العلاقات الفرنسية - الجزائرية على مفترق طرق... و«العفو الرئاسي» عن الكاتب صنصال مفتاح «التطبيع»

حكمان متشددان بحق مواطنَين فرنسيَّين بفارق 48 ساعة يطرحان تساؤلات عمّا تسعى إليه الجزائر

فرنسوا بايرو رئيس الحكومة الفرنسي متحدثاً للصحافة... الثلاثاء (أ.ف.ب)
فرنسوا بايرو رئيس الحكومة الفرنسي متحدثاً للصحافة... الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

العلاقات الفرنسية - الجزائرية على مفترق طرق... و«العفو الرئاسي» عن الكاتب صنصال مفتاح «التطبيع»

فرنسوا بايرو رئيس الحكومة الفرنسي متحدثاً للصحافة... الثلاثاء (أ.ف.ب)
فرنسوا بايرو رئيس الحكومة الفرنسي متحدثاً للصحافة... الثلاثاء (أ.ف.ب)

ما بين الأحد 29 يونيو (حزيران)، والثلاثاء الأول من يوليو (تموز)، تفاقمت الأزمة التي تعيشها العلاقات الفرنسية - الجزائرية، وتبدَّدت، إلى حد بعيد، الآمال التي كانت تعلقها باريس على إمكانية ولوج مرحلة من «السلام المسلح»، بانتظار أن ينجح الطرفان في تطويق أسباب الفراق بينهما.

فيوم الأحد الماضي، أصدرت محكمة البداية في مدينة تيزي أوزو، كبرى مدن منطقة القبائل، حكماً بالسجن النافذ بـ7 سنوات بحق الفرنسي كريستوف غليز، الصحافي الرياضي الفرنسي الذي أُلقي القبض عليه في شهر مايو (أيار) من العام الماضي، وبقي سجنه بعيداً عن الأضواء حتى صدور الحكم.

والتهم المساقة ضد غليز، المتخصص في تغطية عالم الرياضة الأفريقية، خصوصاً كرة القدم، التي حكم بسببها تتناول «تمجيد الإرهاب»، و«حيازة منشورات دعائية تضر بالمصلحة الوطنية»، والتواصل مع أحد قادة شبيبة القبائل الذي هو، في الوقت عينه، زعيم «حركة تقرير مصير القبائل» التي صنَّفتها السلطات الجزائرية، منذ عام 2021، «حركة إرهابية».

كريستوف غليز الصحافي الرياضي صدر عليه حكم بالسجن لـ7 سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب» (أ.ف.ب)

وكان غليز (36 عاماً) ذهب إلى الجزائر، ربيع العام الماضي، بتأشيرة سياحية لإعداد تقرير صحافي عن نادي شبيبة القبائل. وهو صحافي مستقل ومتعاون مع مجلتَي «سو فوت» و«سوسايتي» التابعتين لمجموعة «سو برس».

وبعد صدور الحكم، وصفت الأخيرة ومنظمة «مراسلون بلا حدود» التي مقرها في باريس، الحكم بأنه «جائر»، ودعت الثانية في بيان إلى «بذل كل الجهود، بما في ذلك على الصعيدَين السياسي والدبلوماسي؛ لضمان تحقيق العدالة للصحافي كريستوف غليز»، عادّةً أن التهم الموجهة إليه «لا أساس لها وقد دُحضت تماماً»، ومؤكدة أن تواصل الصحافي مع أحد مسؤولي النادي الرياضي، يعود لعامَي 2015 و2017 أي قبل أن تُصنِّف الجزائر «حركة الحكم الذاتي» «منظمةً إرهابيةً». ووفقها، فإن غليز تَواصَل مع الحركة مرة واحدة منذ عام 2021.

أثار الحكم على غليز ردود فعل إضافية. فوزارة الخارجية أعربت عن «أسفها الشديد للحكم القاسي» الذي صدر بحق غليز، مؤكدة أنها تتابع «من كثب» وضعه منذ اعتقاله، وأنها «قدمت له المساعدة والحماية القنصلية طوال فترة محاكمته». كذلك، أكدت الوزارة أن أجهزتها كافة «على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدة».

الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقاء بالجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

وبعد يوم واحد، قدَّم غليز، عبر محاميه، طلباً لاستئناف الحكم، لكن لا ينتظر أن تتم المحاكمة مجدداً قبل الخريف المقبل.

والثلاثاء، أصدرت جمعيات صحافية بياناً نشرته صحيفة «لوموند» في عددها الأخير، دعت فيه إلى إطلاق سراح الصحافي المسجون «دون شروط». وجاء في البيان «التنديد بأقسى العبارات، بالحكم الجائر الصادر بحق زميلنا كريستوف غليز، الذي نعدّه اعتداءً لا يمكن قبوله على حرية الصحافة». وحثَّ البيان السلطات الفرنسية على «مضاعفة الجهود الدبلوماسية» لإخراج غليز من السجن. وبحسب المجموعات الصحافية، فإن «إلقاء صحافي في السجن بسبب ممارسته مهنته يعدُّ اجتيازاً لخط أحمر لا يجوز اجتيازه».

دبلوماسية الأحكام القضائية

تعدّ باريس أن الحكمين الصادرَين بحق مواطنَين فرنسيَّين «ليسا سوى رسالتين جزائريَّتين متشدِّدتين مُوجَّهتين للسلطات الفرنسية»، لإفهامها أن «الأزمة ما زالت قائمةً، والرهان على تراجعها ليس في محله». وبحسب مصدر مطلع على طبيعة ما يجري بين البلدين، فإن الجزائر تبنَّت «دبلوماسية القضاء» التي تحلُّ محلَّ «الدبلوماسية التقليدية» علماً بأن السفير الجزائري في باريس استُدعي لبلاده منذ نحو عام.

وتهتم السلطات الفرنسية بمصير الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال، البالغ من العمر 80 عاماً، والمصاب بداء السرطان والمعتقل منذ عودته إلى الجزائر في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي. وصدر بحقه حكمان بالسجن لـ5 سنوات. الأول، عن محكمة البداية، في شهر مارس (آذار) الماضي، والثاني، الثلاثاء، عن محكمة الاستئناف، علماً بأنه في الحالين، طلب الادعاء العام حكماً بالسجن 10 سنوات.

بوعلام صنصال ثبت عليه الحكم بالسجن لـ5 سنوات (أ.ب)

وأدين صنصال بتهم عدة منها «المساس بالوحدة الوطنية»، و«إهانة هيئة مشكلة»، و«ممارسات من شأنها الإضرار بالاقتصاد الوطني»، و«حيازة أشرطة فيديو ومنشورات تهدد أمن واستقرار البلاد».

في مجمل الأحوال، فقد أملت باريس أن يكون الحكم «المخفف» مؤشراً على استعداد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للإفراج عنه وترحيله إلى فرنسا. وقال فرنسوا بايرو، رئيس الحكومة الفرنسي، تعليقاً على الحكم، إن «ما يتعرَّض له بوعلام صنصال وضعٌ لا يُطاق بنظر الفرنسيين والحكومة الفرنسية... والآن، وبعد صدور الحكم، يُمكننا أن نتصوَّر صدور عفو عنه، لا سيما بالنظر إلى صحة مواطننا».

وأضاف بايرو، أن «جميع الأجهزة التنفيذية، من رئيس الجمهورية إلى الحكومة، تعمل في هذا الاتجاه حتى تنتصر الإنسانية».

وللتذكير، فإن صنصال أدين، في المرتين، بتهمة «المساس بالوحدة الوطنية»؛ بسبب تصريحات أدلى بها في أكتوبر ( تشرين الأول) لوسيلة إعلام فرنسية يمينية هي «فرونتيير»، وتبنى فيها مقاربةً مغربيةً مفادها أن «قسماً من أراضي المغرب اقتُطع في ظل الاستعمار الفرنسي، وضمَّ للجزائر».

وثمة أمر تجدر الإشارة إليه، وهو أن برونو روتايو، وزير الداخلية الفرنسي، الذي يتبع نهجاً بالغ التشدُّد إزاء الجزائر، كان إلى جانب بايرو عندما أدلى الأخير بتعليقه. ولما سئل عن إدانة صنصال مجدداً أجاب بما يشبه اللغز بقوله: «لا أريد إضاعة أي فرصة، وعلى الأخص من الآن وحتى نهاية الأسبوع، لإطلاق سراح بوعلام صنصال». فهل يعني ذلك أن باريس تلقت وعداً من الجزائر بالاستجابة لما طلبه الرئيس إيمانويل ماكرون أكثر من مرة من نظيره عبد المجيد تبون، وأن السلطات الجزائرية قد تكون راغبةً، هذه المرة وبعد أن ثبتت إدانة صنصال، بفتح صفحة جديدة مع مستعمرتها السابقة التي تعاني العلاقات معها من أزمات متعاقبة؟

وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو (أ.ف.ب)

حقيقة الأمر أن «علامات» عدة صدرت عن الجزائر في الأشهر الأخيرة، نظرت إليها فرنسيا على أنها «مؤشرات» إيجابية رغم حدة الأزمة، بعد الآمال التي ولَّدتها «زيارة الدولة»، التي قام بها الرئيس ماكرون إلى الجزائر صيف عام 2022. ويرى دبلوماسي سابق مُطَّلع على دقائق الأزمة بين الجانبين، أن الرئيس ماكرون، قصد تغيير مقاربته لملف الصحراء بعد أن وعى أن الطرف الجزائري «لن يعطيه شيئاً» رغم الجهود التي يبذلها لتنقية العلاقات بينهما، ومنها ما يتصل بملف الذاكرة.

وبعد أن عدّ ماكرون في رسالة شهيرة إلى ملك المغرب، أن «حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية» تشعبت الأزمة، وتكاثرت الملفات الخلافية، وتم تجميد التعاون القضائي، وخفَّضت باريس عدد التأشيرات المعطاة للجزائريين، وألغت بعض الامتيازات التي يتمتع بها دبلوماسيوها... وجاءت مسألة رفض الجزائر قبول مواطنين لها صدرت بحقهم أحكام بترك الأراضي الفرنسية، لتفاقم العلاقات وتدفعها إلى شفير الهاوية. وجاء توقيف الكاتب صنصال الذي حصل على الجنسية الفرنسية برغبة رئاسية، لتدفع العلاقات الدبلوماسية، إلى مزيد من التوتير. وما صبَّ الزيت على النار الاستغلال السياسي الداخلي لهذه المسألة.


مقالات ذات صلة

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

شمال افريقيا الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

تتصاعد في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي - الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية لوكا زيدان (رويترز)

لوكا زيدان يعاني من كسر في الفك والذقن

أعلن غرناطة أن حارس مرماه ومنتخب الجزائر لكرة القدم لوكا زيدان مصاب بكسر في الفك والذقن اثر اصطدام تعرض له الأحد في المرحلة السابعة والثلاثين من دوري الدرجة.

«الشرق الأوسط» (غرناطة )
شمال افريقيا الفريق أول سعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)

قائد الجيش الجزائري: النصر في المعركة الحديثة يرتبط بمنظومة سلاسل الإسناد

أفرزت الحروب الحديثة والثورات الجديدة في الشؤون العسكرية سياقات عمل معقدة ومتغيرة تتطلب بناء استراتيجية مبتكرة بمجال الإسناد اللوجيستي

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

مع اقتراب موعد انتخابات البرلمان المقررة بالجزائر في الثاني من يوليو 2026 تواجه السلطات تشكيكاً كبيراً من طرف المعارضة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)

أزمة الجزائر مع مثقفيها الفرنكفونيين تعود إلى الواجهة

يجد الكاتب الفرنسي - الجزائري، بوعلام صنصال، نفسه وسط عاصفة جديدة من الجدل، بعد أن هدَّد بـ«قطع روابطه كافة مع فرنسا».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».


«أزمة باماكو»... هل تعيد ترتيب نفوذ روسيا والغرب في الساحل الأفريقي؟

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
TT

«أزمة باماكو»... هل تعيد ترتيب نفوذ روسيا والغرب في الساحل الأفريقي؟

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)

باتت معادلة النفوذ الدولي تتصدر أسئلة المشهد في مالي، عقب هجمات غير مسبوقة على باماكو التي اقتربت من موسكو، وابتعدت عن الغرب منذ انقلاب عسكري عام 2020، لا سيما بعد اغتيال وزير الدفاع، ساديو كامارا، واختفاء غامض لقائد المجلس العسكر، آسيمي غويتا، وسط أكبر هجوم منسق بين المتمردين الانفصاليين والمتشددين منذ سنوات.

ذلك المشهد المضطرب في مالي الذي أطاح بالرجل الثاني في المجلس العسكري الحاكم في مالي بعد أشهر من حصار المتمردين المتشددين المرتبطين بالقاعدة للعاصمة باماكو في 2025، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» يمثل إعادة لترتيبات النفوذ بين روسيا والغرب.

وأكد نائب وزير الخارجية الروسي، جيورجي بوريسينكو، الثلاثاء، تكبد قوات «فيلق أفريقيا» التابع لوزارة الدفاع الروسية خسائر بشرية جراء هجوم شنه متمردون في مالي.

وتواجه مالي، إلى جانب النيجر وبوركينا فاسو، تمرداً مستمراً من جماعات مسلحة مرتبطة بــ«القاعدة» وتنظيم «داعش»، وبعد الانقلابات العسكرية اتجهت هذه الدول نحو روسيا بدلاً من الحلفاء الغربيين لمكافحة هذه الجماعات، من دون تحقيق تقدم.

وإثر الهجمات التي استهدفت باماكو ومدينة كاتي بالقرب منها وسيفاري وموبتي في الوسط وكيدال وجاوه في شمال مالي، بخلاف مطار العاصمة، قتل وزير الدفاع المالي، بينما لا يزال قائد المجلس العسكري متوارياً، ولم يصدر عنه أي تصريح منذ بدء المعارك، وسط أنباء عن سيطرة المتمردين عن كيدال.

وأقرت الحكومة، في بيان الأحد، بمقتل وزير الدفاع بخلاف إصابة 16 شخصاً على الأقل من مدنيين وعسكريين، إضافة إلى مقتل عدد من المسلحين، بينما فرضت السلطات حظر تجول ليلي لثلاثة أيام، وأكدت أن الوضع تحت السيطرة تماماً.

وتبنت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» في بيان بالعربية، الأحد، التنسيق مع جبهة تحرير أزواد، واستهداف مواقع بينها مقرا الرئيس المالي ووزير الدفاع.

الخبير السوداني في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، يعتقد أن العملية التي نفذتها جماعة «نصرة الإسلام» وكذلك الجبهة الانفصالية بما فيها من هجمات غير مسبوقة طالت الرجل الثاني من المجلس العسكري ومطار العاصمة وغيرها من المناطق تقود لتحولات كبيرة تشهدها مالي، وستتسع معها الاضطرابات، وقد تمدد العمليات العسكرية الإرهابية بعد فشل مقاربة ماباكو في السيطرة على البلاد أمنياً، وقد تعيد ترتيبات النفوذ بتلك البلد الأفريقي المتنازع عليه بين روسيا والغرب.

جندي مالي في أثناء جلسة تدريب على مدفع «هاوتزر» في معسكر سيفاري بمنطقة موبتي (رويترز)

ويرى الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، ماهر فرغلي، أن الوضع في باماكو مقلق للغاية، مشيراً إلى أن ما يحدث يتجاوز كونه صراعاً محلياً، بل هو صراع إقليمي ودولي، في ظل حرص غربي على طرد الروس من هذه المنطقة.

وأوضح أنه في حال نجاح هذه الضغوط في إخراج القوات الروسية، لن تجد الحكومة والمجلس العسكري الحاكم بديلا سوى الاستعانة مرة أخرى بالقوات الفرنسية وعودة النفوذ الفرنسي والغربي إلى مالي، نظراً لما تتمتع به البلاد من ثروات هائلة، خصوصاً في مناجم الذهب واليورانيوم.

من جهته، أدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في بيان الأحد، أعمال العنف في مالي، معبراً عن «قلق بالغ حيال التقارير عن هجمات في عدة مواقع بتلك البلد الأفريقي.

كما أدان الاتحاد الأفريقي الهجمات المسلحة بمختلف أنحاء مالي، محذراً من التهديد الذي يشكله ذلك على المدنيين والاستقرار،

وحذر فرغلي من أن ما يجري في مالي سيؤثر بشكل مباشر في الإقليم بأكمله، حيث من المتوقع أن ينتشر النشاط الإرهابي بشكل أوسع ليشمل بوركينا فاسو، وجنوب ليبيا، والحدود السودانية، والنيجر؛ ما ينذر بنشاط إرهابي ضخم في المنطقة.

ونبه إلى أن الموقف الدولي من هذه التطورات قد يكون غير موجود ظاهرياً، لكنه في الواقع يلعب دوراً من وراء الستار عبر دعم بعض الجماعات لحسم الموقف في مالي بما يخدم أجندات القوى الغربية ضد روسيا.

ويرى تورشين أن مقتل وزير الدفاع يعكس حجم المواجهات وتأثيرها وامتدادها المتوقع لدول مثل لنيجر، مؤكداً أن هناك أطرافاً خارجية غير راضية تماماً من الوجود الروسي المتمدد منذ سنوات، وقد تساعد على زيادة اتساع الاضطرابات في البلاد وهو ما يضع دول الساحل أمام مخاطر أكبر في الفترة المقبلة.


ليبيا: تيتيه تزور مصراتة وسط احتجاجات ضد «مبادرة بولس»

تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)
تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)
TT

ليبيا: تيتيه تزور مصراتة وسط احتجاجات ضد «مبادرة بولس»

تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)
تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)

زارت رئيسة البعثة الأممية لدى ليبيا، هانا تيتيه، رفقة نائبتها ستيفاني خوري، مدينة مصراتة الواقعة غرب ليبيا، تزامناً مع وقفة احتجاجية لأهالي المدينة للتعبير عن رفضهم لمبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، التي تقترح تولي صدام حفتر، نائب قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي بدلاً من محمد المنفي، فيما يتم الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

جانب من المشاركين في لقاء تيتيه بمصراتة 28 أبريل (البعثة الأممية)

ويأتي اجتماع تيتيه، الثلاثاء، مع مجلس المدينة البلدي ومكونات مصراتة، قبل توجهها إلى العاصمة الإيطالية روما لرعاية الاجتماع الأول لأعضاء «الطاولة المصغرة»، التي اقترحتها البعثة الأممية لتجاوز الانسداد السياسي في ليبيا.

وكانت تيتيه قد استعرضت، مساء الاثنين، في كلمتها خلال افتتاح الجلسة العامة الافتراضية الثانية لـ«الحوار المهيكل» في طرابلس، تقدم المسارات الأربعة التي تشمل الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، في صياغة توصيات تهدف إلى تهيئة بيئة مواتية لإجراء انتخابات وطنية.

وقالت تيتيه: «لم يتبق سوى شهر تقريباً على اختتام (الحوار المهيكل) في أوائل شهر يونيو (حزيران) المقبل، وهذا يعني أننا في المرحلة الأخيرة للتأكد من أن تكون التوصيات التي تقدمونها متينة وعملية وقابلة للتنفيذ».

وأكدت المبعوثة الأممية أهمية الشمول، مشددة على دور المرأة الليبية التي «تشكل نصف سكان ليبيا»، ودعت الأعضاء إلى «الإصغاء والتأكد من أن مساهماتكم تعكس وجهات نظر وتطلعات جميع الليبيين»، مشيرة إلى أن استطلاعات رأي أجرتها البعثة أظهرت إجماعاً ساحقاً (تسعة من كل عشرة أشخاص) على ضرورة إجراء الانتخابات بشرط حمايتها من التدخل.

وأوضحت تيتيه أن بعثتها تقترح «نهجاً بديلاً من خطوتين»، يتمثل في اجتماع «مجموعة مصغرة» من الأطراف الليبية الفاعلة لتحديد حلول للمرحلتين الأوليين من خارطة الطريق، يليه اجتماع أوسع إذا لزم الأمر، مشيرة إلى أن هذا الاجتماع «لن يحل محل عمل (الحوار المهيكل) بل يكمله».

ويأتي تحرك تيتيه في ظل تعثر خارطة الطريق، التي أعلنتها البعثة قبل ثمانية أشهر، والتي تتطلب من مجلسي النواب والدولة إنجاز مرحلتين أوليين لتمهيد الطريق لانتخابات رئاسية وتشريعية وتوحيد المؤسسات.

وتواجه «مبادرة بولس»، التي يُنظر إليها على أنها محاولة «لتوحيد السلطة التنفيذية والعسكرية والمالية» بين معسكري الدبيبة وحفتر، رفضاً شعبياً وسياسياً واسعاً في غرب ليبيا، خاصة في مصراتة.

ومن المقرر أن يختتم «الحوار المهيكل»، الذي يضم مئات المشاركين من مختلف الأطياف، بهدف صياغة رؤية وطنية مشتركة حول القضايا العاجلة والجذرية للصراع، بتوصيات ستُقدم للقيادات السياسية والشعب الليبي.

في غضون ذلك، قال رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، إنه بحث، مساء الاثنين، في العاصمة طرابلس مع النائب العام الصديق الصور، سبل دعم وتطوير مقدرات منظومة العدالة الجنائية، بما يكفل رفع كفاءتها المؤسسية، وبحث آليات تعزيز جهود مكافحة جرائم الفساد، من خلال تفعيل أدوات الملاحقة القضائية.

كما بحث المنفي ونائبه عبد الله اللافي مع عبد الله قادربوه، رئيس هيئة الرقابة الإدارية، تقريرها السنوي وأبرز ما تضمنه من ملاحظات ورصد للمخالفات، إلى جانب الإجراءات والتدابير، التي اتخذتها الهيئة لمعالجتها وفق الأطر القانونية المعتمدة.

كما تطرق الاجتماع إلى الخطة الاستراتيجية، التي أطلقتها الهيئة للفترة (2025 - 2030)، وما تتضمنه من برامج تطويرية، تستهدف رفع كفاءة الأداء الرقابي، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وأكدت هيئة الرقابة الإدارية ضرورة الإسراع في استكمال إجراءات الإقفال بصورة عاجلة، لما لذلك من أثر بالغ في تحقيق الانضباط المالي، وتعزيز مصداقية البيانات المالية للدولة.

المنفي (إلى اليسار) وبجواره اللافي وعبد الله قادربوه (المجلس الرئاسي الليبي)

بدوره، ناقش اللافي مع رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، المشهد السياسي الراهن، وسبل الخروج من حالة الانسداد الحالية، كما استعرضا المبادرات المطروحة لحل الأزمة، وسبل توحيد الرؤى بين المجلسين بما يضمن الوصول إلى قاعدة صلبة تمهد الطريق لإجراء الانتخابات.

وتم التأكيد خلال اللقاء على أن أي مبادرة لحل الأزمة السياسية يجب أن تكون نابعة من روح التوافق الوطني، وفق الاتفاق السياسي الليبي، بما يضمن عدم انزلاق البلاد نحو مسارات موازية، قد تهدد وحدة المؤسسات.

في المقابل، جدد بولس تعهد بلاده بمواصلة دعم شركائها الليبيين في عملهم على تجاوز الانقسامات السابقة، والتركيز على تحقيق الازدهار والاستقرار لمستقبل ليبيا.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

واعتبر بولس، عبر حسابه على منصة «إكس»، مساء الاثنين، أن تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي نظمته القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في سرت، وجمع عسكريين من شرق ليبيا وغربها مع قوات العمليات الخاصة الأميركية، وممثلين عن 11 دولة أخرى، يساهم في بناء الثقة وإرساء الأساس لمؤسسات أمنية ليبية موحدة.