العلاقات الفرنسية - الجزائرية على مفترق طرق... و«العفو الرئاسي» عن الكاتب صنصال مفتاح «التطبيع»

حكمان متشددان بحق مواطنَين فرنسيَّين بفارق 48 ساعة يطرحان تساؤلات عمّا تسعى إليه الجزائر

فرنسوا بايرو رئيس الحكومة الفرنسي متحدثاً للصحافة... الثلاثاء (أ.ف.ب)
فرنسوا بايرو رئيس الحكومة الفرنسي متحدثاً للصحافة... الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

العلاقات الفرنسية - الجزائرية على مفترق طرق... و«العفو الرئاسي» عن الكاتب صنصال مفتاح «التطبيع»

فرنسوا بايرو رئيس الحكومة الفرنسي متحدثاً للصحافة... الثلاثاء (أ.ف.ب)
فرنسوا بايرو رئيس الحكومة الفرنسي متحدثاً للصحافة... الثلاثاء (أ.ف.ب)

ما بين الأحد 29 يونيو (حزيران)، والثلاثاء الأول من يوليو (تموز)، تفاقمت الأزمة التي تعيشها العلاقات الفرنسية - الجزائرية، وتبدَّدت، إلى حد بعيد، الآمال التي كانت تعلقها باريس على إمكانية ولوج مرحلة من «السلام المسلح»، بانتظار أن ينجح الطرفان في تطويق أسباب الفراق بينهما.

فيوم الأحد الماضي، أصدرت محكمة البداية في مدينة تيزي أوزو، كبرى مدن منطقة القبائل، حكماً بالسجن النافذ بـ7 سنوات بحق الفرنسي كريستوف غليز، الصحافي الرياضي الفرنسي الذي أُلقي القبض عليه في شهر مايو (أيار) من العام الماضي، وبقي سجنه بعيداً عن الأضواء حتى صدور الحكم.

والتهم المساقة ضد غليز، المتخصص في تغطية عالم الرياضة الأفريقية، خصوصاً كرة القدم، التي حكم بسببها تتناول «تمجيد الإرهاب»، و«حيازة منشورات دعائية تضر بالمصلحة الوطنية»، والتواصل مع أحد قادة شبيبة القبائل الذي هو، في الوقت عينه، زعيم «حركة تقرير مصير القبائل» التي صنَّفتها السلطات الجزائرية، منذ عام 2021، «حركة إرهابية».

كريستوف غليز الصحافي الرياضي صدر عليه حكم بالسجن لـ7 سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب» (أ.ف.ب)

وكان غليز (36 عاماً) ذهب إلى الجزائر، ربيع العام الماضي، بتأشيرة سياحية لإعداد تقرير صحافي عن نادي شبيبة القبائل. وهو صحافي مستقل ومتعاون مع مجلتَي «سو فوت» و«سوسايتي» التابعتين لمجموعة «سو برس».

وبعد صدور الحكم، وصفت الأخيرة ومنظمة «مراسلون بلا حدود» التي مقرها في باريس، الحكم بأنه «جائر»، ودعت الثانية في بيان إلى «بذل كل الجهود، بما في ذلك على الصعيدَين السياسي والدبلوماسي؛ لضمان تحقيق العدالة للصحافي كريستوف غليز»، عادّةً أن التهم الموجهة إليه «لا أساس لها وقد دُحضت تماماً»، ومؤكدة أن تواصل الصحافي مع أحد مسؤولي النادي الرياضي، يعود لعامَي 2015 و2017 أي قبل أن تُصنِّف الجزائر «حركة الحكم الذاتي» «منظمةً إرهابيةً». ووفقها، فإن غليز تَواصَل مع الحركة مرة واحدة منذ عام 2021.

أثار الحكم على غليز ردود فعل إضافية. فوزارة الخارجية أعربت عن «أسفها الشديد للحكم القاسي» الذي صدر بحق غليز، مؤكدة أنها تتابع «من كثب» وضعه منذ اعتقاله، وأنها «قدمت له المساعدة والحماية القنصلية طوال فترة محاكمته». كذلك، أكدت الوزارة أن أجهزتها كافة «على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدة».

الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقاء بالجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

وبعد يوم واحد، قدَّم غليز، عبر محاميه، طلباً لاستئناف الحكم، لكن لا ينتظر أن تتم المحاكمة مجدداً قبل الخريف المقبل.

والثلاثاء، أصدرت جمعيات صحافية بياناً نشرته صحيفة «لوموند» في عددها الأخير، دعت فيه إلى إطلاق سراح الصحافي المسجون «دون شروط». وجاء في البيان «التنديد بأقسى العبارات، بالحكم الجائر الصادر بحق زميلنا كريستوف غليز، الذي نعدّه اعتداءً لا يمكن قبوله على حرية الصحافة». وحثَّ البيان السلطات الفرنسية على «مضاعفة الجهود الدبلوماسية» لإخراج غليز من السجن. وبحسب المجموعات الصحافية، فإن «إلقاء صحافي في السجن بسبب ممارسته مهنته يعدُّ اجتيازاً لخط أحمر لا يجوز اجتيازه».

دبلوماسية الأحكام القضائية

تعدّ باريس أن الحكمين الصادرَين بحق مواطنَين فرنسيَّين «ليسا سوى رسالتين جزائريَّتين متشدِّدتين مُوجَّهتين للسلطات الفرنسية»، لإفهامها أن «الأزمة ما زالت قائمةً، والرهان على تراجعها ليس في محله». وبحسب مصدر مطلع على طبيعة ما يجري بين البلدين، فإن الجزائر تبنَّت «دبلوماسية القضاء» التي تحلُّ محلَّ «الدبلوماسية التقليدية» علماً بأن السفير الجزائري في باريس استُدعي لبلاده منذ نحو عام.

وتهتم السلطات الفرنسية بمصير الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال، البالغ من العمر 80 عاماً، والمصاب بداء السرطان والمعتقل منذ عودته إلى الجزائر في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي. وصدر بحقه حكمان بالسجن لـ5 سنوات. الأول، عن محكمة البداية، في شهر مارس (آذار) الماضي، والثاني، الثلاثاء، عن محكمة الاستئناف، علماً بأنه في الحالين، طلب الادعاء العام حكماً بالسجن 10 سنوات.

بوعلام صنصال ثبت عليه الحكم بالسجن لـ5 سنوات (أ.ب)

وأدين صنصال بتهم عدة منها «المساس بالوحدة الوطنية»، و«إهانة هيئة مشكلة»، و«ممارسات من شأنها الإضرار بالاقتصاد الوطني»، و«حيازة أشرطة فيديو ومنشورات تهدد أمن واستقرار البلاد».

في مجمل الأحوال، فقد أملت باريس أن يكون الحكم «المخفف» مؤشراً على استعداد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للإفراج عنه وترحيله إلى فرنسا. وقال فرنسوا بايرو، رئيس الحكومة الفرنسي، تعليقاً على الحكم، إن «ما يتعرَّض له بوعلام صنصال وضعٌ لا يُطاق بنظر الفرنسيين والحكومة الفرنسية... والآن، وبعد صدور الحكم، يُمكننا أن نتصوَّر صدور عفو عنه، لا سيما بالنظر إلى صحة مواطننا».

وأضاف بايرو، أن «جميع الأجهزة التنفيذية، من رئيس الجمهورية إلى الحكومة، تعمل في هذا الاتجاه حتى تنتصر الإنسانية».

وللتذكير، فإن صنصال أدين، في المرتين، بتهمة «المساس بالوحدة الوطنية»؛ بسبب تصريحات أدلى بها في أكتوبر ( تشرين الأول) لوسيلة إعلام فرنسية يمينية هي «فرونتيير»، وتبنى فيها مقاربةً مغربيةً مفادها أن «قسماً من أراضي المغرب اقتُطع في ظل الاستعمار الفرنسي، وضمَّ للجزائر».

وثمة أمر تجدر الإشارة إليه، وهو أن برونو روتايو، وزير الداخلية الفرنسي، الذي يتبع نهجاً بالغ التشدُّد إزاء الجزائر، كان إلى جانب بايرو عندما أدلى الأخير بتعليقه. ولما سئل عن إدانة صنصال مجدداً أجاب بما يشبه اللغز بقوله: «لا أريد إضاعة أي فرصة، وعلى الأخص من الآن وحتى نهاية الأسبوع، لإطلاق سراح بوعلام صنصال». فهل يعني ذلك أن باريس تلقت وعداً من الجزائر بالاستجابة لما طلبه الرئيس إيمانويل ماكرون أكثر من مرة من نظيره عبد المجيد تبون، وأن السلطات الجزائرية قد تكون راغبةً، هذه المرة وبعد أن ثبتت إدانة صنصال، بفتح صفحة جديدة مع مستعمرتها السابقة التي تعاني العلاقات معها من أزمات متعاقبة؟

وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو (أ.ف.ب)

حقيقة الأمر أن «علامات» عدة صدرت عن الجزائر في الأشهر الأخيرة، نظرت إليها فرنسيا على أنها «مؤشرات» إيجابية رغم حدة الأزمة، بعد الآمال التي ولَّدتها «زيارة الدولة»، التي قام بها الرئيس ماكرون إلى الجزائر صيف عام 2022. ويرى دبلوماسي سابق مُطَّلع على دقائق الأزمة بين الجانبين، أن الرئيس ماكرون، قصد تغيير مقاربته لملف الصحراء بعد أن وعى أن الطرف الجزائري «لن يعطيه شيئاً» رغم الجهود التي يبذلها لتنقية العلاقات بينهما، ومنها ما يتصل بملف الذاكرة.

وبعد أن عدّ ماكرون في رسالة شهيرة إلى ملك المغرب، أن «حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية» تشعبت الأزمة، وتكاثرت الملفات الخلافية، وتم تجميد التعاون القضائي، وخفَّضت باريس عدد التأشيرات المعطاة للجزائريين، وألغت بعض الامتيازات التي يتمتع بها دبلوماسيوها... وجاءت مسألة رفض الجزائر قبول مواطنين لها صدرت بحقهم أحكام بترك الأراضي الفرنسية، لتفاقم العلاقات وتدفعها إلى شفير الهاوية. وجاء توقيف الكاتب صنصال الذي حصل على الجنسية الفرنسية برغبة رئاسية، لتدفع العلاقات الدبلوماسية، إلى مزيد من التوتير. وما صبَّ الزيت على النار الاستغلال السياسي الداخلي لهذه المسألة.


مقالات ذات صلة

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

شمال افريقيا محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

طوى القضاء الجزائري ملف قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة، بإصدار أحكام قضت بالحبس النافذ لفترات غطت مدة توقيفهم احتياطياً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)

تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

«هناك دول تحرّض على الكراهية ضد الجزائر معتقدة أننا سنخضع لهذه الأساليب الدنيئة»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري في لقاء سابق مع الرئيس الروسي خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو (الرئاسة الجزائرية)

جدل مثير حول «عقوبات أميركية» مفترضة على الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي

احتجّ حزب من «الغالبية الرئاسية» في الجزائر على ما وصفه بـ«الترويج لأخبار زائفة»، نشرتها وسائل إعلام أجنبية، تناولت فرض عقوبات أميركية محتملة على الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة الجزائري سابقاً مع الرئيس الفرنسي عام 2017 (حسابات مبلغين عن الفساد)

وزير جزائري هارب يواجه حكماً جديداً بالسجن 20 سنة

يواجه وزير الصناعة الجزائري الأسبق، عبد السلام بوشوارب، حكماً غيابياً جديداً بالسجن، وذلك على خلفية تورطه في قضايا فساد عابرة للحدود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)

الجزائر تعبئ جهازها القنصلي لتسوية ملفات المعارضين

وجّهت الجزائر العشرات من مسؤوليها الدبلوماسيين في الخارج بمباشرة تنفيذ إجراءات جديدة، تخص تسوية وضعية المئات من رعاياها في البلدان الغربية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».


تغيير وزاري مرتقب في مصر لا يلبي طموح دعاة «التعديل الشامل»

مصطفى مدبولي يترأس الاجتماع الأسبوعي للحكومة المصرية بالعاصمة الجديدة (أرشيفية - مجلس الوزراء)
مصطفى مدبولي يترأس الاجتماع الأسبوعي للحكومة المصرية بالعاصمة الجديدة (أرشيفية - مجلس الوزراء)
TT

تغيير وزاري مرتقب في مصر لا يلبي طموح دعاة «التعديل الشامل»

مصطفى مدبولي يترأس الاجتماع الأسبوعي للحكومة المصرية بالعاصمة الجديدة (أرشيفية - مجلس الوزراء)
مصطفى مدبولي يترأس الاجتماع الأسبوعي للحكومة المصرية بالعاصمة الجديدة (أرشيفية - مجلس الوزراء)

تترقب مصر الإعلان عن تعديل وزاري في حكومة مصطفى مدبولي، حيث من المقرر أن يُعرض التعديل على مجلس النواب الثلاثاء، خلال جلسة «مهمة» دعا إليها المجلس أعضاءه للحضور.

وأظهرت ردود الفعل على تكهنات وتوقعات التعديل، انقساماً بين سياسيين وبرلمانيين، بشأن استمرار مدبولي، الذي تبين بقاؤه على رأس الحكومة، وفق تأكيدات مصادر برلمانية، بالإضافة إلى نسب التغيير «المحدودة» في الحقائب الوزارية، التي يرجح عدم تغيير حقائب رئيسية، وهو ما لا يلبي طموحات دعاة «التعديل الشامل».

ووجه مجلس النواب المصري أعضاءه لاجتماع ظهر الثلاثاء، وذلك «لنظر أمر مهم»، وقال برلمانيون مصريون إن «الاجتماع يأتي لمناقشة التعديل الوزاري الجديد».

ووفقاً للمادة 147 من الدستور المصري، يجب أن تحصل الحكومة على موافقة البرلمان قبل أداء اليمين الدستورية، حيث نصت على أن «لرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

وبالإعلان عن موعد الاجتماع، تداولت وسائل الإعلام المحلية تكهنات وتوقعات بشأن حركة التغيير المرتقبة، وأشاروا إلى أنها ستشمل نسبة محدودة تقارب ثلث الحقائب الوزارية الحالية.

وزراء من الحكومة المصرية داخل مجلس النواب (وزارة الشؤون القانونية والبرلمانية)

وكان مصدر مصري مطلع قد أشار لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعديل سيشمل ما بين 9 و12 حقيبة وزارية من إجمالي 30 حقيبة وزارية في الحكومة الحالية».

غير أن وسائل الإعلام المحلية تداولت توقعات بشأن الإبقاء على نفس وزراء الحقائب المهمة (والمقصود بها الوزارات السيادية مثل الخارجية والداخلية والدفاع)، مع إجراء تغيير في وزارات «التخطيط والتعاون الدولي، والشباب والرياضة، والعدل، والتعليم العالي»، وأشارت إلى «احتمالية عودة وزارة الدولة للإعلام، ومرشح لها رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ضياء رشوان، أو رئيس المجلس الأعلى للإعلام خالد عبد العزيز».

وتحدث عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، عن «4 مفاجآت سيشملها التعديل الوزاري»، وقال عبر حسابه الشخصي على منصة «إكس»، إن «التعديل مرتبط بمستوى الأداء وتحقيق الإنجاز في إطار برنامج الحكومة السابق»، إلى جانب «تصعيد لبعض الشخصيات التي أثبتت قدرتها على النجاح في أعمالها السابقة، مع إجراء حركة محافظين واسعة بعد التشكيل الوزاري».

ردود فعل متباينة

وكانت ردود الفعل على التكهنات المتداولة متباينة، ما بين مواقف مؤيدة لاستمرار رئيس الوزراء الحالي، وأخرى تطالب بالتعديل الشامل؛ وهي الدعوات التي زادت بعد تشكيل برلمان جديد وبدء جلساته في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي.

ولا يؤيد عضو مجلس النواب ورئيس حزب «العدل»، عبد المنعم إمام، إجراء تعديل وزاري محدود، وقال: «كان يجب إجراء تغيير شامل، يشمل رئيس وزراء جديداً، بدلاً مما سمّاها سياسة ترميم الأداء الحكومي»، مشيراً إلى أنه «كان يجب الاكتفاء بهذه الفترة من حكومة مدبولي، والعمل على تشكيل حكومي يلبي طموحات المواطن».

ويعد مدبولي أكثر رئيس وزراء استمراراً في فترة حكم الرئيس السيسي، حيث أدى اليمين رئيساً للوزراء في يونيو (حزيران) 2018؛ وبعد عام ونصف عام تقريباً، دخل التعديل الأول على تشكيل الحكومة لتضم 6 وزراء جدد. وبعد إعادة انتخاب السيسي في ديسمبر (كانون الأول) 2023، أعاد الرئيس المصري تكليف مدبولي بتشكيل الحكومة، وفي 3 يوليو (تموز) 2024، أدّت حكومة مدبولي اليمين الدستورية لآخر حركة تعديل، وشملت حقائب وزارية جديدة.

ويرى إمام، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصلحة المواطن المصري كان تقتضي تشكيل حكومة جديدة»، مشيراً إلى «ضرورة عمل الحكومة على تحسين مستوى معيشة المواطن، من خلال برامج إصلاحية، تعود ثمارها على مستوى الدخل، ويستشعر المواطن بجوانب التحسن في الخدمات وفي حياته»، وقال إن «مستوى معيشة المواطن هو المعيار الأساسي لمدى نجاح الحكومة من عدمه».

استكمال البرامج

بينما لا يرى عضو مجلس النواب المصري، وعضو الهيئة العليا لحزب «الوفد»، أيمن محسب، إشكالية في الإبقاء على مدبولي في رئاسة الحكومة، وقال: «هناك ملفات تنفيذية ومشروعات يجب أن يستكملها، خصوصاً أنه شارك في وضع خطتها».

وباعتقاد محسب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فإن «المرحلة الحالية من السياسات الحكومية، قد لا تستدعي التغيير الشامل»، وقال إن «المستهدف هو استكمال البرامج والخطط التي أعلنت عنها الحكومة؛ ومنها بناء المدن الجديدة، ومشروعات البنية التحتية ضمن مبادرة (حياة كريمة)».

وتنص المادة 146 من الدستور المصري على أنه «يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء يقوم بتشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب؛ فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال ثلاثين يوماً على الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب، فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال ثلاثين يوماً، عُدّ المجلس منحلاً، ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس نواب جديد خلال ستين يوماً من تاريخ صدور قرار الحل».