني أن المحادثات التي جرت مع الولايات المتحدة في مسقط كانت «غير مباشرة»، لكنه صافح خلالها الوفد الأميركي.

وقال: «على الرغم من أن المفاوضات كانت غير مباشرة، فقد سنحت الفرصة لمصافحة الوفد الأميركي».

وأكد عراقجي أن بلاده ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة إذا هاجمت واشنطن الأراضي الإيرانية. وقال: «لا مجال لمهاجمة الأراضي الأميركية إذا هاجمتنا واشنطن، لكننا سنهاجم قواعدهم في المنطقة».

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.

وفي المقابل، قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، إن المحادثات ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» خلال توجهه إلى مارالاغو في فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع إن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً»: وأضاف: «يبدو أن إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق»، موضحاً أن الطرفين سيلتقيان مجدداً «مطلع الأسبوع المقبل».

وأحضرت الولايات المتحدة قائدها العسكري الأعلى في الشرق الأوسط إلى طاولة المفاوضات، في خطوة فُسّرت على أنها رسالة ضغط موازية للمسار الدبلوماسي، وسط تحذيرات متبادلة وحشد عسكري متواصل في المنطقة.

وجاءت المحادثات التي عقدت أمس في مسقط بسلطنة عمان، في أعقاب تهديدات واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، على خلفية قمع الاحتجاجات الواسعة النطاق التي شهدتها البلاد، وأسفرت عن سقوط آلاف القتلى.

وعزّزت واشنطن قدراتها العسكرية في الشرق الأوسط، مع نشرها حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ومجموعتها البحرية الضاربة في المنطقة، بينما توعدت إيران باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة إن تعرضت لهجوم.

وتشدد إيران على أن تقتصر المحادثات على الملف النووي من أجل التوصل إلى رفع العقوبات الدولية التي تخنق اقتصادها، بينما تشدد الولايات المتحدة على ضرورة أن تتناول أيضاً برنامج الصواريخ الباليستية ودعمها تنظيمات مسلحة في المنطقة.

التوسع الإسرائيلي وأمن المنطقة

وفي وقت سابق، صرّح عراقجي بأن التوسع الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة، داعياً لفرض عقوبات دولية على إسرائيل.

وأكد على أن «الحصانة والإفلات من العقاب اللذين منحا لإسرائيل» أخلا بالنظام القضائي الدولي.

وأضاف عراقجي في مؤتمر منتدى الجزيرة في العاصمة القطرية الدوحة أنه «لو استمر الوضع في غزة وفق ما تخطط له إسرائيل، فالضفة الغربية ستكون التالية».

وشدد على أن القضية الفلسطينية ليست قضية كباقي القضايا، بل هي «بوصلة لمدى فاعلية القانون الدولي»، موضحاً أن «ما نراه بغزة ليس حرباً، ولا نزاعاً بين أطراف متكافئة، بل هو تدمير متعمد للحياة المدنية، وإبادة».

وتابع أن المشكلة ليست فلسطين وحسب، و إنما هناك كيان ينتهك القوانين، ولا يردعه شيء، وأن ما قامت به «إسرائيل كان له أثر في زعزعة الاستقرار في المنطقة بأسرها».

وفي إشارة إلى الدور الأميركي في المنطقة، قال وزير خارجية إيران إنه لا يمكن فرض السلام والاستقرار على المنطقة عبر «لاعب واحد».