العلاقات الفرنسية - الجزائرية على مفترق طرق... و«العفو الرئاسي» عن الكاتب صنصال مفتاح «التطبيع»

حكمان متشددان بحق مواطنَين فرنسيَّين بفارق 48 ساعة يطرحان تساؤلات عمّا تسعى إليه الجزائر

فرنسوا بايرو رئيس الحكومة الفرنسي متحدثاً للصحافة... الثلاثاء (أ.ف.ب)
فرنسوا بايرو رئيس الحكومة الفرنسي متحدثاً للصحافة... الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

العلاقات الفرنسية - الجزائرية على مفترق طرق... و«العفو الرئاسي» عن الكاتب صنصال مفتاح «التطبيع»

فرنسوا بايرو رئيس الحكومة الفرنسي متحدثاً للصحافة... الثلاثاء (أ.ف.ب)
فرنسوا بايرو رئيس الحكومة الفرنسي متحدثاً للصحافة... الثلاثاء (أ.ف.ب)

ما بين الأحد 29 يونيو (حزيران)، والثلاثاء الأول من يوليو (تموز)، تفاقمت الأزمة التي تعيشها العلاقات الفرنسية - الجزائرية، وتبدَّدت، إلى حد بعيد، الآمال التي كانت تعلقها باريس على إمكانية ولوج مرحلة من «السلام المسلح»، بانتظار أن ينجح الطرفان في تطويق أسباب الفراق بينهما.

فيوم الأحد الماضي، أصدرت محكمة البداية في مدينة تيزي أوزو، كبرى مدن منطقة القبائل، حكماً بالسجن النافذ بـ7 سنوات بحق الفرنسي كريستوف غليز، الصحافي الرياضي الفرنسي الذي أُلقي القبض عليه في شهر مايو (أيار) من العام الماضي، وبقي سجنه بعيداً عن الأضواء حتى صدور الحكم.

والتهم المساقة ضد غليز، المتخصص في تغطية عالم الرياضة الأفريقية، خصوصاً كرة القدم، التي حكم بسببها تتناول «تمجيد الإرهاب»، و«حيازة منشورات دعائية تضر بالمصلحة الوطنية»، والتواصل مع أحد قادة شبيبة القبائل الذي هو، في الوقت عينه، زعيم «حركة تقرير مصير القبائل» التي صنَّفتها السلطات الجزائرية، منذ عام 2021، «حركة إرهابية».

كريستوف غليز الصحافي الرياضي صدر عليه حكم بالسجن لـ7 سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب» (أ.ف.ب)

وكان غليز (36 عاماً) ذهب إلى الجزائر، ربيع العام الماضي، بتأشيرة سياحية لإعداد تقرير صحافي عن نادي شبيبة القبائل. وهو صحافي مستقل ومتعاون مع مجلتَي «سو فوت» و«سوسايتي» التابعتين لمجموعة «سو برس».

وبعد صدور الحكم، وصفت الأخيرة ومنظمة «مراسلون بلا حدود» التي مقرها في باريس، الحكم بأنه «جائر»، ودعت الثانية في بيان إلى «بذل كل الجهود، بما في ذلك على الصعيدَين السياسي والدبلوماسي؛ لضمان تحقيق العدالة للصحافي كريستوف غليز»، عادّةً أن التهم الموجهة إليه «لا أساس لها وقد دُحضت تماماً»، ومؤكدة أن تواصل الصحافي مع أحد مسؤولي النادي الرياضي، يعود لعامَي 2015 و2017 أي قبل أن تُصنِّف الجزائر «حركة الحكم الذاتي» «منظمةً إرهابيةً». ووفقها، فإن غليز تَواصَل مع الحركة مرة واحدة منذ عام 2021.

أثار الحكم على غليز ردود فعل إضافية. فوزارة الخارجية أعربت عن «أسفها الشديد للحكم القاسي» الذي صدر بحق غليز، مؤكدة أنها تتابع «من كثب» وضعه منذ اعتقاله، وأنها «قدمت له المساعدة والحماية القنصلية طوال فترة محاكمته». كذلك، أكدت الوزارة أن أجهزتها كافة «على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدة».

الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقاء بالجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

وبعد يوم واحد، قدَّم غليز، عبر محاميه، طلباً لاستئناف الحكم، لكن لا ينتظر أن تتم المحاكمة مجدداً قبل الخريف المقبل.

والثلاثاء، أصدرت جمعيات صحافية بياناً نشرته صحيفة «لوموند» في عددها الأخير، دعت فيه إلى إطلاق سراح الصحافي المسجون «دون شروط». وجاء في البيان «التنديد بأقسى العبارات، بالحكم الجائر الصادر بحق زميلنا كريستوف غليز، الذي نعدّه اعتداءً لا يمكن قبوله على حرية الصحافة». وحثَّ البيان السلطات الفرنسية على «مضاعفة الجهود الدبلوماسية» لإخراج غليز من السجن. وبحسب المجموعات الصحافية، فإن «إلقاء صحافي في السجن بسبب ممارسته مهنته يعدُّ اجتيازاً لخط أحمر لا يجوز اجتيازه».

دبلوماسية الأحكام القضائية

تعدّ باريس أن الحكمين الصادرَين بحق مواطنَين فرنسيَّين «ليسا سوى رسالتين جزائريَّتين متشدِّدتين مُوجَّهتين للسلطات الفرنسية»، لإفهامها أن «الأزمة ما زالت قائمةً، والرهان على تراجعها ليس في محله». وبحسب مصدر مطلع على طبيعة ما يجري بين البلدين، فإن الجزائر تبنَّت «دبلوماسية القضاء» التي تحلُّ محلَّ «الدبلوماسية التقليدية» علماً بأن السفير الجزائري في باريس استُدعي لبلاده منذ نحو عام.

وتهتم السلطات الفرنسية بمصير الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال، البالغ من العمر 80 عاماً، والمصاب بداء السرطان والمعتقل منذ عودته إلى الجزائر في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي. وصدر بحقه حكمان بالسجن لـ5 سنوات. الأول، عن محكمة البداية، في شهر مارس (آذار) الماضي، والثاني، الثلاثاء، عن محكمة الاستئناف، علماً بأنه في الحالين، طلب الادعاء العام حكماً بالسجن 10 سنوات.

بوعلام صنصال ثبت عليه الحكم بالسجن لـ5 سنوات (أ.ب)

وأدين صنصال بتهم عدة منها «المساس بالوحدة الوطنية»، و«إهانة هيئة مشكلة»، و«ممارسات من شأنها الإضرار بالاقتصاد الوطني»، و«حيازة أشرطة فيديو ومنشورات تهدد أمن واستقرار البلاد».

في مجمل الأحوال، فقد أملت باريس أن يكون الحكم «المخفف» مؤشراً على استعداد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للإفراج عنه وترحيله إلى فرنسا. وقال فرنسوا بايرو، رئيس الحكومة الفرنسي، تعليقاً على الحكم، إن «ما يتعرَّض له بوعلام صنصال وضعٌ لا يُطاق بنظر الفرنسيين والحكومة الفرنسية... والآن، وبعد صدور الحكم، يُمكننا أن نتصوَّر صدور عفو عنه، لا سيما بالنظر إلى صحة مواطننا».

وأضاف بايرو، أن «جميع الأجهزة التنفيذية، من رئيس الجمهورية إلى الحكومة، تعمل في هذا الاتجاه حتى تنتصر الإنسانية».

وللتذكير، فإن صنصال أدين، في المرتين، بتهمة «المساس بالوحدة الوطنية»؛ بسبب تصريحات أدلى بها في أكتوبر ( تشرين الأول) لوسيلة إعلام فرنسية يمينية هي «فرونتيير»، وتبنى فيها مقاربةً مغربيةً مفادها أن «قسماً من أراضي المغرب اقتُطع في ظل الاستعمار الفرنسي، وضمَّ للجزائر».

وثمة أمر تجدر الإشارة إليه، وهو أن برونو روتايو، وزير الداخلية الفرنسي، الذي يتبع نهجاً بالغ التشدُّد إزاء الجزائر، كان إلى جانب بايرو عندما أدلى الأخير بتعليقه. ولما سئل عن إدانة صنصال مجدداً أجاب بما يشبه اللغز بقوله: «لا أريد إضاعة أي فرصة، وعلى الأخص من الآن وحتى نهاية الأسبوع، لإطلاق سراح بوعلام صنصال». فهل يعني ذلك أن باريس تلقت وعداً من الجزائر بالاستجابة لما طلبه الرئيس إيمانويل ماكرون أكثر من مرة من نظيره عبد المجيد تبون، وأن السلطات الجزائرية قد تكون راغبةً، هذه المرة وبعد أن ثبتت إدانة صنصال، بفتح صفحة جديدة مع مستعمرتها السابقة التي تعاني العلاقات معها من أزمات متعاقبة؟

وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو (أ.ف.ب)

حقيقة الأمر أن «علامات» عدة صدرت عن الجزائر في الأشهر الأخيرة، نظرت إليها فرنسيا على أنها «مؤشرات» إيجابية رغم حدة الأزمة، بعد الآمال التي ولَّدتها «زيارة الدولة»، التي قام بها الرئيس ماكرون إلى الجزائر صيف عام 2022. ويرى دبلوماسي سابق مُطَّلع على دقائق الأزمة بين الجانبين، أن الرئيس ماكرون، قصد تغيير مقاربته لملف الصحراء بعد أن وعى أن الطرف الجزائري «لن يعطيه شيئاً» رغم الجهود التي يبذلها لتنقية العلاقات بينهما، ومنها ما يتصل بملف الذاكرة.

وبعد أن عدّ ماكرون في رسالة شهيرة إلى ملك المغرب، أن «حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية» تشعبت الأزمة، وتكاثرت الملفات الخلافية، وتم تجميد التعاون القضائي، وخفَّضت باريس عدد التأشيرات المعطاة للجزائريين، وألغت بعض الامتيازات التي يتمتع بها دبلوماسيوها... وجاءت مسألة رفض الجزائر قبول مواطنين لها صدرت بحقهم أحكام بترك الأراضي الفرنسية، لتفاقم العلاقات وتدفعها إلى شفير الهاوية. وجاء توقيف الكاتب صنصال الذي حصل على الجنسية الفرنسية برغبة رئاسية، لتدفع العلاقات الدبلوماسية، إلى مزيد من التوتير. وما صبَّ الزيت على النار الاستغلال السياسي الداخلي لهذه المسألة.


مقالات ذات صلة

جدل مثير حول «عقوبات أميركية» مفترضة على الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي

شمال افريقيا الرئيس الجزائري في لقاء سابق مع الرئيس الروسي خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو (الرئاسة الجزائرية)

جدل مثير حول «عقوبات أميركية» مفترضة على الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي

احتجّ حزب من «الغالبية الرئاسية» في الجزائر على ما وصفه بـ«الترويج لأخبار زائفة»، نشرتها وسائل إعلام أجنبية، تناولت فرض عقوبات أميركية محتملة على الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة الجزائري سابقاً مع الرئيس الفرنسي عام 2017 (حسابات مبلغين عن الفساد)

وزير جزائري هارب يواجه حكماً جديداً بالسجن 20 سنة

يواجه وزير الصناعة الجزائري الأسبق، عبد السلام بوشوارب، حكماً غيابياً جديداً بالسجن، وذلك على خلفية تورطه في قضايا فساد عابرة للحدود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)

الجزائر تعبئ جهازها القنصلي لتسوية ملفات المعارضين

وجّهت الجزائر العشرات من مسؤوليها الدبلوماسيين في الخارج بمباشرة تنفيذ إجراءات جديدة، تخص تسوية وضعية المئات من رعاياها في البلدان الغربية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيسة الوزراء الإيطالية خلال زيارتها السابقة للجزائر  (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر تعزز شراكتها مع إيطاليا في ظل علاقة متوترة مع فرنسا

تعكس الزيارة المقررة لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، إلى الجزائر، خلال الأسابيع المقبلة، استمرار المسار الإيجابي الذي تشهده العلاقات الجزائرية الإيطالية

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا موقوفون بتهم المتاجرة بالمخدرات وحمل السلاح (الشرطة الجزائرية)

الأمن الجزائري يعلن تفكيك شبكة دولية للاتجار بالمؤثرات العقلية وحجز 3.4 مليون قرص

استحدث القانون آليات متقدمة لتعقب التدفقات المالية، وتجفيف منابع تمويل جرائم المخدرات، كما منح السلطات القضائية صلاحية منع المشتبه بهم من مغادرة التراب الوطني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

إدانات عربية لهجمات «الدعم السريع» في كردفان

نازحون سودانيون بالعراء بعدما فروا من بلدة هجليج التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» بغرب السودان إلى مدينة القضارف في الشرق 26 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون بالعراء بعدما فروا من بلدة هجليج التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» بغرب السودان إلى مدينة القضارف في الشرق 26 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

إدانات عربية لهجمات «الدعم السريع» في كردفان

نازحون سودانيون بالعراء بعدما فروا من بلدة هجليج التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» بغرب السودان إلى مدينة القضارف في الشرق 26 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون بالعراء بعدما فروا من بلدة هجليج التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» بغرب السودان إلى مدينة القضارف في الشرق 26 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

أدانت دول عربية الهجمات الإجرامية التي شنَّتها «قوات الدعم السريع» على مستشفى الكويك العسكري، وعلى قافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي، وعلى حافلة تقلّ نازحين مدنيين؛ ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين العزَّل، من بينهم نساء وأطفال، وإلحاق أضرار بمنشآت وقوافل إغاثية في ولايتَي شمال وجنوب كردفان بالسودان.

السعودية: هجمات إجرامية لا يمكن تبريرها

وأعربت السعودية أمس عن إدانتها واستنكارها الشديدين للهجمات الإجرامية. وأكدت، في بيان لوزارة خارجيتها، السبت، أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال، وتُشكِّل انتهاكات صارخة لجميع الأعراف الإنسانية والاتفاقات الدولية ذات الصلة. وطالبت بضرورة توقُّف «قوات الدعم السريع» فوراً عن هذه الانتهاكات، والالتزام بواجبها الأخلاقي والإنساني في تأمين وصول المساعدات الإغاثية لمحتاجيها، وفقاً للقوانين الدولية والإنسانية، وما ورد في «إعلان جدة» (الالتزام بحماية المدنيين في السودان)، الموقَّع بتاريخ 11 مايو (أيار) 2023.

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

وجدَّدت السعودية تأكيد موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية، ورفضها التدخلات الخارجية، واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، على الرغم من تأكيد هذه الأطراف دعمها الحل السياسي، في سلوك يُعدُّ عاملاً رئيسياً في إطالة أمد الصراع، ويزيد من استمرار معاناة شعب السودان.

من جانبه أعرب جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عن إدانته بأشد العبارات لاستهداف قافلة إغاثة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في ولاية شمال كردفان بالسودان، معتبراً هذا الاعتداء انتهاكاً جسيماً لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وتجاوزاً مرفوضاً لكافة القواعد والأعراف التي تكفل حماية العمل الإنساني.

وأكد البديوي أن استهداف قوافل الإغاثة والعاملين في المجال الإنساني يُعد عملاً مداناً يعرقل وصول المساعدات الضرورية للمتضررين، ويزيد من معاناة المدنيين، خاصة في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يشهدها السودان.‏وأشار الأمين العام، إلى ما جاء في البيان الصادر عن المجلس الأعلى في دورته السادسة والأربعون، الذي أكد على دعم جهود تحقيق السلام في السودان بما يحفظ أمنه واستقراره وسيادته، ودعم الجهود السياسية للتوصل لوقف إطلاق النار، وتحقيق انتقال سياسي في السودان من خلال إنشاء حكومة مدنية مستقلة، بما يلبي تطلعات الشعب السوداني نحو تحقيق النمو والاستقرار والسلام.

مصر: استمرار خطير لاستهداف الممرات الإنسانية

ومن جانبها، أدانت مصر، اليوم (الأحد) الهجمات على قوافل المساعدات الإنسانية، والمنشآت الطبية، والنازحين في السودان، واصفة ذلك بأنه «استمرار خطير لاستهداف الممرات الإنسانية، وعرقلة لجهود الإغاثة».

وقالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان، إن الهجوم الذي شهدته منشأة طبية في إقليم كردفان وأدى لسقوط عشرات القتلى والمصابين هو «انتهاك جسيم لأحكام القانون الدولي الإنساني».

وشدَّدت مصر في البيان على أن تكرار هذه الانتهاكات «يسهم في تعميق الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يشهدها السودان». وأكدت، كذلك، على أهمية وصول المساعدات الإنسانية إلى الشعب السوداني دون عوائق.

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وكانت «شبكة أطباء السودان» حمَّلت «الدعم السريع» المسؤولية الكاملة عن هذه «المجزرة وتداعياتها الإنسانية»، وشدَّدت على أن استهداف المدنيين العزل، خصوصاً الفارين من مناطق النزاع ووسائل نقلهم يعدّ جريمة حرب. وطالبت «شبكة أطباء السودان» المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بالتحرك العاجل لحماية المدنيين، ومحاسبة قادة «الدعم السريع» المسؤولين عن هذه الانتهاكات بصورة مباشرة، مع الدعوة إلى تأمين طرق النزوح الآمنة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

قطر: انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي الإنساني

وفي السياق، قالت وزارة الخارجية القطرية، في بيان لها اليوم: «تدين دولة قطر بشدة استهداف قافلة إغاثة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في ولاية شمال كردفان... وتعده انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني». وأكدت الوزارة ضرورة حماية العاملين في المجال الإنساني بالسودان وضمان إيصال المساعدات بشكل مستدام للمحتاجين في الولاية.

وجدَّدت قطر «دعمها الكامل لوحدة وسيادة واستقرار السودان، ووقوفها إلى جانب الشعب السوداني لتحقيق تطلعاته في السلام والتنمية والازدهار»، بحسب البيان.

أبو الغيط: جريمة حرب مكتملة الأركان

كما أدان الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، اليوم، هجوم «قوات الدعم السريع» على قوافل المساعدات الإنسانية. وأكد متحدث باسم أبو الغيط، في بيان، أن الهجوم على قوافل المساعدات والعاملين بالمجال الإغاثي بولاية شمال كردفان يرقى إلى «جريمة حرب مكتملة الأركان وفقاً للقانون الدولي الإنساني». وشدَّد على ضرورة محاسبة المسؤولين عن «هذه الجرائم، ووضع حدٍّ للإفلات من العقاب، مع توفير الحماية الكاملة للمدنيين والعاملين في الحقل الإنساني وفي مرافق الإغاثة في السودان»، وفق البيان.


24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تُقلّ نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

جاء الهجوم على حافلة النازحين في سياق هجمات مختلفة لـ«الدعم السريع» طالت أيضاً مستشفى الكويك العسكري وقافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي في شمال وجنوب إقليم كردفان. وأعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين لهجمات «قوات الدعم السريع»، وأكدت، في بيان لوزارة خارجيتها، أمس، أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال.

وجددت السعودية تأكيد موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، ورفضها التدخلات الخارجية واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، موضحةً أن هذا التدخل يُطيل أمد الحرب.


ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
TT

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)

رفع «المجلس الأعلى للقضاء» في ليبيا سقف التصعيد ضد قرارات الدائرة الدستورية في «المحكمة العليا» في طرابلس، بتحذير صارم من «محاولات تسييس الجهاز القضائي»، و«العبث به في هذه المرحلة حساسة»، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً مزمناً يكاد يقترب من ساحة القضاء.

جاء موقف «المجلس الأعلى للقضاء» على خلفية قرار الدائرة الدستورية إبطال قانونين أصدرهما مجلس النواب، وتضمنا تعديلات على قانون نظام القضاء، ما يعني سقوط الأساس الدستوري، الذي قام عليه تشكيل المجلس الأعلى للقضاء الحالي، وفقدانه صفته المستمدة من هذا القانون، بما يوجب إعادة تشكيله وفق النصوص السابقة.

ودون حديث مباشر عن «الدائرة الدستورية»، أعرب المجلس، في بيان، مساء الجمعة، عن أسفه لما يحدث على الساحة القضائية، وبخاصة «محاولات البعض للنيل من وحدة واستقلال السلطة القضائية، عبر استخدام أدوات تحسب نفسها على الشأن الدستوري للحلول محل المجلس بمجلس ضرار»، عادّاً أن هدفها «تحقيق غايات لا يمكن القول إلا أنها سياسية وشخصية ضيقة، على نحو يصادر كل ما عداها من سلطات».

وأضاف المجلس موضحاً أنه «حفاظاً على وحدة السلطة القضائية، والتحلي بالمسؤولية ولمصلحة الوطن الكبرى، مارس المجلس أعلى درجات الانضباط فترة من الزمن أمام تعنت مستمر ممن حملوا هذه الغايات لفرض أمر واقع لا نتيجة له»، مشيراً إلى محاولات «العبث بالجهاز في مرحلة حساسة وخطيرة من تاريخ الوطن، في الوقت الذي هو أحوج فيه ما يكون للوحدة دون غيرها».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وينظر إلى هذا التصعيد على أنه حلقة من صراع قانوني وسياسي بين مجلسي النواب والدولة، انتقل من أروقة السياسة إلى قلب السلطة القضائية، وبينما سعى مجلس النواب عبر حزمة تعديلات قانونية إلى إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بما يضمن له نفوذاً أكبر على الهيئة القضائية، اعتبر مجلس الدولة أن هذه الخطوة «تسييس» للقضاء.

وأكد «المجلس الأعلى للقضاء» أنه «سيظل الممثل الشرعي الوحيد للهيئات القضائية، ولن يتخلى عن التزامه بوحدة الجهاز وأعضائه تحت أي ضغوط، مع الالتفات عن أي قرارات تصدر عن غيره، وعدم الانصياع لمن عقدوا العزم على التفريط في وحدته بقرارات معدومة».

على صعيد آخر، اختتم مسار الحوكمة في الحوار المُهيكل، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، بمناقشة سبل استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتجاوز الجمود المتعلق بالإطار الانتخاب.

وبحث أعضاء المسار في ثاني جولة مداولات مباشرة، على مدى الخمسة أيام، القضايا المتعلقة بتأزم الطريق نحو الانتخابات، بما في ذلك استكمال مجلس المفوضية العليا للانتخابات، والجمود المتعلق بالإطار الانتخابي، مع تقديم توصيات عملية للعمل مع مجلسي النواب والدولة، أو خارجهما لضمان المضي قدماً في العملية السياسية.

وشهدت الجولة تأكيداً من الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، على أن هذا الحوار يمثل عملية «ليبية - ليبية»، تهدف لوضع حلول عملية صاغها الليبيون بأنفسهم لمستقبل بلادهم، بعيداً عن كونه هيئة لاختيار حكومة جديدة. كما استندت المداولات بشأن الإطار الانتخابي إلى قوانين لجنة «6+6»، وتوصيات اللجنة الاستشارية، مع التركيز على فهم الضمانات، والمخاوف السياسية الكامنة وراء الخلافات الحالية.

من جانبهم، أشار الأعضاء المشاركون إلى أن الجولة انتقلت من المبادئ العامة إلى التفاصيل الإجرائية، مؤكدين أن حل أزمة الشواغر في مجلس إدارة المفوضية يعد ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في أي انتخابات مستقبلية، ومنع تعرضها للطعن أو التعطيل.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (المفوضية)

وفي ختام الجولة، عرض الأعضاء توصياتهم الرئيسية على سفراء وممثلي مجموعة العمل السياسية لعملية برلين، الذين أكدوا دعمهم لخريطة الطريق التي تيسرها البعثة الأممية، على أن يستأنف المسار أعماله في مارس (آذار) المقبل، لمواصلة بناء التوافق حول رؤية وطنية تحقق الاستقرار طويل الأمد.

وجددت البعثة الأممية التأكيد على أن الحوار المُهيكل ليس هيئةً لاتخاذ القرار بشأن اختيار حكومة جديدة، مشيرة إلى أنه يُعنى فقط ببحث توصيات عملية لخلق بيئة مواتية للانتخابات، ومعالجة التحديات الأكثر إلحاحاً في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة. وذلك من خلال دراسة وتطوير مقترحات السياسات والتشريعات لمعالجة محركات الصراع طويلة الأمد، كما أشارت إلى أن عمل الحوار المُهيكل سيهدف إلى بناء توافق في الآراء حول رؤية وطنية، من شأنها أن تعبد الطريق نحو الاستقرار.

وتزامن هذا التطور مع انطلاق عملية الاقتراع، السبت، لانتخابات المجالس البلدية في بلديات تاجوراء، صياد، والحشان، إضافة إلى مركز اقتراع في طبرق، وسط أجواء منظمة وهادئة. وقالت غرفة العمليات الرئيسية بالمفوضية إن عملية الاقتراع تسير وفق الخطة المعتمدة، ودون تسجيل أي عراقيل تُذكر، وفي أجواء تتسم بالانضباط والتنظيم.

وأكدت المفوضية فتح جميع المراكز، وعددها 43 مركزاً تضم 93 مكتب اقتراع، وتميزت هذه الجولة باستخدام تقنية التحقق الإلكتروني (البصمة) في بلدية تاجوراء، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية، ومنع أي محاولات للتزوير.

خوري خلال تفقدها مركزاً للاقتراع في الانتخابات البلدية السبت (البعثة الأممية)

ودعت بعثة الأمم المتحدة جميع الناخبين المسجلين للإدلاء بأصواتهم بهدف المساهمة في بناء حوكمة محلية مسؤولة، فيما زارت نائبة رئيسة البعثة، ستيفاني خوري، مراكز الاقتراع في تاجوراء للاطلاع على عملية التصويت، واستخدام نظام التحقق الإلكتروني من الناخبين.

وتستكمل هذه الانتخابات خطة المفوضية لانتخاب المجالس البلدية على مستوى البلاد، بعد تجاوز بعض العوائق الفنية والقانونية، التي أخرت الاقتراع فيها، كامتداد لنجاح المراحل السابقة، التي نُفذت خلال العامين الماضيين، وأسفرت عن اعتماد نتائج نهائية وتشكيل مجالس منتخبة.